القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وريث آل نصران الفصل الثامن عشر 18 بقلم فاطمة عبدالمنعم

 رواية وريث آل نصران الفصل الثامن عشر 18 بقلم فاطمة عبدالمنعم

رواية وريث آل نصران الجزء الثامن عشر

رواية وريث آل نصران الفصل الثامن عشر 18 بقلم فاطمة عبدالمنعم


رواية وريث آل نصران البارت الثامن عشر

الفصل الثامن عشر (بحور لا تُنسى أبدا)
#رواية_وريث_آل_نصران

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا الوحيد الذي أعلم، لا، لا لست الوحيد.... هناك شخص آخر يعلم، ولكن الأكيد أن لا أحد سوانا يعلم أي شيء.
هل رأيت ذات يوم جاني يجهل نتيجة أفعاله؟
ربما رأيت وربما لا، فإن كنت ممن لم يصادف شيء كذلك في حياته... فأنت ستقابله معي
ستقابل النتيجة التي يجهلها الجاني، ستقابل صنع يديه و هو يحرق أكثر فأكثر... عيناك ستحاوطه و ستجهل أنه هو لأنه بالتأكيد هناك جانب خفي حتى إن وقعت عيناك عليه لا تفسره.... هناك هو .

إن دفء الفراش من أكثر الأشياء المغرية خاصة في صباح يوم بارد يكتظ بالعمل، ومساء ليلة لم يرحمها الشتاء... يريد النوم ولكن عقله يمنعه، يرغمه على الإبحار في حديث والده معه قبل خلوده للنوم
شرد "عيسى" بعقله مجددا يتذكر حديثه مع "نصران" وكأن مشهد دهشته يتكرر مجددا ويسمع نفسه وهو يقول بغير تصديق:
بتتخانقوا علشان الدهب؟

استطاع رؤية ردة فعل والده وكأن المشهد حي أمامه الآن حين هز "نصران" رأسه نافيا و هو يسأله:
أول حد بقى كبير على القرية دي كان مين يا "عيسى"؟

يعلم الإجابة جيدا، إن كل مواطن هنا يعلم الإجابة لذا وبدون شك قال:
جدك الكبير يا بابا... الحاج " نصران" الله يرحمه.

بدأ "نصران" في سرد لقطات مبهمة بالنسبة ل "عيسى" من الماضي وهو يقول:
القرية دي زمان كان حاكمها البلطجية، وقطاع الطرق... كان الفلاح يتعب ويشقى ويبيع وهما يلموا،
ومكانتش الحكومة بتعتب ناحية هنا،
ولا حتى حد من الأهالي كان بيشتكي علشان معروف اللي هيشتكي اخرته يموت.
وجدك "نصران" أبوه مات وكان ورثه حتة أرض شرك كان أبوه الله يرحمه بايع نصها لواحد من أهل البلد متعرفش بقى كان شغل بينهم ولا اتزنق... ما علينا يعني

كان "عيسى" ينصت لوالده منتبها لما يُقال، و حريصا على ألا يفوته أي شيء فقطع والده الحديث طالبا:
ناولني كوباية الماية.

تحرك ناحية الطاولة يصب لوالده المياه، ثم أعطاها له،
جرع "نصران" المياه وتابع حديثه من حيث توقف:
وقفنا عند إن جدك نصران أبوه ورثه أرض كانت شرك مع واحد باعله نصها.

هز "عيسى" رأسه مؤكدا، فاستطرد "نصران":
الراجل اللي اتباعله نص الأرض ده مات بعدها ، وكان ابنه، ملهوش في شغل الأرض فكان أبو " نصران" بيشتغل هو في الأرض وبيديه الإيراد وياخد نصيبه على شغله.

_حلو الكلام.
قالها "عيسى" منتظرا بقية حديث والده ولم يطل انتظاره حيث قال "نصران":
بعد وفاة أبو جدك " نصران" مفضلش حد للأرض غير
"نصران" و "فضل".... " نصران" و "فضل" كانوا أصحاب بحكم المعرفة اللي كانت بين أهاليهم، وبحكم إنهم قريبين من سن بعض، فبعد ما الأرض بقت لنصران و "فضل"، الاتنين بقوا ينزلوا يشتغلوا فيها، لأن الظروف داقت على فضل ومبقاش يقدر يدفع أجرة اللي هيشتغل بداله في الأرض... وفضل الحال على كده كام سنة لحد ما في يوم كانوا بيحفروا مجرى ماية لقوا دهب ، وده خلاهم مسابوش حتة في الأرض إلا ودوروا فيها، مكانش مهم عندهم الأرض قد ما مهم يشوفوا في حاجة تاني ولا لا
وفعلا الدهب اللي لقوه في الأرض دي يخليهم يعيشوا هما وأحفادهم وأحفاد أحفادهم كمان مرتاحين

سأل " عيسى" وقد ألح عليه السؤال حقا:
طب ومين اللي حط الدهب ده؟... مين صاحبه الأصلي؟

_والله يا بني هو محدش عارف، لكن كل حاجة بتقول إنه جد "نصران" الله يرحمه، أبو "نصران" حكاله إن جده كان عايز يبيع الأرض دي وبفلوسها يروح القاهرة ويشتغل هناك، لكن فجأة بقى رافض فكرة البيع دي بشكل نهائي و ظهر عليه علامات الغنا، اشترى بيت كبير و عيشته اتغيرت ، بس الخير ده كله عمره ما كان هيجي من ورا الأرض بس، اتغنى بطريقة تخلي أي حد يشك، لدرجة إن مات مقتول على إيد واحد من البلطجية اللي كان بيحاول يسرقه.

استطاع "عيسى" إدراك حديث والده، فقال:
يعني هو كده صاحب الدهب الأصلي.

رفع "نصران" كتفيه دلالة على عدم المعرفة و تابع يحدثه:
محدش عارف، بس كل حاجة بتقول إن هو، هو بقى اللي دفنه في الأرض، ولا هو لقاه زيهم وسابه مكانه علشان محدش يعرف....في احتمالات كتير لكن الاحتمال الشبه أكيد إنه بتاعه وهو اللي حطه في الأرض لقاه فين ولا جابه منين الله أعلم بقى.
ولو مشينا تبع الاحتمال ده يبقى الدهب من حق مين فيهم؟... "نصران" ولا "فضل" ؟

قالها "عيسى" دون تردد:
"نصران" طبعا.

أيد "نصران" حديث ابنه وهز رأسه موافقا قبل أن ينطق:
اللي حصل بقى، إن "فضل" اعتبر نفسه شريك في كل حاجة بما إن ليه نص الأرض... وبما إن كل الكلام عن إن الدهب بتاع جد "نصران" كان احتمالات، فنصران قسم مع "فضل" كل حاجة، وبدأوا يفكروا في طريقة يخلصوا بيها من البلطجية و قطاع الطرق اللي ماليين البلد، وكانت الطريقة إن البلد يبقالها كبير، اتفقوا مع أهل البلد اللي كانوا خلاص طهقوا من تحكم الصيع فيهم، إنهم هيخرجوا البلطجية دول من البلد، وفي مقابل ده يبقوا الكبار علشان يعرفوا يحكموا القرية صح ويبقى الدخول والخروج بحساب ومش أي حد يتحكم فيهم.... وفعلا الناس وافقت، قاموا جابوا رجالة لو جيت توزعهم على القرية هنا هتلاقيها ضيقة عليهم، ودفعوا كتير أوي وقالولهم على أسامي كبار قطاع الطرق و البلطجية هنا، والرجالة دي بقى لفت البلد كلها، بقى كل واحد من المطلوبين لو مخرجش بالذوق، بيضرب لحد الموت فبيخرج بالعافية... وفضل الموضوع ده شهر وشوية لحد ما البلد نضفت خالص منهم، كل واحد كان سايق وراه شوية وماشي يفتري على الناس اتفرم، واللي وراه بيخافوا نفس النهاية فبيمشوا من نفسهم، و بكده "نصران" و "فضل" وعدوا ووفوا، وفعلا بقوا هما الكبار اللي حاكمين القرية هنا.

توقف "نصران" عن الحديث في هذا الموضوع و قال بتمني:
القعدة دي محتاجة فنجانين قهوة، بس "تيسير" زمانها في سابع نومة.

أدرك "عيسى" أن والده يقصد الطلب منه بأن يصنع القهوة هو لذا ضحك وهو يفرك عنقه بإرهاق قائلا:
أنا لو قومت من هنا هنام، كمل والصبح نبقى نفطر نشرب قهوة، ونحلي كمان لو عايز.
ثم خطر له شيء فأردف:
ولا أقولك جرب البابل تي.

استقام واقفا واتجه ناحية البراد يخرج زجاجتين من مشروبه، قدم لوالده واحدة و فتح الزجاجة خاصته ناطقا:
هو أنا عارف إن القهوة عندك الجوكر، بس ده هيقضي الغرض.

نظر والده للزجاجة قائلا بتهكم:
خد البتاع المتلغبط بتاعك ده، لا منه شاي ولا منه عصير.

جرع "عيسى" من زجاجته أثناء عودته لمقعده وهو يقول ضاحكا:
ده mix بينهم، و غالبا مش كل الناس بتفهم طعمه علشان كده مش الكل بيحبه.

سأل "نصران" ابنه بسخرية:
أنت عامل دكتوراه في الشاي اللي بتحبه!

ارتفعت ضحكات "عيسى" المجلجلة والتي تبعها بقوله:
طب نقفل بقى موضوع الشاي اللي بيعصبك ده، وكملي الحكاية احنا وقفنا عند إن "نصران" و "فضل" بقوا كبار البلد.

اندمج "نصران" متحمسا لإكمال حديثه القديم الذي علقه قبل قليل فتابع:
الواحد يا "عيسى" بيبقى كبير بأفعاله، ولازم الإنسان ميخليش المنصب يسوقه وإلا هيضيع وده فعلا اللي حصل واحد فيهم بقى كبير بأفعاله وحب الناس ليه، والتاني المنصب ساقه وخلاه اتجبر.... جدك "نصران" الله يرحمه عرف يخلي كلمته زي السيف على رقبة الناس كلها، علشان كانوا بيحبوه، وكان راجل كلمته نافذة، قدم خدمات، وبنى مستوصف للناس، وبقى أي حد من الفلاحين يعوز حاجة بيجيله، احنا هنا بنجمع الفلاحين يوم كل كام شهر، يقعدوا ويتضايفوا ولو حد عنده أي مشكلة نعرفها، أول واحد عمل الحكاية دي كان جدك "نصران".... وعلى العكس بقى " فضل" افترى، ونسي إنه كان واحد من الناس الغلابة دول اللي البلطجية كانوا واكلين قوتهم... فبقى يدوس على الخلق وهو فاكر نفسه مفيش زيه ولا قده، والغيرة شعللت فيه لما شاف حب الناس لجدك وكرههم ليه، ونسي إن الناس ممكن توديه ورا الشمس في لحظة زي ما خلوه كبيرهم في لحظة، و "نصران" نصحه مره واتنين وتلاتة ولا الهوا.

بدا الاهتمام جليا على "عيسى" و والده يكمل الحديث:
لحد ما في يوم مرات "فضل" اتخانقت مع مرات فلاح في البلد هنا، والست كانت شايلة أوي فمسكت مرات "فضل" نزلت فيها ضرب، خناقات ستات زي ما أنت عارف، طبعا كرامتها نقحت عليها ازاي مرات الكبير تضرب وفضلت تزن على ودان جوزها لحد ما جاب الفلاح جوز الست دي قدام البيت عنده وخلى رجالته نزلوا فيه ضرب، الراجل ما استحملش مات منهم
ساعتها مرات الفلاح جاتلي عايزة حق جوزها، والبلد كلها قامت مقعدتش... فنصران راح لفضل وقاله يطلع من البلد و إن بعد اللي عمله ده مبقاش ليه مكان فيها،
لكن "فضل" رفض وقال مش هطلع، وجاب رجالة علشان يبقوا معاه لو حد حاول يطلعه، وبقى أهل البلد كلهم عايزينه يخرج وسايبين أشغالهم واللي وراهم وهمهم الوحيد إنه ينطرد مذلول من غير ولا حاجة ، وهو يقول لا مش هخرج وكان عايز حد من رجالته كمان يقتل "نصران" علشان واقف مع الناس... فاضطر جدك يعمل نفس اللي عملوه مع البلطجية قبل كده بس المرة دي كان زيادة على الرجالة أهل البلد كلهم، كانت ليلة محدش هينساها شوية منهم وقف لرجالة "فضل" وشوية منهم دخل جاب "فضل" من بيته، وطبعا أنت عارف الناس لما بتكون شايله على أخرها من حد، كان هيموت في إيدهم، و بعدها جدك طرده أمر الرجالة يطلعوه برا القرية، بعد ما ربنا نجده من الناس، ولو كان فضل عايش هنا كانوا هيموتوه علشان الناس بتسكت كتير لكن لما بيجيلها لحظة وتثور بيبقى خلاص، بعدها الجو هدي شوية بين أهل البلد، و جدك قال إن الستات و الصغيرين ملهمش دعوة باللي حصل، عيال "فضل" ومراته تقدر تقعد بيهم في بيتها زيها زي أي حد في البلد بس مراته مرضيتش وخرجت ورا جوزها ومعاها عيالها، الناس كلها سمعتها ساعتها وهي عمالة تهدد إنهم مش هيخطوا هنا غير و هما كبار تاني.
وبعدها كل واحد رجع لمصالحه، والقرية جدك بقى كبيرها لوحده، كان الغلطان يتعاقب حتى لو كان مين وده اللي خلى الناس تحبه وتخاف منه وفضل الوضع كده لحد ما مات وابنه بقى مكانه و بعد كده ده يسلم ده وده يسلم ده لغاية ما جه الدور عليا أنا بس زي ما احنا جيل بيسلم جيل، عيال "فضل" برضو كده

انكمش حاجبي "عيسى" سائلا:
يعني إيه؟

_يعني "فضل" يبقى جد "منصور" الكبير، عارفهم أنت
"منصور" وابنه "جابر" اللي جم مع "مهدي" هنا ساعة الأرض ما ولعت عندهم يتهموك، ورغم إن منصور وابنه الكبار هناك، لكن عيلة فضل دي كلها شغلها الشاغل انهم يرجعوا البلد هنا تاني ويبقوا أسيادها علشان يردوا كرامتهم، وعلشان عارفين سر الدهب اللي محدش عارف عنه حاجة غير هما واحنا...و عايزين يبقى كل حاجة ليهم، بس مش الدهب هو اللي مخليهم عايزين يبقوا هنا، كرامتهم وخيالهم إن الأرض دي بتاعة جدهم وإنه خرج مطرود منها بعد ما كان كبيرها عايزاهم يرجعوا هنا وهما كبار...علشان كده أي واحد يبقى كبير قرية "نصران" لازم يعرف إن عيلة "فضل" دي أخطر وأهم عدو ليه.


عند هذه النقطة بالتحديد عاد إلى الواقع حيث فراشه الدافئ، وغرفته الهادئة.... هو هنا على فراشه يتذكر حديثه مع والده، حاول النوم مرارا لكنه لم يفلح لذا ترك الفراش واتجه ناحية خزانته، يحضر ملابسه لبدء يوم جديد بعد أن فشل في العودة للنوم مجددا.

★***★***★***★***★***★***★***★

جلست "مريم" في المطبخ على أحد المقاعد الصغيرة جوار الموقد تنتظر نضج الفطائر التي وضعتها والدتها داخل الفرن، كانت تحادثه كما اعتادت على تطبيق الرسائل _Messenger_ ، أرسلت بغيظ:
أنت معندكش كلية؟... فاضي علطول كده،
أنا ورايا درس و هقفل.

_يعني ده جزائي إني بضيع مستقبلي العلمي،
علشان بس أكلمك؟
أرسلها لها فابتسمت وقد أرسل هو رسالة اخرى:
أنتِ عايزة تدخلي كلية إيه؟

شعرت بالحيرة حقا فهي متخبطة منذ فترة في هذا الأمر لذا أرسلت:
معرفش، كل شوية بحدد حاجة وبرجع فيها ...
حاسة إني مشتتة نوعا ما في الموضوع ده.

أرسل لها يسألها بتسلية:
أنا عندي استعداد أجي على نفسي واختارلك الكلية...
إيه رأيك في حقوق؟

_اشمعنا؟
سألت فأثار رده غيظها حين أرسل:
علشان أنتِ سوسة و تنفعي.

ضغطت على الحروف باشتعال سائلة:
بقى أنا سوسة؟

انتظرت جوابه، دقيقة، الثانية، ثم أرسل لها صورة فتحتها لتجده قد كتب على أحد الأوراق اسمها باللغة الأجنبية ورسم أحد الوجوه الضاحكة جوار كلماته:
مريم سوسة.

ضحكت على ما أرسله، وقطع ضحكاتها دخول شقيقتها "شهد" المطبخ والتي سألت:
ماما فين؟

أغلقت الهاتف ونظرت لها قائلة:
ماما حطت الفطير في الفرن، و قالتلي هتنام شوية لحد ما تصحوا.

زين جانب ثغر "شهد" ابتسامة ماكرة وهي تستجوب "مريم":
و بتكلمي مين بقى وضحكتك من الودن للودن كده؟

ضيقت مريم عينيها بغيظ رامقه شقيقتها ثم قالت:
ملكيش دعوة، و بعدين روحي صالحي ماما فضلت زعلانة طول الليل.

تركت المطبخ وتوجهت ناحية غرفة والدتها فوجدتها تعانق " ملك" وقد نامت جوارها، فنادت على والدتها بهدوء عدة مرات، وحين لم تستجب صاحت بصوت عالي:
يا "هادية"

استيقظت والدتها وشقيقتها بفزع فقالت بابتسامة واسعة:
أنا أسفة.

عادت والدتها للنوم متجاهلة إياها، وفعلت "ملك" مثل "هادية"، فمالت " شهد" على أمها طالبة برجاء:
خلاص بقى متزعليش، مش هتتكرر تاني، بعد كده مش هروح حفلات تاني.

ابتسمت "هادية" فقبلتها "شهد" مكررة برجاء:
متزعليش بقى وبعدين أنتِ ضربتيني امبارح،
يلا اعتذريلي بقى
التقطت والدتها الكوب البلاستيكي من جوارها فهرولت "شهد" بعيدا عنها، مما جعل الضحكة تعلو وجه "هادية" .

تأكدت "هادية" من استيقاظ "ملك" وأنها تتصنع النوم لذا اعتدلت في جلستها سائلة:
ايه اللي حصل امبارح يا "ملك"؟.... قومي واتكلمي معايا أنا عارفة إنك صحيتي.

اعتدلت " ملك" هي الاخرى في جلستها وتحدثت بتعب:
محصلش حاجة يا ماما... أنا بس كنت مضغوطة شوية فمعرفتش أنا بعمل إيه.

_وتجري ليه هو قالك إنك مغصوبة على الجواز؟ ، ما تقولي مش موافقة وخلاص.

هي داخل صراع نفسي، صراع يمزقها ما بين حق حبيب فقدته، وما بين الإخلاص له، يجب حسم القرار وعرفت حتمية هذا حين سمعت والدتها تقول:
"عيسى" والحاج "نصران" لو جم النهاردة، قولي إنك مش موافقة... هو قالي امبارح إن محدش هيغصبك وإنه قرارك.

شعرت بانقباض في فؤادها لذا طلبت بتوسل ، وقد لمعت الدموع في عينيها:
هو أنا ممكن أزور قبر "فريد" ؟

في نفس التوقيت.... كانت "سهام" في فراشها، لم تنم ثانية منذ أمس، فلقد هجرها "نصران" ولم يصعد بعد فعلتها و ما يقلقها أكثر أنهم لم يتعاتبا بعد على ما حدث.
سمعت دقات على باب حجرتها، فمسحت دموعها قائلة بهدوء:
ادخل.

دخل "طاهر" أولا بضحكة مشرقة و قد تعلق في ذراعه "يزيد"، تبعه " حسن" الذي رفضت إدخاله غرفتها في الأمس، ثم ابنتها "رفيدة".

بدأ " طاهر" أولا حين جلس على الفراش، وفتح علبة زرقاء مخرجا منها خاتم أنيق ألبسه لوالدته ثم قبل باطن كفها ناطقا بحنان:
كل سنة وأنتِ طيبة يا أحلى ست في حياتي.

اليوم يوم ميلادها، لم تكن تتذكر، كان "فريد" دائما أول من يذكرها، لذا قرروا هم عدم إحزانها بنسيانهم يوم كهذا.

ضحكت بفرح وهي تنظر للخاتم في كفها قائلة بإعجاب:
حلو أوي يا حبيبي.

احتضنها "يزيد" قائلا بحماس:
كل سنة وأنتِ طيبة.
قبلته ماسحة على خصلاته وهي تبادله قوله:
وأنت طيب يا حياتي.

كذلك تقدم "حسن" بإحدى علب حلوتها المفضلة وهو يذكرها معاتبا بغيظ:
الدوناتس ده لواحدة كده طردتني من أوضتها طردة الكلاب ليلة امبارح.

ضحك الجميع على كلماته ثم أتت "رفيدة" تجاور والدتها على الفراش و احتضنتها ناطقة بمرح:
كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي، أنا بحبك أوي.

حاوطتهم "سهام" بنظراتها قبل أن تتحدث داعية بتمني:
ربنا يخليكوا ليا يا حبايبي.

اهتز هاتف "رفيدة" في يدها، نظرت للمتصل فعلمت أنه "سعد" لذا أغلقت بارتباك وحدث الشيء نفسه مع "طاهر" الذي أخرج هاتفه ناطقا بتذمر:
لا النهاردة يوم ماما، فبعد المكالمة دي كلنا نقفل التليفونات علشان نشوف هنقضي اليوم ازاي.

كان جالسا جوار والدته من الجهة الاخرى والتي رأت أن المتصل زوجته السابقة "فريدة"، انتظرت ردة فعله فوجدته أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة لذا وبدون تردد قررت مفاتحته في الأمر فطلبت من الجميع بلطف:
ممكن تسيبوني مع " طاهر" شوية.

قام "حسن" أولا وقد أردف معاتبا:
أيوة احنا بنطرد لكن "طاهر" ده حبيب القلب .
جذب شقيقته متابعا:
يلا يا بنتي قومي احنا ملناش حظ.
تبادلوا الضحك قبل أن يخرج وقد اصطحب شقيقته والصغير.... فسأل "طاهر" بقلق:
في إيه يا ماما؟

_"فريده" يا "طاهر" جت هنا من كام يوم وكلامها بيقول إنها ندمانة، ما تديها فرصة تانية.
نطقت كلماتها بنبرة غلفها الرجاء مما جعل "طاهر" ينطق باستغراب:
غريبة يا ماما، فريدة دي أنتِ كنتِ شايفاها مهملة ومتنفعش تبقى زوجة دلوقتي بقيتي عايزة تديها فرصة تانية!

ربتت على كفه محاولة اقناعه بكل السبل:
اسمعني يا "طاهر"، أنت عندك ابن، و كمان أنت لسه شاب، حرام يا حبيبي تعيش باقي عمرك كده، وبعدين أنت بتروح شغلك، و يزيد بيكون محتاج رعاية، وسواء أنا أو " تيسير" أو حتى "رفيدة" هيكون برضو محتاج واحدة يحس إن معظم اهتمامها ليه لوحده.

انفعل "طاهر" مما جعله يقول بغضب:
ماما أنا لو ابني تقيل عليكم ممكن بسهولة جدا تقوليلي ده، وساعتها أنا هتصرف، لكن متجيش تقوليلي ارجع لفريدة اللي هي بالمناسبة كانت علطول عاملة مشاكل معاكي ومكنتيش حابة أسلوبها وطريقتها.... وبالمناسبة أنا حاولت كتير أوي مع فريدة إننا منوصلش لحيطة سد لكن هي اللي في كل مرة كانت بتحط نفسها قصاد "يزيد"، وادتها فرصة تانية بعد الطلاق لكن من الاخر أنا قدمت مية تنازل علشانها وهي مقدمتش حتى نص التنازلات دي.

_طب نحاول معاها مرة كمان... صدقني هي ندمانة.
قالتها بإلحاح، فرمقها باندهاش حقيقي على إصرارها المبالغ فيه ثم صاح:
أنتِ لسه بتقولي إني لسه شباب، ليه محسساني إني من غيرها هضيع؟... أنا حالة ابني النفسية ما اتحسنتش غير لما مشيت من البيت ده، الرعب والخوف اللي كانت دايما معيشاه فيهم و كنتِ أنتِ بنفسك بتشتكي منهم... أنا لما راجعت حساباتي عرفت إن أنا مش عايزها في حياتي تاني.

تخلت عن كل ذرة هدوء لديها وقد علا صوتها وهي تقول بضجر:
أومال عايز مين في حياتك؟...حتة العيلة اللي كنت داخل تجري وراها امبارح من برا.

صدق ظنه بأن " فريدة" قصت لوالدته ما حدث بينها وبين "شهد" لذا قال بسخرية:
هي حكتلك بقى.

قالت بنفس إصرارها الذي لم تتخل عنه:
اه حكتلي يا "طاهر"، و عايزاك تعرف حاجة واحدة علشان لو دماغك فيها حاجة....البت دي مش هتبقى بتكرر غلطة جوازك من " فريدة" اللي احنا بنحاول نصلحها بس، أنت هتبقى بتغلط أكبر غلطة في حياتك.

إصرارهم على علاقته بها يجعله بالفعل ينجذب لها، هم لهم الفضل الأول في شعوره المُلِح بأنه يريد الاقتراب منها، ذلك الانجذاب الذي حدث بداخله منذ أول مرة رأها في منزل عمها يجعلونه هم إعجابا حقيقيا.
ود لو قال لهم كم أنهم أغبياء ولكنه حاول إبعاد غضبه وهو يقول:
فرص تاني ل "فريدة" لا، بالنسبة ل "شهد" بقى فمتقلقيش، لو جيت اتجوزها هبقى استفسر منك عن كورس الاختبارات اللي المفروض اعملهولها علشان أتأكد إنها زوجة ناجحة.

قال كلماته الأخيرة بانفعال شديد لم يستطع التحكم فيه، ثم ترك الغرفة بانزعاج شديد، وقد أفسدت والدته ما جلس أياما يُعِد له مما جعل غضبه ليس هين بالمرة.

★***★***★***★***★***★***★***★

طقس الصحراء لا يُشبه أي طقس اخر، البرد هنا قاتل لذا احتضن كفي "شاكر" ذلك الكوب الذي يحفظ الأشياء ساخنة لفترة مناسبة، وقد وضع القهوة به، جرع منه ثم سأل مرافقه وقائد السيارة في هذا الطريق الوعر:
أنت تقرب إيه لمحسن؟

_محسن معرفة تبعنا و أنت هتبقى ضيفنا كام يوم زي ما هو طلب.

نظر "شاكر" من النافذة المجاورة، الأجواء هنا ساكنة تماما لا أحد يسير، حتى السيارات معدومة، سمع حديث المجاور له يقول مطمئنا:
متقلقش يا أستاذ شاكر محدش مهما كان مين يقدر يوصلك عندنا، ولو عايز تروح أي حتة احنا ممكن نأمنك ونوديك، "محسن" مرسيني على كل حاجة.

هو لا يعلم ماذا حكى له "محسن" ولكن الحل الأمثل الآن وحتى يدبر أموره هو هؤلاء البشر، هنا حيث الصحراء البعيدة لا يستطيع أحد الوصول له، كما أنه أخذ الوعد بتأمينه لتنفيذ أي شيء يريده.... إن كل شيء يدعوه للتفكير جيدا بعد أن أصبح في أمان ولن يتردد لحظة واحدة في فعل ذلك.

في نفس التوقيت كان "جابر" يتناول إفطاره أمام التلفاز حين حضر والده فقال له:
اقعد افطر يا حاج "منصور".

تحدث " منصور" بتهكم وقد أثارت أفعال ابنه انزعاجه:
هو احنا مش متفقين تعرف ابن مهدي هو اللي قتل ولا لا... فطار ايه اللي قاعد بتفطره واحنا قرب العصر يا "جابر".

دس لقمة من العسل في فمه أتبعها بقوله:
" شاكر" هو اللي قتل، الكلام ده أنا جايبهولك من قلب بيت "مهدي" نفسه، البت الجديدة اللي راحت تشتغل عندهم علشان تساعد الخدامة، قالتلي انها سمعت علا و أمها بيتكلموا، وقالتلي إن "محسن" عندهم من امبارح ما مشيش، وطبعا احنا عارفين إن شاكر بقاله فترة مختفي.

حاوط "جابر" والده بنظراته المهتمة سائلا:
بتفكر في إيه؟

_بفكر نعيد القديم تاني.
قالها والده بغل و حقد شديدين ولم يدرك "جابر" معنى الحديث لذا طلب التوضيح فقال "منصور":
لو واحد ليه تار ... امتى البلد كلها تقوم عليه وتبقى في صفنا ضده، سواء قريتنا أو قريته؟

صمت " جابر" منتظرا استرسال والده ولكن منعه الفضول عن الصمت فسأل متلهفا:
امتى؟

كالسم من فم أفعى، كذلك كانت الكلمات من فم "منصور" حين قال:
لما ياخد حقه من حد ملوش ذنب.

كان ل "جابر" تخطيطه الخاص، الذي يتناسب معه و سيحقق لهم الهدف ولكنه يشعر أن ما يفكر به والده بالتأكيد هو الأكثر بشاعة.

★***★***★***★***★***★***★***★

وصلت بالفعل إلى هنا، طلبت من والدتها أن تأتي بمفردها للمقابر كي تزوره، ونفذت والدتها رغبتها، خرجت بمفردها، وسألت المارة مرات عديدة... حتى استطاعت في النهاية الوصول، لم تكن المقابر بعيدة عن منزلها ولكن الخطوات إلى "فريد" كانت طويلة وكأن سنون من العذاب وُضِعت بها، بقى خطوات قصيرة على منزل فقيدها، أرادت أن تزوره في أي مكان ولكن آخر مكان توقعت أن تزوره هو قبره... ضمت الوشاح على جسدها بسبب البرودة التي اجتاحت جسدها هنا، وتقدمت بخطوات بطيئة، خائفة ولكنها في النهاية وصلت
وصلت إلى حيث دُوِن الاسم الذي لن تنساه أبدا
"فريد نصران"... وكأن العالم توقف بها عند هذه اللحظة حيث تمسح بكفها على اسمه المكتوب أمامها بعينين دامعتين، اغتصبت ابتسامة وهي تقول:
وحشتني أوي يا " فريد"، أرادت طمأنته حتى لو بالكذب وهي تقول:
أنا كويسة أوي الحمد لله، كنت بس عايزاك جنبي... بس مش مهم المهم أنك تكون مبسوط وفرحان عندك.
نزلت دموعها أكثر، و مطت شفتيها بحزن قائلة:
وابقى تعالى في الحلم علشان وحشتني.

أتى إلى هنا، زار شقيقه أولا ثم والدته، ثم استدار إلى الناحية الجانبية يقرأ الفاتحة لأحد أقاربه، و خطا ليعود إلى قبر شقيقه مجددا ..... ولكنه توقف عندما وجد أمامه هذه الجالسة جوار قبر شقيقه تحدثه وكأنه حي يُرزق أمامها:
تعرف إنك من ساعة ما مشيت، محدش جابلي تفاح بالعسل... وتعرف برضو إني بخاف أجي المقابر لوحدي ومع كده جتلك مع إني خايفة دلوقتي.

_ياريتني ما شوفتك يا "فريد".
همست بها بألم واستدارت جوارها حين شعرت بحركة ما فوجدت أمامها "عيسى"، تبادلا النظرات لدقيقة... فرت بعدها عيناها وارتفع كفها ليزيل هذه الدموع
التي اقتحمت وجنتيها... استقامت واقفة ووقف هو
جوارها، تشجعت أخيرا لتسأله:
أنت هنا من امتى؟

_من قبلك.
قالها بهدوء شديد، تبعها بقوله الذي شعرت فيه بنبرة ساخرة:
أنتِ لو مراقباني مش هشوفك كل عدد المرات دي.

ارتسم على وجهها ابتسامة صغيرة قبل حديثها:
اللقا والبعد دول أصلهم بإيد ربنا، فحتى لو راقبتك وربنا مش كاتبلي أشوفك مش هشوفك.

حاوطت الاسم بعينيها ثم قالت:
أنا همشي علشان كنت قايلة لماما إني مش هتأخر.
حثها على السير بقوله:
يلا أنا ماشي أصلا .

سلما على فقيدهما قبل الرحيل من هنا، خرجا معا ولم يكن معه السيارة، لذا سارا فالمسافة قصيرة ، كانت ترمق الباعة هنا وهناك... تتأمل كل شيء هنا المحلات، والطريق، والبشر حتى وجدته توقف عند سيدة جالسة في دكان صغير وتركها قائلا:
هجيب حاجة من هنا، عايزة تمشي امشي...
عايزة تستني براحتك.

أرادت أن تقول له أن وقاحته زائدة عن الحد ولكنها امتنعت....دخل إلى محل السيدة و خرج بعد دقائق، وجدها ما زالت تنتظر في الخارج كان يتمنى رحيلها ولكن بداخله نقيض تمنى أن تبقى ليعطيها ما دخل لإحضاره وأراد رحيلها حتى لا يُوضع في موقف إعطائها إياه.
عادا للسير مجددا فأعطاها شنطة بلاستيكية خرج بها من دكان السيدة متحدثا:
امسكي دي.

_إيه ده؟
سألت باستغراب فأشار لها على الحقيبة بعينيه قائلا:
شوفيه .

فتحت الكيس البلاستيكي لتجد داخله حلوتها المفضلة، كرات التفاح المغطاة بالعسل والموضوعة فوق عصا خشبية.... رفعت وجهها من الحقيبة تنظر له بغير تصديق، عجزت عن التحدث ولم تستطع قول أي شيء سوى:
أنا مش موافقة على الجواز.
رافق صوتها صوت أحدهم يقطع الطريق عليهما وقد تعرف على ابن كبير قريتهم فقال بنبرة كستها الشكوى:
ولاد الحرام يا أستاذ "عيسى" خلوني دخلت امبارح وكسروا المحل بتاعي مية حتة،
أنا عايز حقي اللي حصل ده ظلم.

تداخلت الجمل في رأسه، ولكن بقى تأثير جملتها أكبر، حيث استدار لها فالتقت عيناهما.... نظرة طويلة أحدهما ينتظر نتيجة ما قاله، والآخر يحاول سبر أغوار القائل... ولكنها في النهاية ليست مجرد نظرة إنما إبحار شخصان لم يتعلم أحدهما العوم بعد.
ولكن بحور العينين لا تُنسى أبدا.
يُتبع 💙

لقراءة الفصل التالي : أضغط هنا 
reaction:

تعليقات