القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم نسمة مالك

 رواية جبر السلسبيل الحلقة الثامنة والعشرون 28 بقلم نسمة مالك

رواية جبر السلسبيل الجزء الثامن والعشرون 28 بقلم نسمة مالك

رواية جبر السلسبيل البارت الثامن والعشرون 28 بقلم نسمة مالك

رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم نسمة مالك

رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم نسمة مالك


✍️نسمة مالك✍️..
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. 
"عبد الجبار".. 
بعدما قضى النهار بأكمله داخل المستشفى برفقة "خضرا" لم يذهب إلا بعدما اطمئن أن حالتها الصحية أصبحت مستقرة ، و أخبره الطبيب أنها تحت تأثير العلاج و المسكنات و لن تفيق قبل الصباح،
تركها و ذهب على أمل العودة لها ثانيةً بأسرع وقت ممكن، قاد سيارته بتجاه منزله ليطمئن على ابنتيه و والدته قبل أن يسافر الأسكندرية لزوجته، كان التعب و الإجهاد ظاهر على محياه بوضوح خاصةً أنه لم يرى النوم منذ ليلة أمس.. 
صف سيارته داخل حديقة منزله، و هبط منها مهرولاً حين وصل لأذنه صوت بكاء الصغيرتان.. 
" فاطمة.. حياة".. 
نطق بأسمهما بلهفة فور دلوفه من باب المنزل.. 
"أبوي".. 
صرخا بها و هما يركضان نحوه، ليستقبلهما هو داخل حضنه بعناق قوي غمرهما بالحماية و الأمان.. 
"أمه فين.. مچتش وياك ليه.. أمه چرالها ايه يا أبوي"..
"بكفياكم بكى عاد.. أمكم زينه يا بتي".. 
قالها و هو يزيل عبراتهم المنهمرة بأنامله، و لثم وجنتيهما بقبلاته الحانية مكملاً.. 
"و اني هچيبها لكم أصبح".. 
"اممم يعني لحقوها يا عبد الچبار!!!".. 
دمدمت بها "بخيتة " التي أقبلت عليه هي الأخرى و وقفت بجواره تطلع له بنظرة متفحصة، و قلب يتمنى أن تكون" خضرا" فارقت الحياة و حلت عن سماء وحيدها.. 
تنهد "عبدالجبار" براحة و هو يُجيب على سؤالها.. 
" الحمد لله يا أمه".. 
"طيب مچاتش وياك ليه.. هاتها دلوجيت يا أبوي و إني و حياة هنبجي حواليها و هناخد بالنا منِها".. غمغمت بها" فاطمة" بتقطع من بين شهقاتها، كان الخوف ظاهر على ملامح الصغيرتان،فما فعلته والدتهما خطأ فادح بحق ربها، و نفسها، و بحق أبنتيها.. 
تنقل" عبدالجبار " بعينيه بين ابنتيه، يتأمل هما بنظراته التي تبث الطمأنينة بقلوبهما الصغيرة المرتعدة، و تحدث بهدوء قائلاً.. 
"حاضر.. من عنيا هچبلكم أمكم بس اطمن عليكم لول، و اعشيكم و هروح لها لو لقتها خلصت علاچها هچيبها و اچيلكم طوالي".. 
سارت "بخيتة" مستندة على عكازها تجاه غرفة المكتب، و مدت يدها فتحت الباب مردفة قبل أن تخطو للداخل.. 
"الوكل چاهز على السفرة أني عملته لكم بيدي يا ولدي.. كل و وكل البنته و تعالى رايده اتحدتت وياك هبابه".. 
حرك رأسه لها بالايجاب، و سار برفقة ابنتيه تجاه مائدة الطعام، اجلسهما و جلس بجوارها، و بدأ يطعمهما بيده لم يتركهما حتى أنهو طعامهما ، و صعد معاهما لغرفتهما و ظل برفقتهما حتى غلبهما النعاس داخل حضنه.. دثرهما جيدًا بالغطاء ، و قبلهما بحب شديد قبل أن ينتصب واقفًا و يغادر الغرفة غالقًا الباب خلفه بحرص.. 
توجهه لغرفته، و اختفى داخل الحمام لدقائق، و خرج مهرولاً نحو ثيابه أرتدي جلبابه الصعيدي الذي يزيده هيبه و وقار، و يظهر طول قامته المهيب، و ضخامة بنيته الرياضية بهيئة تخطف الأنفاس ، أخذ متعلقاته الشخصية بعدما أنتهي من تمشيط خصلات شعره الكثيفه، و نثر عطره الخاص بغزارة، و غادر الغرفة بخطي واسعة.. 
"عبد الچبار!!! قولتلك رايده اتحدتت وياك ".. نطقت بها "بخيتة" أوقفته قبل أن يعبر باب المنزل الداخلي.. 
"هچيب سلسبيل، ولما أعاود نتحدتت يا أمه".. 
قالها و هو يتابع سيره للخارج، لتسرع "بخيتة" خلفه صائحة بغضب.. 
"خليك مع عروستك و بكفياك أكده يا ولدي.. أنت غلطت لما هملتها و چيت بعد ما دخلت عليها .. الأصول تبجي وياها أقل واچب أسبوع.. مافيش واحد يهمل مراته ليلة دخلتهم و يروح لمراته التانية.. أنت قويت شوكة خضرا بعملتك دي.. عطتها حق فوق حقها خلتها اتفرعنت و عملت عملتها المهببة دي لاچل ما تلوي دراعك و تربطك چارها من غير ولد و لا سند ليك و للبنتة الصغار".. 
" بناتي يا أمه ميهمنيش في الكون كله دلوجيت إلا هما.. بكفايا الخوف و الرعب اللي عاشوا فيه انهاردة..و لخاطرهم هچيب سلسبيل و أعاود لاچل ما أكون چارهم ".. 
صمت لبرهةً و تابع و هو يفتح باب سيارته، و جلس خلف المقود.. 
" و چار أمهم.. ده حقها عليا في تعبها يا أم عبد الچبار".. 
قالت "بخيتة " بغضب عارم.. "أنت عطيها فوق حقها الطاق عشرة لحد ما طمعت و الطمع عمي عنيها و رايده تاكل حقك و حق سلسبيل مراتك كمان.. إحذر منها يا ولدي"..
أنهت حديثها، و تركته و عادت للداخل، بينما هو هم بقيادة السيارة لكن صوت هاتفه الذي صدح مرات متتالية معلنًا عن وصول أكثر من رسالة بوقتٍ واحد، جعله يسرع بفتحه و قد زحف القلق لقلبه حين رأي اسم الطبيب المعالج لزوجته"سلسبيل "..
ظهر الغضب على قسمات و جهه حين استمع محتوي الرسالة الصوتية المرسلة له برفقة مجموعة من الصور للطبيب يظهر بها الضرب المبرح الذي تعرض له على يد جابر..
"عبد الجبار بيه في واحد اسمه جابر خطفني و بهدلني ضرب هو و أصحابه لدرجة أنه كان هيولع فيا و مسبنيش إلا لما قولتله على الإتفاق اللي بيني و بين سيادتك.. أرجوك تعذرني و تسامحني مكنتش أقصد أخون ثقة سيادتك فيا بس هو مجنون و كان هيقتلني يا باشا"..
صك "عبد الجبار " على أسنانه، و تمنى لو كان "جابر" أمامه في هذه اللحظة، أقسم بداخله أنه لن يتركه إلا بعدما يلقنه درسًا لن ينساه طيلة عمره..
أيقن الآن أن خصيمه لا يُستهان به، خاصةً بعد علمه باتفاقه اللعين هذا، بالتأكيد سيكون أول شيء سيخبر به"سلسبيل " فور رؤيتها حتى يؤثر على علاقتها به..
أخذ نفس عميق، و زفره على مهلٍ، و قاد سيارته بأقصى سرعة ممكنه عاكسًا غضبه عليها، محدثًا نفسه بتعقل و هدوء عكس تعابير وجهه الغضوب..
"هصارحك بالحقيقة بنفسي يا سلسبيل".. 
أرتجف قلبه بقوة بين ضلوعه و هو يتخيل رد فعلها بعد معرفتها بأنها ليست مريضة، و كل ما حدث لها كان مجرد إتفاق أحمق حتى يجعل زوجته الأولى تطلب يدها له بنفسها، و يتم زواجه منها غرضه و مقصده الذي سعي لتحقيقه دون التفكير في عواقبه..
............... سبحان الله وبحمده................. 
"سلسبيل"..
جهزت أصناف متعددة من أشهى المؤكولات و الطواجن الصعيدية الشهيرة بكميات كبيرة ، و الكثير من الحلويات الشرقية بمختلف أنواعها، حتى أنها خبزت الخبز بيدها بمهارة طاهية محترفة أمام أعين جميع العاملين بالمنزل الذين يتطلعون لها بذهول و انبهار في أنٍ واحد لسرعتها الشديدة و خفة يدها ، و قد سأل لعابهم من رائحة الطعام الذكية..
"ما شاء الله عليكِ يا بنتي.. مين علمك الطبيخ الحلو ده يا سلسبيل هانم!!!".. 
أردفت بها "عفاف" الواقفة بجوارها تتابع ما تفعله بأعين مندهشة.. 
أبتسمت لها "سلسبيل" و هي تقول بودٍ.. 
"سلسبيل بس يا دادة عفاف.. أنتي لسه كنتِ بتقوليلي إني زي بنتك".. 
بادلتها" عفاف" الإبتسامة، و ربتت على ظهرها بحنو مرددة.. 
"ربنا يحميكي لشبابك يا سلسبيل".. 
تنهدت "سلسبيل" و قد ظهرت بعينيها لمحة حزن و هي تقول.. 
"مرات أبويا و حماتي هما اللي علموني الطبيخ.. أصلي كنت شايلة بيت أبويا من كافة شيء قبل ما اتجوز، و لما اتجوزت شلت البيت عند حماتي"..
رأت "عفاف" العبرات التي ترقرقت بعينيها، و ملامحها المتألمة التي تعكس مدى الوجع الموجود بأعماق قلبها حين داهمتها ذكري ما مرت به من ذل و إهانة تذوقتهم على يد كلاً من والدها و زوجته، و من بعدهما زوجها السابق و والدته، حاوطت كتفيها و ضمتها لها بحنان أم فقدته "سلسبيل" منذ نعومة أظافرها..
"طيب يله يا بنتي سيبي اللي في أيدك و كفايا عليكي كده و البنات في المطبخ هيطلعوا الأكل اللي في الفرن لما يستوي و أطلعي أنتي على أوضتك أنا حضرتلك الحمام عشان تجهزي قبل ما جوزك يجي" .. 
نظرت لها "سلسبيل" بعدم فهم، تسألها بعينيها كيف تتجهز لزوجها؟!!، رغم أنها ظلت على ذمة رجل خمسة سنوات كاملة إلا أنه لم يُتيح لها فرصة لتتجمل له ولا مرة واحدة طول فترة زواجها فوجهها كان دومًا به صفعات ولكمات داميه تاركة بقع زرقاء و حمراء و شفتيها لم تشفي جرُحتها إلا بعد موت زوجها و بُعدها عن والدها.. 
تفهمت "عفاف" نظرتها جيدًا، فسارت معاها تجاه الدرج المؤدي لغرفتها وهي تقول بحنو.. 
"لو تحبي أساعدك و أجهزك بنفسي أنا تحت أمرك".. 
"ياريت يا دادة عفاف أنا مش عارفه المفروض ألبس أيه و لا أعمل شعري و اتزوق إزاي"..
همست بها "سلسبيل" بستحياء لا تخلو من اللهفة، تريد أن تظهر جمالها لزوجها الذي هو بالأساس يراها أجمل نساء العالم بنظره، حتى في أسوأ حالتها كان يتطلع لها بافتنان يخبرها بنظراته المُتيمة أنها أمراءته الفاتنة التي غزت مشاعره بعشقها و انتصرت في أمتلاك قلبه ..
قضت "عفاف" وقت ليس بقليل في تجهيزها، كانت تعاملها بحنان مفرط و قد أعتصر قلبها عليها بعدما رأت أثار الضرب و الحروق على جسدها الهزيل، لم تستطيع كبح عبراتها التي انهمرت من عينيها رغمًا عنها.. 
ضمتها لصدرها بعناق دافئ، و يدها تربت على ظهرها برفق وهي تقول.. 
"يا حبيبتي يا بنتي.. مين عديم الرحمة اللي قدر يعمل فيكِ كده".. 
"اللي في جسمي ده من أقرب الناس ليا اللي المفروض يكونوا حمايتي و أماني هما اللي بهدلوني و عذبوني لحد ما كنت هموت في أيديهم أكتر من مرة و ربنا نجاني و كتبلي عمر جديد".. 
رفعت يدها و زالت دموع "عفاف " و تابعت بابتسامة تخفي خلفها ألمها و وجعها.. 
" متعيطش يا دادة عفاف كل اللي حصل لي ده بقي ماضي بحاول أنساه.. مش عايزه أفتكر أي حاجة غير أني دلوقتي بقيت مرات عبد الجبار المنياوي اللي بيحاول يعوضني عن كل اللي شوفته في حياتي قبله، و قالي إن محدش يقدر يلمس مني شعره واحدة بعد كده".. 
" ربنا يهدي سرك و يفرح قلبك يا سلسبيل يا بنتي ".. غمغمت بها" عفاف " و هي تجفف لها شعرها بعدما إنتهت من تجهيزها بداية منبت شعرها حتى أصابع قدميها، كما لو كانت عروس بليلة زفافها..
ساعتها على أرتداء فستان رقيق من اللون الأزرق به نقوش هادئة من اللون الكافيه يظهر قوامها الممشوق ،حذاء رقيق ذو كعب عالِ من نفس لون الفستان، مشطت لها شعرها و تركته منسدل على ظهرها بنعومة، و وضعت لها ميك أب جريء إلى حدٍ ما ظهر جمال عينيها الواسعتين، و شفتيها المزمومة بهيئة مثيرة..
تطلعت "سلسبيل" لانعكاس صورتها بالمرآه بأعين منبهرة و فرحة غامرة تعيشها لأول مرة و هي تري نفسها قد أصبحت أنثى كاملة الأنوثة كما ينبغي أن تكون.. 
شهقت بسعادة بالغة حين استمعت صوت بوق سيارة زوجها معلنه عن وصوله،  ركضت نحو النافذة تطل منها بلهفة، رفرف قلبها بين ضلوعها حين رأته يهبط من السيارة بعدما قام "حسان" بفتح بابها له.. 
"أنا هروح أقول للبنات في المطبخ يجهزوا العشا.. عايزه مني حاجة تانية يا سلسبيل يا بنتي".. 
أردفت بها "عفاف" و هي تسير لخارج الغرفة، لتلحق بها "سلسبيل" راكضة و تعانقها بقوة مغمغمة بامتنان.. "مش عارفة أشكرك إزاي يا دادة.. أنا تعبتك معايا أوي انهاردة".. 
بدلتها" عفاف " العناق قبل أن تغادر الغرفة غالقة الباب خلفها، وقفت" سلسبيل " بمنتصف الغرفة عينيها مثبته على بابها تنتظر طلته عليها بنفاذ صبر، علقت أنفاسها بصدرها حين اخترقت حواسها رائحة عطره النفاذه.. 
تسارعت نبضات قلبها بجنون و أصبح صدرها يعلو ويهبط بصورة واضحة حين فُتح الباب، و رأته مقبلًا عليها بلهفة و عينيه تشملها بنظرات متفحصه لا تخلو من الإعجاب حتى توقف أمامها مباشرةً المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان.. 
كلاً منهما يتأمل الأخر بصمت، نظراتهما المشتاقة تحكي الكثير و الكثير من المشاعر المختلطة التي يُصعب وصفها بمجرد كلمات ، ألقى ما يحمله بيده، و دون النطق بحرف واحد مد يده حاوط خصرها، و خطفها داخل صدره بعناق محموم ود به أن يخفيها داخل أعمق نقطه بقلبه..
حاوطها بذراعيه و حملها بمنتهي الخفه حتى أصبحت قدميها مبتعدة عن الأرض بمسافة ليست بقليلة رغم أنها ترتدي حذاء ذو كعب عالِ.. 
سار بها تجاه أقرب مقعد، جلس و أجلسها على قدميه دون أن يبعدها عن صدره، رفعت "سلسبيل" رأسها و نظرت له بلهفة حين شعرت بتشنج جسده من حولها.. 
"مالك يا عبد الجبار.. في حاجة حصلت!!!".. 
همست بها بخوف ظاهر بنبرة صوتها، و قد بدأ جسدها يرتجف قليلاً بين يديه.. 
مسد بكف يده على طول ظهرها يهدأها بحركاته هذه، و رفع يده الأخرى يزيح شعرها عن وجهها حتى يتمكن من تأمل ملامحها جيدًا، و تحدث بتوتر فشل في اخفاءه قائلاً.. 
" سلسبيل رايد اتحدتت وياكِ في حاچة مهمة".. 
ابتلع لعابه بصعوبة جعل الدماء تنسحب من وجهها، و شحب لونها حين رأت مدى قلقه الذي تحول لشبه ذعر و هو يقول بنبرة راجية.. 
"بس رايدك توعديني لول إنك تفهميني زين".. 
"أوعدك.. أوعدك يا عبد الجبار.. قولي في ايه قبل ما قلبي يقف من الخوف".. 
همست بها بأنفاس متلاحقة و هي تتشبث بجلبابه بأصابع يدها و كأنها تستمد منها القوة على الثبات.. 
وضع كفه على موضع قلبها يستشعر خفقاته المتسارعة أسفل راحة يده مغمغمًا بهدوء عكس ضجيج قلبه.. 
"معوزكيش تخافي من حاچة واصل.. و لو على جلبك فهو عال العال و مش محتاچ حتى للمقويات اللي كاتبها لك الدكتور".. 
عقدت حاجبيها و تطلعت له بنظرات متعجبة ، لم تفهم مخزي حديثه و قد ظنت أنه يقول حديثه هذا ليخفف عنها عبئ مرضها، أو ربما تفهمت لكنها تستبعد هذا الظن و بداخلها تتمنى أن يكون قلبها بخير حال لعلها تتمكن من الإنجاب.. حلمها و ما تسعي لأجله، تريد أن تنجب منه طفل و تموت بعدها لا تُمانع أبدًا .. 
"مقويات!!!".. 
حرك رأسه لها بالايحاب و بقوة زائفه قال.. 
" أنا كان عندي إستعداد أعمل أي حاچة في الدنيا لاچل ما تبجي مراتي يا سلسبيل ".. 
"حتي لو هتقول إني مريضة و مش هقدر أكون لك زوجة عشان تخلي أبلة خضرا تجوزني ليك بنفسها مش كده يا عبد الجبار ؟!!!".. 
أردفت بها و هي تبكي و تضحك بأنٍ واحد، بهتت ملامحه، و تطلع لها بأعين جاحظة مرددًا بتقطع.. 
" عرفتي كيف.. مين اللي قالك!!! ".. 
" قلبي".. هكذا جاوبته بمنتهي البساطة، و من ثم اجهشت في البكاء مكملة بنحيب.. 
" قلبي كان حاسس بسبب لهفتك عليا، و استغلالك لكل فرصة نبقي فيها لوحدنا عشان تقرب مني فيها".. 
تخضبت وجنتيها بحُمرة قانية و تابعت بخجل.. 
"لحد ما حصل و بقيت مراتك بجد مش على ورق بس وقتها اتأكدت إني كويسة و مش تعبانه زي ما فهمتوني بالذات لما أنت كلمت الدكتور بالاجنبي عشان مفهمش كلامكم"..
صمتت لبرهةً، و نظرت لعينيه التي تستجديها أن تغفر له فعلته هذه، رفعت يدها و وضعت أصابعها الباردة على ذقنه الكثيفه، و تابعت بثقة.. 
"لو كنت تعبانه فعلاً كنت هتخاف عليا و مكنتش هتلمسني أبدًا ".. 
مال بوجهه ولثم باطن يدها بعمق مغمغمًا.. 
"حقك على جلبي و عيني..أني خابر زين إن اللي عملته ده عاملة عفشة و أنانية مني و يمكن طمع كمان لأني مكنتش رايد أخسر خضرا أم بناتي و لا اتسبب في وچعك و وچعها" .. 
استند بجبهته على جبهتها، و تابع بلهجة أكثر خشونة و كأنه يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده..  
"عشقان أني عشقتك و العاشق معلهوش لوم يا بت جلبي أوعاكِ تزعلي مني يا زينة البنتة لو رچع بيا الزمن تاني هعمل المستحيل لاچل ما تبجي مراتي و تحت حمايتي يا سلسبيل".. 
ختم حديثه و مس شفتيها بشفتيه بقبله متلهفة و يده تضمها له بقوة لصقها به، 
تشنجت بين يديه و إرتفع صوت نشيجها أكثر جعلت قلبه يسقط أرضًا من شدة فزعه و خوفه عليها، و تحدثت بتقطع من بين شهقاتها الحادة قائلة.. 
"مش زعلانة منك يا عبد الجبار.. أنا مكنتش عايزه حاجة من الدنيا غير أني أكون في حمايتك أنت وبس".. 
أثلجت قلبه بجملتها هذه، تنهد بارتياح و ضمها لصدره بكل ما قوته.. قربها يطمئن صخب قلبه النابض بعشقها.. 
"العشا جاهز يا عبد الجبار بيه".. 
كان هذا صوت "عفاف" صدح عبر باب الغرفة المغلق، ابتعدت" سلسبيل " عن زوجها الذي أبي أن يتركها إلا بعدما مسح عبراتها بأنامله، و قبل عينيها بعمق.. 
"أنا عملتلك الأكل انهارده بأيدي".. 
همست بها قبل أن تنتصب واقفة و تسير تجاه الباب فتحته و تحدثت ببشاشة و هي تجذب العربة الموضوع عليها الطعام للداخل أمام نظرات زوجها المفتون بعشقها.. 
"تسلميلي يا دادة عفاف.. و من فضلك خلي كل اللي في البيت يسيبوا اللي في أيديهم و يقعدوا يتعشوا.. أنا عاملة الأكل بزيادة عشان خاطركم".. 
.......................... صل على محمد.... 
بمنزل متوسط الحال، تجلس "سعاد" برفقة "صفا" ابنة زوجها صاحبة العشرون عام،شابة جمالها رقيق، و لكن ملامحها يبدو عليها الحزن الشديد، شاردة بعيدًا بذهنها فيما حدث لها، تعرضت لصفعه خذلان دامية على يد خطيبها السابق الذي تركها قبل زفافها بأسبوع واحد بسبب اعتراضه على إحدي أهم البنود في قائمة منقولاتها، لا يريد كتابة مؤخر صداق لها مما دفع والدها لتمسك بحق وحيدته، ليقرر الأخر فض الزيجة بأكملها.. 
موقف لا تُحسد عليه إطلاقاً، أصابها نوبة اكتئاب يحاول والدها و زوجته التي تعتبرها بمثابة ابنه لها إخراجها من من تلك الحالة بشتى الطرق.. 
"يابنتي عشان خاطر ربنا كلى لقمة صغيره و أشربي حبة عصير لتقعي من طولك".. 
صدح رنين هاتفها فشهقت بخفوت و هي تقول.. 
"يابنتي ابوكي هيتجنن عليكي و كل شوية يتصل بيا و هو سايق و ماشي على طريق عشان يطمن عليكي ويشوفك كلتي و لا لاء".. 
"ردي عليه و قوليله أني كلت يا ماما سعاد".. 
همست بها" صفا" ببوادر بكاء، و تعب واضح على ملامحها الشاحبة.. 
"بقي عايزاني أكدب على فايز يا صفا!!! على أساس أنك مش عارفه أبوكي اللي بيشم ريحة الكدب من على بعد!!!! ".. 
ربتت على كتفها و تابعت بحنو.. 
" يا ضنايا والله اللي حصل ده خير ليكي.. و بكرة ربنا يعوضك براجل يشيلك جوه قلبه و عينه".. 
بدأت" صفا " تبكي و تأن بصمت كعادتها، لتسرع"عفاف " بضمها بلهفة مرددة برجاء.. 
" كفاية يا قلب أمك والله ما يستاهل دمعة واحدة من عينك"..
قطعت حديثها حين شعرت بثقل رأسها على صدرها، انقبض قلبها هي تعدل وضعها داخل حضنها لتتفاجئ ببرودة بشرتها و ازداد شحوب وجهها.. 
"مالك يا صفا".. 
صرخت بها حين رأتها تنظر لها بأعين زائغة و قد تطورت حالتها للاعياء الشديد و أزرقت شفتيها بلحظة قبل أن تغلق عينيها و تستسلم لدوارها الذي داهمها بعنف.. 
"صفاااااا!!!!"... 
صرخة بها "سعاد" صرخة مدوية شقت بها سكون الليل.. 
كان "جابر" يصف سيارته على جانب الطريق، و هبط منها واضعًا هاتفه على أذنه مغمغمًا.. 
"أنا وصلت يا جدي هجيب أمي و أجيلك عشان نسافر لسلسبيل على طول" .. 
"يا ابني خلينا نروحلها بكرة يكون أبو صفا رجع من شغله أنت عارف انه سواق نقل تقيل و بيسافر لأماكن بعيده و مبيرجعش قبل أصبح و أمك مش هترضي تسيب بنته لوحدها و تيجي معانا".. 
فتح "جابر" فمه ليرد عليه إلا أن صوت صراخات والدته وصل لسمعه جعله يهرول مسرعًا تجاه الصوت.. 
" أفتحي يا أمه أنا جابر".. 
قالها و هو يطرق على الباب بقبضة يده كاد أن يحطمه.. 
" جابر الحقني يا ابني".. صرخت بها" سعاد " و هي تركض نحو الباب و فتحته على عجل مكملة ببكاء و هي تسحبه معاها للداخل.. 
"صفا وقعت مني قاطعه النفس  و مش راضيه تفوق خالص"..
اقترب "جابر" من تلك الممددة على الأريكه غائبة عن الوعي، و حملها على ذراعيه واضعًا يد أسفل ركبتيها و الأخرى خلف ظهرها، و سار بها لخارج الشقة دون أن ينظر لوجهها حتى و هو يقول.. 
"حصليني يا أم جابر خلينا نوديها المستشفى".. 
............................... لا إله إلا الله............ 
"عجبك أكلي".. 
قالتها "سلسبيل" بستحياء و هي تطعمه بيدها، كان يتذوق أصابعها بتلذذ و ليس الطعام.. 
"أنتي كلك على بعضك و كل حاچة و أي حاچة
 منك بتعچبني يا سلسبيل".. 
عبست بملامحها و بعتاب قالت.. 
"طيب ليه مش عايز تكمل أكلك؟!".. 
تنهد "عبد الجبار" و تحدث بأسف قائلاً.. 
"مش عايز اتقل في الوكل لاچل ما أفوق و انا سايق..
چهزي حالك هنعاود على مصر دلوجيت عندي شغل مهينفعش يستني للصبح و اطمني أني هسيب حسان اهنه عشان لو أهل والدتك وصلوا في أي وقت يچبهم لحد عندك".. 
حركت رأسها له بالايجاب، و هبت واقفه بصمت و سارت نحو غرفة الملابس لتبدل فستانها بعباءه سوداء و اخفت شعرها داخل حجابها الرقيق، و وقفت أمام المرآه تزيل زينة وجهها.. 
كان" عبد الجبار " يتحاشي النظر تجاهها، يجاهد لتلجيم رغبته بها بكافة السُبل، فعقله منشغل بأبنتيه و زوجته المتواجده بالمستشفى بمفردها،أما قلبه يحترق من شدة إشتياق لها، كل ذرة به تريدها الآن أكثر من أي وقتٍ مضي، و هي أيضًا تشتاقه حد الجنون لكنها لن و لم تتفوه بها له أبدًا ، حيائها يمنعها بالاعتراف له أنها تريده و تريد قربه.. 
"أنا جاهزة".. 
نطقت بها و هي تقترب منه ببطء و عينيها تغتلس النظر إليه، لا تريد مقابلة عينيه حتى لا يري لهفتها عليه.. 
سار هو نحو باب الغرفة، تابعته هي بخطي هادئة، و ما أن رفع يده و أمسك مقبض الباب و هم بفتحه، وجد يدها وضعت على يده تمنعه، شعرت بشيء آثار الريبة بقلبها، خوف مبهم سيطر عليها لا تعلم سببه جعل جسدها يرتجف بقوة، رفعت وجهها و من ثم عينيها حتى تقابلت أعينهما بنظرة تملؤها الحب و الشوق دفعتها للإنهيار داخليًا و أطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها.. 
و تحدثت بهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع من فرط خجلها.. 
"ينفع تاخدني في حضنك شوية قبل ما نمشي!!".. 
حطمت كل حصونه بجملتها هذه التي تخبره بها أنها تريده و تتلهف لقربه مثله تمامًا، شهقت بخفوت حين وجدته يميل بوجهه على وجهها، تطلع لعينيها بعينيه التي ظهرت بهما نيران رغبته بها المتأججة قائلاً بأنفاس متهدجة.. 
"تعالي!!! ".. 
قالها قبل أن يخطفها من خصرها داخل صدره، أطبق بشفتيه على شفتيها بقبله جائعه، و يده تخلع عنها حجابها، و تمزق جلبابه، و عباءتها معًا .. 
الليلة ستعيش حياة زوجية كاملة يملؤها الحب و السكينة لأول مرة بحياتها، ليلة غرام ملحمية لن تنمحي أبدًا من ذاكرتها"..
انتهي الفصل.. 
هستني رأيكم يا حبايبي.. 
واستغفرو لعلها ساعة استجابة..
يتبع..
لقراءة الفصل التاسع والعشرون اضغط على (رواية جبر السلسبيل الفصل التاسع والعشرون)
لقراءة باقي الفصول اضغط على (رواية جبر السلسبيل)
reaction:

تعليقات