القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني كامل بقلم فاطمة حمدي

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني كامل بقلم فاطمة حمدي

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني
للعودة لقراءة الجزء الأول من رواية لمن يهوى القلب : اضغط هنا

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني كامل بقلم فاطمة حمدي - مدونة يوتوبيا

بعنوان: مذاق الحب والألم

مقدمة الرواية
ستة أشهر أخرى قد مضت..

تحركت "ساندرا" ببطنها البارز جدًا حيث أنها في الشهر التاسع الآن من حملها، وها هي تزرع المنزل ذهابًا وإيابًا حسب تعليمات الطبيب المتابع لحالتها، تعرق جبينها وهي تلهث داعية لله أن يجعل لحظة ولادتها يسيرة عليها، جلست تستريح قليلاً على الأريكة، وبعد عدة دقائق حدثت نفسها قائلة:
-لازم أقوم أغسل قبل ما أكسل وأنام.

اتجهت إلى الغسالة لتقوم بتشغيلها ومن ثم أخذت ملابس زوجها حازم كي تضعهم داخلها بهدوء، لكنها شعرت بشيء ما في جيب بنطاله المُتسخ فأدخلت يدها برفق لتجد شريط به حبوب ما، عقدت حاجبيها بعد فهم لتقول:
-إيه دا؟, ثم مطت شفتيها بلا مبالاة مع قولها:
-يمكن مسكن للصداع!

وضعته جانبا وأكملت وظيفتها في وضع الملابس داخل المغسلة واستقامت بارهاق وتعب شديدين, استوقفها ذاك الشريط ثانيةً، ولوهلة تذكرت حالته ليلة أمس!
وتلك المشاجرة العنيفة بينهما في الصباح...


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الحلقة الأولى بقلم فاطمة حمدي



Flash back
يتنرح في مشهد مُريب جدا، هذه الليلة بالأخص ليست كالبقية، هذا وكأنه فقد وعيه فلا يشعر بشيء، يهمهم بكلامٍ غريب، يتعرق بشدة، عيناه مخيفتان، جسده ثقيل كأنفاسه، لا تعلم ماذا أصابه؟!
هل تناول ذاك الشراب مجددًا؟! ..لا ليس ككل ليلة، هذه الليلة تختلف، هي خائفة وبشدة ..تخاف لمسه وتشعر بالغرابة نحوه ..من هذا؟
-حــازم؟؟؟

هكذا نطقت بنبرة مرتجفة وتجرأت لتقترب وتعيد نطق إسمه من جديد:
-حـازم؟ ،ثم تسأله بريبة:
-مالك ؟!
لم تتلق منه رد، فقط تعالى صوت شخيره معلنا عن نومه العميق بهذه السرعة، استغربت حالته تلك الغريبة، ولم تنم هذه الليلة من شدة تحيرها، ظنت أنه في حالة مرضية أو هناك خطورة على حياته ..ربما يشعر بما يؤلمه يا ترى؟!


ظلت الليلة جالسة أمامه إلى أن ذهب الليل وشعشع ضوء نهار جديد، أوقظته في موعده ككل صباح، ونهض حازم بجسد يحتله الخمول الشديد، فبادرت بوجه مقتضب تسأله:
-أنت فيك حاجة مش طبيعية؟, مالك أنت تعبان؟؟
ليرد عليها بلسانٍ ثقيل:
-لأ ..كويس
-أنت امبارح كنت في حالة مش طبيعية؟؟ ،أنت كنت شارب؟؟


نظر لها بغضب شديد ونهض بعنف عن الفراش متجها إلى الحمام، فنهضت خلفه هاتفة بحدة عارمة:
-رد عليا أنت بتعمل كدا ليه؟؟!!!
-أرد أقول إيه أصل أنا مش عاوز نكد على الصبح، أنتِ أصلك واحدة فاضية مش وراكي حاجة غير إنك تعدلي عليا وبس! أنا مش خدام عندك وأوعي تعيشي دور الهانم إنسي بقى الأنعرة الكدابة اللي أنتِ فيها دي إنسي !!!

حالة ذهول شديدة سيطرت على كيانها، لترد بنبرة مختنقة:
-أنت شكلك لسة مش في وعيك ،بس أقولك على حاجة؟ أنا عاوزة أضرب نفسي بالجزمة، بألف جزمة عشان حبيتك ..أقسم بالله حبيتك، وأنت كل يوم بتهد فيا وفي كل حاجة حلوة بحاول أبنيها في علاقتنا ..طلقني يا حازم ياريت تطلقني!!


وكالعادة كان رده عليها الصمت التام، كعادة كل مشاجرة بينهما يصمت ولا يرد وينسحب بمنتهى الهدوء المستفز من المشاجرة ،ذهب إلى الحمام بدوره ليغتسل وبعد يتوضأ ومن ثم يقوم بتأدية فرضه ..الصلاة بخشوع!! تحت أنظارها المذهولة، ولم ينبس ببنت شفة حيث برح المنزل على ذلك ..تاركا إياها في حالة دهشة وغضب وألم شديد...
Back...

عادت من شرودها بقلق ولم تتردد في أن ترتدي ما طالته يدها وتخرج من الشقة برفق، وتوجهت إلى "الصيدلية" المجاورة للبناية،. لتدخل في احراج وتسأل الواقف عن نوعية هذا الشريط وفيم يستخدم؟!
ليفاجئها بالرد الذي كاد أن يقضي على ثباتها الواهن:
-دا برشام مخدر يا فندم ..


توسعت عينيها لكنها استطاعت أن تتمالك أعصابها وتحلّت بالهدوء، لتخرج من المكان بعد أن شكرت الرجل بنبرة متحشرجة، راحت تصعد بخيبة أمل إلى الشقة وفي داخل ألف حديث وحديث...

اغرورقت عينيها بعبرات أليمة وهي تنظر عبر شرفتها بحزن، لتتفاحئ بالخادمة من خلفها وهي تقول:
-ميرال هانم، الأستاذ علي جوز حضرتك جه تحت وعاوزك.
التفتت ميرال إليه قائلة باقتضاب:
-جاية، اتفضلي أنتِ..

خرجت الخادمة، فتوجهت ميرال إلى المرآة لتعدل من هيئتها وتحاول تهدئة خافقها الذي ينبض عشقًا له، خرجت من غرفتها بتمهل وهبطت درجات السلم بتمهل أشد لشعورها بالإرهاق والوهن، التقت عيناهما في نظرة تحمل ما بين العشق والعتاب، عاتبها بعينيه وكذلك فعلت, وأخبرتها عيناه بمدى اشتياقه وبادلته رغم كل شيء!
كان يجلس في انتظارها والدماء تغلي بعروقه، ليأتيها صوته الجهوري وهو يقول بعتاب شديد:
-إيه اللي خرجك من البيت بدون علمي؟!

نظرت له بحزن واقترب تجلس جواره بصمت متوتر، فيقول علي متهكمًا:
-أول مرة تقعدي قدامي يعني مش جنبي!, إيه اللي بقيتي بتعمليه دا ممكن أفهم؟؟؟؟
تكلمت في رقتها التي لا تتكلفها:
-أنا معملتش حاجة غلط، أنت أصلا مش فاضيلي، على طول مش موجود، طنط سميرة ورجعت بيتها وچنا واتجوزت، أنا هقعد مع مين الحيطان مثلا؟! أنت ليه مش حاسس إني مش بقيت أشوفك كتير إنك بتوحشني وإني إنسانة من حقي أعمل إللي أنا عاوزاه كمان مش اللي أنت عاوزه بس!

تأملها مليّا بإمعانٍ، تبدو متعبة، كلامها غير مرتب، وجهها مصفر،. هل قصر بحقها؟, وأهملها ؟, كيف وهي أهم اهتماماته؟!!!!
-ميرال، أنتِ عارفة كويس إن شغلي صعب ولازم مقصرش فيه ولما بخلص شغل بجري على البيت عشان أكون معاكي ،أنا مافيش في حياتي غيرك وشغلي!, وأنتِ قبل الشغل وأنتِ عارفة !
انسابت دموعها واحدة تلو الأخرى لتقول من بين دموعها:
-بقيت أحس إن شغلك أهم!

نهض عن مجلسه واتجه إليها فجاروها آخذًا إياها في ضمة قوية إلى صدره، وراح يمسح دموعها عن خديها قائلاً:
-أنتِ كدا بتغلطي فيا على فكرة، مافيش حاجة عندي أهم منك، أنا لحد دلوقتي مش عارف أنا زعلتك فيه وقصرت في إيه، أنا طول عمري كدا ومن يوم ما اتجوزتك ومن قبل كمان وأنتي عارفة طبيعة شغلي كويس!

ردت عليه بعدم اتزان:
-بس أنا دلوقتي حاسة بوحدة، حاسة إنك بعيد، كمان أنت حارمني من كل حاجة لا خروج ولا دخول ولا شغل ولا حتى حمل، أنا نفسي اكون أم، أنت مش مقدر!
بدأت قواها تضعف رويدا ما إن أنهت جملتها وهو لم يهتم بالرد بقدر ما اهتم باسعافها حيث قال بحزم متسائلا:
-ميرال، أنتِ خدتي دواكي النهاردة؟؟

حركت رأسها نافية، ليزفر بعنف ويحملها بقلق صاعدا بها إلى غرفتها، وأسرع يضعها على الفراش برفق، ثم جذب دوائها من على الكومود وبادر بإعطائه لها ،ثم جفف عرقها عن وجهها وهو يردد بضيق:
-والله حرام عليكي اللي بتعمليه فيا، مأخدتيش علاجك ليه؟؟
لم ترد عليه كانت تحاول التنفس بانتظام، أعطاها القليل من الماء ثم مسح على وجهها ببعض القطرات من الماء فاستعادت جزء من عافيتها، لتقول ميرال بعد أن نظرت له طويلًا وأخذت شفتيها ترتعشتين:
-إيه رأيك لو ننفصل؟

-ماهر! .. ماهر؟
نطقت "چنا" بذهول حين دخلت إلى المطبخ، لتكمل بدهشة:
-ماهر أنت بتعمل إيه ؟, أنت بتغسل المواعين؟؟!
ليرد ببساطة شديدة:
-آه مالك مستغربة ليه؟!
فأجابت عليه بجدية:
-عشان المفروض أنا اللي أغسلهم مش أنت!
-بساعدك ياستي أنتِ زعلانة ليه؟؟

ضحكت وهي تقترب منه قائلة:
-أنت إزاي بالحلاوة دي؟, ولا دا بقى يا سيدي في أول الجواز بس وبعد كدا مش هتعبرني؟
-أول جواز إيه أحنا بقالنا شهر بحاله، يعني خلاص قدمنا!
قهقهت ضاحكة مع قولها'
-مش عارفة إزاي اتجوزنا بالسرعة دي ،أنت خطفتني على فكرة!
ضحك أيضاً قائلا:
-لأ أنتوا اللي كلفتوني بسرعة ودبستوني
-بقى كدا يا ماهر!

-بس أحلى تدبيسة يا قلبي والله.
-شكرا يا سيدي، كنت عاوزة منك طلب على فكرة
فقال لها باهتمام:
-خير؟
-عاوزة أعزم علي على الغدا ..
-طبعا يا حبيبتي ياريت ...
فقالت بامتنان:
-شكرا أوي يا ماهر.....

في محافظة الأسكندرية ...
سار حاملًا طفله الرضيع على ذراعيه على شاطئ البحر، ناظرا إلى طفله الذي بلغ عمره شهرين فقط، راح يجلس على كرسي أمام البحر محتضنا وليده " أحمد أدهم الجزار" ذاك الذي تمناه طويلا وها قد أتى ليؤنس وحدته ويملأ فراغه الذي تركته "ملك"
ملك ؟!

اهٍ يا جرُرح لم يتوقف نزيفه قط ..
أعظم خسائره هي ملك ..
نظر إلى طفله النائم قائلا بألم:
-كان نفسي مامتك يا أحمد تكون ملك وتكون معانا هنا دلوقتي، وحشتني أوووي يا أحمد أوي، مش قادر أنساها أبدا ،سبت القاهرة كلها وجيت عشت في اسكندرية عشان أحاول أنساها بس معرفتش ،ياريت أقدر أرجعها تاني ..حاولت كتير تكون معايا بس للأسف ملك خلاص شكلها كرهتني !

كان يحدث إبنه بهذا الحزن، وهناك على بعد عدة خطوات كبيرة تقف تمارا ..التي ابتسمت بتهكم، فيوميا أدهم يجلس مع ابنه هكذا ويحدثه كأنه يسمعه وتتمنى أن تسمع ما يقوله مثله.... لا تظن أنه يحدث عن ملك ..فهي ببراعتها استطاعت أن تستحوذ عليه من جديد حتى ولو كان معاملته لها معاملة جافة بعض الشيء!
اقتربت منه على مهل ونادته بنعومة قائلة:
-أدهم ..يلا يا بيبي عشان نتغدى....
نظر لها ونهض بهدوء متجها نحوها، وقد قال باستسلام:
-حاضر يا تمارا!

-ننفصل؟؟
هكذا نطقت "علي" بحزم شديد، ثم أمسك كتفيها معا بقوة مكملا:
-تقريبا أنتِ بتخرفي يا ميرال صح؟؟, قوليلي إنك مش في وعيك أصلا!
-لأ في وعيي، أنت أكيد هتتجوز عليا ،مش معقول هتستحمل كل دا ،مرضي ومافيش اولاد وحاجات كتير ..هتستحمل ليه؟؟ كل الناس بتقول كدا !
رفع حاجبا مع قوله الصارم:
-كل الناس بتقول كدا؟؟ مين الناس دول؟؟!

ارتبكت وتوترت حين قالت:
-أقصد أكيد أي حد بيشوف علاقتنا بيقول كدا!
علي بغضب شديد:
-أنتِ سمحتي لحد يدخل معاكي في حوارات ويضخم الأمور في دماغك بالشكل دا صح ؟! سيبتي ودنك للناس اللي مبتحبش تشوف غيرها مرتاح مظبوط؟؟
حركت رأسها نافية:
-لأ
-أنتِ هتمشي معايا حالا ومش عاوز جدال، يلا عشان تغيري هدومك دي، شكلي كدا دلعتك كتير وأدي النتيجة!
لم تكد تتكلم حتى صاح بها في غضب:
-سمعتي قلت إيه؟, يلاااا!!

في محل تجاري كبير ..
تحديدا هذا المكان الذي عملت به ملك منذ انفصالها عن أدهم ..
ذاك المكان الذي يقع أول الشارع الذي تسكن به ... وذاك المكان أيضا الذي كانت تعمل به قبيل الزواج من أدهم .
تحت اشراف الحاج سيد وإبنه سالم !
إبنه !

هذا الشاب الذي حاول مرارا الزواج منها ورفضت رفضا قاطعا من قبل ..
ليأتي أدهم ويخطفها منه ..ويأخذها إلى عالمه ...
لكنها عادت !
ذليلة منكسرة رماها الرجل الذي قام باختطافها !
هكذا ظن سالم !
وقلبه تراقص فرخا فها هي غنيمته بين يديه ..على طبق من فضة بدون حماية ..
-إيه يا ملك اتأخرتي يعني في الرد عليا ؟!

رفعت ملك وجهها الحزين الشاحب إليه وقد قالت بضيق:
-رد إيه بالظبط؟
-جوازنا طبعا !
ازدردت ريقها بصعوبة قبيل أن تمنحه الرد حيث قالت:...
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الفصل الثاني بقلم فاطمة حمدي



ازدردت ريقها بصعوبة قبيل أن تمنحه الرد حيث قالت:
-أنا لسة بفكر..
رد عليها بنبرة محتدمة:
-لسة بتفكري؟!, هو أنا كل ما هسألك هتقوليلي بفكر؟؟, قولي بقى إنك لسة بتفكري في الباشا بسلامته اللي رماكي زي الكلبة!
رفعت وجهها إليه بصدمة جراء كلمته الأخيرة، ثم قالت في شراسة:


-أنا مسمحلكش تقول كدا، مين إداك الحق تتكلم معايا بالطريقة دي؟, مش عشان بشتغل عندك هتقول اللي على مزاجك وأنا هسكت!, حدودك معايا متتعدهاش من فضلك!

ضحك بتهكم مع قوله:
-الله! دا القطة طلع لها ضوافر أهي وبقت بتخربش، عيشتك في القصور نسيتك أصلك!
-أنت زودتها أوي بجد، كلمة كمان وهسيبلك الدنيا دي وأمشي شغلك دا ميلزمنيش ,أوعى تكون مفكر إنك هتبيع وتشتري فيا!!
سالم والشرر الغاضب يتطاير من عينيه:
-طب وريني يا حلوة مين هيشغلك وهتعيشي منين!, دا كلاب السكك كلها هتنهش في لحمك..
أدمعت عينيها بتأثر من كلماته اللاذعة، لكنها تراجعت في خطواتها قائلة بقوة:
-ربنا موجود وهيحميني من الناس اللي أمثالك إللي هي كلاب السكك يا سالم!


أنهت جملتها وبرحت المكان فورًا، فخرج سالم خلفها وراح يجذبها بشراسة من حجابها فترنحت بين يديه وتألمت بشدة، صرخت وهي تستقبل أول صفعة منه لكنه لم يكد يهوى بكفه على وجهها حتى وجد من يمنعه بقوة، ويتلقى سالم الصفعة بدلاً منها، فواحدًا كبل يديه والآخر وقف حماية لها هي، برقت عيني سالم وهو يقول بذهول:
-أنتوا مين؟

قال أحدهما:
-مايخصكش!, لو إيدك اتمدت عليها هنقطعها ،المرة دي تحذير، المرة الجاية هنقطع ايدك احنا مبنهددش، إحنا بنفذ بس، لو عايز تجرب أعمل اللي عملته دا وكرره..
تركه الآخر بعد أن رمقه بنظرة نارية واصطحبها معه قائلا:
-اتفضلي معانا يا أستاذة!
سارت ملك معهما بخطوات متوترة، ثم قال أحدهما بمهنية:
-احنا موجودين هنا حماية ليكي من أي حد، مش عاوزين حضرتك تقلقي خالص.



سرعان ما علمت ملك أن هذان الاثنان من حراسة أدهم الخاصة، لتقول بتشتت:
-مش عاوزة حاجة منكم وقولوا للي باعتكم إني مش عاوزة مساعدته، أنا معايا ربنا وبس!
تركتهما وذهبت على ذلك، وقلبها يتفتت من شدة الألم، انسابت دموعها وهي تتجه نحو البناية في إنهيار تام..

تلقى أدهم مكالمة من أحدهما، فأجاب على الفور و:
أدهم باقتضاب:
-هي قالت كدا؟؟!
أكد له الآخر حيث قال:
-أيوة يا باشا..
أدهم وقد زفر بعنف قائلا بغيظ:
-خليكوا زي ما انتوا وعنيكوا عليها، فاهم؟
-تمام يا أدهم بيه.


أغلق أدهم الهاتف وألقاه على الأريكة ليجلس بعدها في غضب، أتت تمــارا من خلفه وهي تنظر له بحدة فيما تردف:
-كنت بتكلم مين يا أدهم؟؟
أجابها محتمدا:
-شغل يا تمارا!
تمارا متهكمة عليه كعادتها:
-شغل!, إزاي؟ أنت بتقول عينكوا عليها صح ولا أنا متهيألي؟
بادلها سخريتها تلك حين قال:
-مش متهيألك وصح!

-أنت لسة باقي عليها؟؟ بتحبها هي وأنا إيه بالنسبالك أنا إيه ؟
أغمض أدهم عينيه بضيق شديد واستأنف:
-يا الله!
-بتحبها يا أدهم؟؟
نهض أدهم بشكل عنيف عن مجلسه خارجا من الغرفة، لكنها لحقت به فورًا وهي تقول برجاءٍ:
-أدهم ..بليز خلاص خلاص. آسفة!

عانقته بقوة وبكت بحزن مع قولها:
-مش هحاول أضايقك تاني ولا أتدخل في خصوصياتك وبليز خلينا كويسين مع بعض عاملني كويس يا أدهم عشان خاطري ،أنا اتخليت عن كل حاجة عشان خاطرك ....
وختمت جملتها قائلة بنفس النبرة المترجية تلك:
-احضني!
عانقها متنهدًا بينما يشعر بثقلٍ شديد على صدره كجبال العالم أجمع!

دخلت إلى الشقة بخطوات بطيئة وهي تتأبط في ذراعه ،بينما تنظر له بتذمر طفولي وهي تردف متعمدة إثارة غضبه:
-مكنتش عاوزة أرجع معاك ،هو بالعافية؟
أدخلها وأغلق الباب وتجاهلها عمدًا،. هو يعلم أنها تريد استفزازه ،يفهمها جيداً كنفسها بل أكثر..
لذا توجه إلى الغرفة وخلع عنه سترته بانهاك،. اتجهت خلفه وهي تقول بغيظ:
-أنت مش بترد عليا ليه ؟, هو أنا بكلم نفسي يا علي ؟

علي وقد قال بهدوء:
-لما تبقي تقولي كلام كويس زي الناس أبقى ارد عليه!
-كويس زي الناس؟, ليه هو أنا مجنونة؟
-أيوة ..
-إيه؟, أنا مجنونة يا علي ؟
اقترب منها وكرر كلمته ببطء:
-أيـوة ..

لكمته بقبضة يدها في كتفه بلا وعي منها واستدارت خارجة من الغرفة إلى الغرفة الثانية وهي تهمهم بكلمات لم يفهمها لكنها أخبرته بمدى غضبها، لا بأس سيعالج ما حل بها على الرحب والسعة..!
ضحك ببساطة وأخذ يبدل ثيابه وكلما يتذكر لكمتها يضحك أكثر!
بينما جلست ميرال على سرير الغرفة الثانية وهي تقول:
-بقى أنا مجنونة؟, مش هكلمه أبدا حتى لو اتحايل عليا!

سمعت خطواته بعد ذلك تقترب من الغرفة فالتفتت مولية ظهرها نحو الباب، لكنها خيب ظنها حيث دخل إلى الحمام!
زفرت بضيق وظلت بمكانها متابعة:
-ماشي يا علي!

"بعد مرور نصف ساعة"
خرجت من الغرفة إلى غرفتهما فوجدته يهاتف أحدا ما، فقالت بعصبية:
-عاوزة أغير هدومي، من فضلك إطلع أتكلم برا!

تحرك خارجا من الغرفة دون جدال فأزاد غضبها الشديد، كزت على شفتيها وصفقت الباب بعنف فضحك علـي وهو ينهي مكالمته، بعد قليل فتحت باب الغرفة بعد أن أبدلت ثيابها وانتظرت على أمل أنه سيأتي ويدخل الغرفة مجددا لكنها وجدته يقوم بتشغيل التلفزيون ويقلب في القنوات باهتمام، خرجت بذهول إليه وسألته بغيظ:
-ممكن أعرف أنت بتعمل إيه ؟

-سلامة الشوف بتفرج على التلفزيون!
-إطفيه لو سمحت عشان أنا تعبانة وعندي صداع والصوت مش هيريحني أنا عاوزة أنام!
نظر لها بنصف عين وأخبرها:
-هوطيه حاضر ..
قالت بتصميم:
-اطفيه راعي إني تعبانة!

-حاضر أهو طفيته عشان تعرفي تنامي وترتاحي، يلا بقى إدخلي نامي!
نظرت له بحزن وقالت:
-طيب أنا تعبانة!
-يعني أعمل إيه؟, نامي وهتبقي كويسة ..يلا!
دخلت إلى الغرفة مجددا وهي تبكي بحقٍ، أشفق عليها علـي لكنه أصر على موقفه منها !

"بعد مرور ربع ساعة"
خرجت من الغرفة مرة أخرى وهي تجفف دموعها وتتجه نحوه ثم تجلس جواره قائلة باستسلام:
-أنا آسفة!
علي وقد قال باهتمام:
-على؟
-إسلوبي معاك!
-وإيه كمان؟
ردت بطفولية:
-وعشان ضربتك ..بونية في كتفك!
-وإيه تاني ؟
فكرت قليلا لتقول باعتراف:
-وعشان طلبت منك ننفصل!!

رد عليها أخيراً:
-كويس إنك عارفة غلطاتك!, فيه ست عاقلة تتصرف بطريقتك؟؟
حركت رأسها نافية بصمت، فعاد يسألها بحزم رفيق:
-يبقى ليه بتتصرفي بالطريقة دي ؟
نظرت له بدموع وقالت قبيل أن تلقي بنفسها داخل أحضانه:
-عشان مجنونة..
فضحك بخفوت وهو يضمها إليه ويغمرها بحنانه قائلاً:
-أحلى مجنونة في العالم!

نظرت له وقالت:
-يعني مش زعلان مني خلاص؟
-زعلان طبعا ولازم توعديني إنك متقوليش الكلام اللي قولتيه دا تاني !
-حاضر يا علي كل اللي أنت عاوزه ..
-وعد ؟
-آه وعد

مساءً..
عاد حازم إلى البيت كعادة كل يوم ولكن هذه الليلة.. كانت ليلةً خاصة جدا له ..ينوي مصالحتها والاعتذار أخيرًا عن ما صدر منه من سلوكيات أرهقتها وجعلتها كزهرةٍ ذابلة....
زهرة؟!
كانت في ذات يوم قد أخبرته أنها تعشق الزهور ..
وهو قد تذكر اليوم واشترى باقة من الزهور خصيصاً لها، يبتسم باتساع وهو يفتح الباب بالمفتاح ويدخل مخبئا باقة الزهور خلف ظهره ويتعجل في خطواته مناديا عليها برفق ..
ولكن ....
لا رد ..يكرر النداء ولا رد أيضًا.. ساندرا لم تكن هنا!
رحلت ....!!

شعر بالقلق وراح ينظر إلى تلك الورقة المطوية الموضوع فوق الكومود والموضوع فوقها شريط الحبوب المخدر الخاص به ..
ازدرد ريقه بصعوبة والتقطت الورقة ليفتحها ويقرأ محتواها.. الذي كان:
"حبي ليك خلاك تقسى عليا، اتحديت العالم عشان خاطرك ..وخاطري أنا انت كسرته ودوست عليه جامد أوي يا حازم.. أنا مشيت يا حازم ومش راجعة وخلي المخدرات والحشيش ينفعوك "
انقبض قلبه في ألم وسقطت باقة الزهور من يده، وجلس في ضياع يحاول السيطرة على أعصابه الثائرة الآن !فهل فات آوان الاعتذار ؟؟!

بعد منتصف الليل ..
نهض أدهم بهدوء عن نومته وخرج من البيت باختناق ..كل شيء بات فوق طاقة تحمله كل شيء!
لولا وجود طفله الذي جعل كل الصعاب تهون لتفتت من شدة الشوق والحزن ...
قرر مهاتفتها مجددا لعلها تجيب عليه هذه المرة ..
يشعر أنها ستجيب على اتصاله ..مؤكدا أن لديها من القول ما سترويه عليه ..
وقد كان ظنه صحيح ..

ها هي ترد عليه في اقتضاب تام ..لكنه لم يهتم بذلك ..فصوتها الحبيب روى ظمئ قلبه!
وبعث الحياة لقلبه المتألم بصمت ...
-ملك ..أخيرا رديتي عليا! وحشتيني يا نور عنيا يا حبيبتي ...
ألقى عليها كلماته دفعة واحدة خوفا من أن تغلق مجددا، كلمات خرجت من الصميم ولم تخرج لغيرها!

لم تهتم بكلماته أو هكذا أظهرت!, لتقول بحدة:
-أنت عاوز إيه ؟؟؟, بتتصل ليه ؟؟ أنا رديت عليك المرة دي بس عشان أقولك إبعد عني ومش عاوزة أي حد من طرفك سامع؟؟
رد عليها بجمود رغم هدوء صوته:
-اتغيرتي يا ملك!, مهما تقولي أنا مش هسمع منك ،أنا بعدت عنك عشان مش قادر أعيش من غيرك وأنتي قريبة مني كدا بس أنا وأنا بعيد بموت ..والله بموت ايه يا ملك قلبك الأسود دا ليه مش قادرة تنسي؟

-بص أنا مش هكتر معاك في الكلام لو قربت مني من قريب أو بعيد تاني أنا ...
قاطعها محتدًا:
-هتعملي إيه ؟؟؟ ملك فوقي بقى وحطي عقلك في راسك أنا ناوي أرجع ومش هسيبك !
ضحكت ساخرة مع قولها:
-مش بمزاجك!, أنا خلااااص مبقتش بحبك أفهم بقى! وكمان أنا هتجوز قريب فأنسى!
رفع حاجبه قائلا بشراسة:
-تتجوزي؟
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني البارت الثالث بقلم فاطمة حمدي



اشتعلت النيران داخل قلبه حين تلقى منها كلمتها الآخيرة، تريد الزواج من آخر؟
هل جنت؟
وماذا عنه هو ؟!, هل تعاقبه أم حقا بغضته؟؟
-أنتِ بتخرفي صح ؟؟!
هكذا سألها بعنفٍ، وكان ردها بارد استفز مشاعره:
-بالعكس ..مش بخرف ،أنا ناوية اتجوز وأعيش حياتي اللي أنت دمرتها ..
-أنا دمرت حياتك؟؟

سألها مرة أخرى بغضب، لتؤكد على قولها مرة ثانية:
-أيوة وآن الآوان بقى أعيش حياتي مع إنسان غيرك!
صمت قليلا.. إلى أن قال بجمود قاس:
-تمام، على راحتك ..اعملي كدا يا ملك ،بس إن شاء الله تاني يوم هتكوني مدفونة تحت التراب، أنا عاوز اشوف إزاي هتبصي أو هتعيشي مع واحد غيري ..ابقي إعمليها كدا بس! سلام ...يا ملك!!


وتلك المرة هو الذي بادر بغلق الهاتف بوجهها، ومن ثم دفعه بعنف وهو يقول بغضب عارم:
-انتِ اللي هتضطريني أتصرف بطريقتي الخاصة يا ملك، صبرت عليكي كتير بس خلاص صبري خلص!

قضى ليلته في أرق ولم ينم لحظة، بعدها عنه شكل فارق كبير، فلم يشعر أن وجودها جواره كان مهم لهذه الدرجة، كانت تبتلع عصبيته وغضبه وتربت عليه وتواسيه رغم أنه المخطئ بحقها، ولم يزِدها إلا قهرًا!!!
-ساندرا ..
همس بإسمها بينما قلبه يعتصر ألما على فراقها ..ربما هو شخص لا يليق بأنثى مثلها ..لكنه أحبها بصدق ..
عينيه دامعتين بلون الدم ..حزنًا عليها وعلى ..ذاته!!


انخرط في بئرٍ مظلم لا يستطيع النجاة منه ..كلما حاول الصمود تهزمه الشهوات ..وينصاع خاضعا أمام الملذات!!
لم تكن لها ذنب في ذلك وهو يعلم ....ولا يعلم شيئاً سوى أنه يحبها ..يريدها ..ولا شيء بعد ذلك!
نظر إلى الساعة ليجدها الثالثة فجرا، لم يتردد في أن يهاتفها مؤكدا أنها لم تنم مثله ..ووارد بأنها تتألم كما يتألم !
لكنه يظن بأنها لن تجيب عليه ..وستتركه يتصل مراراً وتكرارا..
لكنها خالفت توقعاته وأجابت بنبرة قوية كما عاهدها دوماً..


ساندرا بجدية شديدة:
-خير؟ ..
لم يعرف ماذا يقول لها ؟, أيعتذر؟ أم يصرخ بها بمنتهى العنف فيخبرها بما فعلت ؟!!!
-ليه مشيتي؟؟
سألها برفق على عكس الغليان الذي يحدث الآن داخل حناياه ..
وأجابت هي بنبرة معاتبة شديدة:
-أظن إنك عارف كويس جداً مشيت ليه ،المفروض أنا اللي أسألك دلوقتي انت بتعمل كدا ليه؟؟


أجاب بلا تردد ولا خجل:
-مش قادر أبطل ...مش قادر يا ساندرا ..
وصله صوتها القاس جدا:
-تبقى ضعيف ..وأنا ميشرفنيش أعيش مع واحد ضعيف ،طلقني يا حازم وورقتي تجيلي لحد عندي وأنا في بيت أهلي !
-أنتِ بتقولي إيه؟, أنتِ مجنونة؟؟
-أبقى مجنونة لو كملت معاك يا حازم ..كفاية إهانة لحد كدا!

حازم بغضب:
-أنا عمري ما هنتك على فكرة!, وأنتي عارفة كدا كويس ..
-الإهانة مش بس ضرب أو غلط باللسان، الإهانة هي كل تصرفاتك ..هي تسلطك وتحكمك في الغلط! حازم طلقني أنا مش هدخل معاك في جدال..
حازم وقد تملكت منه العصبية:
-أنتِ حامل مني ومراتي فاهماني؟؟ مش هطلقك وهترجعي بيتك !

-واثق من نفسك اوي؟, فوق يا حازم أنا ساندرا ..مش ساندرا الجزار بنت الأغنية لا ابدا أنا ساندرا اللي عندها كرامة ...اللي لو حكم الأمر هتبقى كرامتي أهم منك طالما هتدوس عليها برجليك!
حازم بغضب شديد:
-إيه كل القساوة دي يا ساندرا؟؟ أنا مش شيطان على فكرة... أنا يا ستي غلطان وزي الزفت ماتتخليش عني! لو سمحتي! بلاش ..
صمتت قليلا تحاول تهدئة ذاتها، بينما اخترقت كلماته قلبها ...يتوسلها بضعف وكأنها طوق نجاته! ..

هل ما فعلته تخلي من وجهة نظره؟!, ردت بنفس الجدية:
-أنا عند موقفي منك مش هتراجع .. لو عاوزني أرجع بجد اتغير ..وأشوف التغيير بعيني وأصدقه...غير كدا مش هتشوف وشي تاني.. أنت عاوزني لما أولد إبني يخرج يلاقي باباه مدمن مخدرات؟؟ فكر كدا مع نفسك واعقل الكلام يا حازم ..سلام!
أغلقت الهاتف على الفور, كما أغلقت في وجهه كل الأبواب ...ولم تترك إلا باب التغير ..من أجله وأجلها وأجل صغيرهما الذي قارب مجيئه إلى الدنيا ....

صباح يوم جديد ..
أعدت تمـارا فطارهما الخاص وراحت تنادي أدهم الذي كان يجلس بصغيره في شرفة المنزل، ليتوجه نحوها به ويجلس على طاولة الطعام في صمت، فجاورته قائلة برقة:
-هات الولد يا بيبي ..
فرد عليها باقتضاب::
-لا سبيه معايا ..

ابتسمت بنعومة واستكملت:
-يا بخت أحمد عنده أب حنون جدا..
تناول أدهم طعامه ولم يتخل عن صمته ..كان شاردا بذهنه بعيدًا عنها ..يفكر في حبيبته البعيدة عن عينه والقريبة جدا من قلبه ..
واصلت تمارا حديثها بضيق:
-بتفكر في إيه؟!..

نظر لها بانتباه، ثم أخبرها بنبرة حازمة:
-جهزي نفسك هنرجع النهاردة القاهرة..
-ليه؟!!!
-عاوز أباشر شغلي هناك ولازم أطمن على ماما مينفعش أسيبها أكتر من كدا..
تمارا وقد نهضت قائلة بعصبية:
-حلو أوي اللي أنت بتعمله دا !!, تسفرني وقت ما تحب وترجع وقت ما تحب ..أنت اللي تقرر كل حاجة وأنا لازمتي إيه؟

أدهم وقد أجاب عليها بثلجية:
-الست بتسمع كلام جوزها ..ودي الأصول على فكرة!
-أنت مش عاوز ترجع عشان شغلك ومامتك أنت عاوز ترجع عشان الجربوعة المقرفة بتاعتك!
لم يتخل أدهم عن هدوء أعصابه رغم غضبه الداخلي ليقول بجمود:
-كلمة زيادة وتصرفي معاكي مش هيعجبك خالص! عاوزة ترجعي معايا أهلا وسهلا، مش عاوزة خليكي هنا براحتك جدا!
-للدرجة دي أنا مش فارقة معاك؟؟

زفر بضيق وقال:
-ممكن لو سمحتي تقوليلي هتيجي ولا قاعدة هنا؟!
أردفت بتحدي:
-مش جاية معاك لا أنا ولا أحمد!...
ضحك بسخرية وقال:
-أنا لو عندي ثقة ١٪ إنك هتهتمي بيه صدقيني مش هتردد لحظة إني أسيبهولك ..لكن أنا مش هسيب إبني أبدا يا تمارا.. أنا هقوم دلوقتي ألبس ولو خلصت لبس ولقيتك زي ما انتِ صدقيني هاخد أحمد وهمشي فورا يعني!

هبط حازم درجات السلم واتجه إلى شقة والدته ليطرق الباب ..ثوان وفتحت الأم قائلة بابتسامة:
-صباح الخير يا حازم..
رد عليها بنبرة مهمومة:
-صباح النور ياما، عاوزة حاجة قبل ما افتح الورشة؟
-شكرا يا حازم، بس مالك في ايه؟
-مافيش..

-لأ فيه، هي ساندرا فين مش باينة يعني؟
-قاعدة يومين عند أهلها ...
سألت الأم بقلق:
-اتخانقتوا ولا إيه ؟!
حازم نافيا:
-لأ، وسلام عشان أشوف شغلي..
أوقفته قائلة بلهفة:
-طب استنى يا حازم عاوزة أقولك على حاجة..
-قولي ياما..

قالت له في حذر:
-تعالى نروح زيارة لرغدة على الأقل نشرفها قدام الناس يا حازم..
تجهمت ملامحه بقسوة وقال:
-ماتفتحيش معايا الموضوع دا خليني ساكت أحسن، دي لا هي أختي ولا أعرفها من يوم ما اتجوزت الراجل دا.. هي ماتت بالنسبالي... وأنتي السبب انتي اللي قلبك كان ضعيف وضحيتي بيها عشان متزعلش وتعمل في نفسها حاجة!! لو عاوزة تشرفيها روحلها لوحدك وبلغيها أنها متشرفنيش تكون أختي.. سلام ..
انصرف وتركها تبكي بمرارة.. وتدعي بقهر:
-اهدي ولادي يارب!

فتحت ميــرال عينيها الناعستين ونظرت إلى جوارها فوجدت علـي مازال نائما..
نظرت إلى الساعة فوجدتها الحادية عشر !
شهقت بخوف وأوقظته في سرعة قائلة:
-علي.. اصحى بسرعة اتأخرت على الشغل..قوم يا علي...

فتح عينيه بانزعاج وقال:
-إيه يا ميرال في حد يصحي حد كدا!
-اتأخرت على شغلك!
جذبها إليه وأجبرها على النوم مرة أخرى وهو يقول بنعاس:
-أنا أجازة النهاردة ..
-إيييه؟؟
هتفت بفرحة وهي تكرر بسعادة:
-أجازة؟
-آه ..نامي بقى!

-لأ أنام إيه هو أنت واخد أجازة عشان تنام؟ أنا عاوزة افطر برا النهاردة واتغدى واتعشى واتفسح قوم قوم يا علي يلا هقوم ألبس..
فتح عينيه مرة أخرى قائلا بدهشة:
-نعم عاوزة إيه؟
-إيه دا أنت مش موافق على الطلبات دي؟ اومال يعني عمال تقولي اطلبي وأنا أنفذ كله كلام يعني؟
-اصطبحي طيب ونامي شوية وإن شاء الله لما اصحى أشوف الموضوع دا..

تظاهرت بالحزن وهي تخبره:
-ما هو أنت مش معقول يا تشتغل يا تنام يا علي أنا كدا ماليش لازمة في حياتك يعني؟
-يا فتاح يا عليم ..لا إله إلا الله..
-خلاص خلاص مش عاوزة حاجة نام نام ياخويا !
ضحك وهو يلتفت للجهة الأخرى ويعطيها ظهره مع قوله:
-هنام أهو حاضر ..
اقتربت تقرصه من وجنته بيدها ،ثم قامت بعضه في كتفه مع قولها الغاضب:
-أنت هتنام بجد ..؟

-حرام اللي بتعمليه فيا دا يا ريمو على فكرة، عارفة لو النوم طار من عيني هعمل فيكي إيه؟
-آه عارفة!
-إيه؟
-هتزعقلي وبعدين هتصالحني وتخرجني ..وفر على نفسك بقى اللفة دي كلها وهات من الآخر ..
رن هاتفه يعلن عن اتصال ما ..فأمسكت ميرال الهاتف لتهتف مخبرة إياه:
-دي چنا ..

أجاب علي عليها قائلا باشتياق:
-جوجو إزيك يا حبيبتي عاملة أيه؟
-الحمدلله يا علي أنت عامل إيه؟
-بخير يا حبيبتي.. كويس ..
-ميرال أخبارها إيه؟
فأجاب قائلا:
-الحمدلله كويسة وبتسلم عليكي ...

-طب أنا بقى عزماكوا النهاردة على الغدا هاتها وتعالى ومتتأخرش بقى ...
-مالوش لزوم يا جنا أنتِ هتتعبي نفسك ليه وأنتي عروسة جديدة كدا؟
ضحكت چنا وقالت بتصميم:
-هستناكم يا علي ،ماهر كمان هيكلم بس هو في الشغل دلوقتي..

-خلاص ماشي كدا كدا ميرال مصدعاني عاوزة تخرج أهي جات لها خروجة ..
أغلق معها بعد قليل ..
فقالت ميرال بضيق:
-أنا مش عاوزة أروح عن چنا يا علي...!!
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني المشهد الرابع بقلم فاطمة حمدي



اعتدل "علي" جالسًا على الفراش، وراح يسألها مندهشا:
-ليه يا ميرال؟؟
نظرت ميرال إلى الأرض بصمت قصير، ثم أخبرته بهدوء:
-عاوزة أكون معاك أنت بس ..دا يوم أجازتك وما بصدق أكون جنبك..
علي متفهما:
-هنزورها يا حبيبتي وبعدها هنكون مع بعض عادي، بس أنا معرفتش أرفض الزيارة خصوصا إن دي أول مرة يعني!

-عارفة يا علي ..خلاص متزعلش مني!
ابتسم لها بحب واقترب منها قائلا:
-لا يا حبيبي أنا لا يمكن أزعل منك، بس أنا حاسس إن فيه سبب تاني مش حابة تروحي عشانه ...صح؟
حركت رأسها نافية، بينما تقول:
-لأ
-متخبيش عليا، أيًا كان السبب أنا عمري ما هزعل وأنتي عارفة.


أومأت برأسها قائلة:
-عارفة يا علي ...بس دا مجرد إحساس عندي مش عاوزة أوجع دماغك بحاجات تافهة ويكاد يكون إحساسي غلط ..
ضمها إليه مبتسما وحثها على الكلام قائلاً:
-أحب أعرف الاحساس دا، وكل حاجة تخصك عندي مش تفاهات ..يلا قولي.


تنهدت بارتياح وهي تمنحه نظرة امتنان واضحة قبيل أن تخبره:
-بصراحة يا علي ...بحس إن چنا مش بتحبني ..أو مش بتفضل تقعد معايا ..ولا تصاحبني.. فمش بحب أبقى تقيلة عليها وبقيت أحب أبعد عنها...
تابع علي هادئا:
-بس أكيد دا إحساس غلط فعلا يا ميرال، مش الموضوع دا انتهى وچنا بقت كويسة معاكي وخلاص؟

-لأ يا علي ،هي آه مبقتش تعمل اللي كانت بتعمله بس هي واخدة جنب مني، يعني أنا كنت بتمنى إننا نكون اصحاب أوي وزي الاخوات بس بحس انها مش عاوزة كدا، لما كانت بتتجوز مكنتش بتاخد رأيي في أي حاجة، كأني مش بفهم أو صغيرة بالنسبالها ...معرفش إيه تفكيرها بالظبط ..


كان يسمعها باهتمام ..بينما يواصل:
-متحطيش في دماغك الكلام دا يا حبيبتي، كل واحد وله طبعه وأسلوبه، طبعها شبه طبعك وارتحتوا مع بعض كان بها.. مش شبه بعض يبقى خلاص معاملة بالاحترام وخلصت الحكاية، ودا ميمنعش إننا نزورها ونسأل عليها عشان صلة الرحم ..من غير زعل بقى ومن غير ما نتضايق.. تمام يا ريمو؟
هزت رأسها موافقة وقالت:
-تمام يا علي حاضر ..

ليقول في مرح:
-وبعدين حد ميحبش يصاحب ميرال؟, القمر دا! أنتي بس أكيد فاهمة غلط وعشان كمان حساسة وكدا ..
ضحكت بسعادة وهي تحتضنه بقوة مع قولها:
-حتى لو كل الناس مبقتش تحبني يكفيني حبك.


كانت سانـدرا بغرفتها إبان ولجت والدتها عبر الباب المفتوح الخاص بغرفتها ..وراحت تقول في تساؤول فضولي:
-ساندرا ..ممكن تحكيلي بالظبط أنتِ حزينة ليه واللي إسمه حازم دا زعلك في إيه؟
لتجيب ساندرا وقد تركت المجلة التي كانت تقوم بمشاهدتها:
-ما أنا قلت لحضرتك يا ماما.
-مش مصدقاكي يا ساندرا.

-كل الحكاية إني عاوزة بعد الولادة اكون هنا وحازم مش موافق، فدي وسيلة ضغط عليه مش أكتر يا ماما.
مطت سهير شفتيها بعدم اقتناع وواصلت:
-لنفترض إن دا سبب وجودك هنا ،يبقى جوزك كدا متخلف رسمي .. إزاي عاوزك تولدي هناك بين القازورات دي ..
ساندرا بضيق:
-ماما من فضلك دا موضوع بيني وبين حازم ..
-يعني إيه يا بنت ؟, أطلع أنا منها ؟

زفرت ساندرا واسندت ظهرها بارهاق على ظهر السرير، بينما تتابع سهير:
-حاسة إن حازم دا شخص مش كويس.. هو بيخونك؟؟
ساندرا نافية بجدية:
-لأ ..مش بيخوني صدقيني مافيش غير اللي قولته ..

طُرق الباب ووقفت الخادمة على عتبة الغرفة تقول بلهجة مهذبة:
-ساندرا هانم ..جوز حضرتك تحت..
فغرت ساندرا شفتيها وقالت بدهشة شديدة:
-حازم!!

أدهم!!
هتفت السيدة چيهان وهي تقبل عليه في اشتياق، وعانقته بدورها قائلة:
-حبيبي ..حمدلله على السلامة إيه المفاجأة الحلوة دي!
ابتسم أدهم وقبلها بشوق بينما يقول باهتمام:
-حبيبتي طمنيني عليكي..
-بخير يا حبيبي طول ما انت بخير ..
ثم التفتت إلى تمارا لتقول:
-إزيك يا تمارا عاملة إيه ؟
ردت تمارا بتأفف:
-كويسة .. !

نظرت چيهان إلى أدهم بتساؤل ..لكنه لم يمنحها اي رد ...وناولها -حفيدها أحمد- لتتسع ابتسامتها وتضمه باشتياق بالغ مع قولها الحنون:
-أحمد حبيب نانا ..يا قلبي وحشتني موت .. اخص عليك يا أدهم متغيبش عليا كدا تاني أحمد بيوحشني جدا ..
-خلاص يا حبيبتي هستقر معاكي هنا .
-بجد!! دا أحلى خبر سمعته .. الحمدلله..

تركتهما تمارا وصعدت إلى غرفتها بضيق، بينما تواصل چيهان:
-يا أدهم طمني حصل إيه، مالها تمارا؟
-يا ماما سيبك منها ...متركزيش معاها!
ثم واصل بجدية:
-أنا لازم أمشي دلوقتي يا ماما ..
-على فين بس؟
شرد أدهم عدة لحظات ..بينما يقول:
-مشوار مهم..

لم تتوقف 'ملك' عن العمل ...حيث واصلت عملها في محل آخر غير ذلك ..بحثا عن رزقها فليس لديها شيء إلا أن تعمل وتنفق على نفسها ..عملت في هذا المحل بنفسٍ راضية ..وبحيوية كي تُرضي رب العمل !!
لكنها فوجئت به يهتف في غضب عارم:
-موبايلي !! فين الموبايل ...

انتبهت له ملك واقتربت كي تبحث معه عن هاتفه الذي يزعم بأنه اختفى ..
لتجده فجأة ودون سابق إنذار يفتح حقيبتها ويبحث عنه داخلها بوقاحة ..
صاحت به معنفة إياه:
-أنت بتعمل إيه، أنت مجنون؟؟
وعجبا..!!!!

أخرج الهاتف من حقيبتها بمنتهى السهولة ..وكأنها حقا خطة مدروسة !!
لم تستعب ملك ما الذي يحدث، كيف دخل الهاتف إلى حقيبتها؟! ..
لم تكد تفكر في شيء لتجد من يدخل ويقول بصوت عال:
-كمان حرامية؟!!!!!

فقد كان سـالم الذي دخل الآن وبعينيه نظرات شماته سافرة..
أدركت ملك في هذه اللحظة أنها وقعت في يد من لا يرحم ...
نظرت له والدموع تسيل من عينيها بصمت، بينما يواصل سالم:
-اتمسكني ياختي اتمسكني ..يلا قدامي يابت على القسم!!

في هذه اللحظة دخلا الحارسان اللذان وضعهما أدهم لحمايتها ..وتدخلان في الأمر ليقول صاحب المحل بغضب:
-احنا مبنخافش ..البت دي حرمية ولازم نسلمها للحكومة بقى وهي تتصرف معاها ..
قال أحد الحارسان بغضب:
-أنت واحد كداب ومتفق مع الراجل دا ولو مالمتش الدور دا دلوقتي حالا احنا اللي هنوديك في ستين داهية ، أنت شكلك مسمعتش عن أدهم الجزار كويس!

بعد دقائق قليلة ..
تجمهر الحرس الخاص بأدهم الجزار أمام هذا المحل ..كما توقفت سيارة أدهم وترجل منها على مهلٍ، أفسحوا رجاله الطريق له ومر إلى داخل المحل بنظرات ثاقبة، وبحث بعينيه عنها فاشبكت عيناه بعينيها الدامعتين!!
أسرع نحوها بقلق بالغ بينما يهتف بلهفة:
-ملك؟؟ في إيه؟؟

لم يكن يعلم بما فعلاه الاثنان بها .. لم تجب عليه فقط هي اندفعت داخل أحضانه وكأنه كان طوق النجاة لها من كل هذا الهراء...بكت في عنف شديد وهي تتشبث به جيدا رغم قهر قلبها منه!!
عانقها بقوة ،ليسأل حارسه باقتضاب:
-اتكلم حصل إيه؟؟

قص عليه الرجل ما حدث بإيجاز .. فتخضبت عيناه بحمرة غاضبة وكز على أسنانه بشدة ومن ثم أبعد زوجته خلف ظهره ...هذا النذل ازادها مع زوجته ..فليتحمل ما سيجرى له الآن!
حيث توجه إليه أدهم وسأله بهدوء قاتل:
-أنت أكيد عارف إنها مرات أدهم الجزار , تمام؟ ودا شئ مش هين أبدا ..أنت تعديت الخطوط الحمرا!
صاحبت كلمته الآخيرة لكمة عنيفة في أنفه ..وركلة قوية أطاحته أرضا، ليكمل بازدراء:
-واللي يتعدى الخطوط الحمرا أنا بفرمه!

وترك بقية الأمر لرجاله ..ليلقنوا لهذان الاثنان درس عمرهما... وسحب أدهم ملك معه قائلا بحدة:
-تعالي ...
خرج بها من المحل وما إن خرجت حتى توقف!!, ونزعت يدها منه هاتفة بجدية:
-أنت بتعمل إيه؟
أدهم بنبرة قاسية:
-اركبي !!

-مش راجعة معاك!, شكرا على اللي عملته بس دا مش معناه إني هاجي معاك!!
-أنتِ مجنونة ؟؟, أومال مين كان بيعيط في حضني دلوقتي؟؟؟
هكذا قال ساخرا وهو يتابع تعابير وجهها من عليائه، لتقول بتوتر وارتباك:
-مكنش قصدي!
-مكنش قصدك!, طب اركبي ونشوف الموضوع دا لما نروح !!

-نروح فين أنا على جثتي أجي معاك طبعا، أنت غير إنك دلوقتي طليقي ,كمان أنا بكرهك!
ضاقت عينيه وصمت قليلاً قبيل أن يواصل بهدوء مريب:
-لو على جثتك تيجي معايا فأنا ممكن اخدك جثة عادي, ولو على موضوع إني طليقك فأنا رديتك وأنتي دلوقتي على ذمتي يا هانم!!, وموضوع بقى إنك بتكرهيني دا هنتفاهم فيه هناك! يلاااااا

جذبها بعنف نحوه وتقدم بها إلى سيارته، فقاومته برفض وحاولت دفعه، فاضطر أن يحملها ويدفعها دفعا داخل سيارته ومن ثم يشير لحراسته كي يتبعوه ويستقل بدوره جوارها ..فتنطلق السيارة!!

توجهت ساندرا إلى بهو القصر حيث يجلس حازم الذي وقف ما أن رآها تسير نحوه بتمهل ...أرسل لها على الفور نظرة مشتاقة حملت شوقه وعذابه في الأيام الماضية..
تتقدم منه أكثر وتسأله بشيء من الحدة:
-خير يا حازم فيه حاجة؟

أطال النظر إلى عينيها وبدون مقدمات امتدت ذراعه اليمنى تجذب خصرها إليه برفق فيقبل وجنتها بشوق شديد، ثم يخبرها بصدق تام:
-وحشتيني جدا ..جدا جدا ..
لم تنكر أنها اشتاقت له مثله تماما وقبلته هذه واقترابه هذا منها كان كالمسكن لها من داء الحزن!
لتقول وهي تبتعد عنه قليلاً:
-يا حازم لو سمحت ..كدا مينفعش!

حازم بعدم رضا:
-إيه هو اللي مينفعش دا؟؟ وحشتيني ..وجيت عشان أوعدك إني هتغير وعاوزك ترجعي معايا يا ساندرا ...
ساندرا بجدية:
-المفروض إني أجري معاك وافرح بكلمة إني هتغير دي ؟؟! لأ طبعا قلتلك هشوف بعيني الاول.
-هتشوفي إزاي وأنتي بعيد؟؟

-مالكش دعوة اتغير أنت بس ...أصدق في كلامك يا حازم!
زفر حازم زفرة طويلة وهو يقول بصرامة:
-أنتي كدا بتقسي عليا أوي على فكرة ،انا جيت وأنا عارف إني هرجع بيكي!
-أتحمل يا حازم ..اتحمل زي ما أنا أتحملتك كتير! ...
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الحلقة الخامسة بقلم فاطمة حمدي



توجه حــازم خارجًا من القصر إلى الحديقة ذات المساحة الهائلة ..تقابل حينئذ مع السيد "فاخـر" الذي ترجل من سيارته الآن وراح يصافحه بدوره قائلا بترحيب جادي:
-أهلا حازم!, نورت ..
-شكرا، بنورك ..

رد حازم بجدية مماثلة، فتابع فاخر بقلق:
-في مشكلة بينك وبين ساندرا؟, أنا مش فاهم سر وجودها هنا حاولت افهم منها أي حاجة معرفتش!
هدأت ملامح حازم قليلا وحنينه ازداد إلى زوجته التي يوميا تزداد قيمة في عينيه وقلبه.. فرغم كل ما فعل هي لم تخبر أهلها عن أي شيء!
وهو قد عاهد نفسه الآن أن يحاول بكل ما يمتلك من قوة من أجلها هي فقط!
وأجل وليده المُنتظر أيضاً...


-اختلفنا وأنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكون مبسوطة.... إن شاء الله
هكذا قال بنبرة خافتة، بينما يقول فاخـر بهدوء::
-واضح إنكم مش عاوزين حد يتدخل بينكم، عموما أنا بتمنالكم كل خير يا حازم.
-شكرا يا فندم ،بستأذنك!
استدار ماشيا على ذلك، وتوجه فاخر إلى داخل القصر ..وهُناك بالأعلى ..
حيث الشرفة .. كانت تقف ساندرا وتتلألأ عيناها بعبرات حارقة ..تتابعه إلى أن اختفى طيفه وتردد دعائها المعتاد له:
-ربنا يهديك يا حازم.


طرقات عنيفة ومزعجة للغاية على باب المنزل أيقظت النائمين، لتنهض "رغــدة" عن فراشها بتأفف وانزعاج وهي تهتف:
-يا فتاح يا عليم!
توجهت صوب الباب كي تفتح، لتجد امرأتان ممتلئتان الجسد واقفتان ترمقانها بنظرات نارية مميتة، أجفلت رغدة بضيق ثم راحت تنظر لهما مع قولها الحاد:
-خير في إيه؟؟! في حد يصحي حد كدا ؟؟

أردفت الاولى "سعدية" بامتعاض:
-اسم الله عليكي ياختي، نايمة يا نونو لحد الظهر !!
لترد الأخرى "نجاة" بسخرية:
-يلا يا حيلة ماما النهاردة دورك في مسح السلم ولا أنتِ فاكرانا الخدامين اللي جبهالك باباه!



قالت رغدة بضجر:
-لما ابقى أفطر إن شاء الله، ولما سعيد يفطر وينزل، تمام! ويلا بقى عن إذنكم!
أغلقت الباب دون مؤشر وعادت لتستريح في نومتها كأن شيئا لم يكن!
ووقفتا الاثنتين تغليان من فرط الغضب ...كما تتوعدان لها !

ترجل أدهــم من السيارة والتفت يفتح لها الباب، انتظرها طويلا لتترجل هي الأخرى لكنها لم تفعل وقالت بعناد:
-أنا مش عاوزة أعيش معاك ،اللي بتعمله دا غلط وميصحش، أنت بتجبرني على عيشتك وأنا كرهت عيشتك!
تمالك أدهم اعصابه، وقال بهدوء تام:
-طب إنزلي، وهنتفاهم !


-هنتفاهم على إيه؟ أنا رافضة عيشتك أصلا من فضلك متجبش البنزين جنب النار وبعد كدا تقولي هنتفاهم بلاش وخليني أمشي بهدوء..
-لو ينفع أسيبك بعيد مكنتش جبتك أصلا، ولآخر مرة يا ملك هقولك إنزلي من العربية، هتضطريني أتصرف غلط من فضلك إنزلي!
ترجلت على مضض وهي تزفر بعنف وتحدجه بنظرة غاضبة للغاية، تجاهل كل ذلك وأغلق باب السيارة واقترب ممسكا يدها، لكنها نزعتها منه على الفور وابتعدت عنه قائلا بجدية:
-إبعد!

تنهد بصبر وقال بهدوء قاتل:
-اتفضلي ..
سارت أمامه ببطء وهي تعقد ساعديها أمام صدرها، ولجت عبر الباب الذي قامت بفتحه الخادمة، واتبعها أدهم بخطوات متمهلة، كانت السيدة چيهان تجلس بصحبة حفيدها أحمد في ردهة البيت، ذايلتها الدهشة ما أن رأت ملك أمامها ونطقت على الفور باستغراب:
-ملك!

لم تعرف ماذا تقول وتفعل؟, ها هو يضعها في موقف لا تحسد عليه مرة ثانية ككل المواقف السابقة!
تكلم أدهم في جدية شديدة:
-أنا رديت ملك يا ماما، ومش هسيبها تمشي تاني لأي سبب من الأسباب.

-حلووووو أووووي الكلام دا!!
كانت صيحة تمارا ..التي نزلت الدرج ركضا وراحت تكرر جملة أدهم بتهكم سافر:
-مش هتمشي لأي سبب من الأسباب!, دا على أساس إن دي حياتك لوحدك ؟؟ تجيب وتودي اللي أنت عاوزه لا فوق يا بيبي أنا شريكة في حياتك أنا وابني، أنسى إني أدخل البتاعة دي في حياتي مرة تانية!!

أدهم وقد تطاير الشرر الغاضب من عينيه:
-وطي صوتك وأنتي بتتكلمي معايا واحترمي نفسك، دي مراتي ولها حق عليا، مش هسيبها وهتعيش هنا زيها زيك!
-زيها زيي ؟؟, دي زيها زيي؟؟
أدهم بجمود قاس:
-تصدقي أنا فعلا غلطان إني قلت إنها زيها زيك؟؟, لأ هي أحسن منك طبعا ..وبكتيييير كمان!!، أوعي أنتِ اللي تنسي نفسك عشان أنتِ رصيدك معايا قرب يخلص وقرب جدا!

اقتربت تمارا من ملك وتفحصتها بعينيها مع قولها المهين:
-ذوقك وحش جدا، دي بلدي ومبهدلة بتحبها على إيه؟
رمقها بنظرة تنم عن غضبه الجم الآن!, ليصرخ بوجهها قائلا:
-أنا ساكت بس كلمة كمان...
قاطعته حين قالت مستهزءة:
-إيه؟, هو أنت مش بتعمل راجل غير عليا أنا وبس؟؟, ما أنت حلو أهو مع الهانم وبتريل اول ما بتشوفها زي الأهبل!

توسعت عيناه بشراسة قاسية وتخضبت بلون الدماء ما إن ختمت جملتها المهينة تلك، ليقترب منها صافعا إياها بقسوة مع صياحه الحاد:
-مغلطتش لما قلت عليكي سافلة ودا رأيي فيكي من زمااان أوي ..أنتي واحدة مينفعش تعيش مع بني آدمين أصلا ،تعرفي أنتِ غلطة عمري اللي هفضل ندمان عليها العمر كله !

كل هذا وكانت ملك متفرجة لما يحدث بصمت حزين، ونطقت السيدة چيهان بجدية تامة:
-أدهم إنهي المهزلة دي دلوقتي حالا ..
بادرت تمارا التي ترقرقت عيناها بدموع كثيفة، ثم أخذت الطفل من جدته وصعدت على الفور بعد رمقت الاثنان معاً بنظرة هازئة، بينما تقول السيدة چيهان متنهدة بعمق:
-اطلعي ارتاحي أنتِ كمان يا ملك أوضتك زي ما هي..

ترتاح؟؟
أين الراحة في هذا البيت؟!, هي لم تشعر قط براحة في هذا البيت ..
كل أيامها الموجعة عاشتها هنا ..
لم تنعم بالأمان منذ وطئت قدميها هذا القصر ..وها هو أدهم يستدعيها لمواصلة العذاب هنا ....
-ملك ؟
نطقت السيدة چيهان مرة ثانية وواصلت بتساؤل:
-في إيه؟

-أنا مش عاوزة أعيش هنا! سيبني لحالي يا أدهم طلعني من دماغك ومن حياتك ..مش هخيرك بيني وبينها لأن أنت دلوقتي أب وهي أم وبقيتوا أسرة حاول تصلح حياتك معاها وطلعني أنا من حياتك للأبد ...لو سمحت!

ضغط على نواجذه وبرزت عروق وجهه من فرط انفعاله، ليتجه نحوها ويقبض على كف يدها معتصرا إياه في قبضته ،ثم يسحبها معه بلا كلام إلى الأعلى حيث غرفتهما ..كادت تتعثر أكثر من مرة وهي تركض خلف خطواته الواسعة لكنه لم يهتم ..وما إن وصل إلى الغرفة دفعها واتبعها مغلقا الباب .. ثم أخبرها بنبرة صريحة واضحة:
-مش هتفارقيني تاني طول ما أنا حي وبتنفس ،مش عاوز بقى وش ووجع دماغ كفاية اللي أنا فيه !

-اللي أنت فيه هيفضل يزيد ويزيد طول ما إحنا الأتنين على ذمتك،،
-أنتِ عارفة كويس أنا قلبي مع مين !, عارفة ومتأكدة من كدا كويس ،أنا هطلق تمارا هطلقها يا ملك خلاص مش مستحمل حياتي دي أنا عاوز أستقر معاكي وبس كفاية بقى!
حركت رأسها بالسلب وقالت:
-وإبنك؟, هيتربى من غير ام ؟؟

اقترب منها قائلا وهو ينظر إلى عمق عينيها:
-أنتِ أمه ..أنتٍ اللي هتربيه وهيكبر بينا ..
هي بدهشة:
-وأمه؟؟
-قلت أنتِ أمه إيه مبتسمعيش!

-لأ طبعا أمه اللي هتربيه حتى لو فيها بلاوي الدنيا كلها ،متبقاش ظالم يا أدهم ..لآخر مرة بقولك سيبني لحالي!
-واأنا لآخر مرة بقولك مش هسيبك ...ريحي نفسك واسمعي الكلام!
قالت بقوة وعناد:
-مش هسمع يا أدهم وحتى لو حبستني هنا هفضل أحاول أهرب منك ومش هخضع ليك ومش هريحك عمري ما هريحك !
وعلى عكس توقعها هو لم يغضب، بل ضحك مستمتعا قائلا:
-ماشي ..هاتي اللي عندك!

قام "ماهر" بالترحيب على أكمل وجه حين حضر "علي" بصحبة زوجته وأجلسهما ..
ثم جلس قبالتهما وهو يقول مبتسما:
-شرفتنا بجد بزيارتك لينا النهاردة أنت والمدام.
ليقول علي مبادلا إياه الابتسامة:
-شكرا يا ماهر ربنا يعزك ..

وأتت شقيقته مصافحة إياه باشتياق وفعلت ذلك مع زوجته ثم جلست جوار زوجها وهي تقول بهدوء:
-حبيبي يا علي نورت بجد البيت ..
-البيت منور بصاحبته الجميلة يا چنا .. أنتِ أخبارك إيه الجواز حلو يا ستي بقى ولا ؟
ابتسمت بخجل ونظرت إلى ماهر الذي قال بمزاح:
-لأ جاوبي حلو ولا ؟؟
ضحكت بخجل وأردفت بتوتر:
-يعني! ..
فضحك علي قائلا:
-على العموم ربنا يسعدكم يا حبيبتي ..
-ءامين يا علي ..

بعد مرور الوقت لاحظ علي أثناء الزيارة أن چنا بالفعل لم تتوجه لميرال بأي حديث ..لم تمزح معها ولم تتبادل الكلمات معها ...
حتى إن حادثتها ميرال أجابتها چنا باختصار شديد وكل الاهتمام كان لـ علي وزوجها فقط ...
لا يعلم علي ما سبب ذلك وقرر أن يسألها ولكن في وقت لاحق فليس هذا الوقت المناسب لذلك ..
اقترب علي من زوجته الصامتة وحاوط كتفيها طابعا قبلة مفاجئة رقيقة على وجنتها التي اشتعلت على الفور بحمرة الخجل وقالت بارتباك:
-يا علي !! بتعمل إيه ؟؟!

ضحك بخفوت ونظر إلى شقيقته وزوجها المنشغلان معا ،ليقول بصوت خافض:
-مشغولين مع بعض ومش مركزين وبعدين إيه المشكلة لو مركزين !
-لأ ..عيب ميصحش طبعا ..
هكذا قالت بنبرة طفولية وهي تلكزه في معدته بخفة، ليضحك قائلا:
-طب يلا نمشي بقى؟, ولا أنتِ حابة تقعدي أكتر؟

نظرت له بغيظ وقالت متنهدة:
-أقعد أكتر؟, بصراحة أنا عاوزة أطير ..
تابع ضاحكا وهو ينهض وهي معه:
-طب يا چنا ،نسيبكم بقى ومتشكرين على العزومة الجامدة دي ياعم .
چنا مبتسمة:
-طب ليه كدا يا علي بجد لسة بدري!

-لأ معلش أصل أنا هعدي لسة على ماما أطمن عليها..
-طيب يا حبيبي نورتنا الشوية دول ..
انتهت الزيارة وانصرف علي بصحبة ميرال على ذلك ..

استقل سيارته بعد أن أجلسها في الكرسي المجاور له وقادها بصمت، لتسأله ميرال بهدوء:
-علي أنت هتزور طنط كمان ؟
-آه ..مش حابة نروح؟ أنا هطمن عليها وبعدها أخرجك يا حبيبي متخافيش ..
فابتسمت وفاجئته بقولها:
-لأ مش عاوزة أخرج خلينا نروح عند طنط سميرة أحسن بصراحة أنا كمان عاوزة أطمن عليها لأنها وحشتني ...

بادلها ابتسامتها متابعا:
-كنت عارف إنك هتقولي كدا على فكرة عشان عارف إنك بتحبيها وهي كمان بتحبك جدا
-آه فعلا ..بحبها جدا وبحب أقعد معاها ..وهبات معاها كمان ..
-الله! كمان ؟طب وأنا طيب ؟
-أنت روح ولا شوف هتعمل إيه!
انفجر ضاحكا ليقول من بين ضحكاته:
-هي بقت كدا يعني ..ماشي يا بشر ...
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الفصل السادس بقلم فاطمة حمدي




خرج أدهم من غرفة ملك وهو يحاول السيطرة على أعصابه المحترقة، توجه إلى الأسفل حيث تجلس والدته ليجاورها بدوره ويتنهد تمهيدًا ممدوًا بهمٍ، بينما تسأله السيدة چيهان بجدية شديدة:
-وبعدها يا أدهم؟, هتفضل حيران كدا لحد امتى ؟؟
دفن وجهه بين راحتي يديه بصمت ولم يرد ..فلم يجد ما يقوله من الكلمات ..

لتتابع هي:
-الوضع اللي أنت فيه دا مش هينفع يستمر على كدا لازم تظبط الدنيا..
تحرر من صمته بينما يرد عليها محتدًا:
-بُعدي عن تمارا هو الحل ..أنا هطلقها
-وإبنك ؟
أردف بغضب:
-ماله إبني؟ هيعيش معايا طبعا وهي لو عاوزة تشوفه تبقى تتفضل تشوفه وتروح لحالها، أنا اللي هربيه!



تنهدت الأم وقالت:
-الولد ماينفعش يعيش من غير ام حتى لو الأم فيها بلاوي الدنيا دي كلها فهو برضوه محتاج أمه ..
-لأ أنا هعوضه وملك هتربيه معايا هتغنيه عن أمه!
-لأ طبعا مش هتغنيه أدهم بلاش تفكر بالطريقة دي أنت كدا هتظلم وأنا محبش إنك تظلم ..
استطرد أدهم بنبرة عنيفة:
-يعني أعمل إيه بالظبط؟؟



-حاول تهدي الجو بينك وبين تمارا.. حاول تكسبها وتغيرها عشان خاطر الولد اللي بينكم وتعيشوا زي أي زوجين ..
-أي زوجين ؟؟, أنا وتمارا ؟! دا من رابع المستحيلات اللي بتقوليه دا !!!!
ضغطت چيهان على أسنانها وتابعت بغيظ:
-يبقى ليه بتخلف منها لما هو من رابع المستحيلات؟؟؟

تابع أدهم بمرارة:
-غلطة عمري ..غلطة وندمان عليها أنا عمري ما حبيتها ولا هحبها ..
-أنا مش عارفه اقولك إيه !, اللي عملته دا يا أدهم أنت اللي هتتحمل نتيجته ولازم تعدل بينهم الاتنين وتعاملهم بما يرضي الله وحط إبنك في الحسبان اعمل حسابه في كل حاجة لأنه الوحيد اللي هيتظلم في الموضوع دا كله!



متتسرعش وتطلق تمارا عالج منها عشان خاطر الولد صدقني الولد هيتظلم والله هيتظلم بسبب علاقتكم!
أغلق أدهم عينيه للحظة وأخذ يفكر بحزن شديد... سمع خطوات بعد ذلك على درجات السلم وتسبق الخطوات رائحة نفاذة من العطر ..لاحت منه التفاتة إلى تلك التي تتجه إليهما في كامل زينتها ...و
تمارا بنبرة ثلجية:
-بونسوار ..

نظر أدهم إلى والدته بنفاد صبر وعاد ينظر إليها باحتدام وقد قال بصرامة:
-ودا اسمه إيه دا إن شاء الله؟
-مالك ؟, فكرتني هقعد أعيط على حظي البشع معاك؟, لا يا بيبي إنسى ..أنا خارجة راحة عند مامي وبابي أزورهم وأقعد عندهم كام يوم لأن الوضع هنا بقى بيخنقني!



تابعت قبيل أن يتكلم هو:
-أحمد فوق مع الدادة، هي اللي هتراعيه لحد ما أرجع ومسموح لطنط چيهان بس إنها تمسكه ولو حصل والجربوعة اللي فوق دي مسكت إبني أنا هولع الدنيا الدادة هتبلغني بكل حاجة!
كز أدهم شفتيه بغضب، ثم أردف بحدة:
-غوري من وشي ..

تحركت تمارا خارجة بعد أن رمقته بنظرات قاتلة، وقد قالت في وليجة نفسها:
-مبقاش تمارا الجزار يا أدهم إن ما خليتك تندم ندم عمرك ...

في منزل السيدة سميـرة ..
كان قد وصل "علي" بصحبة زوجته ..وهناك تغلغلت الفرحة إلى قلب السيدة سميرة وهي ترحب بهما بسعادة شديدة ...
-إيه المفاجأة الحلوة دي بقى؟ بجد وحشتوني أوي.
ردت ميرال الجالسة جوارها:
-وأنتِ كمان يا طنط وحشتينا أوي وبجد سبتي لينا فراغ كبير لما مشيتي ..
-يا حبيبتي أنا موجودة أهو وعايشة لوحدي تعالوا ونسوني ..



ليقول علي مبتسما:
-المفروض أنتِ تيجي تعيشي معانا بدل القعدة لوحدك كدا يا ماما ..
-يا حبيبي ماحدش يرتاح إلا في بيته.. ولازم بقى تباتوا معايا النهاردة ماليش دعوة!..
أسرعت ميرال ترد بسعادة:
-أنا موافقة ،هبات مع حضرتك ..

رفع علي حاجبه مبتسما، لتستكمل والدته بحب:
-أنا هقوم أحضر عشا خفيف كدا وأنتي قومي غيري هدومك في الأوضة، هتلاقي هدومي وهدوم علي قبل الجواز نقي بقى اللي يعجبك ..
أنهت جملتها بضحكة مرحة، ليرد علي ضاحكا أيضاً:
-عشا إيه بس يا ماما، إحنا لسة جايين من عند چنا و...

قاطعته ميرال في تذمر:
-إيه يا علي؟ دا على أساس يعني إنك سبتني أكل حاجة؟ عارفة يا طنط كل ما أمد إيدي على حاجة يمسك إيدي ويرجعها تاني ويقولي أنا هأكلك ويقوم مديني حتة أكل صغنونة قد كدا والباقي سلطة خضرا ..
ضحكت سميرة بشدة مع قولها:
-من خوفه عليكي يا قلبي، أنا هعملك عشا هيعجبك اوي وخفيف مش هيضرك إن شاء الله..

ابتسمت ميرال بامتنان وقالت:
-شكرا يا طنط ..
نهضت السيدة سميرة متجهة إلى المطبخ، ونهضت ميرال أيضاً وهي تفك حجابها وتنظر إلى علـي نظرة منتصرة وهي تبتسم ثم تدخل إلى الغرفة بخطوات مسرعة، ابتسم علي ملء شدقيه ونهض خلفها بخفة داخلا إلى غرفته السابقة ثم هتف وهو يغلق الباب خلفه:
-مقولتليش يا جميل رأيك في أوضتي؟

تجولت ميرال بعينيها في الغرفة وقالت بغرور مصطنع:
-مش بطالة، حلوة بس مش أوي ...
اقترب منها ضاحكا قائلا من بين ضحكاته:
-مش لايق عليكي الشر دا أصلا ..
-طب إطلع برا بقى عاوزة أغير ..
-هغمض عنيا ومش هبص!
-برا يا علي ..

-اعتبريني زي جوزك يعني مفهاش حاجة خالص على فكرة!
ضحكت وابتعدت عنه متجهة إلى خزانة الملابس، ثم تقول بخجل:
-يا علي بقى ..
-مش عارف إزاي بتتكسفي مني ...مجنونة أصلا!

أنهى جملته وخرج من الغرفة تاركا إياها تضحك بعفوية وهي تنتقي ما لفت انتباهها من ثيابه كي ترتديها بسعادة..
خرج علي متوجها إلى المطبخ حيث توجد والدته، عبر إلى الداخل ،لتقول والدته بحنو:
-تعالى يا حبيبي ..
اقترب علي وراح يقبل كف يدها برفقٍ، ثم يتكلم وهو يربت على كتفها بمودة:
-كنت عاوز أتكلم معاكي في حاجة كدا يا ماما .
-خير يا حبيبي قول ..

تابع علي متنهدا:
-چنا يا ماما مش عارف واخدة من ميرال موقف ليه؟, معاملتها معاها مش حلوة خالص ..لما كنا عندها مقالتلهاش حتى نورتي ولا وجهت لها أي كلمة، وأنا مش عاوز أتكلم معاها لتفهمني غلط وأنا أصلا مش فاهم هي بتعمل كدا ليه!

هزت الأم رأسها بإيجاب وقالت بضيق:
-بصراحة يا علي أنا لاحظت كدا فعلا بس مش عارفة إيه السبب وقبل كدا مرضتش أتكلم معاها لأنها كانت بتتجوز ومش فاضية ودلوقتي هي عروسة جديدة ومن غير ما تقولي أنا كنت ناوية أتكلم معاها لأن برضوه مش راضية عن معاملتها دي ،متقلقش يا حبيبي سيبلي الموضوع دا ..

أومأ علي موافقا وقال:
-ماشي يا حبيبتي..
دخلت ميرال في هذه الأثناء وهي ترتدي عباءة بيتي مريحة لكنها فضفاضة للغاية عليها وطويلة أيضًا.. ضحك علي بشدة ما إن رآها وشاركته سميرة الضحكات مع قولها:
-أنا قلت هتنقي من لبس علي يا ريمو هدومي كلها واسعة عليكي..

ميرال قائلة بجدية:
-هدوم علي كلها واسعة عليا وبعدين مش عاوزة ألبس حاجته أنا بنوتة زيك نلبس من بعض ..
ضحك علي مجدداً وهو يتابع:
-ماشي يا أوزعة ..بس مشوفش أي تيشرت من بتوعي عليكي لما نروح بيتنا ماشي؟
-لأ طبعا ..وبعدين أنا مش أوزعة عيب على فكرة ..عيب!

وقف حازم في المطبخ يبحث عن شيء يتناوله بغير شهية عندما شعر بالجوع ..أعدّ شطيرة من الخبز والجبن وصنع قدحا من الشاي الساخن وجلس بالقرب من النافذة يتناولهما بضيق شديد ..حقًا وجودها جواره كان مهما للغاية ..كانت سكن له حين عودته ..حيث يلقي بكل ما يحمل من هم وأرق إليها وتتقبل هي ذلك على الرحب والسعة ..تحاول جاهدة إسعاده ..في حين لم يقدر هو ذلك ..

لم تكن تريد طهي الطعام واشغال البيت لكن من أجله فقط تعلمت كل ذلك بنفس راضية ..تنازلت عن كل شيء في سبيله ..
فهل تنازلت في سبيل من لا يستحق؟! ..
كان يفكر الآن ..ولكن ماذا عساه أن يفعل؟؟
وقد هاجمته الأوجاع الآن بلا رحمة ..وهو قد عاهد نفسه وعاهد الله ألف مرة بأن لا يعود وعاد ..

حاول كثيرا حتى قبل دخول زوجته إلى حياته لكنه كان يفشل فشل ذريع ..
كيف سيتخلص من كل هذه السموم ؟ ..
ترك الطعام حين شعر بصداع رأسه الشديد وآلام عظامه ..أغمض عينيه وذهب إلى الفراش ليستلقى عليه محاولا الهروب إلى النوم ..
لكن الآلآم تشتد ..لم يستطع التحمل ..نهض عازمًا الذهاب إلى مبتغاه ..لكنه تذكر فجأة جملتها
"أنا ميشرفنيش أعيش مع واحد ضعيف" ..
تسمر مكانه وتراجعت خطواته للخلف وجلس على الفراش بوهن دافنًا وجهه بين كفيه بضياع تام ...

في غرفة تمارا ...
ولج أدهم عبر الباب متجهًا إلى طفله النائم على فراشه الصغير، نظر إلى السيدة التي أتت بها تمارا لتقوم برعايته في غيابها، ليقول لها بلهجة صارمة:
-روحي أنتِ دلوقتي..
نظرت له السيدة بتوتر وقد قالت باحراج:
-بس تمارا هانم موصياني مسبش الولد ..
-نعم ؟؟
تنحنحت السيدة بحرج مع قولها:
-أنا آسفة يا فندم ..عن إذنك ...

برحت الغرفة وتركته، فانحنى يلتقط الطفل بين يديه وتتزين شفتيه بابتسامة صافية وهو يتأمل ملامحه الحبيبة، بينما يقبله بحنان شديد ويضمه إلى صدره أكثر ..ثم توجه به إلى الخارج وقادته قدماه إلى غرفة "ملك" ..طرق الباب وانتظرها تفتح ..وكما توقع لم تستجب لطرقاته ..ليقول بهدوء ونبرة شبه متوسلة:
-افتحي يا ملك لو سمحتي ..عاوز أقولك على حاجة بس وبعدها همشي ..

زفرت ملك من الداخل ما أن سمعت عبارته ..وبالفعل فتحت له على مضض ثم تركت الباب وابتعدت حيث الشرفة التي دخلتها الآن ..مشى خلفها بخطوات واثقة واقترب منها مبتسما وهو يقول ببساطة:
-طب مش عاوزة تشوفي أحمد حتى؟ ..
ازدردت ريقها بصعوبة وتنحت بنظرها إلى الصغير بين يدي أبيه، شعرت بالحنين ورغبة اجتاحتها في أن تحمله إليها ..

رفعت نظرها إلى أدهم الذي شجعها على ذلك واقترب منها برفق ليضع الطفل بين ذراعيها ..ارتجفت وهي تحمله وشعرت بحنين غريب نحوه ..قبلته برفق وابتسمت له رغما عنها، لكن تلاشت الابتسامة رويدا رويدا حين تذكرت أن هذا الطفل أمه تكون تمارا ..تقلصت ملامحها بانزعاج وهي تناوله لوالده مرة أخرى ..لكن أدهم استغل هذه الفرصة وراح يحتضن وجهها المريح جدا على نفسه بين كفيه ..وتكلم بحنو:
-هعملك كل اللي أنتِ عاوزاه ..بس إرضي عني يا ملك ...أرجوكِ ..

تنهدت بضيق وحاولت الابتعاد لكنها لم تستطع ..هو الآن محاصرا لها ..
ليتابع بابتسامة تخصها:
-عارف إني غلطت في حقك بس إحنا فيها هصلح كل حاجة بينا واللي هتقولي عليه هيتنفذ ...
صمت قليلاً وهو يحاصر نظراتها الزائغة بين نظراته الوالهة ..ليتابع مجددا:
-بالحرف الواحد ..أوعدك ..
-أي حاجة هقولك عليها؟

سألته بهدوء، فرد فورا بحماس:
-أي حاجة.
-سيبني لحالي ..خرجني من حياتك ..ومتدورش عليا تاني لأي سبب، صلح حياتك مع تمارا عشان خاطر الولد دا ...وأنا انساني ..
ضغط على نواجذه بغضب ،ليستطرد بعنف:
-لما أبقى أموت اللي بتقوليه دا هيتنفذ .. أنتِ قلبك أسود أوي ..!!

-كل اللي بقوله فيه مصلحتك ومصلحة إبنك على فكرة ...وهتكتشف دا مع مرور الوقت أنا ماليش وجود في حياتك ومش عاوزة أعيش معاك تاني يا أدهم !
صمت أدهم قليلا بحزن ..يحاول أن يبقى صامداً..ليتحرر من صمته قائلا بأمل:
-طيب أنا مش هخليكي تعيشي هنا ...هنرجع شقتنا ..هشتريلك بيت جديد هعملك أي حاجة تقولي عليها غير إنك تخرجي من حياتي ..هطلق تمارا ..

-الكلام دا فات أوانه صدقني ...مش بمزاجك تطلق تمارا ..فيه دلوقتي رابط قوي بينكم ..مينفعش تسيبها عشان خاطر الولد وفي نفس الوقت مينفعش تخلي على ذمتك اتنين يبقى أنا اللي أخرج بهدوء ..
ضاقت عيناه وهو يقول بحدة:
-واضح إن دماغك الناشفة اللي هكسرها إن شاء الله دي مش راضية تجبها البر معايا، هاتي الولد ..
أخذه منها وبرح المكان بغضب شديد ،بينما انهارت هي كعادتها الأخيرة في بكاء حار ....

جلست تمارا بصحبة عائلتها في بهو القصر ما أن وصلت ... وهناك قصت عليهم ما فعله أدهم ..أو بالأحرى ما أرادت هي قصه عليهم ليجعلهم يتعاطفون معها ..
لتقول والدتها بتأفف:
-مش عارفة إيه اللي بيحصل دا، إزاي أدهم يفضل البتاعة دي عليكي أنتِ يا تمارا .. أنتِ فين وهي فين اتجنن !!
تدخل فاخر قائلا بجدية:
-أنتِ بتحكيلنا اللي حصل بالظبط يا تمارا ولا أنتِ بتزودي حاجات من عندك؟!

-وهزود ليه يا بابي؟ أنا مش محتاجة أكذب أصلا!
-طب حاسبي بس عشان جناحاتك بتخبط فينا واحنا قاعدين !
ضحكت سانــدرا على عبارة والدها وهي تمسك بطنها البارز بألم ..لتقول تمارا بانزعاج:
-ممكن أفهم بتضحكي على إيه يا ساندرا؟
-على جملة بابا يا تمارا ..مأقصدش أضحك على جنابك !

تمارا بسخرية:
-ولا تضحكي يا ساندرا ..ما هو زي ما بيقولوا الناس الشعبيين الحال من بعضه ..
بادلتها ساندرا سخريتها تلك حين قالت:
-حالي عمري ما هيكون من حالك يا تمارا .. أنتِ هتتحملي نتيجة أفعالك ولازم تعيدي حساباتك كويس قبل فوات الاوان..لكن أنا عارفة بعمل إيه ومجتش هنا اشتكيت أنا بخلي حياتي تكون أفضل مع جوزي بوجودي هنا .. ويوم ما أحس إنه مش حابب وجودي في حياته أنا هبعد عنه تماما ومش هقرب منه تاني لأي سبب ..

-تقصدي إيه؟ إن أدهم كاره وجودي ..
ضحكت ساندرا بتهكم شديد:
-أنتِ بتضحكي على نفسك ولا على مين يا تمارا؟, عاوزة نصيحتي؟, ابعدي عنه تماما وسبيه يعيش مع اللي هو عاوزها وتوبي عن أفعالك وصدقيني ربنا هيعوضك ..
ضحكت تمارا باستهزاء قائلة:
-أتوب؟, ساندرا طول عمرك أوفر على فكرة جدا ..ياريت تخلي نصيحتك لنفسك!
يتبع..


رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني البارت السابع بقلم فاطمة حمدي



-فين الولد يا تمارا ؟؟!
كان هذا السؤال لـ السيد فاخـر الذي نطق الآن باستغراب مترقبًا إجابة ابنته الطائشة، لتجيب عليه بلا مبالاة كعادتها:
-هناك يا بابي ..مع الدادة
-مع الدادة !
تقلصت ملامحه بغضب، بينما يهتف:
-إزاي تآمني عليه مع الدادة يا بت أنتِ؟!, أنتِ طبيعية؟

-يا بابي بقى !, أنا متابعة معاها على الفون أخباره..
لتضيف سُهير قولها:
-عادي فاخر! هي يعني لازم تفضل قاعدة هناك جنب الولد!, لازم تشوف حياتها ..
فاخر وقد قال بامتعاض:
-عارفة يا سهير؟, البت تمارا دي ذنبها في رقبتك ..أنا بحمد ربنا كل يوم إن ساندرا كمان مش نفس اسلوبكم .. الحمدلله إنها بنت شخصية مستقلة بيها ..
-دا على أساس يا بابي إننا شياطين ؟!


 
نهض فاخر دون أن يجيب عليها بينما يهتف وهو يتجه نحو الدرج:
-أنا طالع أنام عشان عندي شغل الصبح ..وفكري وحطي عقلك في راسك ..أدهم راجل مش هتعرفي تعوضيه تاني اعقلي وخافي على نفسك بلاش تسمعي كلام سهير ..لا هي ولا أنا هنعيشلك... فكري قبل فوات الاوان يابنتي ..وتصبحي على خير!


 
نهض ما إن أنهى جملته وتركها صاعدًا الدرج، بينما نهضت ساندرا أيضاً وأكدت على قول والدها:
-كلام بابا كله مظبوط يا تمارا بجد ...اسمعي كلامه دا لو حاسة إن فيه أمل تعيشوا أنتي وأدهم في هدوء ولآخر مرة هقولهالك لو مافيش أمل نهائي ابعدي ولملمي اللي باقي من كرامتك!

انصرفت هي الأخرى ما إن أنهت كلامها، وراحت تمارا تزفر بغضب وهي تقول:
-أنا إيه اللي جابني هنا بس!, هو أنا كنت ناقصة نكد يا ربي بس!, ساندرا وبابي حاجة لا تطاق أنتِ طيقاهم إزاي يا مامي؟
-ولا يهمك يا قلبي ،تعالي نسهر مع بعض وانسي ..
- no, أنا هخرج أسهر برا شوية وكويس أوي إن بابي طلع ينام عشان ميفتحليش محضر أوك يا مامي ..
-أوك يا قلبي وخلي بالك على نفسك!...


 

 
تعرق بشدة ..وضاقت أنفاسه ..زادت آلامه وبات يتألم بقسوة...
لم يعد قادرا على التحمل أكثر من ذلك ... حاول بشتى الطرق ..لكنه كالعادة فشل ..
وقام مسرعًا إلى الحبوب المخدرة.. ليلتقط منها ..واحدة ..اثنان ..ثلاثة ..
وهبط على ركبتيه نادمًا !

ولكن ما الذي يفعله ...
وكل عظامه تتآكل من الألم ..ورأسه سينفجر ..
فتح ذراعيه على آخرهما ..ودعا من أعماقه ..فهبطت دموعه في تسابق مع بعضها البعض ..تحرق روحه قبل وجنتيه ..يعلم أنه ضعيف ..
كيف سيواجه ساندرا بعد الآن؟! ..
ماذا سيقول لها وهو قد خان العهد ..وانصاع لرغبته المُلحة ككل مرة ..
نعم يبكي الآن ..بمرارةٍ كالعلقم ..

لم تكن عيناه تعرفان الدموع من قبل ..
لكن الآن !!!!!!
وقع بين نارين ...بين رغباته وحبيبته ..
فهل ستنتصر الرغبات ؟!
سيكون عبدا ضعيفا للشهوات ؟, أم قويًا ليليق بامرأة قوية مثل زوجته ....
رفع وجهه ينظر من من فتحة النافذة الصغيرة إلى السماء مباشرة.. يدعي أن يمنحه الله قوة تجعله يتخطى هذا الأمر.. وأن يحميه من نفسه الأمارة بالسوء!

الساعة الثالثة فجرًا ..
استيقظ أدهم على صراخ الصغير أحمد ..راح يحمله برفق آخذًا إياه في ضمة قوية إلى صدره ،بينما يهدهده بحنان وافر يحاول تهدئته ...لكن الصغير لم يستجب لكل هذا ..
ظن أدهم أنه ربما جائع ..
فأخذ الحليب الذي أحضرته المربية قبل أن تذهب وحاول إرضاعه بارتباك ..

أيضاً لم يستجب له الطفل ...فنهض زافرًا وهو يقول باختناق:
-منك لله يا تمارا الزفت ..
خرج من الغرفة متجهًا به إلى غرفة والدته ..وطرق الباب بخفوت عدة طرقات ..لكن يبدو أنها نائمة ولم تسمع هذه الطرقات ..
تنهد بنفاد صبر وتوتر ..ثم نظر إلى باب غرفة ملك وتقدم عندما وجد الإضاءة مشتعلة ...

يعلم أنها لن ترفض مساعدة الطفل ..طرق الباب وانتظر قليلاً.. إلى أن فتحت ملك عندما سمعت صراخ الطفل ..ليقول أدهم بهدوء:
-أنا آسف بس أحمد بيعيط مش عارف أسكته ..
ازدردت ملك ريقها وحملت الطفل منه دون تردد، وضعت يدها على جبينه لتقول بحدة شديدة:
-الولد سخن..
أدهم بخوف :
-بجد؟
-إيه أنت مش حاسس بيه ؟!

-أنا مش عارف فكرته دافي عشان كان متغطي أنا هلبس حالا وهاخده للدكتور ...
أوقفته بجدية قائلة:
-مافيش داعي للدكتور، هاتلي كمادات وهات خافض للحرارة وهاتلي الببرونة بتاعته وبسرعة ..
هز أدهم رأسه موافقًا وأسرع يجلب كل هذه الأشياء ..وعاد إليها في لمح البصر بتوتر وقلق شديدين ...

أخذت ملك تضم الطفل أكثر إليها وتهدهده برفق بيد واحدة والأخرى قامت باطعامه جرعة الدواء المناسبة، وهدهدته مرة أخرى بين يديها ليستجب الطفل لها ويهدأ رويدا رويدا ...كان أدهم يتابع الموقف بعينيه في صمت ..
ليجدها تحاول إرضاعه ويستجيب الطفل ويأخذ الحليب بهدوء.. تنهد أدهم بارتياح ومنحها نظرة امتنان تعبر عن شكره لها الآن ...

بعد قليل ...كانت قد وضعت الطفل على الفراش وبدأت تفعل له الكمادات الباردة لتنخفض الحرارة أكثر ... إلى أن انتهت وغط الطفل في نوم عميق ..
اقترب أدهم منها جاثيًا على ركبتيه فاعتدلت في جلستها بتوتر وهي تراه يجلس أمامها هكذا ..ويمسك يدها برفق وقوة كما كان يفعل !!
ثم يقبل كف يدها وتلتقي عيناه بعينيها هامسًا بلطف:
-شكرا يا ملك ..

كادت تتكلم فلم يمنحها الفرصة واضاف بشغفٍ:
-بحبك يا ملك ...
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت إزاحته بعيدًا لكنه لم يهتز وراح يقول بتوسل:
-أديني فرصة تانية ..
لم ترد ولم تمنحه نظرة رضا حتى ..ليقول مغتاظًا:
-أصل أنا هاخد فرصة تانية برضاكي أو غصب عنك فخليها برضاكي أحسن!!

-دا على أساس إيه؟!, أنا مبقتش زي الأول يا أدهم إنسى الغرور دا بقى وفوق والمرة دي أنا اللي هقرر مش أنت ..
-ماشي وأنا منتظر قرارك وعارف إنك هترضي عني عشان أنتِ لسة بتحبيني ..صح ؟!
-لأ مش صح! ولو سمحت اتفضل اطلع برا أنا ساعدك بس عشان خاطر الولد اللي مالوش ذنب في حاجة ..
أدهم وقد قال مراوغًا؛

-طب خليني الليلة بس أنام هنا ..الليلة بس ومش هاجي هنا تاني عشان خاطر أحمد طيب !
-لو سمحت بقى كفاية كدا ..أرجوك أخرج برا الأوضة ..
نهض بيأس وهو يزفر الهواء بغضب جم بينما يهتف بضيق:
-قلبك أسود أوووي يعني!
اقترب يأخذ الطفل لكنها قالت بحزم ووجه مقتضب:
-ممكن تسيبه هنا الليلة ؟! ..

ثم أكملت بتوتر:
-عشان لو تعب تاني أحاول ألحقه ..
ابتسم برفق وقال بنبرة مرحة:
-آه بس بشرط ..
-شرط إيه ؟!
قال رافعا أحد حاجبيه:
-قوليلي بحبك يا أدهم ...
تغضن جبينها بعدم رضا لتهتف باقتضاب:
-خد الولد واطلع برا الأوضة خلاص مش عايزة حاجة!

ابتعد وهو يشير لها بكلتا يديه قائلا بتذمر:
-خلاص خلاص ..خليه وأنا خارج يا ستي !
خرج من غرفتها وهو يتنهد داعيًا:
-ربنا يهديكي عليا!
بينما استلقت ملك جوار الطفل وهي تبتسم له بمودة وتقول بغيظ:
-أنت جميل أوي يا أحمد ..بس خسارة في مامتك ..وكمان باباك!

في الملهى الليلي ...
ترنحت تمارا يميناً ويساراً بغير هدى ..لقد شربت حد الثمالة وباتت في دنيا أخرى غير هذه ..ترقص وتضحك وتدخن السجائر ..
فقد وعيها ..أو عقلها !
تقودها نفسها إلى الشهوات وهي تنصاع بلا اكتراث بأي شيء، فقط ما تريد فعله تفعله ولا مجال للوعظ والنصائح فلتذهب النصائح إلى الجحيم !
-شادي!

نطقت إسمه وضحكت ضحكة رقيعة... بينما تواصل بسخرية:
-أنت لسة عايش يا واطي؟
فيبادلها السخرية تلك وهو يقول باحتقار:
-والله ما فيه أوطى منك!, أنتِ إيه شيطانة مبتهمديش ؟
-أنت عاوز إيه يا حيوان ؟!
-حيوان ؟!

تمالك شادي أعصابه وقد قال بصرامة:
-عاوز مليون جنيه يا تمارا ..جنيه ينطح جنيه ودا لمصلحتك يا بيبي !!
ضحكت مرة أخرى بقوة كبيرة ..وفي تهكم سافر أردفت:
-أنت متسواش مليون مليم يا بيبي ..

تأملها بازدراء ..ثم راح يقول بفحيح:
-طب تمام ..لما أكشف المستور لجوزك وأقوله على التغفيلة اللي غفلتيهاله متبقيش تولولي ساعتها يا بنت الجزار !
اتسعت عيناها بشراسة واقتربت منه تهمس:
-تقصد إيه ؟!
-أقصد كل حاجة زبالة زيك ..شوفي بقى لما يعرف إن الواد اللي بيربيه دا يا بيبي .."مش إبنه" أصـــلا هيعمل فيكي إيــه !!!!!!!!!

تنهض ميـرال عن الفراش في سرعة شديدة ركضًا إلى الحمام ،وتتقيأ بألم وهي تضع يدها بطنها ..
لينهض علـي خلفها في هلع ويربت على ظهرها برفق مع قوله القلق:
-ميرال!, في إيه يا حبيبتي حاسة بإيه ؟!

فترد وهي تستقيم في وقفتها وتضع رأسها على صدره بارهاق وترتجف بشدةة..:
-مش عارفة..
أبعدها علي عنه قليلا كي يتمكن من رؤية وجهها ويسألها بحزم:
-إيه هو اللي مش عارفة؟ ومالك خايفة كدا ليه ؟! ردي عليا حاسة بإيه ؟! ميرال أنتِ حامل؟!..
يتبع..

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني المشهد الثامن بقلم فاطمة حمدي


نظر لها "علي" بصدمة مُترقبًا قولها بفؤادٍ قلق للغاية، وكما توقع هزت رأسها ببطء شديد تؤكد توقعه، أغمض عينيه محاولاً استيعاب ما حدث ووضع كلتا يديه على رأسه وهو يخرج من الحمام بضيق شديد، اتبعته ميــرال وهي ترتجف خوفًا من ردة فعله وملامحه التي تجهمت بقسوة الآن، ازدردت ريقها وقالت بخفوت:
-علي !

رفع ناظريه إليها وقد قال بنبرة عنيفة لم تعهدها هي منه من قبل:
-دا حصل إزاي؟؟, برضوه عملتي اللي في دماغك صح؟!
التفتت وأولته ظهرها هاربة من نظراته الغاضبة تلك، ففاجئها بقوله حين نطق:
-اللي في بطنك دا هينزل يا ميرال، مش ممكن هيستمر أنتِ سامعة ولا لأ؟؟


 
التفتت حينذاك بارهاق شديد، تهتف رغم وهنها:
-نعم ؟!!!، أنت بتقول إيه يا علي ؟, حرام عليك أنت عاوز تقتل روح ؟!!
نهض عن الفراش بحدة هاتفًا:
-نعم ياختي؟, ما هو ممكن أنتِ اللي تموتي أصلاً!! ساعتها بقى أنا هفرح بالروح اللي عمالة تتكلمي عنها دي؟؟ بقولك إيه! بصي كدا لنفسك في المرايا يا حبيبتي أنتِ أصلا مش قادرة تتكلمي وعمالة تتهزي وأنتِ واقفة!, هتحملي وكمان تخلفي؟ أنتِ بتهرجي؟؟


 
حركت رأسها سلبًا، ثم قالت بغضب:
-ماشي أنا موافقة أموت، أنا عاوزة ابقى أم هي كدا حياتي لزمتها إيه؟
-أنتِ كدا بتعترضي على أمر ربنا تمام؟؟!
صرخت بوجهه فجأة:
-مش هنزله يا علي ..مش هنزله أنت سامع بقى ولا لأ؟

رفع حاجبيه مذهولا من حالتها الهستيرية تلك وصوتها الحاد الذي كاد يصم آذنيه! ..ثم ارتجافتها العنيفة وهي تنظر له بمرارة ..
وما لبثت أن أجهشت في بكاء حار.. وراح الدمع يتدفق كسيلٍ على وجنتيها ...بينما تردد من بين شهقاتها:


 
-يمكن ربنا يديني القوة وأقدر أحمل وأخلف وصحتي تكون كويسة، عشان خاطري يا علي، أبوس إيدك، أسرعت تنزل على يده تنوي تقبيلها، فرفعها إلى أحضانه معانقا إياها بقوة، يحاول تهدئتها وتهدئة ذاته أيضاً... لا يريد أن يفقدها ذات يوم جراء حملها ..سيتخلى عن كل شيء إلا هي ! ولتعلم ذلك هي !
-أنا مأقدرش أتخيل الدنيا من غيرك يا ميرال .. أنتِ عندي أغلى من أي حاجة ...لو سمحتي متعمليش أنتِ فيا كدا ..أسمعي كلامي ..

طُرق الباب في هذه اللحظة وقد كانت السيدة سميرة التي دخلت إلى الغرفة بقلق تتساءل بتلهف:
-في إيه يا علي أنا قومت من النوم على صوت ميرال، في إيه يا حبيبتي مالك ؟!
لم ترد ميرال بالطبع عليها من شدة اختناقها وبكاؤها !...
ليقول علي وهو يعاود جلوسه على السرير:
-ميرال حامل يا ماما!

ضمت الأم شفتيها بحزن ونظرت إلى ميرال الغارقة في دموعها ..ثم اقتربت تربت عليها بمواساة مع قولها:
-طب إهدي يا حبيبتي، هو دا حصل غصب عنك؟
-بإرادتها !
هكذا قال علي زافرًا الهواء بحدة، لتُكمل السيدة بعقلانية:
-طب متضايقوش نفسكم ..اهدوا وكل حاجة بالعقل تتحل يا علي ..إيه المطلوب منها بالظبط دلوقتي؟

-لازم تنزل الجنين دا لأن السكر عندها مش مظبوط خالص ..في خطورة على حياتها !
-قولتلك مش هنزله ...أفهم بقى!
كان رد ميرال العنيد عليه، ليصمت علي مقدرًا حالتها ولم يكن يريد المزايدة عليها ..لتقول الأم بهدوء:
-الدكتور هو اللي يقرر ...إن شاء الله بكرة تروحوا للدكتور واللي هيقولوا أكيد هو اللي هيكون الأصح ..

حركت ميرال رأسها بضيق ..وقالت بعناد:
-مش هروح للدكتور ..
رفع علي حاجبه وهتف بصبر:
-كمان مش عاوزة تروحي للدكتور ؟؟...
-أيوة !

أخبرته بقرارها ثم اتجهت إلى الفراش لتستلقي عليه بانهاكٍ وتتدثر جيدًا بالغطاء كما غطت وجهها أيضاً هاربة من نظراته ونظرات السيدة سميرة أيضاً التي ضحكت بخفوت على تصرفاتها الطفولية وبرحت الغرفة لتترك لهما الخصوصية في أمرهما، تنهد علي بتحيّر وقد قال وهو ينظر لها بغيظ:
-الله يسامحك يا ميرال ..الله يسامحك!

اتسعت عيني تمـارا بشراسة وأخذت تتنفس بصعوبة جراء ما قال شـادي !
هل سيكشف أمرها ؟ ..وما مصيرها بالفعل إذا علم زوجها الغافل عن خطيئتها؟؟
زاغت عينيها تفكر جيدًا في هذا الأمر .. بل هذه الكارثة !
لتقول وقد عادت إلى تمردها:
-أنت عارف إني ممكن أخلص عليك ولا حد يعرف حاجة ،عارف ولا لأ ؟

-عارف ! ..بس وشرفك ما هيحصل قبل ما أبلغ جوزك ...
-أنت عارف اللي حصل بينا دا حصل إزاي وأنا مكنتش أقصد فبلاش تعملي فيها واحد كويس!
ضحك شادي متهكمًا مع قوله:
-كنتِ سكرانة ؟! طب وإيه الجديد يا تيمو ما أنتِ على طول سكرانة ...المهم إنك إدتيني نفسك على طبق من فضة ! أنتِ أساسا شيطانة يابنتي ..مع كامل آسفي للشيطان يعني!

-أنت قذر على فكرة ..طب عاوز مني إيه إما أنا بشعة أوي كدا ؟!
ابتسم بشيطنة مع قوله:
-عاوز أستغلك طبعا والعز اللي أنتِ فيه دا اللي أنتِ أصلا متستاهلوش ينولني منه من الحب جانب ولا أنتِ عاوزة تفضلي تخدعي الناس كدا من غير ما تدفعي أي تمن !
عضت على شفتها السفلى ومن ثم أردفت بحدة:
-أوك يا شادي ..هديك الفلوس !
-امتى ؟

-أنا اللي أحدد ..وعلى ما أجهز المبلغ كمان !
شادي مبتسما بظفر؛
-أوك يا روح الروح.. بس بقولك يا بيبي أوعي تحاولي تقتليني أصل أنا موصي ناس حبايبي كدا لو حصلي حاجة يكشفوا المستور على طول ..فكري كدا كويس يا قلبي مع نفسك لأن أنتِ الخسرانة!
ابتلعت ريقها بخوف لأول مرة يظهر على قسمات وجهها ثم تركته وانصرفت تحاول التفكير لإيجاد حل في تلك الكارثة ......

تقلب أدهم على الفراش بأرق ولم يستطع النوم قط ..لم يتوقف عقله عن التفكير .. عقله يخبره أن ملك ..حبيبته قد بغضته ..لكن قلبه!
كان له رأي آخر !
يخبره بأنها غاضبة فحسب ..وسيجتهد هو ليمحي ذاك الغضب عنها ..ستعود صافية إليه ..ولن يتركها مجددا تحت أي ظرف ..

نهض وقد واتته الجرئة أن يذهب إلى غرفتها مجددًا ..لعله يحاول فتح حديثا آخرا معها وتلين معذبته فتمنحهُ السماح !
تحرك في خطوات متمهلة إلى باب غرفتها ...وضع يده على مقبض الباب بتلقائية ففُتح الباب ..
تعجب لذلك ...لكن يبدو أنها نست غلقه بالمفتاح ككل يوم ..

اشرأب بعنقه من خلف ينظر إلى الداخل ليجدها نائمة بعمق جوار الصغير أحمد ..ابتسم بهدوء وولج إلى الغرفة متجها نحوهما ..ليتحدث في وليجته:
-يا ريتك كنتِ مامته الحقيقية يا ملك !
راودته فكرة مراوغة الآن ..وبدون تردد قرر تنفيذها ..ليستلقى جوارها بحذر شديد كي لا تستيقظ فتفعل ما لا يحمد عقباه.. وبعد قليل كان مثلهما ..حيث راح في سبات عميق...

-ساندرا !
همس بها حـازم بعدم تصديق وهو يراها الآن أمامه ..ابتسم ملء فاه وهو يلمس وجهها الجميل الحبيب بأنامله ...بينما يردد بنبرة عاشق:
-حبيبتي.. أنتِ رجعتي !
لم تبتسم له ..وتخطته داخلة إلى غرفتها التي اشتاقت لها ..بينما تهمس بهدوء:
-أنا رجعت بس عشان حصل بيني وبين أهلي مشكلة وماليش مكان إلا هنا لكن لسة عند وقفي منك !
هز رأسه موافقا بصمت ..فقط كان يبتسم بعدم تصديق ..لتسأله بحدة:
-وصلت لحد فين يا حازم ...بطلت ولا لسة؟!

رمش بعينيه وأطرق برأسه لا يعلم ما الرد المناسب لها ..أيخبرها بضعفه ؟!
-ممكن ترد ؟!
لم يرد ..وكان الصمت هو الرد ..
لتعلم أنه مازال ..أهي رخيصة لهذا الحد الذي لا يجعله يعافر لأجلها ؟!!

فما كان منها إلا أن دفعته بكلتا يديها صارخة بوجهه:
-ضعيــــف !!!!
فتح عينيه في هذه اللحظة لاهثا ...وقد أدرك أنه كان حلما ...لينهض ناظرا إلى في ساعة هاتفه ليجد أن آذان الفجر قد اقترب موعده ...
نهض قاصدًا الوضوء والذهاب إلى المسجد ..لربما يلهمه الله الهداية في سجدة لا يشقى بعدها أبدًا ...

عندما تقلبت ملك على الجانب الآخر اصطدمت بوجه أدهم الذي يبدو أنه هنا من وقت كبير ..نائم جوارها بعمق وأريحة ..ما الذي أتى به ..
كانت في المنتصف حيث الطفل على الجانب الداخلي للفراش وهو في الجانب الخارجي ...!!
لم تستطع التحرك خوفا من أن يستيقظ ويصرخ مجددا.. كزت شفتيها بعنف واغتياظ من فعلته ..لكن قلبها كان يخفق بسرعة متلاحقة وهي تراه قريباً منها مجددا بعد انقطاع دام شهور!

ويبدو أن لقلبها بالفعل رأي آخر ..!!
ثوان وقد غالبها النوم مرة أخرى... ولم تفق إلا صباحًا على صوتٍ تعلمه كما تبغضه بشدة ..
فقد كانت تمــارا التي دخلت غرفتها دون استئذان ودون خجل ! تهتف بغضب جم:
-إييييييه اللي أنا شيفاه دااااااا ؟؟؟

اتسعت عيني ملك وهي تحاول النهوض جالسة على الفراش ..وفتح أدهم عينيه أيضاً بضيق وراح ينظر لها باستغراب ..ثم نهض جالسا هو الآخر مع قوله؛
-إيه صوتك العالي دا أنتِ اتجننتي ولا ايه ؟, وإزاي تدخلي كدا من غير ما تخبطي !!
-أخبط إيه أنت بتستهبل ؟ الهانم واخدة إبني في حضنها وتقولي خبطي !! الجربوعة دي تلمس إبني أنا !

كاد أدهم يرد عليها لكـن الرد هذه المرة كان لـ ملك التي هتفت وهي تقفز قفزا من على الفراش إلى الأرض واقفة أمامها بشراسة:
-أنا سكت لك كتير لكن وربي ..كلمة كمان وهوريكي بقى يا حبيبتي البنت اللي جاية من الحواري بتعمل إيه لما واحدة زبالة زيك تغلط فيها !
اتسعت عينا تمـارا بصدمة ...وألقت حقيبة كتفها أرضًا وهي تستطرد بعنف:
-زبالة ! .. أنتِ واحدة فعلا بيئة ومش محترمة و...

ابتلعت حروفها رغما عنها عندما صفعتها ملك ..وجذبتها من خصلات شعرها إليها ومن ثم قامت مشاجرة بينهما وفجأة كان أدهم في منتصف المشاجرة العنيفة تلك ..لا يعلم من أين يتلقى اللكمات ! .
ومن الخاسرة ومن المنتصرة ليهتف بحدة عارمة:
-بااااااااااااااااس !
يتبع..

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الحلقة التاسعة بقلم فاطمة حمدي


استيقظت چنا على طرق الباب، فنهضت بتمهل وهي تحدث نفسها باستغراب:
-دا مين اللي بيخبط بدري كدا ؟
راحت تفتح الباب بإنزعاج وإذا بالسيدة "سماح" والدة زوجها تبتسم بعفوية ونبرة مرحة:
-صباح الخير ،إيه دا أنتوا لسة نايمين يا كسلانين !
ولجت السيدة عبر الباب ما إن أنهت كلامها العفوي، لتتأفف چنا سرًا من مجيئها مبكرًا في هذا الوقت !

لكنها قالت بابتسامة اغتصبتها على شفتيها:
-أهلا يا طنط نورتي ..
-بنورك يا حبيبتي، معلش أنا قلت أجي أفطر معاكم وجايبة كمان الفطار معايا أصلي زهقت من القعدة لوحدي ،متعرفيش ماهر سابلي فراغ قد إيه يا چنا ..
چنا تحاول ألا تظهر مضايقتها من وجودها:
-ربنا ميحرمكيش منه يا طنط ..ثواني هصحيه ...
ذهبت بعد ذلك إلى الغرفة وهتفت ما إن دخلت:
-ماهر ..ماهر !, قوم مامتك برا ..


 
نهض ماهر في حركة سريعة وطغت علامات الفرحة على وجهه قائلا:
-بجد ! طب والله كويس دي وحشاني أوي ..
خرج من الغرفة في ثواني معدودة، تاركا إياها تعض على شفتيها بغيظ ..
رن هاتفها يُعلن عن اتصالٍ ما لتجيب على الفور حينما رأت إسم والدته عليه ..
-صباح الخير يا ماما ،عاملة إيه يا حبيبتي؟
السيدة سميرة مجيبة عليها بهدوء:
-صباح الورد يا حبيبتي، أنا الحمدلله كويسة أنتِ طمنيني عنك؟


 
-بخير يا ماما .. الحمدلله.
تنهدت الأم وقالت:
-يدوم الحمد يابنتي ..كنت عاوزة أتكلم معاكي كلمتين كدا يا چنا ..
-خير يا ماما في إيه ؟
قالت الأم بلا تردد وبعتاب:
-عاوزة أعرف إذا كانت فيه حاجة مضيقاكي من مرات أخوكي ولا حاجة قوليها ..عشان بصراحة معاملتك ليها وحشة أوي يا چنا ..

تكلمت چنا في غضب شديد:
-ليه يا ماما عملتلها إيه إن شاء الله؟, معاملتي لها وحشة إزاي أنا مافيش بيني وبينها أي حاجة هي في حالها وأنا في حالي ..
-طب ليه متتكلميش معاها ليه في حالك وهي في حالها دا أنتِ حتى مرحبتيش بيها لما كانت عندك يابنتي هي دي الأصول اللي علمتهالك يا چنا ؟
تابعت چنا في عصبية:
-اااااه هي الهانم جت تشتكيلك مني بعد ما اكرمتها في بيتي ؟ صحيح بجحة اوي !!


 
-لا إله إلا الله.. يا بنتي والله ميرال ما فتحت بؤها ولا اشتكت دا أخوكي اللي استغرب من معاملتك وعاوز يفهم في إيه بالظبط ...
-آه يبقى الهانم قعدت تشتكيله مني وتكرهه فيا، ما أنا عارفاها نحنوحة أوي وبتستغل علي اكمنه بيحبها، قوللها تبعد عني ومتعمليش مشاكل مع أخويا يا ماما أنا سكتلها بس عشان هي مريضة مش اكتر ...

أردفت الأم في استغراب شديد من أمر إبنتها الغير مفهوم:
-إيه الطريقة دي ؟, أنتِ بتقولي شكل للبيع ولا إيه؟؟ لا لا بجد عيب عليكي يابنتي ..أنا مربتكيش على الأسلوب دا أبدااااا عيب !!
-ماما بعد إذنك أنا هقفل دلوقتي وهرجع أكلمك عشان حماتي عندي ..سلام ..
أغلقت چنا الهاتف ..وتعجبت السيدة سميرة من أمرها ..لتقول بآسى:
-الله يهديكِ يا بنتي وينور بصيرتك !


 
سمعت بعد ذلك صوت باب الغرفة المجاورة ينغلق ..فنهضت تخرج من غرفتها لتجدها ميـرال التي خرجت وهي تجفف وجهها بالمنشفة ..فقالت برفق:
-صباح الخير يابنتي ..
-صباح الخير يا طنط سميرة..
جلست ميرال في صالة المنزل على الأريكة في توتر وهي تفرك يديها بتوتر ..لتسألها سميرة بصبر:
-هو علي لسة نايم ؟!
-أيوة ..

-طب أنتِ مالك زعلانة ليه كدا؟, أنتِ عارفة أنك مش بتهوني على علي أبدا وهو مش بيستحمل زعلك..
ميرال بنبرة حزينة متوسلة:
-ممكن حضرتك تقنعي علي ميخلنيش أنزل اللي في بطني ..عشان أنا نفسي مينزلش وعاوزة ابقى أم ..
نظرت لها الأم ولا تعرف ما الذي تقوله ..تراها محقة وترى إبنها محق أيضاً ..كلاهما على حق !

-مش علي اللي هيقرر أنا قلتلك امبارح يا حبيبتي الدكتور هو اللي هيقرر ..
-الدكتور ممكن يقرر نفس القرار دا وعشان كدا أنا مش عاوزة أروح ..إرادة ربنا فوق كل شيء وأنا حاسة إن ربنا هيجبر بخاطري ..
-والله مش عارفة أقولك بالظبط ..ونعم بالله يابنتي ..
خرج "علي" بعد عدة دقائق من الغرفة وهو يفرك عينيه يحاول الافاقة ..ليقول باتزان:
-صباح الخير ..

ثم جلس بالقرب من زوجته الصامتة بملامحها المنزعجة، فترد الأم بدورها::
-صباح النور يا حبيبي ..إيه مش مستعجل النهاردة يعني أنت أجازة ولا إيه ؟
حرك رأسه نافيًا ليقول بجدية:
-مش إجازة ،بس هروح الشغل متأخر شوية على ما اودي الهانم دي للدكتور ..
نظرت له ميرال بغيظ واحتقن وجهها بشدة، فترد بغضب:
-مش هروح وأنا قلت لك كدا أنا مش هروح !

نظر لها رافعا أحد حاجبيه مع قوله:
-أنا فعلا دلعتك وأوي ...وعشان مش بتهوني عليا أزعلك بقيتي بتسوقي فيها وبتردي عليا وبتزعقي كمان ..أنا مش عاوز اعمل معاكي زي الرجالة ما بتعمل بس أنتِ هتضطريني أعمل كدا لو محطتيش لسانك في بؤك وسكتي وسمعتي الكلام اللي اقوله تمام ؟
تجمد الدمع في محجريها سريعًا وهي تستمع إلى لهجته الحادة الصارمة ..صمتت قليلاً لكنها لم تستطع كبح الكلام فقالت:
-هتعمل إيه يعني هتمد إيدك عليا؟!

وعلى عكس توقعها قال بحزم:
-آه ..
نظرت له من بين دموعها التي راحت تتساقط في سرعة ونهضت غاضبة على الفور إلى الغرفة مجددا، فقالت الأم بعتاب:
-ليه كدا بس يا علي؟ ..بدل ما تهديها بتقولها كدا؟
-ماما أنتِ مش شايفة إسلوبها ؟, أنا من امبارح وأنا ساكت بس بجد دي ممكن تضيع نفسها بسبب دلعها وتهورها ..لازم أخليها تبطل حتى لو بالقسوة .. طالما هي هتوصلني لكدا معاها ..

-يابني اعذرها مش كدا ..احساسها ماحدش هيفهمه وهي لو بتدلع عليك فهي عشمانة فيك مش اكتر ..ميرال ما بتدلعش على حد في الدنيا دي كلها غيرك ..لأ يا علي بلاش تقسى معلش حاول معاها تاني ..أنا عارفة إنك ليك طاقة بس برضوه متنساش ظروفها ..
زفر علي باختناق ومسح على شعر رأسه بعنف ..ثم نهض إلى الشرفة يتنفس الهواء بعمق...

كانت تمــارا في غرفتها تزرع الأرض ذهابا وإيابا، تنظر إلى المرآة بذهول شديد، شعرها مشعث ووجنتها عليها آثار صفعات ملك لها ..صرخت بتلقائية منها حيث أنها لم تصدق ما فعلته الأخيرة معها !!
تعودت أن تتوجه لها بالإهانة دومًا بينما الأخرى تصمت وتبتلع ..لكن كما يقولون للصبر حدود !
وهي قد تعدت كل الحدود !, وها هي الآن تدبر لها انتقام !
صرخ ابنها أحمد وهو على الفراش ..فصاحت به وهي تحمله بعنف قائلة:
-يووووه أخرس بقى إيه القرف داااا ..

ازداد صراخ الطفل وبكى بشدة ...ولم تستطع السيطرة على نفسها لتتركه بإهمال على الفراش وتنادي على الخادمة بنفاد صبر قائلة بلهجة آمرة:
-تعالي هنا شوفي الولد ..نيميه ولا إعمليله أي حاجة يخرس بقى !
انصاعت الخادمة لها لكنها رمقتها باستغراب شديد ..وهي تتجه إلى الطفل تحاول اسكاته ..
ولج أدهم في هذه اللحظة وراح يهتف بغضب شديد:
-أنتِ مالكيش أي لازمة في الحياة؟ حتى إبنك مستخسرة تهتمي بيه أنتِ إيه يا شيخة شيطانة ؟؟ ربنا يهدك أو ياخدك ونرتاح منك بجد ..

نظرت له بعنفوان تجيده وقد قالت بعنجهية:
-إبني وأنا حرة فيه يا بيبي ..ماحدش هيكون أحن عليه مني أنا ..وأوعى تحلم إن حد ممكن يربيه غيري !! ..
كز أدهم على أسنانه بعنف وراح يصيح بها:
-ربي نفسك الأول وبعدين ربيه ..أنا فعلا بني آدم مش طبيعي عشان في يوم من الايام دخلت واحدة زيك حياتي وخلفت منها كمان !
-أنا كمان ندمت إني حبيت واحد زيك ...باع واشترى فيا !
-أنتِ بتعرفي تحبي ؟ لا بجد أنتِ زي البني آدمين أصلا ؟!

-أنت عاوز توصل لإيه بالظبط ! على فكره انا كمان مش حابة أعيش معاك في الذل دا بس متحملة عشان خاطر إبني اللي مالوش ذنب في أي حاجة وعشان كمان عارفة إنك هتاخده وتديه للحيوانة دي !!
كور قبضة يده يحاول السيطرة على انفعاله ..ليقول:
-خسارة فيك أضيع وقتي والله .. أنتِ لازم تعرفي إنك قاعدة هنا ولسة على ذمتي عشان خاطر أحمد عشان مش عايز اظلمه وللأسف مش عاوز أظلمك برضوه مع إنك متستاهليش أصلا ..
خرج ما أن أنهى الكلام صافقا باب الغرفة خلفه .. هبط درجات السلم بسرعة غاضبةة وكانت تتابعه ملك التي وقفت على عتبة غرفتها بآسى ..

دخل علـي إلى الغرفة مجددا واستخرج ملابسه من الدولاب فقد قارب موعد عمله ..كانت ميرال مازالت تبكي وهي تنظر له بمرارة، لكن هاجمها الغثيان مرة أخرى فجعلها تنهض راكضة إلى الحمام ،وبالطبع لم يستطع علي الاستمرار في تجاهلها !
ركض خلفها بقلق وربت على ظهرها يحاول طمئنتها ..بأنه جوارها هُنا مهما حدث !

ضمها إليه ما أن انتهت وراح يغسل لها وجهها برفق وفي صمت ...
كانت مرهقة حقًا لا تستطيع حتى الوقوف على قدميها ..فحملها بقلب واجل واتجه بها إلى الغرفة قائلا لها بعتاب:
-عاجبك اللي بيحصلك دا ؟, عاجبك ؟
وضعها على الفراش وجاورها قائلا بحزم هادئ:
-طب أسيبك وأروح شغلي إزاي دلوقتي.. انتي مفكرتيش طيب إنك ممكن تقعي لا قدر الله ولا تدخلي في غيبوبة وساعتها هتفقدي برضوه الحمل ؟ ليه بتفكري من زاوية واحدة بس ؟ليه؟

وهي لم ترد عليه ..ولم تقتنع ..هي بالفعل عقلها بل وقلبها أيضًا يفكر في اتجاه واحد فقط ..-أمومتها- فحسب !
-ردي عليا !, أنا بكلم نفسي دلوقتي؟؟
تحررت من صمتها أخيرا وهي تقول:
-ارد أقول إيه ؟, أنت خلاص قررت قرارك هتوديني للدكتور ولو مروحتش هتضربني ..عاوز مني إيه تاني ؟
أمسك فكها بقوة وقال من بين أسنانه المطبقة:
-عاوزك أنتِ .. أنتِ بس !

-هتنكر إنك نفسك تبقى أب ؟
-نفسي طبعا ..بس مش على حساب صحتك أو حياتك !!!!
-يبقى هيجي يوم وتتجوز عليا.. أنا عارفة !
ضغط على نواجذه يحاول كبح انفعاله ليواصل:
-بصي يا ميرال بالذوق بالعافية هتعملي اللي هقولك عليه عشان من الواضح كدا المناقشة معاكي يا هتجبلي جلطة أو هتخليني أرمي نفسي من البلكونة ..
كشرت عن جبينها قائلة بجدية:
-بعد الشر عنك ..إزاي تقول كدا ؟

نهض وراح يرتدي ملابسه بحزن مع قوله:
-تعبت منك خلاص ومن الدنيا كلها ربنا ياخدني وأرتاح !
نهضت عن الفراش هي أيضا متجهة نحوه باشفاق:
-علي حبيبي ..ليه كدا ..أنا مأقصدش اتعبك ..طب حقك عليا ..
-ولا حقي ولا حقك أنتِ مبتفكريش إلا في نفسك بس وعلي !! يولع بقى ..
-أنا !

-أيوة أنتِ!!
تنهدت ميرال بحزن واقتربت منه ..تعانقه بقوة وتخبره بصدق:
-أنا مأقدرش على زعلك أبدا يا علي .. طيب بص هروح للدكتور ..وأنا هفضل أدعي من هنا لحد ما اروح للدكتور إنه يقول ينفع الحمل يكمل ..
ابتسم علي بانتصار وضمها إليه أكثر قائلا:
-أهو دا الكلام ..

تعرق وجه ســاندرا بشدة وشعرت بألم شديد يجتاح أحشائها .. شعرت بالخوف وارتعش جسدها بالكامل.. ظنت أنها لحظة الولادة ..هذا الشعور يخبرها بذلك .. هذا الألم فاق طاقتها .. صرخت من شدة الألم ونادت على والدتها عدة مرات لكنها لم تلبي النداء ..لم تكن والدتها بالقصر ..
ولم يكن والدها أيضا متواجد ..لا تعلم بمن تستغيث ..

ولم تتردد في أن تهاتف زوجها مؤكدًا بأنه سيسعفها مهما حدث بينهما من خلافات .. هكذا ظنت ...
بيد مرتعشة أمسكت هاتفها وأجرت عليه اتصال ..فأجاب على الفور ..لتقول باستنجاد:
-الحقني يا حازم ..أنا شكلي بولد ..

رد عليها بتلهف يحاول تهدئتها:
-طب إهدي ..متخافيش أنا جايلك يا حبيبتي.
-بسرعة الله يخليك أنا هموت من الخوف ..
هكذا قالت ببكاء من بين دموعها ،فقال وهو يتحرك من مكانه على الفور:
-هكون عندك حالا متقلقيش ...
يتبع..

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني الفصل العاشر بقلم فاطمة حمدي


باقي حلقات الرواية متوفرة بشكل حصري على مدونة يوتوبيا
يجب كتابة تعليق كي تظهر لك الآن
اكتب رأيك في الفصول المنشورة من الرواية في تعليق كي تظهر لك باقي الفصول..

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

لو عايز أي رواية pdf .. أو لو عايزنا نعرفك لما الرواية إللي بتتابعها ينزل منها حلقة جديدة، انضم لقناتنا على التيجرام: من هنا 
ما هو الفصل الذي تود قراءته؟