القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وريث آل نصران بقلم فاطمة عبدالمنعم (جميع الحلقات)

 رواية وريث آل نصران بقلم فاطمة عبدالمنعم (جميع الحلقات)

رواية وريث آل نصران بقلم فاطمة عبدالمنعم (جميع الحلقات)

الفصل الأول 

الفصل الأول (ألقت نفسها ! )
#رواية_وريث_آل_نصران
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)} [الانسان : 1-31]

انتهى القارئ من تلاوة عدد من آيات الكتاب المكرم أمام القبر المتواجد أمام بصره وقد دُوِن على اللوح الرخامي اسم من دُفِن هنا بارزا باللون الأسود
"حسن عبد الباسط فؤاد"

أخرجت النقود تلك السيدة التي قد طغى اللون الأسود على تنورتها الواسعة وما يعلوها وقد بدا عليها وقار من هم في مثل عمرها ربما أوشكت على الخمسين أو أقل عام.
دست الأموال في كف الرجل شاكرة جهده فأخذها منصرفا بهدوء أما هي فعادت لوقفتها أمام القبر تعدل من وضع حجابها.
استدارت ترمق فتياتها الثلاثة، كانت أولاهم "ملك" هبة الله الأولى لها، ملاكها الحاني، ابنتها صاحبة الثلاث وعشرين عام ذات العيون البنية الواسعة والتقاسيم البريئة، جمال هادئ يشبه جمال كثير من بنات جيلها ولكن "ملك" بها ما يميزها بها تلك الرقة التي تجعلك تذوب حين تعطيك ابتسامة فتقسم أنك لم تر قبلها أحد يبتسم قط ، فستانها الأسود الذي رُصِع بزهور بيضاء كأنها النجوم يتماشى مع نعومتها، وحجاب رأسها الأنيق وابتسامتها الهادئة وهي تربت على كتف والدتها ناطقة بحنان:
تعيشي و تفتكري يا ماما.

هزت والدتها رأسها في تأثر وانتقلت عيناها تراقب تعابير فتاتها الثانية "شهد"، مهلكتها تلك التي أنهكت لأنه قد أُنهِكت، شهد التي أتمت عامها العشرين، ابنتها الجميلة ذات العيون التي تجملت باللون العسلي، والخصلات السوداء التي أخفتها هنا فقط بناء على تعاليم والدتها، تملك شقاوة تشيب الرؤوس منها، الشبه بينها وبين شقيقتها الأكبر ليس بالقليل ولكن لكل منهما هالته الخاصة، إنها " شهد" التي تمقت اسمها أشد المقت ولكن إن داهمتها بسؤال " ما اسمك؟ " ستجاوبك في دلال متغنية بحروف اسمها.
أوشكت عيناها على اختراق اللوح الرخامي الذي دون عليه اسم والدها ، ذكريات تداهمها، وقلب شارد لا يعلم ماذا يفعل، عادت بذلك القلب إلى الخلف قليلا، تتذكر في شرود

Flash back

_وأنا مش هطلع بنتي من المدرسة يا "حسن".

=هتطلعيها يا " هادية" علشان مش بمزاجك.
قالها في انفعال واضح مناسب لانفعال زوجته التي اقتربت منه تحارب بدفاع مستميت عن حق ابنتها في التعلم:
حرام عليك يا "حسن"، شهد متعلقة بمدرستها، دي لسه عيلة سبع سنين ليه تحرمها من انها تكون زي اختها وولاد عمها... قولي ايه في راسك طيب.
اقتربت منه أكثر واضعة كفها على كتفه ناطقة برجاء:
البت مبطلتش عياط، علشان خاطري يا " حسن".

كانت الصغيرة تقف خلف الباب بعيون بريئة تترقب الحكم عليها، وقلب مضطرب بين أمل وخيبة، وهوى هذا القلب أرضا حين سمع قول "حسن" الحاسم:
مفيش كلام بعد اللي اتقال... شهد هتطلع.

هنا سقطت لعبتها، وسقط معها الكثير والكثير.
Back

عادت للواقع على يد شقيقتها الأصغر تهزها ناطقة:
شهد أنتِ روحتي فين؟

هزت رأسها بأنها معهم ولكن الأم تعلم أن العكس صحيح، اقتربت "هادية" من أصغر بناتها طالبة:
شوفي حد يسقي الزرع يا "مريم"

هزت رأسها وتحركت تبحث في المكان المحيط بهم تحت نظرات والدتها المهتمة، إنها ابنتها الثالثة "مريم"، إذا وجدت المكان يضج بالحركة فاعلم أن " مريم" حلت به، صاحبة السبعة عشر عام، والمدللة لدى والدتها وشقيقتيها، أكثرهم شبها لوالدتها بلون عيونها الأسود، والوجه الذي اكتسى بالحمرة، و الابتسامة الناعمة، ولكن هل قريبة لها كقرب الهيئة؟

قدم أحدهم يسقي نبتة الصبار، سريعا ما انتهى ورحل، فاختتمن دعائهن لرب أسرتهم في ذكرى وفاته التي لا تمر كل عام إلا وتأتي بهم والدتهم إلى قبره منذ يوم وفاته.

رحلن بهدوء قطعه صوت شهد وهي تخلع الوشاح الذي وضعته على رأسها تنطق بضجر:
هو مش هاين عليه يبعت معانا العربية، صحيح هيبعت العربية والسواق مع الخدامين.

أوقفتها ملك بقولها الصارم:
شهد كفاية كلام من ده بقى، وبعدين الحجاب اللي قلعتيه في الشارع ده مش قادرة تستني لما نروح وتقلعيه.

أوقفتهما والدتهم طالبة منهم الكف عن الحديث وتقدمت "شهد" للطريق الخارجي وهي تهمس لملك بتهكم:
البركة فيكي أنتِ ومريم يا حبيبتي.
كانت تشير لأمر حجابهما ولكن بنبرة حملت سخرية فتجاهلتها "ملك" استوقفن سائق سيارة الأجرة كي ينقلهم إلى المنزل.
لحظات وكان يقف أمامهم فهرولت "ملك" أولا تجاور والدتها في المقعد الخلفي وتبعتها مريم ولم يتبق سوى "شهد" التي سمعت السائق يتحدث في الهاتف ناطقا بحالمية:
بحبك أوي يا رودي... طب ايه يخليكي تصدقي حبي بس؟

تحركت للخلف ومالت على النافذة المجاورة لوالدتها تقول بغيظ:
انتوا هتقعدوني أنا جنب قصة حب الجاهلية اللي قدام دي.
ضحكن على قولها وحستها أمها على الركوب كي ينتهوا فتوجهت لمقعدها وجلست بتأفف... لم يتحرك السائق بل استمر في مكالمته متابعا بنبرة جعلت الجالسة جواره ترمقه باشمئزاز:
يابت ما أبوكي هو اللي وقف في جوازتنا، يرضيكي يفشكل الجوازة علشان الستاير!

همست "مريم" من الخلف وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها بصعوبة:
شهد هتولع فيه.

نبهته "شهد" بنبرة مرتفعة:
بقولك ايه يا اسطا الله يباركلك... اتحرك بقى علشان مش عايزين نتأخر وأنا هحللك مشاكلك مع رودي في السكة إن شاء الله.

لم يجبها بل تحرك بالسيارة متابعا مكالمته فاستدارت هي لهم تردد وقد أوشكت على الانفجار غيظا:
مش هنخلص النهاردة.

قالت "ملك" وقد لمعت فكرة في ذهنها بنبرة منخفضة:
شهد هبعتلك مسدج شوفيها.

فتحت هاتفها لترى ما سترسله شقيقتها فارتسم على شفتيها ابتسامة ماكرة واستدارت غامزة لها وقد راقت الفكرة التي أرسلتها "ملك" لها.

تصنعت طلب رقم ما ووضعت الهاتف على أذنها تقول بنبرة عالية كي تجذب انتباه السائق:
ألو أنا آنسة "شهد"، بنت معالي السفير أحمد اسماعيل
شعرت بانتباه السائق لها وسهوه عن مكالمته فتابعت التمثيل ببراعة:
أرجوك تبلغ بابا إن السواق اتأخر فاضطريت اخد تاكسي، أنا بعتله الرقم بتاع العربية زيادة في الأمان.

أغلق السائق هاتفه سريعا وانتبه للطريق أمامه وهم في الخلف يكتمن ضحكاتهن أما هي فبعد نجاح خطتها أغلقت الهاتف بهدوء واثق محاولة ألا تضحك فيفتضح أمرها ولكن عكر صفو كل هذا حين رن هاتف والدتهم برقم عمهم الذي بالتأكيد يستعجل عودتهم للمنزل فكسا الضيق وجوههن جميعا وكأنه الصديق الذي يحل أينما حل شقيق والدهم...
" مهدي" .

***★***★***★***★***★***★***★***★

في إحدى القرى البعيدة، تلك القرى المتفرقة في أنحاء مصر فلا يعلم سكان كل محافظة عنها إلا بمحض الصدفة، تلك القرية تقع في عروسة البحر المتوسط... محافظة الاسكندرية تحديدا شرقها.
هنا على أعتاب منزل كبير بدت الفخامة على واجهته الخارجية العتيقة مما دل على أن ما في الداخل ليس أقل مما في الخارج.
قصر "نصران" لصاحبه "نصران" مالك البيت وربما القرية بأكملها، رجل على مشارف السبعين، اشتهر بحكمته في التعامل مع سكان هذه القرية لتصبح وحدة واحدة خاصة بأهلها ولا علاقة لها بما في الخارج، هنا الجميع يسير وفق ما يريد كبيرهم فلا تعرف أقسام الشرطة لهم طريق ولا تخرج المشاكل عن دائرتهم.
المساحة الخضراء تحاوط المكان فتشعرك بالراحة وخاصة مع صوت أوراق الأشجار التي تضربها نسمات الهواء العليلة، في الداخل عمت الهمة والنشاط إذ أصبحت المائدة مُعدة بالكامل ولم يتبق سوى نزول أهل البيت لتناول الإفطار
خرجت سيدة ترتدي فستان أنيق، ضمت خصلاتها لأعلى بما يناسب سنها الذي قارب من الستين، ملامح حازمة وكانت النبرة أشد حزم وهي تسأل الواقفة أمامها:
الفطار جاهز يا "تيسير"

هزت الخادمة رأسها مؤكدة:
جاهز يا ست هانم، وصحيتهم وهما نازلين.

حركت رأسها برضا وجلست على المقعد المجاور للرئيسي على هذه المائدة، لم يمض الكثير من الوقت حتى نزل "نصران" كبير هذا البيت وتربع على مقعده المترأس للمائدة
تحدث وقد ظهر أنه يبحث بعينيه عن شيء:
هما فين يا "سهام "؟

لم تستطع إجابته لأنهم أتوا بالفعل، ثلاث شباب يتسابقون على الدرج وكأنهم ما زالوا صغار هدف كل منهم هو الوصول أولا.
تقدم أولهم " فريد" شاب في الثلاثين من عمره، كتلة من الطاقة تتحرك هنا وهناك، يخاف والده من تهوره ويخشى أن يقحم نفسه في مصيبة ما دائما، كانت ملامحه تشبه ملامح والدته التي تركتهم منذ سنين، ابتسامة واسعة لا تفارقه، وعين تسلب إرادتك فتنظر لها كالمسحور، لحية مهذبة خفيفة، وشعر مكسو باللون الأسود، وكعادة معظم أهل "مصر" كانت البشرة قمحية.
مال على كف والده يقبله ناطقا باحترام:
صباح الخير يا بابا.

جلس على المقعد المجاور لزوجة والدته ناطقا بشقاوة:
صباح الفل يا "سهام".

ضربته ضربة خفيفة على كتفه ناطقة بتذمر:
يا بني عيب كده.

أشار للواقفين ناطقا باستنكار:
هو ايه اللي عيب؟
ثم استطرد مازحا:
بقى القمر ده يتقاله يا ماما ده اللي يشوفك يقول أصغر مني.

ضحكت وهي ترمقه بنظرات من كشف خدعة أحدهم:
اه يا بكاش.

تقدم الشاب الثاني بابتسامة واسعة حاول بها إخفاء همه المتراكم عليه، إنه " طاهر" أو كما يقال الكابتن "طاهر" ، مهنته هي الطيران فهو طيار مدني، لا يكون بالبيت معظم الأوقات بسبب ظروف عمله فقط عطلته يقضيها هنا مع عائلته وفخره، عينان بنية تشبه عيون والدته "سهام" وبشرة باللون الأسمر ، وجسد يحافظ على كونه رياضي ليناسب دائما المهنة... وخصلات سوداء طويلة بعض الشيء .

قبل كف كبيرهم مرددا بهدوء:
صباح الخير يا حاج.

علم "فريد" أن هناك شيء ما فهذه ليست عادة "طاهر" هذا الصمت التام الذي يحاوطه ربما يوحي بمعركة جديدة مع زوجته، أشار مراد للوحيد المتبقي يسأله بعينه عن سبب تغيره ولكن لم يجد إجابة
إذ اقترب "حسن" من كف والده ومال عليه هو الآخر يفعل كما فعل شقيقاه، إنه "حسن" أصغرهم سنا تخطى العشرين بعامين، يدرس في كلية الفنون الجميلة وربما هذا عامه الثاني في الرسوب، استهتاره شديد، ولهوه أشد، كان مزيج من شقيقيه في الملامح، ولكن مازال لم يملك رضا والده كالذي يملكانه.

جلس على مقعده جوار "فريد" الذي همس له:
طاهر ماله؟

بدا عليه الضيق وهو ينطق بسخرية على زوجة شقيقه:
متخانق مع الست.

_فين مراتك يا "طاهر"؟
قالتها والدته تسأل عن زوجة ابنها وكانت متيقنة من اجابته حيث قال:
نايمة.

تحدثت والدته مجددا وقد اكتسب صوتها الحدة:
غريبة مع أني سمعت صوتها وأنا نازلة، كانت بتقولك ايه بقى؟
تابعت ونظراتها تهاجم ابنها:
بتقولك تاخد شقة بعيد، وتسيب ابنك هنا نربيه احنا صح! .

ضرب نصران على الطاولة ناطقا بحزم:
بس يا " سهام" .

رمق نصران "طاهر" وسأله:
تحب نتكلم هنا يا "طاهر" ولا جوا.

ترك مقعده فعلم "نصران" الإجابة فقاده إلى الداخل طالبا من "تيسير" إحضار إفطارهما إلى داخل الغرفة.

أما "فريد" و "حسن" فتبادلا عن النظرات حول ما حدث، كل من هنا يعلم مأزق طاهر، ذلك الشاب الذي تزوج من سنين من فتاة مرحة تتفنن في إسعاده ولكن سعادته لم تستمر طويلا إذ توفت وهي تنجب ابنهم الأول، وتركته يعاني آلام الفراق، ولكن خففتها بذلك الصغير الذي امتلك قلبه، تلاحقت الأعوام حتى تعرف على إحداهن في رحلة ما كان يقودها، لم يكن حب في البداية بل رأى أنها مناسبة له شابة توفى زوجها ومعها طفلتها الصغيرة التي في نفس عمر ابنه تقريبا، لذلك زواجهم لن يسبب أي مأزق لأي أحد، هي سعت كثيرا في التقرب من "طاهر" رجل أحلامها بجاذبيته ومهنته ومكانته الاجتماعية، حتى تحقق مرادها وتزوجها هو لتكون أما تعوض وليده عن فقد أمه ويكون هو أبا لا بنتها ولكن وعلى العكس المتوقع ظهرت الصعاب بعد مرور سنة واحدة فقط، بعد أن أعطاها قلبه الذي لم يعطه لها في البداية.

_هي مدام "فريدة" مش عارفة إن طاهر اتجوزها علشان يزيد بس.
قالها "حسن" وقد أحزنه افتعالها المتكرر للمشكلات من أجل طفل صغير لا يضرها في شيء.

نطق "فريد" بعد أن مط شفتيه بيأس:
طاهر بيحبها.

وصل "حسن" لذروة ضيقه وهو يقول:
يولع الحب يا أخي.

تحدثت "سهام" هذه المرة وقد فهمت لعبة زوجة ابنها جيدا:
غبية، مفكرة إن ضمان جوازها من طاهر هو إنه يقدر يستغنى عن ابنه علشانها، استغلت الحب غلط.

كانت تقصد بهذا أفعال زوجة ابنها التي صارت تهمل الصغير بصورة متكررة، تهمله على حساب ابنتها المدللة، اختفت المعاملة الجيدة ليحل محلها الجفاء الذي لا يستوعبه صغير في السادسة من عمره، ولم تكتف بل تطلب المزيد بكل تبجح أن تنفصل عن البيت وأن يترك طاهر ابنه هنا.

_طاهر هيطلقها.
قالها فريد وهو يتناول من الطبق أمامه ولم يلحظ نظراتهم التي تسلطت عليه إلا حين رفع رأسه فضحك مؤكدا:
هتشوفوا.

تنهدت "سهام" بسأم ثم قالت وكأنها تذكرت شيء:
فين اختكم... رفيدة منزلتش ليه.

شقيقتهم رفيدة صغيرة هذا البيت في التاسعة عشر من عمرها، مدللة هذا البيت ذات الخصلات التي لُوِن بعضها صناعيا باللون الأزرق مما استفز والديها، حينما يقال اسمها هنا فأعلم أن المقصود هو الجميلة المدللة.

أجابها حسن أثناء تناول طعامه:
خبطت عليها قالت إنها عايزة تنام.

_عال والله... أنا ليا تصرف تاني معاكم من بكرا كله يبقى هنا وقت الفطار مفيش حاجة اسمها نايمة ولا تعبانة، واللي مش هينزل ملهوش فطار يبقى يتفضل يفطر في أي حتة برا.
قالتها "سهام" بعصبية وتركت مقعدها دون أن تكمل تناول طعامها فهمس "فريد" بقلق:
هو اليوم باين من أوله.

لاحظ "حسن" تلك القلادة المصنوعة من الجلد والتي يرتديها شقيقة وقد تدلى منها حرف "m" فنطق بمكر:
مين بقى حرف ال m ده مكانش العشم بتلعب من ورايا يا فريد.

لم يجبه بل هرول حينما سمع نداء والده وقال لشقيقه بغيظ:
خليك في حالك.

والآن حان الوقت لتعرف تفاصيل هذه العائلة
"نصران علي نصران" كبير هذه العائلة تزوج من حبيبته وابنة عمه وأنجب منها ابنه "فريد" وابن اخر
سنعرف عنه في القادم، توفى شقيقه تاركا أرملة شابة معها طفلها "طاهر" والذي كان في نفس عمر فريد ، وكالعادة صار الضغط من والدته حتى يتزوج زوجة شقيقه من أجل ألا يخرج الصغير خارج إطار العائلة المقدس، رفض في البداية ولكن مع مرارة ضغط والدته استسلم اخيرا وتزوج "سهام" لتصبح زوجة ثانية له، توفت زوجته الأولى بعد سنوات تاركة له طفلين ولم يكن هناك من يرعى سوى "سهام" فاعتبرها "فريد" أم له ونسى كونها مجرد زوجة أبيه وطاهر شقيقه وليس ابن عمه، وأنجبت "سهام" بعد ذلك ما ربط الأخوة "حسن" و "رفيدة".
وهكذا صارت الأسرة متكاملة ولكن ينقصها واحد.

***★***★***★***★***★***★***★***★

توقف سائق الأجرة أمام المكان المنشود فنزلن الفتيات تباعا تتقدمهم أمهم إلى داخل ذلك المنزل، منزل شقيق زوجها المتوفي ... " مهدي" و زوجته "كوثر" وابنته "علا" في نفس عمر "شهد"، وابنه " شاكر" الذي تخطى الثلاثين بعام ذلك الذي يشبه والدته في عدوانيتها ومكرها.

دخلن إلى المنزل فاستقبلتهم "علا" بفستانها الأزرق ويدها الموضوعة على خصرها ونظراتها المتهكمة وهي تقول:
كل ده في المقابر انتوا كنتوا بتدفنوه تاني ولا ايه!

تحدثت "ملك" معنفة:
ما تحترمي نفسك يا بت انتِ.

تحدثت "مريم" هذه المرة تقول بضيق:
ما هو العيب مش عليها العيب على اللي رباها على قلة الأدب... لدرجة انها متحترمش عمها الميت.

نطقت "هادية" بتجاهل:
ادخلوا أوضتكم ومحدش يرد عليها.

تحركن بعيون مليئة بالضجر، كانت الأخيرة "شهد" تسير ببطء حتى لمحت "كوثر" تجر ابنتها خلف أحد الجدران.... تركت اتباع والدتها وهرولت تقف خلف الحائط حتى تعلم ما يحدث، دقائق وارتسم على فمها ابتسامة ماكرة حين سمعت زوجة عمها تخبر ابنتها أن تستعد لأن بعد ساعة على الأقل سيصل _عريس_ لها.
****★****★****★****★****★****★****

في غرفة الفتيات، كانت ألوان الغرفة رقيقة ولكنها صغيرة على أربعة، وكأنها لا تمت بصلة لهذا البيت الواسع، كانت "مريم" تهرس الفول في طبق قائلة باستمتاع:
ريحته قمر يلا علشان تفطروا بقى.

أعدن إفطارهن ذلك الإفطار المعروف لدى الشعب المصري في يوم الجمعة، (الفول والطعمية)
ورائحة البخور تغطي الغرفة
جلسن لتناول الطعام فسألت "هادية" عن ابنتها:
هي شهد فين؟... كانت ماشية ورايا.

أجابتها "مريم" وهي تدس اللقمة في فمها:
تلاقيها بتجيب حاجة من برا وداخلة.

اقتحمت الغرفة وأسرعت تأخذ مكانها جوارهم طالبة الصبر:
استنوني متخلصوش.

جلست في منتصفهن وأعطتها والدتها الخبز فقالت وهي تأخذه منها:
عرفت ليكوا حتة خبر بمليون جنيه.

انتبهن لها فهزت رأسها تقول بعناد:
لا مش هقول.

وكزتها والدتها بغيظ ناطقة:
قولي بقى بلاش غلاسة.

تركت "ملك" مكانها واتجهت للخارج تحدثهم:
متخلوهاش تقول لحد ما اجيب الماية واجي.

ذهبت إلى المطبخ تخرج زجاجة ماء من البراد استدارت نحو الأكواب ورفعت يدها تتناول كوب منهم لتجد من يحكم قبصته على خصرها من الخلف فصاحت بهلع، وزاد هلعها حين عرفت أنه ابن عمها الذي اتى للتو من الخارج ورائحة فمه لا تطاق من الخمور، هو ليس في حالته الطبيعية.
حاولت ابعاده بكل ما امتلكت من قوة وهى تعنفه:
انت اتجننت يا "شاكر"

تابعت وهي تبعده صارخة:
يا شيخ بطل قرف بقى
أما هو فلم يتزحزح بل تزداد نظراته تبجح، لمحت شقيقتها تدخل فاستغاثت بها ببكاء، هرولت شهد وجذبت كوب زجاجي هشمته على رأسه فابتعد تلقائيا إثر الدم الذي سال، تجمع الجميع إثر الصوت العالي وتحدثت زوجة عمهم بغضب وهي تهرول ناحية ابنها ترى ما أصابه:
ايه اللي حصل.

ضمت "هادية" ابنتها في حين صاحت "شهد" كي يسمعها الجميع:
البجح ابنك شوفيه شارب في أنهي زريبة وداخل يتهجم على اختي.

اقترب "مهدي" من المطبخ فصرخت زوجته تتصنع الاستغاثة:
تعالى يا "مهدي" تعالى شوف بنت أخوك بتعمل ايه،
ابنك داخل يشرب ومش واخد باله راحت ضرباه على دماغه
كانت نظرات "شهد" مليئة بالاستنكار في حين تابعت زوجة عمها:
عايزين يموتوه، عايزين ياخدوا كل حاجة ولاد حسن، واحدة تقول انه اتهجم عليها، والتانية تبطحه.

_بناتي مش كدابين يا كوثر، ابنك شارب وريحته واصلة لكل اللي واقفين هنا... ربيه ولا تربي ايه بقى ده بقى 31 سنة.
قالتها "هادية" التي مازالت على وضعها تحتضن ابنتها
ثم استطردت:
عاجبك كده يا مهدي، هو ده اللي هيحمي بنات عمه ويضلل عليهم.

اتى اتصال لمهدي هب حين شاهده وهرع نحو الخارج فلحقت به زوجته ومعها ابنها بغضب، فاستغلت "علا" الفرصة وجذبت "شهد" من خصلاتها تنتقم لأخيها، ارتفع الصراخ واقتربت "مريم" تبعدها عن شقيقتها لكن لم تفلح بينما رفعت "شهد" كفها وجذبتها هي الاخرى حتى اسقطتها أرضا فنطقت علا بشر:
هتشوفي يا شهد، والله ما هسيبك.

قالت لها شهد وأمها تجذبها كي تخرج بهم من هنا:
قومي يا حبيبتي وريني.
كانت تعلم "شهد" أن "علا" ليست متفرغة للشجار وتتأهب للموعد بعد أقل من ساعة فقررت أن يكون انتقامها فيه فنطقت:
أنتِ وريني، وأنا هوريكي النجوم في عز الضهر يا "علا".

في، نفس التوقيت
كانت سيارة "طاهر" قد أوشكت على الوصول إلى المكان الذي طلب منه والده الذهاب إليه فسأل "فريد" الذي صاحبه إلى هناك:
هو احنا رايحين ليه؟

قال "طاهر" وتركيزه منصب على الطريق أمامه:
هنبلغ "مهدي" رسالة ونرجع.
تابع "طاهر" مباغتا "فريد" بسؤاله:
هو "عيسى" مش بيكلمك؟

تنهد "فريد" بحزن دفين، شقيقه الذي أقسم على الفراق فتمزق القلب شوقا:
مش علطول، كل شهر مره مثلا.

ربت "طاهر" على قدمه فابتسم له فريد بهدوء
بينما أكملا الطريق إلى وجهتهم المنشودة

***★***★***★***★***★***★***★***★

تحركت تيسير نحو الغرفة الخلفية للمنزل حاملة أكواب الشاي الساخنة لرب عملها "نصران" وضيفه المنتظر والذي قرر أن يستقبله في مضيفته الواقعة خلف المنزل
دقت على الباب حين وصلت وانتظرت الرد فلم تجد إجابة، مطت شفتيها باستغراب وأعادت الكرة ولكن لا إجابة!
اضطرت إلى فتح الباب فالقلق قد نهشها

فتح الباب تبعه صراخها العالي وهي تنطق اسم رب عملها بهلع!

في نفس التوقيت

وقفت "ملك" في شرفتها بنظرات باكية بسبب ما تعرضت له وقعت عينها فجأة على سيارة متوقفة في الخارج، حلت الابتسامة بدلا من الدموع... هو هنا حبيبها هنا لم تستطع إكمال خواطرها بسبب رسالة نصية ولحسن الحظ أنها منه:
وحشتيني... انا زوغت من طاهر لبس هو في عمك ، اخرجي بقى عايز أشوفك.

أجابت و الابتسامة لم تفارق وجهها:
مش هينفع يا "فريد" هنا.

جاوبها برسالة اخرى جعلتها تفكر:
هستناكي عند ابراهيم اللي بناكل عنده الدرة، هتيجي يا ملك.

نظرت أمامها بحيرة تفكر هل تذهب أم لا.

***★***★***★***★***★***★***★***★

كان مهدي يجلس مع ذلك القادم للتلميح لخطبة ابنته في غرفة المكتب، خرجت "شهد" لتوها من غرفتها لتنفذ ما نوته وهو إفساد هذه الجلسة بأي ثمن، سمعت صوت علا الكريه بالنسبة لها يأتي من غرفتها وهي تقول مهللة:
العريس جه يا ماما، أنا شوفته من الشباك.

بينما في نفس التوقيت دخل طاهر، بعد أن طلبت منه الخادمة أن ينتظر "مهدي" دقائق هنا في......
قطع تأمله لمدخل البيت صوت هذه الشابة التي نطقت:
انت العريس!

لم يجب إثر دهشته وسمعت هي صوت بوابة غرفة "علا" تُفتح مما يعني خروجها فأخذت تعبث بخصلاتها سريعا حتى ظهر عليها عدم الترتيب وفي ثوان كانت قد ألقت بنفسها عليه ، لم يستطع "طاهر" فهم أي شيء فقط أحكم قبضته على خصرها حتى لا تسقط
ولكن شهقة من علا والمنظر أمامها كالتالي ابنة عمها بخصلات مبعثرة فاقدة للوعي بين يدي من يتشبث بها بكل قوته...بين يدي الغريب أو من ظنته
عريسها المستقبلي.

شهد شاهدٌ على مصرعِ قلوب
قال أقسم بخالقي إنها من الألمِ تذوب

وتحدث والعين فائضة بالدموع
يا ليت قلبي للعالمين رسول
ينذر بشر آتى رأوه جنة وهو يرمقهم بوجه عبوس.
فتحطمت قلوبهم لأتجرع أنا كأس يا ليت.

يتبع 💙

الفصل الثاني

الفصل الثاني (فريد)
#رواية_وريث_آل_نصران
بسم الله الرحمن الرحيم

الوضع كالتالي ابنة عمها بخصلات مبعثرة فاقدة للوعي بين يدي من يتشبث بها بكل قوته...بين يدي الغريب أو من ظنته
عريسها المستقبلي.
اندفعت "علا" نحو ابنة عمها وهي ترى حالتها هذه وتقول بلهجة حملت الحدة في طياتها:
ايه اللي جرالها!

لم يجب "طاهر" بسبب الخادمة التي آتت مهرولة تحمل في يدها بصلة أحضرتها من المطبخ لتجعل "شهد" تستنشقها، نجح الأمر وفتحت عينيها وقد بدا على وجهها علامات الامتعاض إثر الرائحة.
ساعدتها الخادمة وابنة عمها على الوقوف واخترقت كلمات طاهر أذنها، كانت نبرة ملتوية وكأنه يخبرها أنه يعلم حقيقة فعلتها:
أنتِ بخير دلوقتي؟

لم تنظر له بل هزت رأسها بالإيجاب وطلبت من الخادمة أن تنقلها إلى والدتها، تركت "علا" ذراعها بسبب نداء والدتها التي خرجت للتو لصطدم بما يحدث... كانت شهد تتحرك بجوارها بمساعدة الخادمة فسمعتها تهمس لابنتها بحزم:
ادخلي المكتب لأبوكي علشان تسلمي على محسن.
أتبعت ذلك بقولها المفسر:
العريس.

جحظت عين "شهد" مما جعل الخادمة تتوقف لكي تسألها هل هي بخير أم لا بينما في نفس اللحظة همست "علا":
هو العريس في المكتب!... طب مين اللي ورانا ده؟

دفعتها أمها لتدخل لوالدها واتجهت هي لترحب بهذا الضيف حيث نطقت بأدب:
دقايق و الحاج يخلص.

كان طاهر قد جلس على الأريكة، هز رأسه لها بمعنى أن لا مشكلة فعرضت هي عليه مرحبة:
تشرب ايه بقى؟

_شاي ممكن.
هزت رأسها وتحركت مغادرة تبحث عن الخادمة كي تحضر له ما طلبه أما هو فكانت عيناه تدور في المكان وعقله مشغول بما حدث منذ دقائق.

★***★***★***★***★***★***★***★

وصلت الخادمة إلى الغرفة الخاصة بشهد وشقيقتيها، ومدت كفها لتدق الباب فمنعتها شهد بقولها:
أنا خلاص بقيت كويسة يا " حسنية" امشي أنتِ.

هزت رأسها بالنفي وهي تؤكد بإصرار:
لا معلش أنا عايزة الست هادية في حاجة.

رمقتها " شهد" بعيون ضاقت في شك تبحث عن سبب لهذا الطلب ولكن في النهاية هزت رأسها موافقة وتركتها تتابع دق الباب، فتحت "مريم" وعلمت سريعا من "حسنية" ما حدث فأخذت شقيقتها في لهفة ودخلت للغرفة تطلب من أمها الخروج للمنتظرة في الخارج.
أثارت هذه الأحداث قلق "هادية" حالة ابنتها التي يُقال أنها فقدت الوعي، و الخادمة التي تنتظر في الخارج.... خرجت لها تقول باضطراب برز في عينيها:
خير يا "حسنية" في حاجة؟

مطت "حسنية" شفتيها وهي تبحث عن مدخل لكلماتها فهي شديدة الحرج من الموقف ولكن ترى أن من واجبها أن تقول.

_يا "حسنية" قلقتيني!
قالتها "هادية" في توتر مما جعل "حسنية" تنطلق في الحديث وكأنها التقطت خيط شجاعتها للتو:
أنتِ لو مش غالية عليا يا ست هادية أنا مش مكنتش جيت هنا يعلم ربنا، أنا جاية بخصوص شهد.

قبل أن تسأل هادية عن فعلة ابنتها تابعت "حسنية" الحديث بحرج:
في ضيف كان جاي من شوية وأنا دخلت المطبخ أعمل حاجة وكنت راجعاله علشان أضايفه، جيت خارجة لقيت الست شهد قدامه وقالتله حاجة أنا مسمعتهاش وبعدها رمت نفسها عليه.

اشتعلت نظرات "هادية" وهي تنطق بحدة صارمة:
ايه اللي بتقوليه ده يا "حسنية" أنتِ بنفسك قايلة لمريم انها كانت واقعة وفوقتيها.

ضربت "حسنية" على رأسها وهي تصحح الموقف مؤكدة أن نيتها الخير:
والله ما اقصد حاجة وحشة، شهد دي ست البنات كلهم، بس أنا شوفت بعيني ده مش منظر حد وقع من طوله، هي رمتله كلمتين وراحت رامية نفسها عليه... أنا حتى أول ما شوفت علا خوفت تعرف انها صاحية فجريت وعملت اني بفوقها، أنا خوفت عليها حد فيهم يعرف ولا يعملها حاجة... بناتك دول بناتي.

_تشكري يا "حسنية" امشي أنتِ.
قالتها بغضب قد سكنها، وتركتها ودخلت للغرفة مغلقة الباب خلفها بقوة مما أثار قلقهم في الداخل.

قالت "ملك" وهي تتفحص تقاسيم والدتها التي اتخذت من الاقتضاب وشاحا:
مالك يا ماما؟

اتجهت "هادية" ناحية "شهد" التي تمددت على فراشها المشترك مع "مريم" فاعتدلت شهد في نومتها تسأل:
في حاجة يا ماما؟

_أنت كان مغمى عليكي ولا كنتي بتمثلي؟
قالتها بعيون احتلتها نظرات الشك وقلب يتمنى أن تدفع ابنتها هذه التهمة بعيدا عنها.

ولكن لا من إجابة صمت تام فقط تبادل والدتها النظرات وأخيرا نطقت بعيون حادة:
حسنية هي اللي قالتلك!

تبادل "مريم" و "ملك" النظرات بقلب وجل بينما حاولت "هادية" استدعاء كل ذرة ثبات لديها حتى لا تفتك بها قبل التأكد من أي شيء:
قد أمك دي مش واحدة بتلعب معاكي في الشارع، اسمها طنط.

مطت شهد شفتيها وهي تكرر باستهزاء:
طنط؟... وهي اللي تمشي تنقل اللي شافته يبقى اسمها طنط!

_يعني حصل؟
قالتها والدتها بحاجب مرفوع فنظرت شهد للأسفل وحاولت استجماع ثباتها الضائع وهي تقول بتوتر:
اه حصل
ابتلعت ريقها متابعة بضيق:
كنت فاكراه عريس "علا" وعملت كده علشان أبوظ الموضوع.
لقد انتوت فعل ذلك، بعثرت خصلاتها وتصنعت فقد الوعي حتى تظن ابنة عمها أن هذا الغريب فعل لها شيء وكانت ستكمل خطتها حين تستيقظ وتهرول ناحية غرفة عمها وتخبره بتعرض هذا الغريب لها ولكن خطتها فشلت حين علمت ببساطة أنه ليس الشخص المقصود!

جذبتها أمها من خصلاتها وهي تقول بشراسة:
حرام عليكي، أنتِ عايزة تعملي فيا ايه يا شهد

أسرعت ملك تحاول مع والدتها كي تبعدها، وكذلك مريم تحول بينهما في حين نطقت شهد بنبرة باكية:
أنتِ اللي عايزة تعملي فينا ايه تاني أكتر من كده، بصي حواليكي للقرف اللي احنا عايشين فيه.

لم ينجدها أحد من تلك الصفعة التي تلقتها وملك التي ردعتها بدموع:
بتقولي ايه يا "شهد" اسكتي.

صرخت فيها وقد ثارت ثورتها بعد صفعة والدتها:
ملكيش دعوة أنتِ، محدش يدخل أنتوا محدش فيكوا ولي عليا... اللي ليها كلمة عليا ضربتني عايزة تعملي حاجة تاني يا ماما ولا أغور في ستين داهية من الأوضة الغم دي.

خبت دفاع "مريم" فشقيقتها تزداد كلماتها تبجح بينما نطقت "ملك" وهي تدفعها للخلف:
ايه قلة الأدب اللي أنتِ فيها دي، احترمي نفسك واتكلمي مع ماما كويس.

أبعدتهم "هادية" وجذبت "شهد" من ملابسها تنطق بحدة:
أقسم بالله يا "شهد" لو ما احترمتي نفسك هتشوفي مني أيام سودا، أنا معنديش حد مش متربي ومش على اخر الزمن هتيجي أنتِ اللي تخلي سيرتي على كل لسان.

انكمشت إثر نبرة والدتها الجامدة، وتلك العيون التي تحمل التهديد فربتت والدتها على كتفها بقوة تقول:
سمعتي يا بنت "حسن".
هزت رأسها فتركت والدتها ملابسها وفور ذلك تحركت " شهد" نحو هاتفها الذي أخذته وغادرت الغرفة بأكملها.

★***★***★***★***★***★***★***★

في غرفة "نصران"
خرج الطبيب الذي أحضرته "سهام" من الغرفة ناطقا بآلية:
يا مدام سهام احنا مش منعنا المنبهات، حاج نصران قلبه مش مستحمل أي حاجة واحنا بنزق علشان الدنيا تمشي معانا.
صمت ثوان واستطرد باستنكار:
يعني ايه القهوة تتشرب يوميا أكتر من ست مرات وأنا منبه عليكي منعها .

هزت رأسها موافقة فهي تعلم الخطأ وعناد زوجها الذي لا يوصف، تحدثت بكلمات مختصرة:
التعليمات كلها هتتنفذ بعد كده.

أعطاها ورقة دون فيها بعض الأدوية وهو يحذر:
أتمنى ده علشان مش كل مرة هنقدر نلحقه للأسف.

خرج معه "حسن" بينما دخلت هي إلى الغرفة تقول بلوم لذلك الراقد على الفراش بعد أن أصابته إحدى النوبات:
عاجبك كده يا نصران، مش حرام عليك اللي أنت بتعمله فيا ده
تابعت معاتبة:
فيها ايه لو نسمع كلام الدكتور؟

لم تجد منه رد وقبل أن تتحدث مجددا طلب منها برجاء:
أنا عايز أنام يا "سهام" لما أصحى هنتكلم.

هزت رأسها موافقة وتركت له الغرفة كي يستريح وبمجرد خروجها قابلت ابنتها "رفيدة" التي قالت بقلق:
بابا ماله يا ماما؟

_تعب شوية يا حبيبتي، سيبيه يستريح دلوقتي.
احتضنتها والدتها وقد شعرت بخوفها على "نصران" فقالت "رفيدة" ما جعل الدماء تتجمد في عروق "سهام":
عيسى كلمني.

شعرت " رفيدة" بتراخي ذراع والدتها عنها فقالت:
مالك يا ماما؟

تصنعت الابتسامة وهي تبرر بقولها:
مفيش يا رفيدة بس أنا متلغبطة شوية علشان تعب بابا
وتابعت بترقب:
قوليلي بقى عيسى قالك ايه؟

_عادي سلم عليا، وسأل على الكل ... أنا قولتله إن بابا تعبان وهو تقريبا كده جاي.

توقفت عن الحديث حين سمعت صوت تلك النغمة المميزة لهاتفها، رسالة من صديقتها كُتِب بها :
هتنزلي؟

عادت لوالدتها التي شردت مجددا فنبهتها:
ماما أنا هنزل القاهرة بكرا.

قالت والدتها باعتراض:
كليتك فاضل عليها أسبوع، هتقعدي في السكن أسبوع تعملي ايه؟

_علشان خاطري يا ماما... عايزة اخرج مع جيهان.

نطقت بحسم وهي ترحل من أمامها :
لا يا رفيدة ... أنا قولت لا.

تأففت بضجر بعد رحيل والدتها وفتحت هاتفها لتسجل رسالة صوتية لصديقتها تقول فيها بانزعاج:
مش هعرف يا جيهان أنزل الأسبوع ده، اسهروا أنتوا بقى.

أجابت صديقتها برسالة صوتية أيضا تتطلب منها فيها المال بسبب ضائقة تمر بها.

فأجابتها "رفيدة" بحزن:
للأسف يا "جيهان" أنا مش معايا المبلغ ده بس حاضر هحاول أتصرف وأبعتهولك.

_ميرسي يا روحي
قالتها جيهان مختتمة الحوار بينما صعدت رفيدة إلى غرفتها بعقل مشغول، ممن تطلب المال مجددا، فهذه المرة الثالثة التي تطلب فيها جيهان منها أموال .... وصحبة جيهان لا تروق لوالدتها أبدا وبالتالي إن عرفت بهذا الأمر لن يحل إلا كوارث وعلى رأسها هي فقط!

★***★***★***★***★***★***★***★

كانت الدموع تُغرِق وجه "شهد"، توبيخ والدتها وملك أيضا التي ظنت نفسها والدة آخرى لها، خرجت وكانت تسير وحيدة أمام منزل عمها فلاحظت خروج الضيف مما جعلها تسرع في خطوتها ولكنه فعل ما لم تتوقعه إذ سمعته يقول:
ممثلة هايلة أوي... تنفعي جدا بجد.

لم تجبه بل واصلت سيرها بطريقة أسرع فنطق ضاحكا:
لا وملكة في الهروب كمان.

استدارت له تقول بحدة وقد كسى الغضب عينيها:
بقولك ايه أنا مش فايقة، مش هيبقى مجانين جوا البيت وبرا كمان.
تابعت صارخة:
دي بقت حاجة تقرف.

قالت اخر كلماتها ورحلت بتوتر فهو لم يهتز ثانية إثر كلماتها، يعلم أن صوتها المرتفع وطريقتها الهجومية محاولة لتخليص نفسها مما حدث.

لم تسر في الطريق العمومي بل تحركت خلف المنزل إلى الطريق الاخر، وجدت ذلك المقعد الخشبي الذي أوشك على التهالك، المقعد الذي اعتبرته صديقها منذ الصغر فجلست عليه وأخذت تتأمل السيارات التي تخرج من هنا للطريق الرئيسي بعين شاردة، تتذكر ذكريات طفولتهم ولهوهم، تتذكر الطامة الكبرى وفاة أبيها الذي وبكل بساطة لم يترك لهم قرشا واحدا بل كان مديون لعمها... تتذكر كثيرا ذلك اليوم

Flash Back

_أنا كنت عارفة إنه خسر فلوسه بس مكنتش أعرف إنه مديون ليك يا مهدي.
قالتها " هادية" وقد حلت الصدمة على رأسها فزوجها رحل وترك لها مسئولية ثلاثة صغار دون أي شيء يعينها فلا أقارب لها ولا مال تركه يسد حاجتهم ، فاقت من صدمتها على صوت "مهدي" الذي قال مطمئنا:
أنا مش عايز الدين ده، حقي مسامح فيه، بس هو سايب ايه يا هادية، الأرض وباعهالي لما خسر، مش فاضل منها غير نص قيراط، وده مش هيعملك حاجة يا هادية لو بعتيه لا هيأكل عيالك ولا هيصرف على تعليمهم، ولا حتى هيجبلك شقة في حته كويسة، بس ولا يهمك ونتِ وبنات أخويا مكانكم في البيت ده ومصاريفكم هتكفل بيها من أولها لآخرها.

اضطرب قلبها قلقا فمهدي يقدم التنازلات هكذا بلا مقابل ، حقا؟ .... أم أنه يريد الحفاظ على أبناء شقيقه حقا رفعت عينيها له وهو يتابع:
وشهد هترجع مدرستها من الصبح، أنا وحسن عملنا مشروع وخسرنا وأنا عوضت الخسارة دي والأرض رجعتلي تاني، وميرضينيش تبقوا في الشارع طول ما أنا عايش.

كانت تنتظر بتؤدة، تسمع حديثه وهي تعلم أن ما هذا إلا تمهيد لشيء ما، وترجو الله أن يخيب ظنها.

استطرد مهدي كأنما تذكر شيء ما:
بس عندي طلب كده وأتمنى ميبقاش تقيل عليكي

أعطته كامل انتباهها فهي تنتظر هذه النقطة فسمعت قوله:
أنا هاخد أوضة البنات أعملها مكتب، و الأوضة بتاعتك هفتحهالك على الحتة اللي تحت وأوسعها وتبقى أوضتك أنتِ والبنات.

_هقعد أنا وعيالي التلاتة في أوضة واحدة يا مهدي! ....ده بنتك علا العيلة اللي من دور شهد بتنام في أوضة لوحدها.

وضح لها كي يقنعها أن ما يفعله هو المناسب في الوقت الحالي:
معلش لغاية ما الظروف تتحسن بس، ولو عايزة بنت من البنات تبقى مع علا في أوضتها أنا مش همانع.

سألته وقد لمع الحزن في عينيها:
شهد هترجع مدرستها؟

هز رأسه مؤكدا بابتسامة:
من الصبح هترجع، بس ليا عندك طلب تاني ملك هتبقى لابن عمها "شاكر" هو أكتر واحد هيحافظ على بنات عمه ويحميهم.

قالت معنفة:
ده مش أوان الكلام ده... جواز ايه وبتاع ايه البت صغيرة لسه مكملة ال 13 من مفيش
فيها سنين على الكلام ده ووقتها يبقى ربنا يحلها.

بادر بقوله الواثق: هيحلها بإذن الله هيحلها.

_حاجة تانية يا مهدي؟

تحدث يطمئنها:
اخر حاجة، لو كوثر طلبت من بنت من البنات يناولوها حاجة ولا يساعدوا في شغل البيت بلاش الخناقات دي، دول زي عيالها وهي بتعلمهم وأنتِ كمان المفروض تعملي معاهم علشان يتشجعوا.

كل جملة تحمل معنيان، والجملة الأخيرة هذه تحمل الكثير هل سيكون العيش في مقابل أن يكونوا تحت رحمة زوجته!

تابع منهيا الحوار:
ولو مش عايزة براحتك، أنا بقولك من فين لفين بس علشان ميحصلش مشاكل.

تركت مقعدها وهي تهز رأسها موافقة وقبل خروجها ناداها مهدي معطيا إياها مظروف وتبع تقديمه المظروف قوله:
دي فلوس الشهر ليكي وللبنات، والصبح شهد هترجع مدرستها.

أخذته منه والألم يتملك من كل إنش بها، وخرجت تجر أذيال خيبتها، خيبتها وحدها ولن يتحمل أحد سواها.

Back

كانت ما زالت على المقعد تتأمل الطريق شاردة، حتى لمحته داخل سيارة، هل تتبعها ولم يسر من الطريق الأساسي، تجاهلته وقبل أن تبعد عينيها للجهة الآخرى أشار لها بكفه ضاحكا، ورحلت السيارة... ابتسمت بهدوء ووضعت كفها على وجنتها لتعود لشرودها مجددا.

★***★***★***★***★***★***★***★

صبغت الشمس الأجواء بذلك اللون القاني لتخبر الوجود برحيلها
أمام قلعة "نصران" كانت أوراق الأشجار تتحرك يمينا ويسارا إثر نسمات الهواء المنعشة، الأرض المكسوة بالخضرة تسحر النفس بلمسة من عالم خيالي.
كان يزيد يلعب بالكرة مع عمه "حسن"
قذف الصغير الكرة فتلقاها "حسن" مسرعا وهو يقول:
متبقاش غشيم زي أبوك يا "يزيد"، بالراحة يا حبيبي كنت هتلبسهالي في وشي.

هرول " يزيد" نحوه واحتضنه بحب فمال له حسن كي يتعلق بذراعيه في عنقه وهو يقول:
أنا بحبك أوي يا "حسن" علشان بتلعب معايا.

ابتسم "حسن" وهو يقول بمزاح:
أنت حبيب الكل يا "يزيد" مش عايز أي حاجة تزعلك... اتفقنا؟

هز الصغير نفسه موافقا وطلب بحماس:
يلا اجري بيا بقى.

ضحك "حسن" وهرول به إلى الداخل حتى ثبتا مكانهما حين وجدا فريدة في بهو المنزل
أنزل حسن "يزيد" الذي تشبث بكفه خائفا حين قالت "فريدة" زوجة والده بحده:
عملت واجبك؟

قال "يزيد" مبررا:
بكرا أجازة هعمله.

صرخت فيه بعنف وقد ثارت ثورتها:
وأنا قولت يتعمل النهاردة ولا لا؟

تشبث الصغير بعمه الذي تصدى ل "فريدة" مرددا بغضب:
أنتِ بتزعقيله ليه ما يعمله بكرا ولا ميعملهوش خالص حتى.

_لو سمحت يا "حسن" متدخلش.
قالتها ببرود أثار استفزازه فرد مدافعا عن حقه في التدخل:
ده ابن أخويا ولو أنتِ مش عارفة لازم تعرفي طاهر لما اتجوزك كان علشان تبقي أم ليزيد، ولو أنتِ فاشلة في ده في غيرك كتير.

ضحكت باستهزاء وتحركت خطوات قليلة لتصبح مواجهة لحسن وهي تنطق بتشفي:
ده كان زمان، كان جوازنا علشان هو يبقى أب لجويرية بنتي وأنا أم ليزيد، لكن دلوقتي طاهر بيحبني وأنا بحبه وعلشان كده من حقي أتدخل في حياة يزيد.
انتهت وجذبت الصغير عنوة تقول بحسم:
اطلع اعمل الواجب.

دخل "طاهر " من البوابة فهرول الصغير هاربا يتشبث بقدم والده في حين نطق "حسن" بنفاذ صبر:
أنا صابر عليها بس احتراما ليك، لكن أنا مش هتعامل مع البني آدمة دي تاني، وياريت تلحق "يزيد" منها قبل ما تجبله عقد الدنيا كلها.

رحل "حسن" باشتعال بعد أن ألقى كلماته هذه، فمسح طاهر على لحيته سائلا بتعب:
ايه اللي حصل تاني يا فريدة؟

تحدث الصغير بدلا عنها وقد عرف البكاء طريقه:
يا بابا أنا عايز ألعب مع حسن وقولت لماما هعمل الواجب بكره علشان أجازة وهي مش راضية، مع إن جويرية بتلعب بالتاب ومش بتعمل الواجب.

_اطلع فوق يا "يزيد"
قالها "طاهر" وهو يمسح على خصلات صغيره فهز "يزيد" رأسه موافقا وتحرك للأعلى بينما تحرك "طاهر" ليصبح مواجه لزوجته وهو يسألها:
أنتِ عايزة إيه يا فريدة؟

ابتسمت قائلة ببساطة:
أنت عارف أنا عايزة إيه.

هز رأسه موافقا وقد ارتسم على شفتيه ابتسامة باردة أثارت التوتر في قلبها:
حاضر.
التحمت عيناهما وهو يلقي بقنبلته الأخيرة وقد طفح كيله:
أنتِ طالق يا "فريدة" .

تركها مصدومة لا تصدق وتحرك جوارها يقول بألم:
سهل أوي نحب، بس الحب بيموت بحاجات كتير أوي، وأنا حتى لو بحبك مش هقبل بمقارنة ابني طرف فيها، علشان حتى لو هو الكسبان أنا مرضاش إنه يبقى في موضع اختيار أصلا.

لم تكن تجب ما زالت تحت تأثير الصدمة وما إن فاقت حتى نظرت له بلا حديث، كان ينتظر تبرير واحد منها، كلمات خرقاء تدافع بها عن نفسها ويستخدمها هو ليغفر لها ولكنها لم تنطق فقط نظرات خاوية
لذلك صعد على الدرج متجاهلا وجودها وهو يقول خاتما الحوار:
فرصة سعيدة يا "فريدة".

★***★***★***★***★***★***★***★

كانت ما زالت على جلستها في الطريق تتأمل السماء التي اخترقتها النجوم فصُنِعت لوحة بديعة تطرب القلب.... اعتادت منذ الصغر حينما تحزن تأتي إلى هنا ترافق هذا المقعد وتجلس متأملة، سمعت رنين هاتفها ونظرت لتجده رقم والدتها، ضغطت على زر الإجابة وانتظرت قول أمها بصمت:
أنتِ فين؟

_بشم هوا... أنا قريبة من البيت، لو عايزاني اجيلك.

سمعت صوت والدتها وهي تخبرها:
الساعة 8 اهي متتأخريش عن 9 ، مريم نايمة وملك خرجت هتجيب من صاحبتها حاجة خمس دقايق وجاية، وأنا هروح للخياطة عايزة أرجع تكوني جيتي.

ردت باختصار:
حاضر .

هي لم تعتد ضربها أبدا، ونادمة الآن فهي ابنتها الغالية ولكن أفعالها تُتلف الأعصاب، وتشعل ثورة الشخص.

أغلقت الهاتف وعادت لتأمل السيارات حين رأت شقيقتها " ملك" تسير من هنا مراقبة الطريق حولها بحرص، رفعت شهد حاجبها باستغراب إلى من تذهب "ملك" في هذا التوقيت، هي لا تتردد منذ بداية الدراسة إلا على صديقتها "تقوى" فهما يكملا الدراسة بعد انتهاء الأربع سنوات في كلية التجارة للحصول على درجة الماجستير، ولكن منزل تقوى ليس من هذا الطريق.

قامت شهد وتتبعت شقيقتها بهدوء حتى تعلم إلى أين تذهب من كانت تأمرها بالتأدب في الصباح.

بعد ربع ساعة تقريبا، توقفت شقيقتها في منطقة بعيدة عن الأعين، يجلس لديها عجوز كبير في السن يبيع الذرة المشوي.

جحظت "عين" شهد حين وجدت ذلك الشاب الجالس على الأريكة الخشبية المجاورة لبائع الذرة وهو يقول باشتياق:
ده أنا لو بقابل رئيس الجمهورية كان الموضوع بقى أسهل من كده....
تابع بابتسامة واسعة:
وحشتيني يا ملك.

ابتسمت وهي تجلس جواره تقول مبررة:
مكانش ينفع أقابلك الصبح كان في مشاكل في البيت.... بس أنت كمان وحشتني أوي.

آتى لهم الرجل بأكواز الذرة المشوي فأعطاها "فريد" أحدهم، وتناول هو الاخر مرددا وهو يشير لها بقلادته:
حرف ال "m" أهو اتفضحت بيها في البلد كلها دي بس مش مهم علشانك.

ابتسمت وأخرجت من حقيبتها علبة مغلقة زُينت بأنشوطة حمراء وقالت:
هو عيد ميلادك مش دلوقتي، بس أنا عارفة إنك هتتبسط

رمقها باستغراب وأخذ منها العلبة، قام يفتحها ليجد بها سوار فضي نُقِش عليه اسمه، سوار مماثل تماما للخاص به الذي فقده منذ شهر وبحث عنه في كل مكان فلم يجده وعبر لها عن حزنه لضياعه.

ضحك عاليا وهو يرمقه غير مصدق:
يا نهار أبيض، ده بجد!

ارتداه وهو ينظر لها بفرح وقد تحدث قلبه قبل فمه:
أجمل ملك في كل العمر.
تأمل السوار في يده وابتسم ناطقا:
أنا كلمت "سهام" عنك وقولتلها على حوارنا، قريب هاخدك انتِ وماما واخواتك تعيشوا في بيت نصران، وعمك ساعتها مش هيقدر يتكلم ولا حتى هيقدر ياخدكم، لو دخل القرية علشان شر مش هيخرج منها غير بالدم.

انقبض قلبها حين قال الجملة الأخيرة فطلبت برجاء:
طب بلاش سيرة الدم دي علشان بتتعبني، مش عارفة أصلا هنخرج برا حدود عمي ازاي، شاكر لو عرف هيخرب الدنيا... ده بقى مجنون طور وطايح في الكل.

_تهربي؟
نطقها بتركيز وهو يتناول من حب الذرة المشوي فرمقته بيأس ناطقة:
بتهزر حضرتك!

هز رأسه نافيا وهو يؤكد كلماته قاصدا كل حرف بها:
أنا مبهزرش يا "ملك" أنا وأنتِ عارفين إنه صعب نكون مع بعض هنا يبقى منقعدش مستنيين الوقت المناسب بقى، تيجوا معايا عندنا حماية ليكوا.

اضطربت حقا في هذه اللحظة وكأن طوق النجاة عبوة سامة أيضا نجاتها جمعت النقيضين فتحدثت بتردد:
محدش هيسيبنا نخرج إيه الثقة اللي بتتكلم بيها دي.

ضم كفها متحدثا بعيون صادقة لمع فيها حبه لها:
أنا مش هسيبك يا ملك... أنا عندك مش كفاية!
قرية نصران دي تولع كلها علشانك بس .

_طب نفكر تاني في طريقة أنسب.. ممكن يا "فريد" ؟
سألته منتظرة إجابة تريحها فتحدث بابتسامته التي تجعلها تحلق عاليا:
ممكن يا عيون فريد.

كانت تراقبهم بل كانت أقرب لهم من أنفسهم، ابتسمت بسخرية وهي تلتقط صور لشقيقتها الأكبر مع ذلك الجالسة معه وعيونها تلمع ببريق جذاب فقالت بنبرة منخفضة ضاحكة بسخرية:
يا اخواتي عليكوا عصافير!
تابعت وهي تعدل من وضع الطاقية الخاصة بسترتها على رأسها كي ترحل من هنا:
لما نشوف أمك بقى يا ست ملك هتعمل ايه لما تشوف صورك وأنتِ دايرة على حل شعرك كده ، شاطرة بس تنصحيني الصبح.
اختتمت بعيون لامعة بالتحدي:
مبقاش إسمي "شهد" لو ما ربيتك يا "ملك".

_أنا همشي بقى.
قالتها " ملك" بحزن وحينما لاحظت ذلك عليه أيضا أردفت:
قولت لماما ربع ساعة بس كده داخلة في الساعة وشوية.... متزعلش يا "فريد".

قام من مكانه وقال بغيظ:
مش زعلان بس كنت عايز نقعد أكتر
تابع بضحكته المرحة:
يلا مش مهم... لما تروحي هبعتلك ونتكلم.

هزت رأسها موافقة بسعادة وتحرك هو معها عدة خطوات من هذا الطريق الجانبي حتى لا تسير فيه بمفردها.

★***★***★***★***★***★***★***★

الثانية عشر منتصف الليل

يسير بخطوات هادئة، متمهلة ذلك الفارع القامة، والمائل للسمرة، عينان يشبها عينا والده وشقيقه، تلك اللمعة الحادة في بنيتاه، ارتدى جاكت خفيف يناسب هذه الأجواء الخريفية ولم يكن يعلم أن الطقس البارد قد بدأ هنا في قريته، لديه كل ما يجعله سعيد
جذاب كانت النعمة الأهم والقاعدة الأساسية في حياته
(ليست الوسامة بل الجاذبية فقط كن جذاب والربح الأكبر سيكن من نصيبك)
جاذبية، ثراء، أشقاء، عائلة كبيرها يحكم قرية بأكملها
ولكن هل هو حقا سعيد؟
كل شيء لديه خطة، الخطة التي إن لم تعطيها كامل تركيزك تصبح على المحك
الحياة بأكملها بالنسبة له لعبة!
دق الباب وهو يتأمل المكان حوله بابتسامة لا يعرف من يراها هل هي تأمل أم حنين أم شيء آخر!
فتحت " تيسير" البوابة وبمجرد أن رأته هرولت للداخل تهلل بفرح:
عيسى بيه هنا يا "سهام" هانم.

_عيسى!
هل حقا قالت "عيسى"
سقط الكوب من يد "سهام" حين رأته بغتتة أمامها الابتسامة لم تفارق وجهه وهو يقول:
مساء الخير يا مدام "سهام".

★***★***★***★***★***★***★***★

هنا حيث الساعات التي تسبق الفجر، تلك الساعات التي إن وقعت عيناك فيها على الطريق تحمد الله أنك محتمي بجدران منزلك، آمن، مطمئن ومجرد تخيل نفسك وحيدا في الخارج والكلاب تنبح حولك يجعل الذعر يتملكك .
كانت الطريق هنا مظلم، بارد، كئيب، فقط ذلك الضوء الخافت والذي يثير الذعر أكثر
ماذا يحدث!... هي لا تعلم شيء... هل حقا فقدت عقلها
حبيبها " فريد" وابن عمها "شاكر" يفتكا ببعضهما هنا الأمر وصل إلى نقطة أن أحدهم سيقتل الاخر
"شاكر" ذلك الذي لطالما شكل اسمه أكبر كوابيسها
صرحت باكية وهي تحرك رأسها رافضة ما يحدث تماما، وتستغيث بفريد أن يتوقف ويبتعد، وشقيقتها "شهد" تحاول فعل أي شيء ولكنها لا تستطيع
أخرج شاكر سلاحه وعيونه لمعت بالشر وهو يتحدث بنبرة سمعها الجميع:
اختاري.
نظرت لفريد تطلب منه العون ولكنها وجدته يدفع "شاكر" بكل قوته ناطقا بغضب:
السلاح ده يتحامى فيه اللي زيك ، انت لو كلب معدي من هنا مش هيختارك
تبع حديثه وهو يبصق عليه وأشار لها بعينيه على شقيقتها "شهد" الواقفة على الناحية الآخرى ترتعد مما يحدث، آتت لتسير ناحية "شهد" الواقفة جوار "شاكر" ولكن يد شاكر جذبتها وهو يقول بلهجة حاسمة:
كده انتِ اختارتي.
لا يعلم أحد ما حدث ولا كيف حدث، وكان أخر توقعاتهم أن تخرج طلقة واحدة من هذا السلاح لذلك استهتر "فريد" بشاكر ، هو لا يتجرأ على ذلك... هل يقتل؟ بل ومن فرد من عائلة "نصران"
ولكن على عكس المتوقع
أعيرة نارية تخترق جسد "فريد" من سلاح "شاكر" امتزجت بصراخ "ملك" العالي باسمه وكأن ما يحدث كابوس تنتظر أن ينتهى ولكن لا نهاية.
هرولت ناحية "فريد" الذي وقع على الأرضية، مالت عليه وهي ترجوه بالقلب والعين وكل حواسها:
فريد لا يا فريد، ....
نطق بنبرة متقطعة وعيناه لا تفارق تقاسيمها:
هتفضلي أحلى حاجة في كل السنين.

جسد شقيقتها متيبث من الصدمة، الصدمة التي جعلت ألم قلبها يتزايد وكأنه ينزف اخر دقاته
عيونها مثبتة عليهما
وسكن كل شيء في الطريق عدا نباح الكلاب المختلط بالنداء المتكرر له هو
النداء المتكرر ل
"فريد"

سقاني الهوى كأساً من الحب صافياً

فيـا ليته لمـا سـقاني سقاكـم

أيا سـاكنين القلب والروح والحشى

فحاشاكـم ان تقطعون حشاكـم

حلفت يميناً لست أسـلو هواكـم

وقلبـي حزيـن مغـرم بهواكـم

من قصيدة (متى يا كرام الحي)
_بهاء الدين الجيوشي_

المواعيد (ثلاثاء_جمعة)
عايزة أشوف رأيكم ولو حد عنده أي نقد يقول ❤

الفصل الثالث

الفصل الثالث (فقد نصفه)
#رواية_وريث_آل_نصران

توضيح بسيط قبل الفصل 🌸
عيلة نصران مكونة من نصران وسهام
★"طاهر" مش ابن "نصران"... طاهر ابن أخوه يعني ابن سهام وأخو نصران
★فريد و عيسى ولاد نصران من مراته المتوفية، يعني مش ولاد سهام.
★بعد وفاة أخو " نصران" "نصران" اتجوز مراته "سهام"
وخلف منها "حسن" و "رفيدة" ودول الأخوة المشتركين لعيسى وطاهر وفريد.
أتمنى تكون الأمور وضحت 💙
يلا نبدأ 👇

بسم الله الرحمن الرحيم

تلك الليلة، الليلة التي أبكت القلوب دما... تلك الحكاية الاعتيادية شاب وفتاة قررا أن يصنعا حياة معا فاندثرت حياتهما قبل أن تتكون.
لا تعلم ماذا يحدث، هي الآن في غرفتها على الأرضية بنفس ملابس أمس، كان خوفها يتلاشى بأول شعاع من ضوء النهار ولكن الآن قد تلاحمت الأشعة وحل النهار والخوف يتزايد، هل خوف أم حسرة ومرارة ومشاعر كُثر

جلست "مريم" جوارها تقول بنبرة باكية فهي الاخرى مدهوشة مما يحدث:
هو ايه اللي حصل يا ملك؟

هل تسألها حقا؟.... سؤال قاتم مخيف، ماذا حدث؟ .... لا إجابة هي نفسها لا تدري ما حدث كل ما تتذكره أنها نعمت بلقاء ودي مع من أحبته، وعند موعد الانصراف اصطحبها في هذا الطريق المظلم الجانبي حتى لا تسير به وحدها، ذلك الطريق الذي تتسلل منه في العودة لبيتها حتى لا يراها أحد.... تأكد أنها الآن بأمان بعد أن خرجا من هذا المكان الضيق وودعها ضاحكا
فجأة تبدل كل شيء ظهر شاكر أمامها والظلام الدامس يقتل كل شيء ولم يكن هناك سوى مصدر واحد للإنارة أضفى بعض الحياة

Flash Back
وجدت يدها تُجذب، لم تكن منتبهة بل كانت تسير بهدوء في طريقها للمنزل وهي شاردة في لقائها الذي انتهى، حتى اصطدمت بيد شاكر التي قبضت عليها وهو يقول بشر برز في عينيه مشيرا على سيارته:
اركبي.
لم تأخذ فرصتها في الاعتراض بل دفعها عنوة وسط رفضها وصوتها الذي علا تقول بذعر:
عايز مني ايه يا "شاكر"؟
لم يترك فرصة لكل هذا بل التهم الطريق بالسيارة التهاما
كانت " شهد" _كما ظهر سابقا_ تراقب شقيقتها مع فريد، وعند انصرافها انصرفت "ملك" خلفها... ولكن حدث ما لم تتوقعه، ذهبت أولا لشراء شيء ما ثم أتت تتابع طريقها من هذا المكان الضيق وحين عبرته واتت لتتخذ جهة اليمين كي تواصل توجهها للمنزل لمحت "شاكر" يدخل شقيقتها عنوة للسيارة، من سوء الحظ أنه لا أحد هنا ، هذا المكان الذي تستعين به شقيقتها للوصول إلى المنزل لا يمر فيه سوى القليل من المارة وهم في قرية ينام أهلها باكرا فالساعة التاسعة مساءا بالنسبة لهم هي الرابعة فجرا، وحتى إذا مر أحد فإن كل ما في القرية يعلم بعضه، وسيتركوا الفتاة مع ابن عمها دون تدخل إلا إذا صرخت مستغيثة وهذا لم يحدث فهو لم يعطها فرصة كهذه.
لم تعرف ماذا تفعل، فشاكر تحرك مسرعا ولم تلحق به ولم يسر من جهة اليمين المؤدية للمنزل فعلمت أنه ينوي الشر، هرولت تعود إلى الطريق الضيق مجددا علها تلحق بمنقذها الوحيد هنا ولحسن الحظ وجدت "فريد" ما زال يجلس في المكان الذي جلست معه شقيقتها فيه.
قالت مسرعة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
أنا شهد أخت ملك.
كان يحاول فهم ما يحدث وأيضا حاول يطمئنها بقوله:
اهدي طيب، مالك في ايه؟

كانت تحاول تجميع الكلمات شاكر، شقيقتها، أخذها، عنوة، سيارة، لم يردعه أحد
لم تستغرق إلا دقائق حتى وجدت فريد يهرول من أمامها إلى سيارته ، حينما أخبرته "ملك" في الصباح أنها لن تأتي إلا مساءا عاد إلى بيته وحين حان موعد اللقاء أتى إلى هنا.
أسرع بسيارته نحو الطريق الذي أرشدته شهد له، ظلا يتبعان "شاكر" فترة يحاول إيقافه ولكن الاخر سرعته مهولة كل منهما يزيد سرعته وكأنهما في سباق يتنافسا بشراسة على المركز الأول... هذا المعتوه يسير في طريق مقطوع باتجاه الأراضي الزراعية ولا يعلم أحد ما ينتوي، استطاع "فريد" أخيرا أن يقطع الطريق عليه، كلاهما نزل من سيارته ولكمة عنيفة صدرت من "فريد" لشاكر وهو ينعته بألفاظ بشعة
احتد العراك، و "شهد" تهرول ناحية شقيقتها تتأكد أنها بخير، أتى "شاكر" يجذب "ملك" ليرحل بها ولكن منعه "فريد" واحتد الشجار بينهما حتى وصل الأمر في النهاية إلى أعيرة نارية، وجثمان فريد على الأرضية، وفتاة ملكومة تصرخ باسمه.

Back
فاقت من شرودها وهي تردد اسمه، لقد لفظ اخر أنفاسه أمامها، عيون دامعة وهي تكرر:
هو فريد كويس صح؟

احتضنتها "مريم" التي لا تعرف شيء وقالت مؤكدة فقط تطمأن شقيقتها:
كويس يا حبيبتي كويس.

قالت "ملك" بضياع و عينها تدور في كل أرجاء الغرفة وكأن المكان غريب:
طب هاتي التليفون أكلمه.

وكأن سكين حاد ينهش في قلبها، رعشة سرت في جسدها بالكامل حين تذكرت المشهد و "شاكر" يبحث عن هاتف "فريد" بعد أن تخلص منه ولكن عقلها يرفض التصديق.

_هاتي التليفون، أنا عارفة فريد بيحبني وهيرد عليا
قالتها بإصرار واستطردت بانهيار:
أنا كنت هعرفكوا عليه والله.... بس خلاص جت الفرصة، هاتي التليفون نتصل بيه.

احتضنتها مريم وقد بكت حقا على حالة شقيقتها هذه مما جعل الاخرى تصرخ بكل ما امتلكت من قوة، وهي تهز رأسها بعنف نافية أن يكون كل هذا قد حدث.

★***★***★***★***★***★***★***★

قسم شرطة لا يتواجد به إلا من تم إبلاغهم بالخبر "عيسى" و "طاهر"
اتصال هاتفي إلى "نصران" يطلبوا منه الحضور لأمر عاجل في المركز التابع للقرية التي تبعد قريتهم بعدة كيلومترات، استغرب "نصران" الأمر وأيضا الإصرار على عدم قول أي شيء حتى يحضر أحد
وبسبب ظروف مرضه أرسل "طاهر" الذي ثارت ريبته حين عرف أن الأمر يخص "فريد"
وقابل "عيسى" في طريقه، لم يلقي السلام على هذا الغائب الذي حضر للتو بل استمر في الهرولة قائلا:
تعالى معايا يا "عيسى" في حد اتصل من المركز بالحاج بيقولوا في حاجة بخصوص فريد.

لم يعلم والده حتى الآن أنه حضر، حتى "طاهر" علم الآن حين وجده، وحمد ربه على وجود أحدهم لأنه يخشى أن يكون هناك حدث مفجع.

لم يأخذا الكثير من الوقت حتى وصلا إلى المركز، فعائلتهم معروفة للجميع، _أصحاب القرية التي حملت لقبهم، قرية نصران_ .... كان الضابط لا يعلم من أين يبدأ ولكنه استجمع ثباته حين قال "طاهر" عند جلوسهما:
خير يا حضرة الظابط ماله فريد؟

أطبق الصمت على المكان فنطق "عيسى" هذه المرة:
اتخانق مع حد؟

تحدث الضابط برسمية يخبرهم بما لديه:
الساعة 6 الصبح جالنا فلاح من القرية هنا، عمل محضر قال إنه لقى واحد ميت جنب الأرض بتاعته.

تجمدت الدماء في عروقهم، طاهر قلبه يهوى أرضا، و "عيسى" ذلك الثابت الذي لا يبالي للأشياء من حوله شعر أن جسده كله خذله وأنه لا يستطيع الحركة.
ابتلع "عيسى" ريقه وهو يسأل بارتياب:
ايه علاقة فريد بالموضوع؟

_ممكن تقوموا معايا؟
قالها الضابط بهدوء طالبا منهم الذهاب معه، لا يعلما إلى أين ولكنهما يريدا تفسير لما يحدث، حتى ضابط المركز لا يستطيع التحدث الأمر ليس هين، إن الفقيد شاب من زهور عائلة نصران، والأدهى أنه مات مقتولا
تلك القرية التي لا تدخلها الشرطة ويحكمها "نصران" فقدت اليوم ابن كبيرهم.

ذهبا مع الضابط وقد وجدا أنفسهم في السيارة التي توقفت بعد ربع ساعة تقريبا عند مشفى قريب.
قادهم إلى الداخل، قادهم إلى اخر مكان يمكن أن يتمنى انسان التواجد فيه... إلى
ثلاجة الموتى!

★***★***★***★***★***★***★***★

في منزل "مهدي"
كانت غرفة المكتب تضم هادية تالفة الأعصاب التي تبحث عن آلة حادة تتخلص بها من "شاكر"، " شهد" التي قلت حالتها سوءا قليلا عن شقيقتها، و"مهدي" وأخيرا فاعل الجرم نفسه "شاكر"
قال "مهدي" بانفعال وهو يصفع ابنه صفعة مميتة:
انت اتجننت، عارف اللي أنت عملته ده هيودينا كلنا فين لو حد بس شم خبر إن إيدك فيها!

تحدث بتبجح وكأنه لم يرتكب جريمة أمس، وكأن ما فعله كان دفاع عن ممتلكاته:
الحق مش عليا، الحق على الهانم بنت أخوك اللي كانت دايرة على حل شعرها معاه... أنا واحد بيغير على عرضه واتصرف
نظر لعيون "شهد" التي ترمقه باستنكار مستطردا:
وعموما متقلقش محدش هيعرف حاجة.

هنا لم تحتمل فصرخت فيه "شهد" بشراسة وقد رسخ في ذهنها ذلك المشهد الدامي وشقيقتها المجاورة للجثمان:
ده عند أمك.... أنا هنزل دلوقتي حالا أقدم بلاغ أقول فيه كل حاجة و...
لم تكمل حديثها فلقد جذبها من خصلاتها ولم يهتم بأحد وهو يقول بغضب:
بتقولي ايه يا بت... سمعيني كده بتقولي ايه.

أخذت تحاول التملص منه بعنف هذا المريض النفسي، وبالفعل أبعده والده عنها وجذبتها أمها ناحيتها لتقف خلفها لتقول هي هذه المرة:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك، عايز تعمل فيها ايه دي كمان؟

نظرت لهم وهي تحاول استيعاب ما حدث:
ملك قالتلي على "فريد" ، وقالتلي إنه عايز يتقدم ، وقولتلها تأجل الموضوع دلوقتي علشان عارفة جنان ابنك، وانه فاكر الجواز بالعافية وهيعمل مشاكل
يقوم يقتله...لقيتها معاه هاتها وتعالى جرها وامشي مش تقتله!

صرحت "شهد" من خلفها تواجهه:
هو لما خدها من ايدها كانت لوحدها راجعة البيت، أنا اللي روحت جبت "فريد" يلحقها علشان لقيته واخدها على طريق أراضى و يا عالم كان هيعمل فيها ايه.

نطق ببرود باسما ابتسامة برزت فيها نواياه الخبيثة:
مش عيب كده ، شهد حبيبتي ماتعرفيش ان الكداب بيروح النار ولا ايه؟
امتعض وجهها أمام بروده فتابع هو وقد تبدلت البسمة لملامح اخرى لا تعرف سوى الشر:
اللي متعرفيهوش يا شهودتي إن أنا كنت ورا "ملك" من أول ما خرجت من البيت وشوفت كل حاجة، حتى بالأمارة شوفتك وأنتِ واقفة بتصوريهم، وأول ما اختفيتي وأختك قامت تروح كنت هاخدها واعرفها غلطها وارجعها، أنتِ بقى اللي عملتي الحوار ده كله وندهتي فريد.

هنا نطق والده وقف أمامه يقول بنبرة حملت وعيد أهل القتيل جعلت قلق ابنه ينتشر:
فريد اللي أنت بتقول اسمه ده، لو أهله عرفوا حاجة هتتقطع حتت وتترمي للكلاب.

_محدش هيعرف حاجة، ولو دماغ الحلوة لعبت عليها وراحت بلغت تليفونها اللي صورت بيه معايا.
قالها "شاكر" وهو يخرج هاتفها الذي أخذه منها عنوة من جيبه ملوحًا لها به وتابع:
لو قولتي أي حاجة هقول إن أنا وأنتِ متفقين على قتله وأكبر دليل الصور دي اللي صورتيهالي علشان تعرفيني مكانهم .

نزلت الدموع من "شهد" التي ترمق "شاكر" بمقت في حين التفتت والدتها لها تسأل:
أنتِ كنتي بتعملي ايه، أنتِ أختك هي اللي كانت واخداكي معاها صح؟

بدأت في الدفاع مبررة بنحيب:
أنا شوفتها ماشية لوحدها من طريق غير الرئيسي، ولما لاقيتها قاعدة مع "فريد" صورتهم علشان أعرفك وتتكلمي معاها....تابعت وقد زادت شهقاتها حين قالت بصدق:
بس بعد كده والله قررت إني مش هوريكي حاجة وهمسحهم، وشوفت بعدها الحيوان ده وهو بياخدها والباقي اللي حكيته ليكِ.

ارتفع ضغط "هادية" بصورة غير طبيعية، احتمال كل هذا ومحاولة التعايش معه وتقبل الحقائق التي تتوالى تباعا أمر مستحيل لذا اختارت الحل الأسهل، تمكن الدوار منها ولحقت بيها يد ابنتها التي صرخت باسمها وهي تساعدها على الوقوف:
ماما لا.

أسرعت تجلسها للأريكة وتحضر كوب مياه وهي تقول:
ارتاحي يا ماما... ارتاحي.

وضعت الكوب على فمها لتسقي والدتها، ونال "شاكر" ووالده نظرة جانبية منها مليئة بكل ما فعلاه بهم.

★***★***★***★***★***★***★***★

توقف الزمن هنا، وعند هذا المشهد تحديدا
"فريد" بهجة الدار، و زينتها... ذلك الضاحك حد السماء، الحاني حد الكون، المخطئ الذي يتدارك خطأه بعد فترة ويهرول لك آسفا، والمصيب الذي سُلِب غدرا من أحبته.
توقفت الأرض ب "عيسى" هنا وهو يرى جثمان مغطى، سحب الغطاء وقد عرف ضيق الأنفاس طريقه إليه، لتتجمد عيناه حين رأى وجه شقيقه
حين رأى وجه توأمه!
براءة تقاسيمه كأنها تخفف من حزنهم، تخبرهم برسالة منه أنه بخير.

تردد في ذهن "عيسى" آخر رسائل منه تلك الرسائل التي حملت صوته الضاحك الذي يجبرك على الابتسام بل والقهقهة.

(يا عيسى وحشتني أوي...مش هشوفك بقى ولا إيه، اه شكل البنات في شرم كلوا عقلك.)

انتقل عقله إلى لحظة اخرى سمعه يقول فيها

(عيسى أنا بحب بنت... أنا مش هقولك اسمها غير لما تنزل، علشان في مشاكل كتير وعايزك تساعدني أحلها وأتقدملها... أقولك سر اسمها ملاك أو أنا اللي سميتها كده.)

نزلت الدموع من عيني "عيسى" رغما عنه، اليوم نصفه الاخر رحل، في الأول رحلت التي حملتهما معًا فبلت قطعة من روحة والآن رحل توأمه ... وكأن عقله جمع له كل شيء الآن فتذكر

(على فكرة يا عيسى this is not fair، هو مش أنت توأمي فين الأكشن بقى في الموضوع؟... لازم كل واحد فينا يروح يومين مكان التاني ونشتغلهم)

فاق من ذكرياته على "طاهر" الذي أصابته حالة من عدم التصديق، فقط يرمق صديق طفولته وأيامه، ابن عمه الذي لم يجده يوم إلا أخ
همس باسمه والدموع تلتحم بمقلتيه وقد تمزق نياط قلبه:
فريد.
لا حظ الضابط حالة الانهيار التي أوشكت أن تعرف طريقها لهما، فطلب منهما الخروج بأدب وقد تم وضع الغطاء على الوجه الذي قبل أن يُغطى تماما اختلس عيسى نظرة له يطلب منه أن يكف عن هذا المزاح الثقيل، وأن يقوم الآن غامرا الأجواء بحديثه الذي لا ينتهي.
وجد "طاهر" اتصال هاتفي من "نصران" فعلم أن بالتأكيد الخبر وصل له من أحدهم، فمؤكد منذ خروجهما وهو يبحث بنفوذه عن أحد يُسرب له ما حدث.
لم يعلم ماذا يفعل، فتح الهاتف وظن أن الصوت الذي سيسمعه صوت انهيار، خوف أي شيء إلا نبرة الثبات هذه و"نصران" يقول:
ابني ميتدبش مشرط فيه، سامعني يا طاهر
شعر "عيسى" بما يحدث فأخذ الهاتف يضعه على أذنه ليسمع والده يتابع بنفس الحسم:
ابني ميتشرحش، ولا حد يلمس جتته وهيتدفن الليلة... لو أنت مش واعي يا طاهر اديني "عيسى"، احنا مش فاضيين للبكا، لما يرتاح في تربته الأول ونشوف حقه.

هنا نطق " عيسى" بنبرة جامدة وكأنها فقدت الحياة بعد أن غادر الجسد روحه:
معاك "عيسى"... اعتبره حصل، محدش هيمد ايده في جثة فريد.

أنهى حديثه وأغلق الهاتف ليسمع الضابط يقول باعتراض:
أنا مقدر الموقف، بس دي جريمة قتل ولازم الجثة تتشرح.

قاطعه " عيسى" بنبرة حادة تخبره أنه لن يحدث إلا ما يريدوه:
واحنا قولنا مفيش جثة هتتشرح.

تحرك ليقف في مواجهة الضابط وهو يتابع بثبات:
حاج "نصران" عايز ابنه يبات في تربته الليلة... اعتبر مفيش حاجة حصلت، مفيش قضية.

ترك الضابط واستدار لطاهر الذي قال بأعصاب تالفة:
كان جاي معايا امبارح، كنا رايحين عند مهدي نبلغه حاجة من أبوك، سابني وقال هيلف شوية، مكنتش أعرف إنها أخر مرة هشوفه.

ضرب "عيسى" بقبضته على كتف "طاهر" هامسا بثبات على الرغم من الحرب التي تدور داخله:
اهدى علشان نعرف نتصرف.

استدار "عيسى" للضابط يستفسر منه:
مين الكبار في القرية هنا، اللي عارفين المداخل والمخارج واللي عارفين الناس.

قال الضابط بهدوء يخبره بما يريده:
في كتير، بس اعتقد حاج "مهدي" هو أكتر حد هيفيدك.

_طب خلي حد يجي معايا يوديني بيته.
قالها عيسى مستعدا للرحيل فقال الضابط بانزعاج:
أنا مش هعرف اعمل اللي عايزينه ده، الجثة لازم تتشرح.

نطق "عيسى" بنفاذ صبر ولم يستدر:
طاهر فهم الباشا، علشان شكله مفهمش مني.

حضر من سيرشد "عيسى" للمنزل وسار خلفه مغادرا بأوامر من الضابط كي يوجهه إلى
منزل "مهدي" .

★***★***★***★***★***★***★***★

في منزل "نصران"
دخلت "سهام" غرفة زوجها وتبعها "حسن" و "رفيدة" وهي تقول باسمة:
أنا جبتلك أهو "حسن" و"رفيدة" علشان ناكل معاك هنا في الأوضة.
لاحظوا تعابيره الجامدة، عيناه التي فضحتها تلك السحابة الشفافة ولكنها تأبى النزول، كل شيء مريب.
تبادلوا النظرات التي كساها الاستغراب وتشجع "حسن" ليسأل أولا:
مالك يا بابا في حاجة؟

لم يجد إجابة فنطقت "سهام" هذه المرة باضطراب:
أنا ممكن أروح البيت التاني لحد ما "عيسى" يقضي أجازته هنا.

_فريد مات.
قالها وهو لا يعلم هل هي حقيقة فعلا، هل نبتته حصد روحها من فقد كل معنى للإحساس!

لم تستعب "رفيدة" ما يقال وشعرت بأن الروح تُسحب منها وهي تقول:
لا يا بابا في أكيد حاجة غلط، ده تلاقيه مقلب من مقالبه.

ساندها "حسن" مؤكدا وقد كانت أمنيته الوحيدة الآن أن يكون الأمر مزحة:
أيوه يا بابا هو أنت لسه هتعرف لعب فريد دي.

تحدث بحدة ليفيقهم من صدمتهم هذه:
فريد الله يرحمه، وهيتدفن النهاردة.

صرخت "سهام" مستنكرة وهي تهز رأسها رافضة لهذا الحديث وهي تتحدث بانهيار:
لا اللي ربيته سنين مماتش يا "نصران"... روح يا حسن روح هات " فريد" .
كانت حالة "حسن" يرثى لها فدفعته هي متابعة بصياح وقد شق البكاء طريقه:
بقولك روح هات أخوك أنت مبقتش تسمع.

وقعت "رفيدة" على الأرضية التي لم تكن برودتها أكثر من برودة جسدها وهرول ناحيتها شقيقها أما عن "سهام" فدفنت رأسها في صدر نصران وهي تردد بلا وعي والبكاء ملازم لها:
بتكدب ليه حرام عليك، بتكدب ليه... عايز تاخد حتة من قلبي ليه يا "نصران"

لم يدر بما يجيب هل يجبرهم بحسمه أن يتوقفوا!
كيف ؟
وهو بنفسه ود لو يصرخ صرخة يسمعها العالم بأكمله فيعرف أن هناك أب كيعقوب فقد يوسف ولكن "يوسف" هنا لن يعود أبدا!

★***★***★***★***★***★***★**★

وصل "عيسى" إلى منزل "مهدي" فصرف مرشده وتحرك هو ليتجه ناحية البوابة ولكنه وجد البوابة تُفتح وإحداهن تنطلق كالسهم هاربة من هنا... ابتعد كي لا تتعركل به، أما هي فثبتت وقد جحظت نظراتها وهي تردد بأمل أعاد الروح لها:
بجد!
جذبته من يده بعيدا عن البوابة وهي تقول ببكاء:
أنا كنت عارفة... كنت عارفة إني مش ههون عليك، يلا من هنا يلا بسرعة... أنا موافقة نمشي بعيد... أنا بحبك وراضية ومش هقولك لا تاني واعترض.

احتضنته وتشبثت به كأنه أملها الأخير وهي تصرخ:
أنت مبتردش عليا ليه، أنا أسفه والله حقك عليا... أنا بحبك... يلا نمشي من هنا.

رفعت وجهها تستغيث برده، بقلبه الذي أحبها ولكنها لم تجد في عينيه فريد، بل وجدت عينين اخرى مصوبة عليها، تشبه عيون "فريد" ولكنهما عينان ليس بهم
"فريد".

إنها ما زالت كما هي، حياة تخبرنا أنه لديها الجديد بعد... تحدثنا أن كل ما مضى نقطة في بحر ما هو آتي
تتلذذ بجهلنا لتمارس فنها، هناك حياة تبدأ بكلمة، وهناك حياة تنتهي بكابوس، ولكن الكثير حقا أن هناك حياة تبدأ بليلة... ليلة كهذه.... ليلة لا ننساها أبدا

يُتبع 🌸

الفصل الرابع

الفصل الرابع (دخلت حدودهم)
#وريث_آل_نصران
بسم الله الرحمن الرحيم
هل الأمر يحتمل الآن!
شريد يبحث عن حق شقيقه ليجد ضالته فيقع في طريقه فتاة سُلِب عقلها.
كانت "ملك" تنظر له تأمل رده، تتمنى لو نطق بكلمة واحدة فقط... العيون خاصة بفريد ولكن لا نظرات "فريد" ليست جامدة، مصوبة كهذه.. ولكن لن تضيع الأمل الذي تشبثت به للتو، تحدثت بنحيب:
رد عليا... متسكتش، وبعدين أنت واقف ليه يلا نمشي من هنا بسرعة.

"ملك"
خرجت جامدة من "شاكر" والذي تبعه في الهرولة نحو الخارج كل أهل البيت، تجمد "شاكر" حين شاهد هذا المنظر ابنة عمه تتشبث بمن قتله، بمن تأكد من انقطاع أنفاسه، "شهد" ترمقه بصدمة، ما يحدث هنا بالتأكيد ليس إلا خيالها... شعر "عيسى" بالريبة منهم جميعا لذا نطق بنبرة ثابتة ونظراته مصوبة ناحية كبيرهم الواقف في زاوية ما:
أنا "عيسى نصران"

هز "مهدي" رأسه مرحبا بضحكة صغيرة ولكن داخله صراع لا ينتهي، تحركت "شهد" وتبعتها "مريم" نحو شقيقتهما وبمجرد أن اقتربا صرخت وهي تزيد من تشبثها بعيسى:
لا محدش يقرب مني... أنا همشي معاه.

كانت تصرخ بهيستيرية لم يتحملها جسدها، كل شيء خذلها، ففقدت قواها وقبل أن تسقط كانت شقيقتها "شهد" تسندها، و "مريم" تساعدها في ذلك.
تنفس "مهدي" الصعداء أن هذه اللعينة فقدت قدرتها الآن ولم تفضح أمر ابنه، وبدأ يقول ليقلل من حدة نظرات الغريب المتسائلة:
خطيبها مات في حادثة من كام يوم، ومن ساعتها وهي اتخبلت كده، كل ما تشوف حد بتفتكره خطيبها... وكل يومين نجيبها من على الطريق بتحاول تهرب.

هز "عيسى" رأسه بنظرات تعني أن الأمر لا يخصه ، وقد انتقلت نظراته إلى "شاكر" الذي حثه والده مسرعا:
روح كده يا شاكر لعمك إمام أبو "محسن" وقوله مستنيه كمان ساعة.

آتته الفرصة على طبق من ذهب فاختفى من أمامهما وكأن الأمور تسير بطريقة عادية، بدأ "مهدي" في وصلة ترحيبه بعيسى الذي قاطعه قائلا بتقاسيم لمع الغضب فيها ولهجة مقتضبة:
فريد أخويا حد قتله هنا، عندكم في القرية... جنب الأراضي اللي على الطريق المقطوع.

تصنع "مهدي" الصدمة وبدأ يحوقل ثم قال بتصنع الأسى:
يا نهار أبيض...ده ازاي؟ ، دقايق ويكون الفلاح صاحب الأراضي دي عندك هنا ونعرف منه كل حاجة
نظر حوله بدهشة ضاربا كف بالآخر وهو يستطرد:
معقول فريد زينة عيلة نصران كلها يجراله كده عندنا!.... ولاد الحرام كتروا أوي يا بني.

تحرك "عيسى" بخطوات متمهلة ليصبح واقفا أمام "مهدي"... تواجهت الأعين ومهدي يحاول جاهدا ألا يفقد ثباته وخاصة حين سمع نبرة " عيسى" وهو يقول بخطورة:
أنا مش عايزك تجبلي الفلاح، أنا جتلك هنا الأول علشان عيلة نصران تعرف الأصول كويس.
قبل أن يتحدث "مهدي" تابع "عيسى" ولكن بتحذير:
معاك أسبوع تجبلي فيه ولاد الحرام اللي أنت لسه متكلم عليهم من شوية، أنا سألت وعرفت انك من الكبار هنا يعني مفيش شبر في البلد مش عارفه ولو اللي عمل كده مظهرش خلال المدة اللي قولتلك عليها رفع وجهه وقد زادت نظراته اشتعالا بقدر حزنه على شقيقه:
العاطل في المكان ده هيتاخد في الباطل، الكل هيتحاسب على دم "فريد"، ما هو أصل دم زينة عيلة نصران زي ما أنت قولت غالي أوي.
تأكد " عيسى" من تأدية المهمة بنجاح حين لمح تقاسيم "مهدي" التي ظهر عليها التوتر ففقيدهم قُتِل هنا وهذا كافي ليقلبوا القرية رأسا على عقب بحثا عن القاتل ولكن قبل فعل ذلك أتوا له بتحذير وإما يسلم لهم القاتل أو يقبل بنارهم التي لن تُخمد.
فاق "مهدي" من شروده على صوت "عيسى" يقول بهدوء وكأن ما قاله منذ ثوان لم يكن تهديد صريح:
عن إذنك.

تتبع "مهدي" بعينيه رحيله وداخله يلعن ابنه في الدقيقة عشرات المرات ، خرج شاكر من المكان الذي اتخذه للاختفاء حتى يرحل هذا الزائر الثقيل، بمجرد أن لمحه والده نطق بضجر:
طبعا سمعت اللي اتقال، أنا عمري ما سمعت عن عيسى ده، طول عمره مفارق البيت ويوم ما يرجع يجي على راسي أنا... راجعلك نسخة من اللي قتلته بس على ألعن.

حاول "شاكر" أن يخفف من توتر والده ذلك التوتر الذي ينتقل بالعدوى وأخذ يقول وقد شملت نظرته الأمور كافة:
الموضوع هيخلص ، ومحدش هيعرف حاجة... هو مش قالك عايز القاتل خلال أسبوع، احنا نشوف واحد معدوم من رجالتنا يقول إن هو اللي عملها وطبعا مش هيموت ببلاش هندفع مبلغ محترم ونأمن حياة اللي وراه ويبقى قفلنا الصفحة دي خلاص.

صاح "مهدي" وهو يرتعد من القادم ولا يستطيع التفكير في أي شيء:
وبدل ما تبقى قتلت واحد يبقوا اتنين
دفع ولده بغل وهو يتجه للداخل ناطقا بضيق:
الله يلعنك يا "شاكر" على اللي حطتنا فيه ده.

ليس أمامه سوى ما قاله "شاكر" بالتأكيد لن يفرط في ابنه ولن يسمح بحرب دامية تُقام هنا... الحل الوحيد هو أن
يحمل التهمة عن ولده أحدهم.

★***★***★***★***★*** ★***★

لم يكن اليوم بيسير أبدا، ما بين اجراءات يحاولون فك قيودها كي يتسلموا الجثمان، وقلوب محترقة على فقيد يروا أن الزمان لن يجود بمثله.
كان الإنهاك باد على كبيرهم قبل صغيرهم.... بقى على الفجر عدة ساعات معهم الجثمان الآن ويتجهوا به إلى مقابر آل "نصران" يحمله من الأمام "عيسى" و "طاهر" ومن الخلف "حسن" يساند والده، وأهل القرية جميعا الذين لم يتهاونوا في حضور شيء هكذا... إن اليوم عصيب كبيرهم فقد ابنه.
لا يوجد مكان خالي لقدم واحدة، الازدحام رهيب وهم يرددون العبارات المتداولة في مثل هذه المواقف، وقد رفض "نصران" محاولات "سهام" المستميتة أن تحضر مع "فريد" إلى هنا.
قلب "نصران" ينزف دما، ولكن ثباته سيد الموقف على "عكس" حسن الذي لم يكف عن ذرف الدموع، ومعارف فريد التي تتمثل في القرية كلها، نصفهم يبكي والنصف الاخر لا يستوعب صدمة كهذه، من تجرأ على فعل هذا؟
وصلوا إلى القبر وأنزلوا النعش في لحظة مهيبة، لحظة خلخلت ثبات الثابتين، نهاية وجوده على أرضهم.... الآن اكتمل الرحيل تماما وتم وضع الفقيد في مكانه واغلاق البوابة بعد أن خرجا من أدخلاه القبر، طاهر بوجه اختلط بالدموع، و "عيسى" بعيون لامعة من يراه يقسم أنه فقد شيء لا يُعوض ، شيء سيفقد نفسه في إثره، وقفوا يستمعون لذلك الذي يدعي للمتوفي في ظلمات الليل التي زادت الموقف وحشة
انتهى الأمر تماما وبدأ الزحام يقل بعد أن أتموا واجبهم وبأوامر "نصران" الذي شكرهم وطلب منهم الانصراف إلى بيوتهم.
لم يتبق سوى "عيسى" و "طاهر " و "حسن" وكبيرهم الذي قال بخشونة:
روح يا "حسن" علشان أختك و "سهام".
أتى ليطلب البقاء فكرر والده الأمر بلهجة أشد حزما:
روح قولت.

قال " طاهر" هذه المرة وهو يرى انهيار "حسن" :
يا بابا سيبه لو سمحت يقعد شوية.

_أمك وأختك عايزين حد جنبهم... روح يا "حسن" أخوك مش بعيد ووقت ما تحب تجيله تقدر تيجي.
قالها "نصران" يحثه على المغادرة فامتثل "حسن" لأمره.... لم يبق سوى طاهر و عيسى مع "نصران" الذي قال:
عملت ايه يا "عيسى"؟

تحدث " عيسى" وعينه لا تفارق اللوح الذي دُوِن عليه اسم شقيقه:
روحت لمهدي سمعت من الظابط في المركز إنه ليه كلمة هناك، رمتله كلمتين اظن إنه هيعرف بعدهم مين اللي عمل العملة دي من عندهم، وحتى لو معرفش حق "فريد" احنا هنجيبه حتى لو وصلت إننا ندخل بيت بيت في القرية دي.

هز "نصران" رأسه بصمت ودس كفه في جيبه يخرج شيء ما... كان كلاهما ينظر نحو القبر يطمئنا شقيقهما أنهم هنا بجواره... فاقا على صوت "نصران" يقول:
امسك يا "طاهر".
نظرا له وكست الدهشة وجهيهما حين لاحظا هذا السلاح الناري وزادت الدهشة التي جعلتهما ينظرا لبعضهما ونصران يقوم من مكانه رافضا مساعدتهم فهو لم يشف تماما بعد.... ثبت فوهة السلاح على رأس " طاهر" ورفع يد "طاهر" لتقبض على السلاح وهو يقول بحزم :
اضرب يا طاهر.

ليس هناك تفسير سوى أنه جن بالتأكيد صدمة فقد "فريد" ألقته إلى...
الجنون.

★***★***★***★***★***★***★***★

في منزل "نصران"

كانت "رفيدة" في غرفتها تحتضن "يزيد" ابن شقيقها باحتواء... هو لا يدرك ما حدث ويحتاج للأمان ووالدتها ليست في حالة تسمح بأي شيء، شعرت ببرودة الأجواء فجذبت الغطاء تدثره به وانضمت له فسمعته يقول باستفسار:
هي تيتا زعلانة ليه يا "رفيدة" هو مش عمو "فريد" مش هيرجع تاني خالص؟

هزت رأسها بنفي تؤكد له بابتسامة من وسط دموعها:
لا طبعا يا حبيبي هو روحه معانا، وكلنا في الآخر هنتقابل معاه.

أكمل لها "يزيد" بمنطقه:
وكمان هو سايب نسخة منه عمو "عيسى".

ربتت على ظهره وهي تمسح دموعها مؤكدة على حديثه:
صح يا حبيبي.

سمعت رنين هاتفها فأخذته متوجهة إلى شرفتها وقالت للصغير بلطف:
نام يا " يزيد" هرد على صاحبتي واجي أنام جنبك.

خرجت إلى الهواء، وفتحت تجيب بنبرة غمرها البكاء:
جيهان أنا محتجالك أوي... أنا حاسة إني لوحدي، فريد مات يا "جيهان" .

هدأتها "جيهان" وهي تحاول أن تقلل من حدة الموقف بعبارات تطمئنها بأن شقيقها كان شخص جيد وبالتأكيد هو في أقصى راحته الآن وتبعت ذلك بقولها:
بقولك ايه يا "رفيدة" انزلي السكن الأسبوع الجاي، مينفعش تفضلي قاعدة عندك كده كتير يا حبيبتي.

_حاضر يا جيهان هحاول، أنا مش طايقة القعدة هنا
قالتها وتابعت وقد زاد نحيبها:
وخصوصا من غير فريد.

انتهت مكالمتها مع صديقتها وعادت لتجد الصغير قد غط في نوم عميق، فجلست على الفراش جواره تبكي بصمت بينما على الجانب الآخر في منزل "جيهان" _صديقتها_ كانت تجلس أمام التلفاز تقلب بين محطاته بملل حتى خرج صديقها من المرحاض يقول بأمل:
عرفتي هي هتنزل امتى... يمكن نعرف نسلك منها أي حاجة.

_مش نازلة خالص الأسبوع ده... المحروس أخوها مات.
قالتها بانزعاج متأففة بينما ضرب هو على الطاولة ناطقا بنفاذ صبر:
كده مينفعش يا "جيهان".

صاحت فيه بغضب وقد استفزتها نبرته:
وأنا أعمل ايه يعني... بقولك زفت أخوها مات وعمالة تعيط وتقول أنا بقيت لوحدي ، والشغل اللي أنا حافظاه منها ده.

صمتت ثوان ثم استطردت بضيق:
وبعدين البت " رفيدة" دي مبقتش مريحاني، كانت الأول لما أطلب منها فلوس تجري تجبهالي، لكن بقالها فترة كده مبتنزلش غير في أيام المحاضرات، ولما أقولها على فلوس مرة تديني وتلاتة تقول مش معايا.

نفث من أمامها دخان سيجارته سائلا:
أنتِ قولتيلي إنها بتقول حاسة بالوحدة.

شعرت بما يفكر به فابتسمت تهز رأسها مؤكدة بينما تابع هو بوقاحة:
خلاص طالما حاسة بالوحدة وبقت تتعمل فيها وترفض تديكي الفلوس بمزاجها... ناخد منها غصب عنها.

_وده ازاي؟
سألته رافعة حاجبها لأعلى فطمأنها بابتسامة ملتوية وهو يقول:
لا حكاية ازاي خليها عليا أنا.

أطلقت زفير قلق وهي ترمقه بشك، فأقصى ما يمكن فعله مع فتاة مثل "رفيدة" هو سرقتها ولكن أي شيء آخر بالتأكيد لن يكون سهلا وخصوصا أمام عائلتها.

★***★***★***★***★***★***★

كان التوتر سيد الموقف سلاح مُصوب على رأس طاهر والأدهى أن "نصران" يأمره بالإطلاق.
أنزل طاهر السلاح ناطقا بانفعال:
إيه اللي بتعمله ده يا حاج، أنت عايزني أعمل إيه بالظبط.

_هتضرب ولا لا؟
كان هذا سؤال نصران الذي سأله بعيون جامدة لم يفت عليها نظرات "عيسى" الذي يدرس الموقف بتركيز كذئب مترقب.
وضع "طاهر" السلاح في يد "نصران" قائلا بحسم:
لا مش هضرب... ومش خوف أنا لو كان قدامي اختيار إن فريد يعيش وأنا أموت كنت هفديه بروحي، لكن اللي بتطلبه دلوقتي ده من غير توضيح أي سبب ولا تفسير مش منطقي ده إن ما اعتبرتوش اتهام ليا إن في علاقة بيني وبين اللي حصل لفريد.

مد نصران يده بالسلاح ناحية "عيسى" وتحدث مشيرا على "طاهر":
هتضرب يا " عيسى" ولا رأيك من رأي طاهر؟

رمقه "طاهر" باستنكار بينما مضت لحظات يتأمل فيها "عيسى" السلاح في يد والده ويعود بذاكرته إلى تلك الكلمات التي رددتها عليه أمه عندما كان طفلا صغيرا:

_لو حد اختبر ثقتك اعرف إن عنده سر كبير، أو ملك كبير وفي الحالتين لازم تعرف إنه لو وثق فيك هتملك ملكه وسره_

حسم أمره ومد يده يجذب السلاح من كف والده ويصوبه على رأسه، كانت نظرات والده مصوبة، أما "طاهر" فهرع إليه يمنعه عن تنفيذ طلب والده المجنون _أن يطلق النار على نفسه_ كانت نبرته راجية :
لا يا عيسى متعملش كده، أبوك مش في وعيه .

لاحظ إصرار عيسى وصمت والده فقال "طاهر" لنصران وقد تلفت أعصابه:
قول حاجة... ايه اللي بتطلبه ده يا بابا.

(هتملك ملكه، وسره) ظلت تتردد في ذهن عيسى وبعد ثوان ضغط بلا تردد مصوبا السلاح على نفسه ، تجمدت الدماء في عروق "طاهر" ولكن حلت الصدمة حين لم يسمع صوت، فالسلاح فارغ... لا أعيرة نارية به
إذا هي خدعة أو اختبار ولكن أي اختبار هذا الذي تكون إجابته صعبة إلى هذا الحد!

انتهت الخواطر المتخبطة بقول "نصران" الحازم:
عيسى هستناك بكرا في المضيفة.
استطرد وسط نظرات دهشتهما:
لوحدك!

★***★***★***★***★***★***★

كانت الغرفة مظلمة، "هادية" تحتضن "ملك" و "مريم"... و " شهد" تجلس على الفراش الاخر تفرك كفيها بقلق.
نطقت أخيرا:
وبعدين يا ماما؟

سألتها والدتها وقد صوبت لها نظرة حارقة:
بعدين ايه بالظبط، مين اللي حط صباعنا تحت ضرس "شاكر" مش أنتِ؟

نزلت دموعها وهي ترى حالة شقيقتها التي تنظر للفراغ ورأسها مسند على صدر والدتها فقالت "شهد" بضيق:
قولتلك مكانش قصدي، كان إيه هيفرق يعني لو مكانش خد الصور... كنت هروح أبلغ؟ ... كان هيهددنا بطريقة تانية، كانوا هيهددونا بأي حاجة.

استطردت وقد مسحت دموعها وتحولت نظراتها إلى اخرى جامدة:
أنتِ اللي حطتينا تحت رحمة شاكر وأبوه من زمان لما قبلتي إننا نعيش في البيت ده على إننا خدامين.

نطقت والدتها بانفعال وقد طفح كيلها:
لو ما سكتيش يا شهد مش هخلي فيكي حتة سليمة النهاردة.

قامت شهد من فراشها وانتقلت تجلس أمام فراش والدتها تقول بتفكير:
تعالي نمشي... نروح عند قرية نصران ونقولهم اننا طالبين الحماية من عمنا، أنتِ مش بتقولي نصران ده كان صاحب أبويا زمان وكان ليه شغل معاه أكيد مش هيرفض، احنا نألف أي حكاية ونقول إننا هربنا من عمي علشانها.

ردعتها أمها تقول بانفعال:
أنتِ بترمينا للنار!... ابن نصران توأم أخوه، أختك شافته افتكرته "فريد" يعني ممكن في أي دقيقة...

قاطعتها "شهد" تطلب منها سماعها للنهاية:
ملك يومين تلاتة وهتفوق، وهتعمل اللي أنا عايزاه علشان هي معانا في نفس المركب، احنا نلجأ لنصران، وطول ما احنا في حمايته وما تكلمناش عن شاكر احنا كده في أمان لحد ما ألاقي طريقة أرجع بيها الصور من "شاكر" وساعتها هبلغ عنه بنفسي.

زادت الضغط على والدتها الدامعة التي تنظر لملك بمرارة على ما حدث لها فقالت:
مش وقت عياط، احنا لو كملنا قعدة هنا هنفضل مزلولين طول العمر... مش بعيد تلاقي عمي الصبح بيجوز "ملك" لشاكر علشان يضمن سكوتنا، ولو كانوا بيدوسوا علينا قيراط قبل كده هيدوسوا علينا دلوقتي 24 قيراط... اسمعي كلامي تكسبي.

_انسي اللي بتفكري فيه ده .
قالتها والدتها بحدة فعادت "شهد" لفراشها تقول وقد عادت الكآبة لها من جديد:
أنتِ حره.

تمددت على الفراش عل النوم يأتي لها ولكن كيف، كيف ومنظر الدماء لا يغيب، هي حقا حزينة على ما حدث وحزنها على شقيقتها عظيم... ظلت تفكر حتى صالحها النوم ، ونامت أمها أيضا... ولم يتبق سواها تنظر للفراغ، ارتفعت فجأة تنظر حولها وجدت الجميع نيام، لا يوجد سواها.... قامت من مكانها واتجهت ناحية الشرفة بمجرد أن فتحتها نزلت دموعها هنا كان يقف بسيارته مشيرا لها في زياراتهم الأخيرة لعمها عادت بذاكرتها إلى أول لقاء وقد تردد على أذنها منه كلمات:
{حلو اسم ملاك، بس غالبا أصحاب الاسم ده بيبقوا هلاك. }
ردت بضيق:
اسمي "ملك" مش ملاك وشكرا على قلة زوقك عن اذنك.
وقف أمامها يمنع سيرها وهو يقول برجاء:
استني بس أنتِ قفشتي ليه... متزعليش يا ستي أنا أسف.
ابتسمت بهدوء متقبلة اعتذاره فصرح باسمه:
أنا فريد... المفروض إني جاي مع بابا في زيارة لعمك لكن الصراحة أنا خلاص عايز أبات هنا.

فاقت من شرودها تبكي بصمت، خطر لبالها فكرة، هي فقط تريد رائحته، تريد أن تشعر أنه ما زال هنا... نظرت للمسافة بين الشرفة والأرضية فوجدتها لا تتعدى المترين لذا وبدون تردد قررت أن تخرج من هنا بدلا من أن تمنعها الخادمة على البوابة ربما تكون ما زالت مستيقظة، تناولت معطف شقيقتها شهد، والذي وجدته ملقى أمامها وأخذت وشاحها وسروال ... بمجرد الا نتهاء وجدت "مريم" تقول بعيون شبه مغلقة:
بتعملي ايه يا "ملك" راحة فين؟
هنا لم تستطتع فصرخت فيها فاستيقظت أمها وشقيقتها الاخرى عليها وهي تقول بحدة:
ملكوش دعوة بيا.
انتشلت السكين من طبق الفاكهة الذي حاولت شقيقتها أن تطعمها منه ونطقت بإصرار باكية:
أقسم بالله العظيم اللي هيقربلي هموت نفسي، أنا مبقتش باقية على حاجة.
هرولت نحو الخارج وقبل أن تفتح البوابة الرئيسية وجدت "شاكر" خلفها يلاحقها وكأنه يترقب لحظة كهذه:
على فين يا لوكا... ماما معلمتكيش إن اللي بيخرجوا وش الفجر دول هما فتيات الليل!
قالها بنبرة ساخرة وعلى وجهه ضحكة مقيتة فقالت بعيون مشتعلة:
ابعد عني.

اقترب أكثر وهو يقول بعناد مصر:
لا

غرزت نصل السكين الذي لم يره في ساقه فسقط على الأرضية متأوها وهي تقول صارخة:
قولتلك ابعد عني.

فتحت الباب مسرعة وكل انش في جسدها يرتعد، وهرولت... هرولت بأقصى ما تمتلك من سرعة.... لو أن سيارة سريعة سابقت مهرول مصر بل وقلبه دامي أيضا لفاز هو بالسباق.

بالتأكيد يلحقوا بها ولكن لا يهم... المهم هو أن تجده هو!

★***★***★***★***★***★***★***★

كان يسير في الطريق القريب من قبر شقيقه وعيونه تبحث عنه في كل مكان، أخرج من جيبه حاجته التي سلموها لهم في القسم.
سوار قد نُقِش عليه اسمه "فريد" فابتسم بحب، وقلادة بها حرف "M"
تردد في ذهنه كلمات شقيقه:
_اسمها ملاك أو أنا اللي مسميها كده _

جحظت عيناه وانقبض قلبه لوهله حين تذكر وجوده في بيت "مهدي " خرج أحدهم مناديا الفتاة التي تشبثت به باسم "ملك"
الفتاة التي اصطدمت به ومن الوهلة الأولى احتضنته طالبة منه أن يأخذها معه ولا يرحل... طالبة منه الرد هل يمكن أن تكون تقصد فريد!
هل هي؟

فاق على اتصال "طاهر" فأثار قلقه لأنه ترك "طاهر" بالمقابر وأخبره أنه سيعود... أجاب مسرعا ليسمع "طاهر" يقول بتعب:
عيسى هو بابا تليفونه اتقفل ليه؟... واحد من اللي واقفين عند مدخل القرية بيقول في واحدة عايزة تدخل ومصرة... بتقول اسمها "ملك" وهما بيحاولوا يتصلوا بعمي بس تليفونه مقفو.....

قاطعه " عيسى" يقول بظفر كمن وجد ضالته:
قولهم عشر دقايق بالظبط ويدخلوها يا طاهر.

استغربه "طاهر" أما "عيسى" فعاد مسرعا إلى سيارته يركبها ويهرول ليكون بالقرب من مدخل القرية هو الآن تيقن أن هذه الفتاة ذات صلة بشقيقه
بعد ربع ساعة
صدق حدسه حين وجدها تسير وحيدة في الظلام والبرودة مسيطرة تحتمي بمعطفها وتنظر حولها وكأنها تتذكر مكان ما.... تركها تبتعد ثم لحقها بسيارته حتى وجدها تتوقف أمام باب صغير يدل على أن ذلك المنزل ما هو إلا... لقد عرفه منزل صياد ذلك الصياد صاحب مركب الصيد الصغيرة لقد اصطحبه فريد مرة إلى هذا الرجل وذهبا معا للصيد.
أخذت تدق الباب بعنف وكأنها تصارع وحوش لن ترحمها إذا ظلت البوابة مغلقة.... انفتح الباب لتجد ضالتها ذلك الرجل الكبير الذي ظهر على تقاسيمه الحزن الشديد فمطت شفتيها بحزن قبل أن تقول بنبرة باكية:
عم أيوب هو بجد فريد مات؟... هو عندك علشان يركب المركب ويصطاد صح؟
ابتسمت من وسط دموعها وتابعت بأمل يحارب نحيبها:
يلا تعالى وديني المركب.

لم يجبها بل ثبت مكانه وقد ظهرت الريبة على وجهه فانتفضت وهي تقول بصياح:
ما ترد عليا... كلكوا النهاردة مبتردوش عليا ليه.
استدارت تنظر خلفها لترى ما لفت انتباه هذا الرجل فوجدته خلفها.... نعم هو.
آتت تتحدث فوجدته يرفع يده مشيرا لها بأن تصمت ليقول هو:
ملاك؟
فقدت أعصابها كليا ولكنها حاولت الثبات وهي تمسح دموعها:
أنت بتبصلي كده ليه يا "فريد"، ليه لما شوفتك الصبح ما أخدتنيش.
عاد نحيبها من جديد وهي تتابع تسأله بألم يمزقها:
أنت زعلان مني؟... طب هو أنا مش سيبتك أنت جيت ورايا ليه؟.... كنت سيبني هو مكانش هيعملي حاجة.
اقتربت منه ووضعت كفها على كتفه تترجاه بعينيها:
رد عليا... أنت زعلان يا " فريد" ؟

قال بثبات وعيونه مصطدمة بعينيها اللامعتين بالدموع :
أنا مش فريد.
كانت تعلم هذه ليست النظرات التي تحتويها من "فريد" ولكن لقوله صدمة أشد، قوله هاجم أملها وقضى عليه.
أدركت المأزق الذي وُضعِت به حين تابع بنبرة أخافتها:
أنا عيسى نصران... واللي هتقوليله حالا إيه اللي حصل لأخوه.

هزت رأسها بإنكار رافضة لا تصدق، وكأنها حرب نظرات والفائز بالتأكيد هو.

في أحضان أحبتك تملك العالم بأسره، تلك العيون الدافئة التي تحتوي، واليد التي تربت وتخفف أوجاع أكبر منا...فقط يكفي أن نقول أحبتنا ليرفرف القلب فرحا.
ولكن ماذا إن كانت صورة أحبتنا تخيفنا!
تستجوبنا في توقيت نحتاج فيه إلى ضمة
فقط ضمة منهم تحتوينا ولكننا مع الأسف...
وجدنا الخوف هنا....
مع صورهم.

يتبع 💙

الفصل الخامس

ذنب من؟
من جنى علينا وتسبب في سحب أنفاسنا!
من وجد لذته في انهيار قلوبنا؟ ، ومن أسعده شقاؤنا وأحزنه فرحنا؟
الأسئلة كثيرة ولكن الجواب الأكيد أنه هنا بجوارنا
إنه ما زال يتلذذ وإما المقاومة أو الموت.
كانت حالة "ملك" يُرثى لها... هي أمام هذا الذي يستجوبها، نسخة من فقيدها ولكن تخيفها.

بعد صمتها الذي طال رمقته بعيون زائغة ولجأت لقول:
أنا عايزة أروح.
قالتها وتحركت لترحل ولكنه لحق بها يقطع الطريق أمامها وقد حسم أمره حين نطق:
مش قبل ما تقولي اللي تعرفيه، وأظن أنتِ جيتي هنا بإرادتك، محدش كتفك وجابك بالغصب.

_أنا عايزة أمشي.
كررتها بإصرار وهي تنظر حولها في هذا الظلام علها تجد ملجأ، لم تفارقها نظراته ثانية حتى آتاه اتصال هاتفي فاستغلت هي الفرصة مهرولة من هنا، هرول خلفها ولم يترك لها الفرصة ولكن سرعتها كانت كبيرة... وكأن الموت يهرول خلفها.
خرجت صرختها حين وجدت من يجذبها عنوة، حاولت التملص من قبضته ولكنه أحكمها حين آتاه الاتصال ثانيا وبمجرد سماعه لقول من يحدثه قال:
دخلهم وهاتهم على ال location اللي هبعتهولك ده.

ألقت ألمها وأملها في بئر عميق وتركت نفسها هكذا جسد بلا روح...استكانت أخيرا ولم تعارضه حين تحرك بها عائدا نحو منزل الصياد الذي دقت أبوابه منذ قليل.

في نفس التوقيت
كان ثلاثتهن يقفن ينتظرن قرار سماح الدخول... طال الانتظار مما جعل "مريم" تنطق بتعب:
هو احنا داخلين نفجر المكان... حضرتك احنا اختنا جوا هندخل ناخدها ونخرج.

قطع حديثها ظهور ذلك الشاب الذي التفتت له "شهد" إنه هو ذلك الذي ظنته عريس ابنة عمها، وكزت والدتها تنبهها والتفتت "مريم" هي الاخرى لترى هذا الشاب ونظراته متوجهة نحو "شهد" فهي ليست غريبة عنه... أي مصيبة جديدة قدمت لهم بها؟
قال مشيرا للداخل:
اتفضلوا.
دخلن خلفه، فوجدته والدتهن يتجه نحو سيارته فنطقت "هادية" بقلق:
خير احنا رايحين فين يا أستاذ؟

قال هو يفتح باب سيارته لهم:
حضرتك بتقولي إن بنتك دخلت هنا، هوديكم ليها.

هزت "هادية" رأسها موافقة وجلست في المقعد المجاور له، وفتياتها في الخلف، بدأ قيادة سيارته مبادرا بسؤال:
هي دخلت ليه؟... وإيه اللي حصل؟

كان الارتباك قد غزا الأجواء بالفعل ولكن الآن توغله قد زاد... تبادلن النظرات في قلق حتى قالت "هادية":
هي تعبانة شوية احنا آسفين على الإزعاج ده.

_هو بيت الحاج " نصران" فين؟
قالتها "شهد" من الخلف فرمقتها والدتها بحدة ، علم أن الأمر ليس مجرد فتاة هاربة بل هو أكبر ولكنه التزم الصمت حين نطقت "هادية":
لما نشوف أختك الأول.

نامت على كتف مريم متأففة بانزعاج وتابع هو طريقه وداخله مملوء بالاستفسارات المُهلِكة.

★***★***★***★***★***★***★

وقف الطبيب بجوار " شاكر" بعد أن رأى جرح قدمه، وجاورته والدة "شاكر" و "علا" شقيقته التي نطقت بغيظ:
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.

سألها "شاكر" بعد أن انصرف الطبيب بهدوء:
أبويا فين ؟

قالت والدته "كوثر" وقد ظهر على ملامحها الإرهاق:
كان معاه ناس في البيت اللي جنب الأراضي وقال هيبات هناك.
صمتت تمسح على خصلات ابنها متابعة:
بس بعد اللي حصل اتصلت بيه وهو بعت الدكتور وقال جاي.

قالت "علا" ببغض موجهة حديثها لوالدتها:
اسمعي يا ماما بابا لازم يتصرف معاهم المره دي، دول يستاهلوا يترموا في الشارع... شوفتيهم مفيش واحدة منهم كلفت نفسها تشوف شاكر جراله حاجة ولا لا
تابعت بغل:
جريت الحلوة "شهد" وراها، وأمها والسنيورة الصغيرة جابوا طرحهم وطلعوا يلحقوهم.

أرادت كوثر سؤال ابنها فهي لا تعلم أي شيء، فقط ترى اجتماعات يعقدها زوجها مع هادية وابنتها و"شاكر" ويأمر بعدم دخول أحد، وغموض حل على الأجواء في البيت.
تحمست وسألته:
هي البت "ملك" عملت كده ليه يا شاكر؟
مش معقول كده دبت السكينة في رجلك من الباب للطق
تابعت بغيظ من ابنها وقد زادت الحدة في لهجتها:
و بعدين هو أنا مش قولتلك تشيل اللي متتسماش دي من دماغك، عايز ايه تاني منها يا "شاكر" على جثتي تتجوز بنت حسن.

نطق بضجر وقد طفح كيله فوالدته لا تدري بمصيبته:
قولي لجوزك يشوف ملك وأخواتها فين علشان منبقاش جثث بجد.

تسارعت أنفاسه هو يعلم أن "شهد" لن تقول شيء، ولكن "ملك" إذا لم يلحقن بها هناك احتمال شبه مؤكد أن تقول كل ما لديها.

في نفس التوقيت

توقفت السيارة أمام المنزل الصغير التابع للصياد، كان "عيسى" ينتظرهم في الخارج، انقبض قلب "شهد" ووالدتها فكلاهما رأى فريد من قبل... شهد في تلك الليلة المظلمة، ووالدتها رأت صورته على هاتف "ملك".
شعور رؤية شخص مات وكأنه حي أمامك مع تيقنك من موته شعور مقبض.

هرولت " ملك" من الداخل وأسرعت إلى والدتها التي احتضنتها وقد وصلها ذعرها أما "عيسى" فخرج سؤاله صريحا موجها لهن:
تعرف فريد منين؟
زفرت "شهد" بارتياح حين تيقنت من أن شقيقتها لم تقل شيء ، لم تدر "هادية" أي شيء تقول، وكذلك "مريم" فهي لا تعلم إلا القليل فقطعت "شهد" الصمت أخيرا تردد ما رتبته جيدا:
"ملك" و "فريد" كانوا بيحبوا بعض.

لم تستطع والدتها ردعها ولا حتى نظرات "طاهر" و "فريد" التي صوبت نحوها بل تابعت حتى لا يغلبها التردد في أي ثانية:
أنا عرفت الصبح بخبر وفاة "فريد" وأنا بشتري حاجات من السوق، وقولت لملك حصلها انهيار ومكانتش مصدقاني وفضلت حابسة نفسها في الأوضة، ولما خرجت وكانت بتجري وقابلتك على الباب افتكرتك هو.

داهمها بسؤاله الذي لم يفت عليه:
وبالنسبة لكلام عمك عن إنها خطيبها ميت بقاله فترة والفيلم الهندي اللي عمله عليا ده.

تابعت بعينين اتخذا من تمثيل الصدق وشاحا، وحقا لقد برع تمثيلهما وهي تتحدث بحزن:
عمي ميعرفش حاجة عن موضوع "ملك" و "فريد" الله يرحمه، واضطر يقولك كده أكيد علشان يبان موقف عادي لأنه اتصدم زيه زيك بحالتها دي.
تقدم "عيسى" بخطوات ثابتة كانت نتيجتها أنه أصبح أمام "هادية"، كانت " ملك" قد اختبأت بها، رفعت عينيها ناحيته فسمعت سؤاله الذي يحمل الشك، وعيونه التي لمعت ببريق غامض:
إيه رأيك في الكلام ده يا "ملك" هانم.

استجمعت ذاتها المشتتة وحاولت أن تخرج الكلمات منها صحيحة غير متقطعة وهي تقول بدموع قد فرت من عينيها:
ده اللي حصل.

رمق "عيسى" "طاهر" الذي لم يبد على وجهه أي تعبير، بدا الكلام منطقي إلى حد كبير ولكن تبقى نقطة سبب سؤال "شهد" عن "نصران".

قالت " هادية" هذه المرة تقطع حروب العيون التي نشبت هنا أو ربما تخمدها قليلا:
أنا عايزة أقابل الحاج "نصران".

أولاها " عيسى" و "طاهر" كامل اهتمامهما بينما تابعت هي بابتسامة صغيرة أخرجتها قصرا:
قوله "هادية" مرات حسن عبد الباسط.

نظر "طاهر" في ساعته ليجد أنها قاربت من السادسة صباحا، لم يعرف ماذا يقول ولكن أنقذ الموقف "عيسى" الذي قال:
تقدري تقابليه الصبح... ده غير إن في كام سؤال كده هنسألهم لبنت حضرتك
أشار على حالة "ملك" التي يرثى لها متابعا:
واعتقد أفضل برضو الصبح.

أسرعت "شهد" تنظر لوالدتها خوفا من أن تقرر العودة لبيت عمهم ولكن آتى قول "طاهر" ككوب شاي ساخن في ليلة شتوية قارصة:
خليكوا في المضيفة للصبح، ولما تقابلوه امشوا.

كان هذا بالفعل أنسب حل، ودت "شهد" لو اتسعت ابتسامتها الآن فلقد حدث ما أرادت، التقطت هادية كف "مريم" وكانت "ملك" متشبثة بيدها الاخرى، أشارت لشهد كي تسير أمامها وهن يتجهن خلف طاهر إلى سيارته.

لم يبق سواه "عيسى"... ذلك الذئب المترقب، نفث دخان سيجارته متتبعا أثرهم بعينيه يفكر في الحديث الذي قيل ، وما بين شك ويقين تأرجح هو ليختم الموقف بهمسته الغامضة:
هنشوف.

★***★***★***★***★***★***★

في منزل " مهدي"
دخل غرفة ابنته واجما وقام بصفع الباب خلفه صائحا بضجر:
مشيوا يا ابن أمك، قابل وقعد اللي جاي بقى.

هز "شاكر" رأسه بلامبالاة يحاول أن يجعلها ثابتة الآن حتى لا يتزعزع ثباته ونطق بهدوء:
ماشين من الفجر ودلوقتي فاضل تلات ساعات على الضهر... فكرك لو قالوا حاجة كنت هفضل في سريري كده.
مد يده يتناول كوب المياه من جانبه متابعا:
شهد دي حية ومش هتورط نفسها وهي عارفة إني ماسك عليها حاجة، روح اسأل عليهم في قرية نصران بكرا لو مرجعوش النهاردة... لو هناك هاتهم وتعالى، مش هناك سيبهم هما هيرجعوا من نفسهم لما تضيق عليهم.

استنكر "مهدي" حدوث كل هذا ولكنه أصبح أمر واقع... نطق إثر غضبه:
لو بإيدي كنت قطعت جتتك حتت.

_يوه
صرح بها "شاكر" ملقيا بالكوب الزجاجي على الأرضية فزاد صوت التهشم من حدة الأجواء، هو يحاول البحث عن حل، يحاول البقاء صلبا ولكن والده يتفنن في زعزعة ثباته.
نطق بتبجح وقد قست تقاسيمه فبدا مخيفا:
أنا مش ناقص وجع دماغ، بدل ما تقطم فيا فكر هتنفذ الحل اللي يخرجنا من كل ده ازاي.

رفع "مهدي" حاجبيه وهو يسأله بسخرية لاذعة:
وإيه هو بقى الحل ده يا سي "شاكر"؟

_أتجوز ملك.
قالها وبرزت بسمته وتوجهت عيناه ناحية والده يتبادلا النظرات، لا حل سوى ذلك زواجه منها ضمان لصمتها بل و فوز عظيم لن يتهاون في تحقيقه.

★***★***★***★***★***★***★***★

كان الوقت قبل الظهيرة ربما بساعة... جلس " عيسى" على أحد المقاعد هنا في غرفة المكتب الخاصة بوالده، وأمامه يجلس "نصران"... طال الصمت الذي قطعه " عيسى" بسؤاله:
قولتلي امبارح أجيلك لوحدي يا بابا في إيه؟

آتى "نصران" ليتناول قدح القهوة فردعه عيسى:
مش كويسة ليك دي.

ابتسم "نصران" وترك قدحه ليبدأ في حديثه الهام:
اسمع يا "عيسى" أنت طول عمرك شارد وبعيد، قولتلك على الكلية اللي نفسي تدخلها وعملت اللي في دماغك وروحت درست هندسة، قولت مش مهم بعد الدراسة هيرجع ويبقى دراع أبوه اليمين... لقيتك مبتعملش حاجة بشهادتك وروحت اشتغلت في العربيات
تنهد "عيسى" في حين تابع "نصران" يعدد ما في ابنه من أشياء حسنة:
أنا عارف من زمان إنك شاطر، و مخك مفيش أنضف منه، وعارف إن معرض العربيات بتاعك ده أنت اشتغلت عليه سنين لحد ما بقيت صاحب معرض عربيات مفيش منه بس أنا عارف إن حبك للعربيات والسبق مش كل اللي عندك... أنت عملت اللي نفسك فيه وجه الوقت تعمل اللي أبوك نفسه فيه.

أشار "نصران" بعينيه على البراد الصغير في الزاوية طالبا:
قوم افتح التلاجة اللي هناك دي هتلاقي فيها حاجة بتحبها.

انكمش حاجبي "عيسى" ولكن نفذ أمر والده واتجه نحو البراد يفتحه ليجد زجاجات متراصة من مشروبه المفضل، استدار لوالده ينطق بغير تصديق وقد لاحت ابتسامة على وجهه:
"بابل تي"

نطق "نصران" بألم ينهش في قلبه:
فريد قال إنك بتحبه، وبقى يشربه هو كمان وخلى "تيسير" تحطه في التلاجات كلها حتى التلاجة اللي في المكتب هنا.

تجمد "عيسى" مكانه، عادت نظراته للمشروب الذي تم رصه بعناية استطاع أن يسمع جيدا صوت شقيقه وهو يقول مازحا:
"بابل تي" يا بن "نصران" أبوك لو عرف إنك مبتتكيفش غير لما بتشرب البتاع اللي بفراقيع ده هيتحسر على خلفته.

أغلق "عيسى" البراد دون جلب أي شيء، عاد لمقعده في صمت حزين أطبق على المكان، وتناول كوب الماء يرتشف منه بروح افتقدت نفسها.

نظر إلى والده نظرات ثابتة فبدأ "نصران" الحديث مجددا يسرد له مقتطفات من الماضي:
جدك زمان لما حب يعرف مين هيبقى أد مسئولية إنه يبقى الكبير من بعده جبني أنا وعمك وعمل معانا نفس اللي عملته معاك أنت وطاهر امبارح ، أنا عملت زي طاهر ثورت وقولت لا وإن أبويا اتخبل، وعمك الله يرحمه عمل زيك لكن هو مات وأنا بقيت الكبير وأنا مش عايز.

اقترب من ابنه وسهام عينيه مصوبة جيدا نحوه:
قرية "نصران" دي ثابتة زي الجبل من أيام جدك نصران الكبير، كتير حاولوا يهزوها بس محدش عرف... هنا دارك والقاعدة هنا إنه مهما حصل مينفعش البوليس يدخل دارك، وإلا متبقاش كبير ولا يبقى ليك كلمة على حد.... الشرطة تبقى تحت عينك مش أنت اللي تحت عينها، القرية هنا كلها مفيهاش غير مركز واحد وبيهشوا فيه الدبان... عارف ليه يا "عيسى"؟

سأله بعينيه فأجابه " نصران" بكلمات تمنى لو نُقِشت في رأس "عيسى" :
علشان احنا والحكومة اصحاب، و صاحبك لا تناسبه ولا تشاركه وطالما احنا اللي كلمتنا ماشية هنا زي الساعة يبقى احنا الأصل.... لو حد عاز يشتكي هنا بيجي لنصران مبيروحش المركز، حتى الشرطة عارفة إننا أهل في بعض مبنحبش الحكومة تدخل بيننا.

ارتشف القليل من الماء وتابع يوضح الأمر:
فريد راح عند اللي خلقه وحقه في رقبتنا ومش هنرتاح غير برجوع حقه، مفيش غيرك إنت و"طاهر" و"حسن".... طاهر طاير بطايرته وشايف الدنيا من فوق بس راجل ووقت الوقفة هتلاقيه وتد، أما "حسن" بقى فده أمه هتفسده... أنت من النهاردة هتقعد هنا وتنسى الزيارات دي، أنت وطاهر دراعي وضهري ولما أموت هيبقى الورث إنكوا الكبار ودي حاجة تقيلة أوي علشان فيه مية تعبان بيحاربوا علشان يثبتوا إن ليهم شبر هنا، جدك الكبير ساب المال والأرض ودول كنز كبير أوي بس في كتير بيقولوا إن ليهم في الكنز ده ودي حكاية طويلة هحكيهالك لما ربك يأذن.

قبض على كف ابنه مختتما:
مفتاح الكنز ده في إيدك، "طاهر" عينه مليانة مش هيتخانق إنه يبقى في إيده هو، أنتوا هتبقوا سوا ولما "حسن" يتعدل هيبقى معاكم، وأنا طول ما فيا نفس معاكم.

هز "عيسى" رأسه موافقا يحاول تجميع كل ما قيل، شعر بأن الأمر ثقيل إلى حد لا يطاق... هل سيترك حياته الأساسية ويبقى هنا!
هل سيتحول شغفه وأحلامه إلى أشياء ثانوية أم سترتفع مكانته ويحافظ على الأحلام أيضا.

فاق على صوت "نصران" يقول:
قوم يلا علشان فاضل شوية على الصلاة.

قام من مكانه وسند والده فهو ما زال مريض لم يتم شفائه بعد، فتح الباب ليجد "سهام" فقال "نصران" ماسحا على رأس "سهام" التي قتلت الدموع عينيها:
هتوضى يا "سهام" وأجيلك.

هزت رأسها موافقة، رمقها عيسى بنظرة جانبية وهو يسير مع والده ، ترك والده يده متحركا تجاه المرحاض، فسألت "سهام" عيسى بدموع:
ينفع أروح لفريد دلوقتي؟

تجاهلها وكأنها ليس لها تواجد على الإطلاق وتحرك جوارها بنظرات حادة متعمدا دفعها بكتفه أثناء رحيله.

_أي
لم يخرج منها سوى هذا التأوه أما عن ملامحها فكان انكماشها دليلا كافيا على ضيقها مما حدث بل وما سيحدث أيضا!

★***★***★***★***★***★***★

_كلي يا "ملك"
قالتها "شهد" وهي تضع أمام شقيقتها شرائح الجبن المفضلة لديها، وقد وُضِع البيض المقلي جوارها، وشرائح البطاطس المقلية.... فمن استضافهن سخي حتى في إرسال الإفطار كان هذا ما دار في خاطر "مريم" حين أحضروا لهم في الصباح الحقائب بالطعام.

هزت ملك رأسها نافية بمعنى لا تريد فترجتها "مريم":
علشان خاطري يا " ملك" ... كلي لقمتين بس.

لم تجب عليها فهنا قالت "شهد" وقد طفح كيلها:
اسمعي يا "ملك" عدم أكلك ده يا حبيبتي مش هيموتك لوحدك هيموتنا كلنا، لو موقفتيش وصلبتي طولك كده وفضلتي مفرفرة أخو فريد هيتأكد إننا مخبيين عليه.

هنا احتدت نظرات "ملك" وهي تنطق بغضب:
وأنتِ كدبتي عليه ليه... أنا هقوله، محدش هيجيب حق "فريد" غيرهم.

هزت "شهد" رأسها نافية تحاول جاهدة جعلها تعرض عن تفكيرها هذا:
تقوليله ايه، إحنا مش قد "شاكر" دلوقتي... شاكر معاه تليفوني وعليه صورك مع فريد، لو أي حد عرف حاجة هيلبسهالي معاه، احنا هنتصرف ونجيب التليفون منه وبعدها أنا بنفسي هبلغ عنه.

استقامت ملك واقفة متحدثة بنبرة عدوانية مرتفعة:
وأنا إيه اللي جاب صوري مع فريد على تليفونك، وأنتِ جيتي منين يومها أصلا، كنتي بتعملي إيه يا شهد.

صرخت فيها "شهد" وقد اشتعل فتيل غضبها:
متزعقيش كده... أنا لولا وجودي كان شاكر زمانه قاتلك ولا عامل فيكِ أي مصيبة.

حاولت "مريم" الفض بينهما فدفعتها "شهد" متابعة:
احنا حاطين في بوقنا مية جزمة، بس لو في حد المفروض يتحاسب يبقى أنتِ، لو مكنتيش خرجتي معاه مكانش مات.
تابعت بعيون شابهت شراستها شراسة عيني ذئب:
أنتِ مش بريئة ايدك عليها دمه زي ما إيد شاكر عليها دمه، و إيدي طالت دمه.

خرجت والدتهن على صوتهن المرتفع بل و الكارثة الأكبر على "ملك" تصفع شقيقتها مما جعل "مريم" تشهق عاليا، وتهرول ناحية والدتها التي رمقت "ملك" بسهام حادة ، بينما ارتفعت شهد بدموع تجمعت في عينيها:
عاجبك كده يا ماما؟... أنا مش هرد عليها بس علشان عارفة اللي هي فيه.

سمعن دقات الباب وصوت "عيسى" ووالده في الخارج بالتأكيد آتوا لاستجواب "ملك" تلك التي تحول ذعرها إلى عدوانية.

اقتربت منها "مريم" تقول برجاء وكأن دقات الباب تدق على جسدها:
بالله يا ملك تسكتي، شهد هتتداس في الرجلين لو قولتي حاجة، هي لحقتك كانت خايفة عليكي.

تحركت والدتهم لتفتح الباب في الخارج بينما قالت شهد بسخرية:
مش هخاف أنا يا "ملك" من البصات دي، عايزة تقوليلهم يا حبيبتي قوليلهم، و متبقيش تزعلي بقى لما يرموكي لعمك وتتجوزي شاكر علشان يشغلك خدامة لأمه.

_مفيش واحدة متجوزة بتتجوز تاني يا "شهد"
قالتها "ملك" فجحظت عين "شهد"، وانكمش حاجبي مريم مصدومة بينما في نفس الثانية سمعن صوت والدتهن مختلط بصوت ضيوفهن من الخارج تنادي على ابنتها الكبرى... ابنتها
" ملك" .

من منا يعلم حقيقة الآخر، ليست كل الحقائق واضحة
هناك حقائق تُبنى عليها حيوات، وحقائق اخرى تقود أصحابها للقبر.
لسنا أبرياء، ربما كنا ولكن إذا أقسمت الآن أن لا شيء لطخ البراءة لديك
فاعلم أنك كاذب.
ربما تحتاج لليلة لا تنساها أبدا لنعلم هل أنت حقا برئ أم تُخفي حياة اخرى.
يُتبع 💙


رواية وريث آل نصران الفصل السادس


لقراءة الفصل السادس : اضغط هنا 
reaction:

تعليقات

11 تعليقًا
إرسال تعليق

إرسال تعليق