القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية طعنة غدر كاملة بقلم بتول علي

رواية طعنة غدر كاملة بقلم بتول علي 

رواية طعنة غدر كاملة بقلم بتول علي 

رواية طعنة غدر الفصل الأول 

أحيانا لا تكون الحياة عادلة مع بعض الأشخاص فهي تعطي لشخص لا يحتاج وتأخذ من شخص أخر كل شيء في غمضة عين تاركة إياه يلملم أشلاء روحه المعذبة بعدما تعرض للخيانة من أقرب الأشخاص إليه وبالطبع لن يكون هناك أمامه طريقة أفضل من الثأر والانتقام لكرامته وحياته المدمرة ولكن هل نيران الانتقام كافية لإخماد عذاب الروح وألم فراق الأحبة؟

ليلة هادئة لا يعكر صفوها أي شيء فالكل ينام داخل منزله بسلام غير عابئين بالملثم الذي يقف بالقرب من أحد المخازن التابع لإحدى الشركات الكبرى وهو ينظر أمامه بغضب حارق ... كان ينظر للمخزن ويتفحصه جيدا بواسطة منظار الرؤية الليلية الخاص به وهو يتوعد داخله بأنه لن يترك أثرا لوجود هذا المخزن.

قاطع مراقبته مساعده الملثم هو الأخر وهو يقول:

-"أنا عملت زي ما طلبت مني ، واتأكدت أن مفيش حراس غيرهم".

أشار بيده تجاه الحارسين اللذان يقومان بحراسة المخزن غافلين عما يحدث حولهما ووضع منظار الرؤية جانبا وهو يقول:

-"هنخدرهم ونبعدهم عن المكان".

نظر له مساعده بذهول وقال:

-"وليه نعمل كده؟! الأحسن أننا نسيبهم ونريح نفسنا وبلاش وجع دماغ".

كور قبضة يده بغضب وأمسكه من تلابيب قميصه صارخاً بوجهه:

-"ملكش دعوه باللي أنا بعمله ... أنت مهمتك هنا هي التنفيذ وبس ، وده طبعا مقابل الفلوس اللي بتاخدها ... فهمت ولا أكرر الكلام تاني؟"

فتح حقيبته وأخرج منها أنبوبين صغيرين يحتويان بداخلهما على غاز مخدر وأعطى واحده لمساعده وقال:

-"اعدل القناع كويس على وشك عشان هنرش الغاز".

أومأ له مساعده برأسه مؤكدا أن كل شيء بخير وأنه مستعد لنثر الغاز ... قاما بفتح الأنبوبين لينتشر الغاز بسرعه البرق في كل مكان حولهما ... انتظر دقيقتين قبل أن يتأكد بأن الغاز قد نال من الحارسين وهما الآن يغطان في سبات عميق وأشار لمساعده بأن يتبعه ليقوما بحملهما وإبعادهما عن محيط المحزن ثم قام بزرع القنابل بكل أرجاء المخزن وبعدها ابتعد فورا قبل أن يخرج جهاز التحكم من جيبه ويضغط على زر التفجير لينفجر المخزن كله وتندلع النيران أكلة كل شيء به.

ابتسم بتشفي فهذه هي أولى خطوات انتقامه الذي بدأ للتو ولن يتراجع قبل أن يقضي عليهم نهائياً.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪

-"مش معقولة!! إزاي ده حصل؟! أنا بجد مش مستوعبه!!"

قالتها وهي تضع يدها على فمها وعلامات الذهول تكسو وجهها ... انفجر المخزن الذي كان يحتوي على كل البضائع التي قام "طارق" و "معتز" باستيرادها بأموالٍ طائلة وبالطبع ستؤثر هذه الخسارة على شركتهما الجديدة ... انسلت ابتسامة خافتة على شفتيها قامت بإخفائها على الفور وأردفت بنبرة جاهدت بجعلها تبدو حزينة ومؤثرة:

-"الله يكون في عون أخوك وصاحبه ... أتمنى أنهم يقدروا يعوضوا الخسارة دي ... أنا عارفه أن الموضوع صعب جدا ... ربنا معاهم".

ابتسم لها والتقط يديها بين كفيه فهذه هي زوجته التي تدعمه دائما وتخفف عنه أحزانه حتى ولو ببضع كلمات بسيطة.

لثم كفيها بقبلة حانية وهو يقول:

-"أنا مش عارف بجد كنت هعمل إيه من غيرك؟ أنا بحمد ربنا كل يوم أنه أداني زوجة جميلة وصادقة زيك يا جهاد ... أنتِ بجد أحسن حاجة حصلتلي في حياتي".

تأثرت قليلاً بكلماته ولكنها لن تدع هذا الأمر يستحوذ على تفكيرها فهي أقسمت بأنها ستقتل كل هذه المشاعر ولن تسمح بأن تستحوذ عليها سوى مشاعر الكره والانتقام ... مشاعر الحب والعشق الصادق ليس لها وجود فهي ليست سوى وهم يعيش داخل الإنسان ولا يدرك حقيقته إلا بعد فوات الأوان.

ابتسمت له بهدوء فحتى إن لم تكن تحبه فهي على الأقل تحترمه فهو على الرغم من كل شيء ليس كشقيقه الأصغر "معتز" وصديقه "طارق" بل هو بالنسبة لها ملاك تقسم أنها كانت ستعشقه لو أنها التقت به وتزوجته في ظروف أخرى.

غمز لها بطرف عينيه وهو يتأمل تقاسيم وجهها قائلاً بمشاكسة:

-"نفسي أفهم إيه الشيء المهم اللي سرق تفكير مراتي فجأة كده؟"

نظرت له ونطقت بهدوء:

-"مفيش حاجة يا شريف ... أنا بس سرحت شوية مش أكتر ... إيه رأيك لو قعدنا برة في الجنينة لأني بصراحة حاسة هنا بخنقة؟"

-"مفيش مشكلة ... يلا بينا".

قالها وهو يسحبها خلفه بلطف متجها بها إلى الحديقة ... أغمضت عينيها بقوة وهي تتمنى أن تستطيع التغلب على ضميرها الذي بات يؤنبها في الآونة الأخيرة.

▪▪▪▪▪▪▪▪

-"أنا مش فاهم إزاي ده حصل؟ ومين الحقير اللي اتجرأ وعملها؟"

هدر بها "طارق" بغضب وهو يلقي هاتفه أرضا ليتهشم ... راقبه معتز الذي كان يجلس ويضع رأسه بين كفيه محاولاً إيجاد حل لتلك الكارثة التي حلت على رؤوسهم ... دلفت دينا زوجة معتز إلى المكتب وهي تهتف موجهه حديثها لمعتز:

-"الكلام اللي سمعته بره ده صح؟ مخزن البضاعة فعلاً انفجر؟"

أومأ لها معتز برأسه وعلامات الحزن تكسو وجهه وظل على هذه الحالة حتى هتف طارق بغضب:

-"اللي هيجنني أن الحيوان اللي فجر المخزن خدر الحارسين وبعدهم عن المكان قبل التفجير ... أنا مش فاهم هو عايز يثبت إيه باللي عمله ده؟"

جلست دينا على الكرسي مقابل معتز واضعة ساق فوق ساق وحكت ذقنها قليلاً قبل أن تهتف:

-"واضح كده أنه واحد عايز ينتقم منك أو من معتز أو منكم أنتم الأتنين من غير ما يأذي حد ملوش علاقة بالموضوع".

غمغم معتز ساخراً:

-"يعني حقير عنده مبادئ وقواعد بيمشي عليها؟!"

لوت ثغرها بتهكم وهتفت قائلة:

-"الظاهر كده".

استقام طارق من جلسته وأخذ يسير في جميع أركان الغرفة وهو يقضم أصابعه بتوتر فما حدث لم يكن أمراً هينا بل هي كارثة تسببت لهم بخسارة فادحة ... أطاح طارق بكل ما هو موضوع على الطاولة ليسقط أرضا ويتهشم ... شعرت دينا بالفزع من حركة طارق المفاجئة ورمقته شذرا وهتفت بانفعال:

-"بدل ما أنت قاعد تكسر في كل حاجة اقعد وفكر هنعمل إيه في المصيبة دي".

صاح بها طارق بغضب وانفعال:

-"لو عندك حل أتحفينا بيه وقوليه ، مش عندك يبقى تسكتي خالص".

صاح معتز هو الأخر بغضب أشد:

-"احترم نفسك يا طارق ومتنساش أنك بتكلم مراتي".

زفرت دينا أنفاسها بضيق ونظرت إلى زوجها وصديقه وهما يتشاجران ... أمسكت معتز من ذراعه قبل أن يلكم طارق في وجهه ، وأجلسته عنوة على مقعده ، وهتفت وهي تنظر إلى طارق:

-"اقعد أنت كمان واسمع كويس اللي هقوله".

أطاعها وجلس عاقدا ذراعيه أمام صدره ... جلست دينا على الكرسي أمامهم وتنهدت لتحدثهما بجدية:

-"الموضوع مش محتاج تفكير كتير لأن واضح خالص أن اللي عمل العملة دي هي لين أختك يا طارق".

نظر لها معتز بذهول وصدمة في آنٍ واحد عكس طارق الذي رمقها ببرود وهتف بخشونة:

-"أنا متأكد بأن ليان ملهاش دعوة بالموضوع وده لأنها لو عملت العملة دي هتيجي تقف قدامي بكل بجاحة وتقول أنها عملتها ومش هتخاف من حد".

-"طارق عنده حق ... احنا كلنا عارفين أن ليان مش من النوع اللي لما يعمل مصيبة يجري زي الفار ويستخبى في الجحر ، بالعكس دي هتقف وتقول أنها عملتها وهتتحدى اللي يقف في طريقها".

قالها معتز بثقة وهو يحك ذقنه بشرود ... هتفت دينا بجدية وأفرغت ما في جعبتها:

-"أنا شايفه أننا لازم نعمل الحفلة في الميعاد أخر الأسبوع ومنأجلهاش وده لأن الشيخ فهد هيكون موجود في الحفلة ، وأظن أنكم عارفين كويس أن حاطط عينه على لين ولو قدرنا نجبرها تتجوزه كل مشاكلنا هتتحل".

أغمض طارق عينيه بقوة وبدأ يفكر ... يعلم جيدا بأنه إذا استطاع اقناع لين بالزواج من الشيخ فهد الثري العربي فستختفي جميع مشاكلهم ... كيف يقنع لين بأن تقبل بهذه الزيجة؟ فهو يحاول منذ عام وليس هناك فائدة ، فليان شقيقة طارق أو كما يناديها الجميع باسم "لين" فتاة ذات شخصية معقدة وعنيدة وأيضا متمردة ، والفضل يعود في ذلك إلى طارق الذي عذبها كثيرا في طفولتها حتى تمردت وأصبحت عدائية ... فعل كل ما يلزم ليجبرها على الموافقة ولم يفلح ، ولكنه لن يستسلم هذه المرة فهو سيفعل المستحيل لكي تتم هذه الزيجة.

▪▪▪▪▪▪▪▪

كانت تقود سيارتها بسرعة عالية وهي تتمايل باستمتاع مع تلك الأغنية الأجنبية التي تصدع موسيقاها في السيارة ... انتبهت من خلال المرآة الأمامية بأن هناك سيارة تراقبها ويوجد بها رجلان ... كورت يدها بغيظ واحتدت ملامحها ، فيبدو أن أخيها الأرعن والأبلة لن يكف أبدا عن تلك الأفعال التي تزعجها ... صفت سيارتها أمام مطعم مخصص لصنع شطائر الفول والفلافل ، وخرجت منها ثم دلفت إلى المطعم.

ظلت داخل المطعم عشر دقائق قبل أن تخرج وهي تحمل حقيبة مليئة بشطائر الفول والفلافل ... توجهت ناحية السيارة التي كانت تراقبها وطرقت طرقات خفيفة على نافذة السيارة ليفتح لها أحد الرجلين وهو يردف وجبينه يتصبب عرقا:

-"خير يا أنسة؟ أنتِ عايزه حاجة؟"

ابتسمت بتهكم فيبدو أن أخيها ليس الأحمق الوحيد في هذه اللعبة فرجاله أغبى منه.

هل يظن هذا الأبلة أنه عندما يسألها هذا السؤال السخيف بأنها لن تكشف أمره؟!

ناولته كيس الشطائر وأردفت قائلة بنبرة ساخرة ومستهزئة:

-"أنا جبتلكم ساندويتشات عشان تأكلوا وتعرفوا تركزوا كويس وأنتم بتراقبوني لأني عارفة كويس أن طارق أخويا شرير ومش بيأكل الكلاب اللي مشغلها عنده".

صعدت إلى سيارتها وغادرت المكان عائدة إلى منزلها الذي كانت تعيش به بمفردها قبل شهرين ولكن الآن تغير كل شيء ، فالمنزل لم يعد ملكها.

وصلت أخيرا إلى المنزل ودلفت إليه وهي تبحث في جميع الغرف عن هذا البارد الذي سيتسبب بإصابتها يوما بالشلل الرعاشي ... وجدته أخيرا في غرفة المعيشة يشاهد التلفاز ... كزت على أسنانها بغيظ وأغلقت التلفاز وهدرت به قائلة بغضب:

-"حضرتك قاعد تتفرج على التليفزيون ومش في دماغك المصيبة اللي أنت هببتها امبارح؟!"

رمقها ببرود وتناول جهاز التحكم وأعاد تشغيل التلفاز مره أخرى قائلاً بتهكم:

-"أنا عارف كويس أنا بعمل إيه ... أنتِ مش وصية عليا عشان أخد إذنك في كل حاجه أعملها ... أنا هدفي أدمر طارق ومعتز ودينا وأنتِ هدفك طارق يعني احنا الأتنين عندنا نقطة مشتركة وهي طارق واللي أنا عملته ضرهم كلهم".

صاحت به قائلة بغضب:

-"بس احنا متفقناش على تدمير المخزن بالطريقة دي ومن غير ما تقولي".

زفر أنفاسه بضيق وهتف ببرود:

-"أنتِ مش من حقك تحاسبيني لسببين ... السبب الأول هو أني مخرجتش عن محور الخطة والسبب التاني إن اللي أنا عملته مضركيش في حاجة".

تنهدت قائلة بهدوء حتى لا تغضبه وتخسر فرصتها في الثأر من طارق:

-"أنا اللي معصبني أني مكنتش أعرف حاجه عن الخطة مش أكتر".

سكتت قليلا ثم استطردت حديثها وقد لمعت عينيها بقوة بالشرار والحقد الدفين ولم تخلو نبرتها من السخرية:

-"بس تعرف ... أنا مبسوطة أوي بالحالة اللي طارق فيها دلوقتي ... المسكين زمانه بيضرب أخماس في أسداس ... أنا مش هسيبه غير لما أدمره نهائي لأني ساعتها بس هرتاح".

غمغم ساخرا وهو يهز كتفه بلا مبالاة:

-"أخوكي فعلا محظوظ لأنه عنده أخت زيك ... المفروض كل الناس تحسده عليكِ وكمان لازم يتمنوا أن أخواتهم يبقوا شبهك".

احتدت ملامحها وأردفت بغضب:

-"شكرا على مديحك الهايل ... هو محدش قالك قبل كده أن دمك تقيل قوي؟"

قام بتغيير مجرى الحديث بشكل جذري وسألها بجدية فهو ليس لديه الوقت لتلك الأحاديث الجانبية:

-"أنتِ قولتيلي أن الحفلة هتكون أخر الأسبوع صح؟"

أومأت برأسها ليتابع:

-" تمام أنا هاجي معاكِ الحفلة دي ... لازم نسيبي يشوفني ويتعرف عليا ... مش كده برضه ولا إيه يا لين؟"

قالها وهو يبتسم بمكر لتبادله هي الأخرى الإبتسامة الماكرة وتردف قائلة:

-"عندك حق يا جوزي المبجل ... نسيبك هيجيله سكتة قلبية أول ما يشوفك".

انفجر كلاً منهما في الضحك وهما يتخيلان ردة فعل طارق عندما يراه ويعلم بأن لين تزوجت منذ شهرين وهو كالأطرش في الزفة لم يعرف بالأمر.

▪▪▪▪▪▪▪

مر الأسبوع سريعا وأتى اليوم المنتظر ، يوم الحفل الذي يعتبره طارق يوم تحديد مصيره ... تمت جميع التجهيزات بعناية فائقة تحت إشراف دينا التي حرصت على ألا يكون هناك أخطاء.

بدأ المدعوون في الحضور واستقبلهم طارق بترحيب شديد وهو يترقب حضور الشيخ فهد وبعد مرور نصف ساعة حضر الشيخ فهد ورحب به طارق بشدة.

اقتربت دينا من معتز الذي كان يتحدث مع أحد المدعوين وهمست في أذنه بأنها تريد التحدث معه على انفراد ... استأذن معتز ولحق بها وسألها بجدية:

-"خير يا دينا فيه إيه؟"

تنهدت دينا ببطء قبل أن تسأله:

-"أنت مش ملاحظ أن شريف أخوك ومراته مجوش لحد دلوقتي؟"

-"شريف اتصل بيا واعتذر عن الحضور وقال أنه مش هيقدر يجي".

هتف بها معتز بضيق ... هزت كتفها بلا مبالاة وأردفت بنبرة باردة:

-"تمام".

أمسكت دينا فجأة بذراع معتز عندما لمحت لين وهي تدخل من الباب ... لم تخف في حياتها من شخص مثلما تخاف من لين ، فهي فتاة معتوهة ويمكنها أن تفعل أي شيء في أوقات غضبها ... تناولت بيدها كأسا من العصير عله يهدئ أعصابها ولكنه سرعان ما سقط من يدها وتهشم عندما رأت الرجل الذي دلف إلى الحفل وتأبط ذراع لين ولم تقل صدمة معتز عنها فهو لم يتوقع أن يرى أمامه صديق الأمس وعدو اليوم في هذا الحفل.

أردف بصدمة وعدم تصديق:
-"سيف!!"

وضعت دينا يدها على قلبها وحاولت التماسك والثبات وأردفت بهلع عندما سمعت لين تخبر طارق بأن سيف يكون زوجها:

-"يا نهار أسود!!"

رواية طعنة غدر الفصل الثاني 

دلفت "لين" إلى الحفل وهي تمشي بخطوات واثقة وترفع رأسها بشموخ ... انسلت ابتسامة ساخرة على شفتيها عندما رأت علامات الخوف والذعر على وجه دينا فهي تعلم أن دينا تخشاها وتحاول بقدر الإمكان أن تتجنبها ... توجهت ناحية طارق الذي ابتسم ما إن رآها ورحب بها بحرارة وكأنه وجد كنزه الثمين!!

ابتسمت بتهكم فمن يرى طارق وهو يرحب بها بهذا الشكل سيعتقد أنه يحبها ويفعل المستحيل من أجلها ، ولكنها تدرك جيدا سبب هذه المعاملة اللطيفة وتعلم أنه يريد بيعها لهذا الثري العربي.

مسكين طارق فهو لا يعرف شيئا عن المفاجئة التي تنتظره والتي ستصدمه وتضرب بجميع مخططاته عرض الحائط.

أشار بإصبعه ناحية الشيخ فهد الذي كان يقف بالقرب منهم مع بعض رجال الأعمال وهتف قائلاً:

-"أنا مش محتاج أعرفك عليه لأنه غني عن التعريف ، بس اللي أنت متعرفهوش أنه هيبقى جوزك النهارده مهما حصل ...احنا خلافتنا كتير يا لين بس في النهاية أنا أخوكي وعارف مصلحتك".

لم يحصل منها سوى على ضحكة عالية استفزته وأزعجته ... هل تعتقده يمزح معها؟!

ربما تعتقد بأنها ستستطيع مغادرة الحفل دون أن يتم الزواج ... لن يسمح لها بأن تفعل ما يحلو لها ... سيجعلها تعود كما كانت في السابق خاضعة وذليلة ولا تجرؤ على النظر إليه ... أمسكها من ذراعها بقوة وهمس بفحيح:

-"اوعي تفكري أنك هتطلعي من هنا من غير ما تعملي اللي أنا عايزه!!"

نفضت يده بغضب من على ذارعها وهمست بجوار أذنه:

-"تقدر تقولي أنا إزاي هتجوز جردل الترشي بتاعك ده وأنا أصلا متجوزه وجوزي موجود هنا وهيقطعك حتت لو فكرت تجوزني لغيره؟!"

اتسعت حدقتي عينيه بصدمة ... هل قالت بأنها متزوجة؟! كيف وأين ومتى حدث هذا الأمر؟!

ابتسمت بتشفي عندما رأت ملامح وجهه التي تبدلت مائة وثمانون درجة وأردفت:

-"ثواني هعرفك على جوزي".

توجهت ناحية الباب وعادت وهي تتأبط ذراع سيف وتوجها نحو طارق الذي حاول بشتى الطرق أن يتمالك نفسه كي لا تحدث فضيحة.

يعترف بأن لين استطاعت أن تربح هذه الجولة ضده ولكنه لا يفهم كيف التقت بسيف وكيف تزوجا ولا يعرف كيف خرج سيف من السجن قبل انتهاء فترة سجنه؟

أمسكه سيف من تلابيب قميصه وقام بمعانقته وهو يبتسم بشر وتوعد قائلاً بتهكم:

-"ازيك يا نسيبي ... أنا مش مصدق أني أخيرا شوفتك".

في هذه الأثناء سمعوا جميعا صوت تحطم الكأس الذي كانت تمسكه دينا ... توجه سيف ناحيتها واحتضن معتز وهمس بنبرة يملؤها الغضب:

-"ازيك يا صاحبي الواطي والخاين ... أخبارك إيه؟!"

رفع حاجبيه بمكر وهو يرمق دينا قائلاً:

-"مالك يا دينا وشك مصفر ليه؟! اللي يشوفك وأنتِ عاملة كده يقول أنك لا سمح الله شوفتي عفريت!!"

ليتها رأت عفريتا ولم تره ... لقد تحقق أسوء كوابيسها وعاد سيف ... عاد لينتقم منهم لما فعلوه به ... رمقته بنظرات زائغة وهي تردد بهيستريا:

-"أنت إزاي خرجت من السجن؟! وازاي اتجوزت أنت ولين؟"

نظر لهما طارق هو الأخر وسألهما كيف تزوجا لتجيبهم لين بسخرية وهي ترمقهم بازدراء:

-"اتجوزنا عادي زي ما الناس بتتجوز يا جماعة ... جبنا المأذون وفي اتنين من أصحاب سيف شهدوا على عقد الجواز وجدي والد مامتي اللي أنت بتكرهه يا طارق وهو كمان بيكرهك كان الولي بتاعي ... الموضوع مش معقد ولا صعب أوي كده عشان تستغربوا بالطريقة دي!!"

تمالك طارق نفسه وتحكم جيدا في انفعالاته وأعصابه حتى انتهى الحفل وانصرف كل المدعوين ولم يبقى سواهم في الحفل.

أمسك طارق سيف من ياقة قميصه وحاول ضربه ولكن سيف أمسك يده وقام بلكمه ... شهقت دينا بفزع عندما رأت الدماء التي انسلت من أنف طارق بينما ابتسمت لين بتشفي.

رمقه طارق بغضب وهتف وهو يزيل قطرات الدماء التي انسلت من أنفه وفمه:

-"خلينا نكون واضحين ونجيب من الأخر ... تاخد كام وتطلقها؟ ومتحاولش تقولي أنك بتحبها ومش هتسيبها والكلام الفاضي ده لأنه مش هيدخل دماغي".

نظر له سيف بتمعن يحاول أن يستشف ما يدور في رأسه قبل أن يبتسم بمكر قائلاً وهو يشير بإصبعه نحوه ونحو دينا ومعتز:

-"أنا عندي استعداد أطلقها بس مش قبل ما أخد منكم اللي أنا عايزه".

سأله معتز باندفاع:

-"وإيه بقى اللي أنت عايزه مننا؟"

أجابه سيف بحقد ودون أن يرمش له جفن:

-"دماركم ... مش عايز غير أني أدمر حياتكم أنتم التلاتة زي ما عملتوا فيا".

أجفلت دينا لوهلة وكانت ستسقط ولكن أمسك بها معتز ... كانت تشعر بأن قدميها أصبحتا مثل الهلام ولا تقدران على حملها ... صاح به معتز بقوة:

-"إذا كان في حد هيدمر وحياته هتخرب فهيكون أنت يا سيف وده إذا فكرت تقف في وشنا".

استهان سيف بغضبه وأمعن في استفزازه قائلاً بسخرية:

-"هنشوف يا صديقي العزيز مين فينا اللي هينفذ كلمته".

أمسك سيف بيد لين وسحبها خلفه ليغادرا منزل طارق ... استقل سيف السيارة وجلست بجانبه لين وهي تبتسم قائلة:

-"أحسن حاجه حصلت قدامي النهارده هي البوكس اللي أنت اديته لطارق".

ابتسم سيف هو الأخر بدوره وأدار محرك السيارة متوجها إلى المنزل.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪

استيقظت "جهاد" من نومها ونظرت إلى الساعة لتجد أنها تجاوزت الخامسة صباحا ... نهضت من الفراش ودلفت إلى المرحاض لتغسل وجهها وعندما خرجت وقع نظرها على زوجها الذي كانت تنام بجواره قبل أن تستيقظ ... نظرت إليه وهي تتنهد بمرارة والدموع تهطل من عينيها فهو يثبت لها دائما أنه لا يستحق ما تفعله به ... لم تتزوجه لأنها تحبه بل تزوجته من أجل الانتقام رغم أنها تعلم جيدا أنه ليس مذنبا ولكنها لم تجد وسيلة غيره لتنتقم لما أصابها في الماضي.

أغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر ما حدث قبل بضع ساعات.

دلف إلى الغرفة لكي يرتدي بذلته ويستعد للذهاب إلى الحفل الذي أقامه طارق ...سمع صوتها وهي تسعل بشدة في المرحاض فتوجه نحوه وطرق عدة طرقات قوية على الباب ولكنها لم تستجب.

لم يتردد في أن يكسر الباب ليتفاجأ برؤيتها ملقاة أرضا ووجهها شاحب كالأموات ... هرع إليها وحملها وتوجه بها إلى السرير ودثرها جيدا ... وضع يده على جبينها ليتفقد حرارتها ليجدها مرتفعة فالتقط هاتفه واتصل بصديقة والدته فهي طبيبة ماهرة وتقطن في المنزل المقابل لمنزله ... لم يمضِ سوى خمس دقائق وحضرت الطبيبة وفحصتها وأردفت بهدوء بعدما انتهت:

-"هي عندها دور سخونية شديد ... أنا هكتبلها أدوية وحقن وإن شاء الله هتبقى كويسة".

أطلق "شريف" تنهيدة حارة وهو يرمقها بامتنان قائلاً:

-"متشكر جدا يا طنط سمية ... أنا عارف أني أزعجتك لما اتصلت بيكِ دلوقتي".

رمقته شذرا قبل أن تشده من أذنه قائلة بحدة مصطنعة:

-"إزعاج إيه اللي أزعجتهولي يا ولد أنت؟! هو أنت شايفني واحده غريبة عشان تقولي كده؟ أنا وأمك الله يرحمها كنا أكتر من أخوات ومن يوم يومي وأنا بعتبرك أنت ومعتز زي ولادي بالظبط".

ضحكت جهاد بضعف عندما رأت "سمية" وهي تمسك شريف من أذنه ... انتبه لها شريف ليردف وهو ينظر إلى سمية:

-"خلاص يا طنط سمية ... أنا أسف جدا ... لو سمحتِ سيبي وداني عشان أنا هيبتي كده هتضيع قدام مراتي".

تركت سمية أذنه ودونت له الأدوية التي من المفترض أن يحضرها ثم غادرت المنزل ... أمسك شريف هاتفه واتصل بمعتز وأخبره بأنه لن يستطيع حضور الحفل ، ثم خرج من المنزل وذهب لإحضار الأدوية.

رجع "شريف" إلى المنزل وأعطاها أدويتها وظل بجانبها طوال الليل يطمئن عليها.

فاقت "جهاد" من شرودها عندما سمعت صوت أذان الفجر فتوضئت وصلت ودعت الله بأن يريح قلبها ويرشدها إلى الصواب.

دمعت عينيها وهي تتذكر سيف ... أكثر شخص تحبه في هذه الحياة ودعت الله بأن يكون بخير وأن يفرج همه قريبا ... تتمنى أن تراه وبشدة فقد اشتاقت له كثيرا ولكنها تخفي هذا الأمر حتى لا ينكشف أمرها.

▪▪▪▪▪▪

نظرت "رضوى" إلى أظافرها برضا ووضعت المبرد جانبا بعدما انتهت من تقليمهم وارتشفت قهوتها وهي تنظر بغضب إلى صورتها المعلقة على الحائط برفقة معتز وتنهدت بحزن عميق.

كانت تتمنى أن تكون بجانبه في الحفل بدلا من دينا ... كفكفت دموعها وهي تقسم أنها لن تكون رقم اثنين في حياته بل ستصبح لها الأولوية من الآن وصاعدا

وضعت يدها على بطنها وهي تتمتم بحنان وحب:

-"أوعدك يا حبيبي أن بابا هيكون معانا على طول وأني هبعده عن دينا ومش هخليها تاخده مننا بعد النهارده".

▪▪▪▪▪▪

تنهد "سيف" بحسرة وهو يقف أمام قبر والدته وينظر إلى مجموعة الصور التي وضعها أمامه ... أمسك صورة والدته وطبع عليها قبلة حانية قائلاً بمرارة:

-"وحشتيني أوي يا ست الكل ... صدقيني أنا مش هرتاح ولا هيهدالي بال غير لما أنتقم منهم وأحرمهم من كل حاجه بيحبوها زي ما كانوا السبب في أني أتحرم منك".

تحررت دموعه الحبيسة داخل عينيه وهو يتأمل صورتها برفقتة وبجوارهما شقيقته وخطيبته السابقة ... أمسك صورة أخرى تجمعه بأكثر شخص أحبه بعد والدته ... ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة وهو ينظر إلى الصورة فقد كانت ترتدي فستان خطبتها وتبتسم وهو يقف بجوارها ... ابتلع غصة مؤلمة في حلقه وهو يهتف بحزن:

-"وحشتيني أوي يا جهاد ... نفسي أشوفك وأتكلم معاكِ زي زمان ... يا ترى أنتِ عامله إيه دلوقتي وأخبارك إيه؟"

لملم الصور ووضعها في جيبه وأعاد النظر إلى قبر والدته وبدأ يسرد عليها تفاصيل حياته طوال السنوات الماضية ... تذكر عندما قالت له ذات مره منذ عدة سنوات:

-"خلي بالك كويس يا سيف من أصحابك دول لأني مش مرتاحلهم وخليك فاكر أن الدنيا دي غدارة ولو ضحكتلك يوم فممكن تخليك تبكي بداله عشرة".

نظر لها سيف بتساؤل وعدم فهم قائلاً:

-"أنا مش فاهم أنتِ تقصدي إيه بالظبط من الكلام ده؟"

ربتت على كتفه بحنو وهتفت قائلة بنبرة ذات مغزى:

-"أقصد أنك لازم تاخد بالك كويس من كل اللي حوليك سواء كانوا أصحابك أو أعدائك لأن زي ما عدوك ممكن يغدر بيك فكمان صاحبك يقدر يعملها ... الفرق بين طعنة غدر العدو وطعنة غدر الصديق أن العدو ممكن يغلط وميصبش الهدف أما الصديق فطعنته بتصيب الهدف كويس وكمان بتوجع أوي".

حذرته من طعنة غدر الصديق وكأنها كانت تعرف ما سيحدث له وما سيفعله أصدقائه به ... أردف والدموع تنساب من عينيه وهو يشير إلى نفسه:

-"أنتِ كان عندك حق يا غالية ... أنا كان لازم أخلي بالي بس أنا كنت غبي ... لو كنت سمعت كلامك كان زمانك دلوقتي هتبقى معايا ... لو كنت سمعت كلامك كان زمان جهاد وتقى موجودين جنبي".

أقسم بأنه سينتقم ولن يرحم كل من تسبب في إبعاد أحبته عنه.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

جلست "رضوى" على مكتبها والبسمة تزين ثغرها فقد استطاعت أخيرا بعد عناء ومشقة أن تجعل معتز يوافق على عملها.

ربما عملها كسكرتيرة في هذه الشركة لا يتناسب مع مؤهلاتها الدراسية العالية ولكنها راضيه بما قدره الله لها فهي تؤمن كثيرا بمقولة "الخير فيما اختاره الله" وطالما قدر لها الله أن تعمل كسكرتيرة فهذا خير لها من أي عمل أخر قد يوافق عليه معتز .

قاطع شرودها صوت معتز الذي طلب منها أن تجلب له ملف إحدى المناقصات الهامة ... دلفت إلى مكتبه وهي تحمل الملف وتعطيه له وانصرفت دون أن تتحدث بكلمة واحدة .

أغمض معتز عينيه بقوه فهو لا يعلم ما الذي يحدث له في الآونة الأخيرة .. لا يعلم السبب الذي دفعه ليجعل "رضوى" سكرتيرته الخاصة فعندما رآها تبحث عن عمل في شركة أخرى دون أن تخبره وهو الأمر الذي جعله يغضب ويثور ويتشاجر معها.

تذكر أنه لم يهتم كثيرا عندما أعطته ملفها وتحدثت عن مؤهلاتها ودراستها فقد قام بتعيينها دون أن ينظر إلى أوراقها لأن كل ما أراده هو ألا يقترب منها أحد غيره ولكنه يشعر بالحزن كلما تذكر بأنها تتجاهله وتبتعد عنه.

رضوى ... وهل هناك غيرها يحتل جزءاً كبيراً من تفكيره؟

رغم كل المصائب التي حدثت معه مؤخراً إلا أنه لا يشغل عقله سواها وهذا يثبت له أنه لم يحب دينا أبدا وأن الشيء الذي ظنه حب لم يكن سوى انبهار اختفت لمعته مع مرور الزمن ... شعر بالصداع يفتك برأسه فهاتفها وعندما أجابت هتف قائلاً:

-"اتصلي بيهم يا رضوى في الكافتريا وخليهم يعملولي القهوة بتاعتي ولما يجيبوها ابقي دخليها".

صر على أسنانه بغيظ عندما سمع ردها وهي تقول ببرود:

-"أوامرك يا فندم".

لا يحتمل معاملتها له بهذه الرسمية وكأنها لا تعرفه وتمنى لو أنه يستطيع تلقينها درسا قويا لتتعامل معه كما يريد.

فعلت ما طلبه منها وعندما قام العامل بإحضار القهوة أخذتها منه ودلفت إلى المكتب ووضعتها أمامه ومن ثم خرجت لتصطدم بدينا التي نظرت لها بذهول وصدمة ... لم تتفاجأ رضوى كثيرا برؤيتها فهي تعلم جيدا أنها ستصادفها كثيرا في الشركة لأنها تعمل بها.

رغم شعور الخوف الذي تسرب إلى دينا بمجرد رؤية رضوى إلا أنها اقتربت منها ومدت يدها لمصافحتها ولكن رضوى تراجعت بضع خطوات إلى الخلف.

لم تنس يوما أن دينا هي من دمرت حياتها وأهانتها ووصفتها أنها رجعية وغير متحضرة ... قاطع شرودهما صوت معتز الذي خرج من مكتبه ورآهما ليهتف بتساؤل:

-"أنتم تعرفوا بعض؟"

ظهر الذعر على ملامح دينا وتصبب جبينها بالعرق وانعقد لسانها فيبدو أن حقيقتها ستنكشف اليوم أمام معتز.

رواية طعنة غدر الفصل الثالث 

هل ستنكشف حقيقتها التي استطاعت إخفائها طوال تلك السنوات؟

نظرت إلى رضوى برجاء بينما رمقتها رضوى باشمئزاز ، فقد أقسمت أنها ستأخذ منها كل شيء ولكن ليس بهذه الطريقة ... هزت رأسها نافية وأردفت قائلة:

-"لا منعرفش بعض ... دي أول مره أشوف فيها المدام".

تنفست دينا الصعداء ورسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة وهتفت قائلة بهدوء:

-"أنا استغربت جدا يا معتز لما شوفتها لأني مكنتش أعرف أنك عينت سكرتيرة جديدة بدل اللي أنت طردتها".

التقط معتز ذراع دينا بين كفيه ودلف إلى المكتب ... التفتت دينا خلفها ووجدت رضوى ترمقها بنظرات مليئة بالغضب والكره .

جلست رضوى على مكتبها وأطلقت تنهيدة حارة ودعت الله أن يلهمها الصبر على هذا الابتلاء الذي يتمثل في أنها سترى دينا بشكل مستمر خلال الأيام المقبلة.

▪▪▪▪▪▪▪▪

قرأ الفاتحة أمام قبر والدته وغادر المقابر وتوجه إلى منزله القديم ... البيت الذي كان يعج بالفرحة والبهجة أصبح الآن مهجورا ... رمق المنزل من الخارج بحسرة وكاد يدلف إليه ولكن استوقفه صوت جاره "عم محمد" وهو يناديه ويقترب منه قائلاً بعدم تصديق لما يراه أمامه:

-"سيف!! حمد الله على السلامة ... أنت خرجت من السجن إمتى؟"

ابتسم سيف لهذا الرجل الطيب الذي لطالما اعتبره بمنزلة ابنه وقال:

-"أنا خرجت من السجن من كذا شهر ... قولي أنت إيه أخبارك يا راجل يا طيب؟"

ابتسم محمد قائلاً بلطف:
-"أنا الحمد لله بقيت أحسن لما شوفتك".

استأذن سيف منه ودلف إلى منزله الذي اشتاق له بشدة ... نظر حوله إلى صوره المعلقة برفقة والدته وشقيقته وأيضا خطيبته السابقة ... وقف أمام تلك الصورة التي تجمعه بشقيقته وخطيبته في مدينة الملاهي وتذكر ذلك اليوم الذي اُلتقطت به تلك الصورة .

كان ذلك اليوم عندما ذهب برفقة جهاد وتقى إلى مدينة الملاهي وتجولوا بها لبعض الوقت قبل أن يقفوا أمام "بيت الرعب" ... نظرت كلاً من جهاد وتقى إليه بذعر فهما تخشيان هذه اللعبة كثرا ... رفع سيف حاجبه بمكر وهو يرى الخوف والذعر على وجه كلا منهما وأردف بعبث:

-"مالكم يا حلوين ... مش معقولة تكونوا خايفين من بيت الرعب؟!"

نظرت إليه تقى شذرا ولكمته بخفة على كتفه قائلة بغيظ:

-"بطل برود واستفزاز يا سيف ... أنت عارف كويس إن أنا وجهاد بنخاف من اللعبة دي وبالأخص جهاد".

نظر لها سيف بغيظ وأردف وهو يضع يده على موضع لكمتها:

-"أنتِ متأكده إن دي إيد مش شاكوش ... أنا حاسس أن كتفي اتخلع".

هزت كتفها بلامبالاة فلا يوجد فائدة من الحديث معه وتوجهت إلى جهاد التي كانت على وشك البكاء فهي لا يمكنها أن تحتمل التواجد أمام كابوسها المرعب ...أخذهما سيف وتوجهوا إلى لعبه أخرى وقضوا يومهم يمزحون ويمرحون ولا يعرفون ما تخبئه لهم الأيام.

زفر أنفاسه بألم وحزن فقد انقلبت حياته رأسا على عقب بعد هذا اليوم وتدمرت حياته ... جلس على الأريكة ينظر حوله وهو يتذكر ما حدث له فقد كان شابا في مقتبل عمره يسعى لتحقيق طموحاته وأحلامه وكاد ينجح في هذا الأمر لولا تعرضه للخيانة من أصدقائه المقربين وتسببهم في سجنه .

لم تحتمل والدته ما حدث له وأُصيبت بنوبة قلبية أودت بحياتها ... لم يكن القدر رحيم به فبعد مرور أسبوع من إصدار الحكم زاره والد خطيبته التي قام بعقد قرانه عليها قبل أن يتم القبض عليه بثلاثة أشهر وطلب منه أن يطلق ابنته وإلا سيلجأ إلى القضاء ليطلقها منه ... لم يحتمل سيف تلك الإهانة وألقى أمامه يمين الطلاق ولم يقبل بعدها أن يقابل أي شخص يأتي لزيارته وحتى شقيقته لم يقابلها.

قطع شروده صوت طرقات خفيفة على الباب فتوجه لفتحه وكان الطارق هو محمد وزوجته "بدرية" وقد قاما بإحضار صندوق صغير يحتوي على أشياء خاصة بسيف ... ضيق سيف عينيه بتعجب عندما ناوله محمد الصندوق وقال:

-"إيه ده يا عم محمد؟"

-"دي الأمانة اللي أختك سابتهالك قبل ما تمشي".

قالها محمد وهو يجلس على الأريكة تاركا سيف ينظر إلى الصندوق بتعجب ... فتح سيف الصندوق ووجد به مجموعه من الصور العائلية ورسالة مكتوبة بخط يدها ... أمسك الرسالة وشرع في قرائتها.

"لا أفهم ... لماذا كنت ترفض مقابلتي عندما كنت أتي لزيارتك في السجن؟ هل أصبحنا غرباء كي تبتعد عني بهذه الطريقة؟!
أعلم أن ما حدث لك كان قاسيا ولكن أليس من المفترض أن أكون بجوارك في محنتك وأخفف عنك؟!

أردت إخبارك بأني لم يعد بإمكاني البقاء في منزلنا ، فبعد رحيلك أنت وأمي أصبحت ضعيفة ووجبة شهية أمام أعين الذئاب الجائعة ... وجودك جانبي كان يحميني دائما فلقد كنت نعم الشقيق وبعد رحيلك لم يعد هناك من يحميني ولذلك لن أعود إلى هذا المنزل مرة أخرى قبل أن تعود أنت.

شقيقتك المحبة"

كان هذا هو مضمون الرسالة التي تركتها شقيقة سيف.

"بعد رحيلك أصبحت ضعيفة ووجبة شهية أمام أعين الذئاب الجائعة"

ترددت هذه الجملة في عقله وهو جالس يراقب أرجاء منزله القديم بعين زائغة تأبى أن تُسقط دموعها والتفت إلى محمد وسأله بجمود:

-"إيه اللي حصل مع أختي خلاها تسيب البيت؟"

أردف محمد بأسى وهو يضع رأسه بين كفيه:

-"بعد ما أنت اتسجنت ووالدتك ماتت أختك بقت لوحدها ومبقاش في حد معاها بس أنا كنت دايما بشقر عليها وبشوفها لو محتاجه حاجة".

سكت قليلا ليردف سيف بتساؤل:

-"وبعدين إيه اللي حصل؟"

أجابه محمد بنبرة تحمل مزيج من الحزن والحسرة:

-"حصل مشكلة عند عيلتي في البلد فسافرت هناك كام يوم ووقتها ...".

لم يستطع محمد أن يخبر سيف بما حدث مع شقيقته فتابعت بدرية وأخبرته بأنه في ذلك اليوم اختطف ثلاثة شباب شقيقته وأخذوها إلى شقة واحد منهم وحاولوا الاعتداء عليها.

كانت تصرخ وتستغيث وهي تقاومهم بشراسة ... صفعها أحدهم على وجهها وأحكم الأخرين قبضتهما عليها ... حاولت المقاومة عندما شرعوا في تمزيق ملابسها ولكنها لم تستطع فلم يكن أمامها سوى الصراخ ولكنهم قاموا بتكميم فمها.

ابتسموا ابتسامة ماكرة وشرع أحدهم في الاقتراب منها ولكن أوقفه صوت قوات الشرطة التي اقتحمت الشقة.

اتسعت عيني الضابط بصدمة عندما رأى ما كانوا على وشك فعله بهذه المسكينة وهتف بغضب وهو يشير نحوهم:

-"هاتولي العيال دي".

أمسك بهم العساكر وألقوا القبض عليهم وقاموا بتحريرها من قيودها ... عادت إلى منزلها وعندما رأتها بدرية صرخت بهلع فهيئتها كانت كافيه لإخبارها بما حدث لها.

في صباح اليوم التالي توجهت إلى منزل بدرية وطرقت عدة طرقات على الباب قبل أن تفتح لها بدرية التي اتسعت عيناها بدهشة عندما رأت الحقيبة التي كانت تمسك بها.

اقتربت من بدرية وعانقتها قائلة بحب:

-"أشوف وشك بخير يا طنط بدرية".

حاولت بدرية مقاطعتها والاعتراض ولكنها استكملت قائلة:

-"اللي حصل معايا مكانش سهل وعشان كده أنا لازم أمشي من هنا بس أنا عندي طلب أخير وأتمنى تحققهولي".

سألتها بدرية بتوجس:

-"طلب إيه؟"

ناولتها الصندوق الصغير الذي كانت تحمله بيدها وقالت:

-"ممكن تحتفظي بالصندوق ده وتخليه معاكِ ولما سيف يخرج من السجن ويرجع البيت تبقي تديهوله".

حملت حقيبتها وغادرت المكان تاركة بدرية تنظر إلى الصندوق بحزن وأسى.

كور سيف يده بغضب ... لا يتصور أن كل ذلك حدث مع شقيقته ولم يكن موجودا لحمايتها ... كز على أسنانه بغيظ وهدر قائلاً:

-"قوليلي مين العيال دي يا طنط بدرية؟"

ظهر التوتر والارتباك على وجه بدرية وحاولت أن تتهرب من الإجابة ولكن سيف لم يدعها تفعل ذلك لتجيبه في النهاية:

-"مسعد وبدوي وشفيق دول نفسهم العيال الصيع اللي كانوا بيقعدوا على القهوة كتير وبيشربوا مخدرات وحشيش".

عزم سيف على الانتقام من هؤلاء الأوغاد فقام من مقعده واتجه نحو الباب ولكن أمسك به محمد ودفعه للخلف وصرخ به قائلاً:

-"أنت اتجننت ولا شكلك كده؟! أنت لسه خارج من السجن ... عايز ترجع تاني؟!"

أردفت بدرية بجدية وهي تقف أمامه تمنعه هي الأخرى من الخروج:

-"العيال دول في السجن أساسا بسبب اللي حاولوا يعملوه مع أختك وبسبب المخدرات اللي بيتاجروا فيها".

أمسك به محمد وأجلسه عنوة على الأريكة وجلس أمامه وقام بتهدئته ... أخبرته بدرية أن قوات الشرطة كانت ذاهبة إلى هذا المنزل لإلقاء القبض على مسعد بسبب تجارته في الحشيش والمخدرات ولم يكونوا على علم بما كان يحدث لشقيقته ... كور سيف يده بغضب ولكم الحائط ، لا يصدق بأنه لولا الصدفة لكانت شقيقته ضاعت منه إلى الأبد.

صافح سيف محمد وغادر منزله القديم وذهب إلى منزل صديقه "أسر" الذي رحب به بشده ... دلف سيف إلى المنزل وشعر بالصدمة عندما وجد أمامه ستة أطفال يركضون نحو أسر وزوجته الحامل التي قدمت لهم العصير ... رمق صديقه بذهول وصدمة فلم يكن يتوقع أن أسر الذي لم يكن في الماضي يحتمل وجود أطفال حوله لديه الآن ستة أطفال وزوجته حامل أيضا ... حاول جاهدا كبح ضحكته وهو يهتف قائلاً:

-"بسم الله ما شاء الله ... إيه ده كله يا أسر؟"

اقترب منه أسر وأجابه بصوت منخفض يكاد يكون مسموعا:

-"حكم القوية المفترية حماتي".

ضحك سيف بشدة على جملة أسر ... تحدثا كثيرا عن أيامهم الماضية ... كان أسر يشعر بالغضب الشديد بسبب ما حدث لسيف وحاول مساعدته ولكنه لم يستطع لأنه كان خارج البلاد في هذه الفترة ... حاول كثيرا طوال هذه السنوات أن يبحث عن شقيقة سيف ويعرف أين ذهبت ولكنه لم يجدها ... سمع سيف رنين هاتفه فأخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة ليجد أن المتصل هي لين ... استأذن من أسر وخرج إلى الحديقة وأجاب على الاتصال ليأتيه صوت لين الحانق وهي تقول:

-"ممكن أعرف سيادتك فين دلوقتي؟"

لم يهتم بحنقها وغضبها وأجابها ببرود وعدم اكتراث:

-"في بيت واحد صاحبي ... أظن ده من حقي ولا إيه رأي حضرتك؟!"

كادت ترد عليه ولكن انعقد لسانها عندما سمعت صوت أنثوي يقول:
-"تعالى يلا يا حبيبي الغدا جاهز".

رفعت حاجبيها بتعجب فقد قال لها لتوه أنه في منزل صديقه ولكنه على ما يبدو هو في منزل عشيقته.

صرت على أسنانها بغيظ وأرادت أن تفتك بهذا الكاذب اللعين فقد أثبت لها لتوه أنه لا يوجد رجل شريف وعفيف في هذا العالم .

ردد اسمها عدة مرات عندما لم يسمع صوتها ... سمعته يردد اسمها فصاحت به هادرة بانفعال قبل أن تنهي المكالمة:

-"على فكرة أنت ذوقك بيئة أوي".

ألقت هاتفها على الأريكة بغضب وتمتمت بغيظ:

-"اللي يشوفه بيصلي كل يوم وماسك المصحف بيقرأ فيه يقول عليه شيخ زمانه ، وهو ميه من تحت تبن ... فعلا كان عنده حق اللي قال ياما تحت السواهي دواهي".

لم يفهم ما الذي كانت تقصده بقولها "ذوقك بيئة" ولكنه هز كتفه بلا مبالاة ودلف إلى المنزل وتناول الغداء وقضى وقتا ممتعا برفقه أسر وأولاده المشاغبون.

انقضى النهار وأسدل الليل ستاره وهو يجلس برفقة أسر في الحديقة يروي له ما حدث معه خلال هذه السنوات في السجن وكيف كانت حياته به ... أغمض عينيه بقوه وهو يقول:

-"ده كل اللي حصل معايا يا أسر".

لاحظ أسر الحزن الذي اعترى صديقه بمجرد تذكره لهذه الأيام فأراد أن يخفف عنه ... سحبه من يده حتى وصل إلى المرآب ... دلف أسر إلى المرآب وتبعه سيف الذي جحظت عيناه بشده عندما رأى صديقته العزيزة "دراجته النارية" أمام عينيه ... توجه نحوها على الفور وأخذ يتفحصها ... لا يصدق أنها لا زالت جميلة كما هي وتحتفظ برونقها وبريقها ... ابتسم أسر عندما رأى السعادة التي شعر بها سيف عندما رأى دراجته النارية وأردف بهدوء:

-"أنا عرفت أن أختك باعته عشان تجمع فلوس العملية اللي كانت أمك لازم تعملها ... فضلت أدور عليه كتير لحد ما وصلتله واشتريته من صاحبه".

نظر سيف إلى أسر بامتنان حقيقي ، فقد أثبت له اليوم بأنه صديق حقيقي وليس كهؤلاء الأوغاد الخونة.

▪▪▪▪▪▪▪▪

وصل أخيرا إلى المنزل وصف دراجته النارية في المرآب ... أخرج مفاتيحه من جيبه وفتح الباب وأوصده خلفه ... استشعر حالة الهدوء والسكينة التي تسيطر على الأجواء فأدرك على الفور أن لين ليست موجودة في المنزل ... ابتسم عندما تأكد بأنها حقا ليست موجودة وهتف بسعادة:

-"يا سلام ، وأخيرا هقعد في جو هادي من غير الصداع اللي اسمها لين".

قام بتشغيل التلفاز وقلب في القنوات بملل إلى أن استقر على إحدى القنوات التي تعرض أفلام الأكشن ، ولكن قبل أن يندمج في المشاهدة جذبه صوت رنين الجرس ... ابتسم بسخرية وقال:

-"الظاهر كده أن لين نسيت المفتاح بتاعها".

يريد وبشده أن يتركها تقف على عتبة المنزل طوال الليل فهي لا تكف أبدا عن إزعاجه ولكن ضميره لن يسمح له أبدا أن يفعل ذلك ... قام بتكاسل من مقعده وتوجه لفتح الباب وهو يقول بابتسامة:

-"أنتِ نسيتي مفتاحك ولا إيه يا لين؟"

انعقد لسانه وتوقفت الكلمات في حلقه عندما رأى دينا تقف أمامه بشموخ وغرور... نظر لها بصدمة فهو لم يتوقع أن تأتي له بنفسها.

ابتسمت بثقة عندما لاحظت شحوب وجهه بمجرد رؤيتها وقالت:

-"أنت هتسيبني واقفه كتير على الباب؟"

أمسكها من ذراعها بقسوة ودفعها إلى الخارج وهو يحاول كبح غضبه كي لا يقتلها وقال:

-"غوري من وشي يا دينا أحسنلك".

ضحكت دينا بشدة وهي تقول:

-"إيه خايف مراتك تيجي تشوفني ولا إيه؟! أنا عارفه كويس أوي أنها مش هنا وعشان كده أنا جيت أتكلم معاك"

-"عايزة إيه؟"

سألها بنفاذ صبر لتنظر له بتمعن ليبادلها نظراتها بالتحدي فقد بدأت الآن لعبة انتقامه.


رواية طعنة غدر الفصل الرابع 



#طعنة_غدر
بقلم بتول علي
#الفصل_الرابع

رمقها باستخفاف وتهكم فهي لن تؤثر به ، بينما هي نظرت له بكبرياء وتعالِ كعادتها التي يعرفها الجميع بها وأردفت بحدة:

-"أنت عايز إيه مننا بالظبط يا سيف؟ صدقني أنت أضعف من أنك تقف قصادنا".

لم تحصل منه سوى على ضحكته الساخرة التي أطلقها فور أن أنهت كلامها ... هل تعتقد حقا بأنه لا يمكنه أن يتحداهم؟!

مسكينة دينا فقد بدأت اللعبة التي لن تنتهي إلا عندما ينال منكم ويقضي عليكم.

لم يهتم بالهراء الذي تفوهت به وهتف وهو يشير بإصبعه نحوها بازدراء:

-"أعتقد أنا قولتلك كويس أنا عايز إيه قدام جوزك وعشيقك وكلامي وقتها كان واضح".

اتسعت عيناها بدهشة مما قاله للتو ... هل قال عشيقك؟!

لا تفهم كيف علم بأمرها هي وطارق؟ سؤال غبي فمؤكد أنه كان يراقبهم جميعا منذ فترة ويعلم جميع تحركاتهم ولكنها عليها أن تراوغ في الحديث ... هذا ما حدثتها به نفسها قبل أن تهمس بتلعثم:

-"إيه الجنان والهبل اللي بتقوله ده؟! عشيق إيه اللي بتتكلم عنه؟ شكل دماغك لسعت لما خرجت من السجن ونفسك ترجعله تاني!!"

لم يستطع كبح تلك الضحكة التي أطلقها لتوه ... تهدده وبطريقة غير مباشرة أنه سيعود للسجن إذا تجرأ وحاول فضح أمرها هي وهذا الحقير طارق.

حقا دينا أهذا كل ما لديكِ؟ لم أكن أتصور بأنكِ بائسة لهذه الدرجة!!

تحدث بصرامة وهو يلعن اليوم والساعة التي قابلها بها:

-"إذا كنتِ مفكرة أنك لما تهدديني بالسجن أني هخاف فأحب أقولك أن ده مش هيفيدك أبدا".

سكت قليلا ثم تابع بصوت أجش أخافها بشدة:

-"أنا عمري ما هنسى أنك أنتِ وطارق ومعتز السبب اللي خلاني دخلت السجن قبل كده".

صرت على أسنانها بقسوة وحقد وهي تصرخ في وجهه:

-"كان لازم أعمل فيك كده بعد ما رفضتني وأهانتني ... كنت لازم أدفعك ثمن اللي عملته لأن مش دينا اللي يتقالها لا".

قبض على عنقها بقوة جعلتها تتألم ثم دفعها لتسقط أرضا أسفل قدميه ... نظرت له بتوعد وهي تضع يدها حول عنقها تتحسس موضع قبضته.

الاشمئزاز والنفور والغضب ... هذا ما كان يشعر به وهو يقف أمامها ... لا يصدق أنها عديمة الحياء والشرف ووضيعة لهذه الدرجة.

رمقها بتهكم وأردف بجمود:

-"أنتِ أقذر واحدة شوفتها في حياتي ... رغم أني مفضحتكيش وقتها قدام معتز وسترتك لكن أنتِ طلعتي شيطانة ... ربنا أداكِ أكتر من فرصة عشان تتوبي وتبطلي القرف اللي بتعمليه ده بس أنتِ بني آدمة قذرة وهتفضلي كده طول عمرك".

لقد أخطأ عندما لم يخبر معتز بحقيقة زوجته ... الآن فهم لماذا فعل به معتز كل ذلك فقد خدعته زوجته اللعينة وجعلته يعتقد أنه حاول التحرش بها ويبدو أن طارق الوغد ساعدها بالأمر .

وقفت بثبات من على الأرض وأخذت تنفض الغبار الذي علق بثيابها قبل أن تردف بغل:

-"اشمعنى لين يا سيف؟ هي فيها إيه أحسن مني؟"

نظر لها بتقزز ولم يجبها لتتابع صارخه بحقد:

-"أنا مش فاهمة إيه اللي عجبك في المجنونة دي؟! بني آدمة مريضة نفسيا وممكن تأذيك وتأذي نفسها في أي وقت".

غمغم ساخرا وهو يقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهما إلا بضع سنتيمترات قليلة:

-"مراتي المجنونة والمريضة النفسية دي أشرف وأنضف منك ألف مرة ... على الأقل موقفتش قدام صاحب جوزها بقميص نوم وعرضت نفسها عليه".

كان الغضب يتآكلها لترفع يدها عازمة على صفعه ولكنه خيب أملها عندما أمسك بيدها قبل أن تهبط على وجنته وقام بلوي ذراعها خلف ظهرها هاتفا بغضب أجم:

-"قسما بالله العظيم لو فكرتِ مره تانية مجرد تفكير بس أنك تعمليها تاني ساعتها هنسى أنك واحدة ست وهوريكِ الوش اللي عمرك ما شوفتيه مني".

"إن غاب القط ... العب يا فار!!"

جملة جعلت الدماء تختفي من وجهها وهي تلتفت لترى "لين" التي حضرت لتوها ورمقتها بنزق ... ابتسم سيف بسخريه عندما رأى شحوب وجه دينا وارتعاش أصابع يدها دليلا على خوفها الشديد من لين ... حملت دينا حقيبتها وتوجهت إلى البوابة عازمة على الهرب ولكن أوقفها صوت سيف قائلاً:

-"قولي لطارق أن سيف بدأ اللعبة".

رمقته بغيظ ومن ثم غادرت وتوجهت إلى سيارتها التي صفتها بالقرب من منزل لين.

لم يمر سوى عشرون دقيقة قبل أن تصل إلى البناية التي يقطن بها طارق وتصعد درجات السلم حتى وصلت إلى شقته ... دقت الباب بعنف قبل أن تفتح لها فتاة من ينظر إليها يدرك على الفور أنها عاهرة.

زفرت دينا بحنق ودفعت الفتاة بقوة ودلفت إلى الشقة ... بحثت عن طارق الذي كان يعبث بهاتفه قبل أن يتفاجأ برؤيتها قائلاً:

-"خير يا دينا إيه اللي جابك دلوقتي؟"

خير؟! ومن أين سيأتي الخير بعد عودة سيف إلى حياتهم مرة أخرى ... حدقت به بغيظ وغضب ، فهو يجلس في منزله مرتاح البال ويجلب العاهرات غير عابئا بالمصائب التي ستحدث لهم من وراء سيف.

زفر بملل فقد طال صمتها ولم يحصل على جواب لسؤاله.

-"دينا هو في إي ...".

قاطعته صارخة في وجهه بعنف:

-"سيف عارف عننا كل حاجه ... فهمت يا طارق؟ كل حاجه؟"

كان سيصدق أن هذه إحدى مزحاتها التي لا تنتهي لولا تعابير وجهها الحادة والغاضبة.

اللعنة!! كيف علم سيف بأمرهما؟ وماذا ينوي أن يفعل؟

جلست على الأريكة المقابلة له وهي تضع رأسها بين كفيها وتفكر ماذا سيحدث إن علم معتز بالأمر؟
لن يتردد بالطبع قبل أن يقتلها ويقتل طارق أيضا.

بعد مرور دقائق من الصمت التام أشار طارق إلى الفتاة التي كانت تتابع ما يحدث بعدم فهم بأن ترحل وبعد تأكده من رحيلها قاطع شرود دينا وهو يقول ببرود:

-"أنا مش فاهم أنتِ خايفة منه قوي كده ليه؟! هو مستحيل يقول حاجة لمعتز لأنه عارف كويس أوي أنه مش هيصدقه ، وأصلا أنا عارف سيف كويس مستحيل أن يفضح حد ويخوض في أعراض الناس".

بدا كلام طارق مقنعاً إلى حد كبير بالنسبة لها وهذا جعلها تهدأ قليلاً قبل أن تتذكر ما قاله لها سيف وهي تغادر منزله ... نظرت إلى طارق الذي كان ينظر لها هو الأخر منتظرا أن تكمل حديثها وقالت:

-"سيف قالي أقولك أن اللعبة بدأت".

قبل أن يسألها عن مقصدها صدع رنين هاتفه فأجاب ليأتيه صوت "مؤمن" مساعده وهو يقول بفزع:

-"الحق يا طارق بيه ... في عشرين مليون جنيه اتصرفوا من حسابك من ساعة ولما سألت ودروت ورا الموضوع لقيت أن اللي صرفتهم تبقى علا المسيري".

صرخ طارق بحدة لا يصدق كيف فعلها سيف؟
بينما وضعت دينا رأسها بين يديها فقد بدأ سيف انتقامه للتو ويبدو أن زوجة طارق السابقة "علا المسيري" تقوم بدعمه.

▪▪▪▪▪▪▪▪

-"وأخيرا رجعت مصر ، أنا مبسوطة أوي أني رجعت لبلدي وناسي"

هتفت بها جدة شريف "نعمة" وهي تنظر إلى معتز الذي كان يجلس بجوارها فهي قد مكثت بضعة أشهر في السعودية من أجل زيارة "نبيل" حفيدها الشخص الوحيد الذي تبقى من ابنتها الراحلة .

لم تشأ أن تضيع فرصة تواجدها هناك وقامت بتأدية مراسم العمرة ودعت لأحفادها أن يرزقهم الله الصحة والعافية.

نظر لها معتز بسعادة عارمة ولكن سرعان ما تلاشت عندما تذكر ما فعلته "دينا" وكيف رفضت الذهاب برفقته لاستقبال جدته من المطار ... كور يده بغضب لم يلاحظه غيره وعزم على ترك "دينا" والابتعاد عنها هذه الفترة.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪

كانت تحمل حقيبة التسوق وهي تتجول بين البائعين وتسمع هتافهم وترى كل واحد منهم يحاول من خلال هتافه أن يستميل الزبائن إلى سلعته.

انسلت ابتسامة خافتة على شفتيها عندما استمعت إلى صوت مجموعة من النساء يتحدثن كعادتهن ... يبدو أن النميمة عنصرا أساسيا لا تخلو منه التجمعات النسائية.

شعرت بيد تربت على كتفها فاستدارت لترى حماتها المستقبلية "أم أيمن" سيدة المنطقة الأولى التي تعرف أسرار الجميع فلا تحدث كبيرة ولا صغيرة في الحي إلا وتعلم بها بل وتعطي أيضا تقريرا مفصلاً عنها.

ابتسمت أم أيمن قائلة:

-"ازيك يا رنيم؟ بقالي يومين مشوفتكيش".

بادلتها رنيم الابتسامة وهي تهتف قائلة بسعادة:

-"ازيك أنتِ يا طنط أم أيمن؟ لو تحبي روحي أنتِ وأنا هتسوقلك".

كانت رنيم تقول الحقيقة ، فأم أيمن قد وقفت بجوار والدتها في الماضي ودافعت عنها بعدما هربت شقيقتها المصون من المنزل قبل بضع سنوات وجلبت لهم العار والفضائح ... تتمنى أن ترى شقيقتها الحقيرة أمامها حتى تقوم بقتلها وازهاق روحها ... تمتمت بغيظ وبصوت منخفض لم يصل إلى مسامع أم أيمن:

-"يا ترى روحتي فين يا دينا بعد ما هربتي من البيت ... ربنا ينتقم منك على اللي عملتيه فينا ... بابا مات بسببك وماما جالها أزمة وقلبها تعب ... روحي يا شيخة منك لله".

▪▪▪▪▪▪▪

دوى صوت الطلقات النارية التي أطلقها شريف لتوه من سلاحه ليصيب الزجاجات الموضوعة على الطاولة التي تبعد عنه مسافة طويلة ... ابتسم بفخر عندما رأى أنه أصاب جميع أهدافه ولم يخطأ أحدها.

كاد يقوم بشحذ سلاحه مرة أخرى ولكن استوقفه صوت التصفيق خلفه ... التفت على الفور فقد أدرك أن معتز استيقظ أخيرا من نومه ليبتسم له بعذوبة قائلاً:

-"صباح الخير يا زيزو".

صافحه معتز بحرارة فهو لم يكن يعلم أن شقيقه قدم هو الأخر إلى مزرعتهم وأردف بمرح:

-"احنا مش اتفقنا متقوليش زيزو إلا لما تكون ..."

قاطعه شريف قائلاً بعتاب:

-"إلا لما أكون حاسس أنك لسة صغير ومحتاج حد يوجهك للطريق الصح ... أنا مصدقتش عم خليل لما اتصل بيا الصبح وقالي أنك موجود هنا في المزرعة وبتنام فيها بقالك أسبوع غير لما جيت وشوفتك بنفسي ... مالك يا معتز فيك إيه؟"

زفر معتز أنفاسه بضيق فهو لن يستطيع الكذب على شقيقه الأكبر الذي يفهمه أكثر من أي شخص أخر وأردف بحنق وهو يجلس على الكرسي مقابل شريف الذي جلس لتوه وينتظر منه أن يتحدث:

-"اتخانقت أنا ودينا لأنها رفضت تروح تسلم على تيتا وسيبتلها البيت لأني فعلاً اتخنقت يا شريف".

رفع شريف حاجبه الأيمن وهو يرمق أخيه بنظرة ثاقبة قبل أن يقول بسخرية:

-"طيب ويا ترى سكرتيرتك الجديدة ليها علاقة بالموضوع ده ولا ملهاش لأن دي أول مره تتخانق فيها أنت ودينا وتسيب البيت؟"

استكمل وهو ينظر مباشرة في عيني شقيقه:

-"ولا تحب أقول مراتك التانية؟"

كست ملامح معتز الذهول والصدمة من معرفة شريف بأمر رضوى ... لاحظ شريف ذهوله فتابع قائلاً:

-"اللي خلاني عرفت بالموضوع أنك طردت موظف من الشركة بسبب أنه اتكلم معاها وضايقها ودي أول مرة تعملها مع حد ولما فتشت وراها عرفت أنها مراتك".

زفر معتز أنفاسه بعنف وهو يلعن إهماله الذي أوقعه في هذه الورطة وتحدث بصرامة:

-"رضوى ملهاش علاقه بالموضوع نهائي ... الحكاية كلها أني زهقت ومليت ... أنت كان عندك حق لما قولتلي زمان أن مش لازم أتسرع وأتجوز دينا غير لما أكون متأكد من قراري".

تنهد شريف بملل:

-"أنا مش فاهم إيه اللي زهقك فجأة من دينا لدرجة أنك تتجوز عليها؟ اللي يشوفكم برة مع بعض في الحفلات والمناسبات ميصدقش اللي أنت بتقوله دلوقتي".

أجابه معتز بنبره يملؤها الغيظ والغضب:

-"لبسها المستفز ومكياجها المقرف وكل حاجة بتعملها من غير ما أوافق عليها و...".

قاطعه شريف قائلاً بنبرة حادة:

-"وهي مكانتش كده قبل ما تتجوزها؟! أنا فاكر كويس أني نصحتك ونبهتك بخصوص لبسها وأسلوبها بس أنت كبرت دماغك".

سكت قليلا ليرى تأثير حديثه على معتز الذي نكس رأسه لأسفل بحزن ... شقيقه محق فهو نصحه ولكنه تغاضى عن عيوبها فقد صدق رسول الله ﷺ عندما قال:
《حبك الشيء يعمي ويصم》

انبهر بجمالها الذي سحره في البداية فاعتقد أنه يحبها ولكنه اكتشف فيما بعد أنه أخطأ خطأً فادحا عندما تزوج منها ... انتشله شريف من شروده قائلاً بتنهيدة:

-"أنا مش عايزك تتسرع تاني وتعيد نفس الغلطة لأن ممكن مشاعرك ناحية رضوى تكون انبهار مش أكتر لأنها فيها كل الصفات اللي أنت كنت عايزها تبقى في دينا".

أومأ له معتز برأسه وقد قرر أن يأخذ حديث شقيقه على محمل الجد ... سيتمهل هذه المرة قبل أن يأخذ أي قرار كي لا يندم لاحقا.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪

خرج من المنزل واستقل دراجته النارية متوجها إلى ذلك المطعم الذي اتفق معها أن يقابلها به ... جلس على إحدى الطاولات وانتظرها حتى تأتي فليس من عادتها أن تتأخر على مواعيدها.

نظر إلى ساعته ليرى أنه وصل مبكرا بعشر دقائق ... مرت بعض الدقائق قبل أن يراها تدلف إلى المطعم وكما يحدث دوما التفت الجميع ينظرون إلى تلك المرأة التي تشبه نجمات هوليوود في هيئتها وملابسها وطريقة سيرها ، ينقصها فقط الكاميرات التي تلتقط الصور والصحفيون الذين يتهافتون عليها كي يحصلوا على تصريح منها.

وصلت إلى طاولته وجلست قبالته وابتسمت ابتسامة واسعة وهي تحيه ومن أردفت قائلة بسعادة:

-"أنا فعلاً متشكرة أوي على اللي أنت عملته معايا ... أنا لحد دلوقتي مش مصدقه أن الفلوس اللي طارق نصب عليا فيها رجعتلي".

ابتسم سيف هو الأخر مجاملا لها ثم هتف قائلاً بجدية:

-"العفو ... أتمنى يا مدام علا أنك تبقي حريصة أكتر من كده ومتصدقيش واحد زي طارق وخصوصا أن أخته تبقى مرات أخوكي وأنتِ بنفسك شايفة قد إيه هي بتكرهه".

معه حق فقد انجرفت وراء قلبها ونسيت تحذيرات عقلها.

ستدعم سيف بنفوذها ورجال شقيقها "مروان المسيري" والذي يكون زوجا لناريمان أخت طارق الكبرى.

سيف قد وعدها بأنه سيعيد أموالها من طارق وفعلها حقا وهي ستوفي بوعدها وتساعده على تدمير طارق فهي لم تنس أبدا صفعة الخيانة التي تلقتها منه عندما استطاع أن يخدعها ويقنعها بحبه المزيف وهي صدقته كالبلهاء ثم أخذ منها أمولا طائلة عن طريق النصب والاحتيال.

كاد يغادر ولكنها استوقفته قائلة:

-"أنت قدمتلي امبارح خدمة كبيرة أوي وعشان كده أنا هقولك على حاجة كنت مترددة أقولهالك ولا لا لما عرفت أنك متجوز لين".

عقد سيف حاجبيه في دهشة قبل أن يتحدث فهو لا يعلم ما الذي تريد أن تقوله:

-"حاجة إيه اللي عايزه تقوليهالي؟"

تنهدت علا قائلة:

-"أنت قولتلي قبل كده أن لين متعرفش حاجه عن اتفاقنا ولا عن معظم خطتك ، وأنك مفهمها أنك ماشي بخطتها بس واضح كده أنك ماشي عكسها".

أومأ برأسه موافقا لحديثها منتظرا ما تريد قوله لتتابع:

-"نصيحتي هي أنك متخليش لين عدوة ليك طالما أنت وهي عندكم نفس الهدف لأن لين مش سهلة وغبية زي ما أنت مفكر".

لم يفهم بعد ما الذي تحاول قوله؟! أصبح في الآونة الأخيرة يسمع أشياء مريبة بخصوص زوجته ... لا يفهم لماذا بدأ يهتم بهذه الترهات التي يسمعها؟

لاحظت شروده وأنه لم يفهم ما تحاول قوله فأردفت بجدية تامة:

-"ليان كانت مريضة نفسية يا سيف وكانت بتتعالج عند دكتور نفسي بس مكملتش علاجها وسابته".

نظر لها بتعجب وصدمة لا يصدق أن دينا كانت تخبره الحقيقة وأنها لم تكن تكذب ... لم تهتم لصدمته واستأنفت قائلة:

-"أنا مش بقولك كده عشان تبعد عنها أو تخاف منها ... أنا بعرفك عشان تتعامل معاها بطريقة صحيحة لأن لين أول ما تنتقم من طارق هتبقى عدوتك وده طبعا بسبب اللي أنت عملته فيها".

عقد سيف حاجبيه في دهشه قبل يتحدث قائلاً:

-"أنتِ عرفتي إزاي بالحكاية دي؟"

اعتدلت في جلستها وهي تجيبه ببرود:

-"ليا مصادري الخاصة ... خليك عارف أن أنا كنت قريبة أوي من لين ولسه قريبة منها لحد دلوقتي ويهمني جدا مصلحتها ولو فكرت تأذيها فخلي عندك ثقه بأنك هتندم على كده طول عمرك".

مط شفتيه بتهكم فهو لا يريد شيئا سوى العثور على شقيقته والإنتقام ممن أذوه ... لن يشغل عقله أبدا بأمر لين وما تشعر به ولذلك أردف قائلاً بتهكم وحنق:

-"أولا أنا ولين جوازنا اتحول لجواز مصالح وبس ... ثانيا خطتي هتمشي زي ما أنا عايزها تمشي مش زي ما هي عايزه وده لأني مش هاجي على أخر الزمن أخد أوامري من طفلة صغيرة زي لين".

أخرج سيف كل ما في جعبته وابتسم بخبث لأنه يعلم أن لين تراقبه وتسمع حديثه بواسطة جهاز التنصت الذي وضعته في هاتفه.


الجزء الخامس 

#طعنة_غدر
بقلم بتول علي
#الفصل_الخامس
شيء جيد أن يثق الشخص في نفسه ، فكما يقال الثقة في النفس هي مفتاح النجاح ، ولكن أحيانا تكون هذه الثقة سببا في الفشل وتؤدي أيضا إلى النهاية وهذا إذا وصلت إلى مرحله الغرور وعدم المبالاة.

لا تصدق أن سيف نعتها بالطفلة الصغيرة ، وليس أمام أي شخص بل أمام علا المسيري زوجة أخيها السابقة وشقيقة زوج ناريمان.

كانت محقة عندما شبهته بالطاووس المغرور فهو يظن نفسه وسيما ويفتخر كثيرا بذكائه ... ابتسمت بسخرية فهي لم تر في حياتها من هو أغبى منه سوى أخيها الأحمق طارق.

أخطأ خطأً فادحا عندما اعتقد أنه يتعامل مع طفلة ولم يتوقف عند ذلك الحد بل منعه غروره من الإنصات لنصيحة علا.

صدق من قال بأنه لا يفهم الأنثى الغامضة إلا أنثى مثلها وأنه مهما حاول الرجل فلن يستطيع أبدا أن يفهما ويدرك ما تشعر به إلا إذا سمحت له بذلك.

كانت لين تقود سيارتها بسرعة جنونية كعادتها التي لم تحاول تغييرها أبدا ... تنهدت بألم وحزن كلما تذكرت ما ذكرته علا عن حالة مرضها النفسي.

إذا كان هناك من هو مريض نفسي فمؤكد أنه أخيها الحقير طارق الذي عذبها كثيرا وهي صغيرة حتى يدفعها إلى الانتحار في نهاية المطاف.

تكره وبشدة تلك الظروف لأنها المسؤولة عن كل ما حدث لها وكل تلك المعاناة التي مرت بها... لم يكن سيحدث كل ذلك لو أن والدها لم يخدع والدتها ويحتال عليها.

بدأ كل شيء قبل سنوات عديدة عندما قام والد طارق "مصطفى" بالزواج من والدة لين "نادية" ، ولم تكن نادية تعلم بأنه متزوج ولديه طفلان ، فقد أخبرها بأنه ليس متزوجا ولكن اتضح لها بعد زواجهما بفترة وجيرة أنه كاذب لعين.

لم تصدق والدة طارق "سهيلة" أن زوجها تزوج بامرأة أخرى وخانها بتلك الطريقة البشعة دون تردد أو ندم وتدهورت حالتها النفسية والصحية كثيرا وأصبحت تتوهم أحداثا كثيرة تعتقدها حقيقية ولكنها لم تكن سوى من نسج خيالها ، وأصبحت تردد اسم مصطفى مرارا وتكرارا.

قامت سهيلة في النهاية بسكب بنزين على جسدها ووجهها ثم أمسكت بالقداحة وأشعلت النار ليحترق جسدها وتنتهي حياتها بتلك الطريقة البشعة أمام أعين ابنها طارق الذي كان يبلغ حينها من العمر تسع سنوات وناريمان التي كانت تبلغ من العمر إحدى عشر عاما.

عندما علم مصطفى بما حدث أخذ طارق وناريمان ليعيشا معه في منزله الذي يعيش به مع نادية التي علمت حينها بأنه خدعها وكذب عليها ولكنها لم تطلب الطلاق لأنها كانت تحمل طفلا في أحشائها.

أنجبت نادية فتاة وقررت أن تسميها "ليان" ولم يعارضها مصطفى لأنها كانت لا تزال غاضبة منه فلم يرد أن يزيد الطين بلة.

أحبت ناريمان نادية وليان كثيرا وتعلقت بهما ، أما طارق فكان يحقد بشده على نادية وليان ووالده فهو لم ينس ما حدث لوالدته ولهذا السبب قتل نادية بعدما توفي والده وكان حينها قد بلغ التاسعة عشر من عمره وكانت ناريمان في تلك الفترة متزوجة ولديها طفل من زوجها الأول.

لم يشك أحد بأن موت نادية جريمة مدبرة وليس حادثا كما زعم طارق لأنه دفعها لتسقط من الدرج دون أن يراه أحد ولهذا لم يعرف أحد بالأمر.

لم يكن طارق يدرك حينها بأن لين رأته وهو يدفع والدتها إلا عندما صرخت بقوة ولكن طارق هددها بأنه سيقتل جدها إن أخبرت أحد بما رأته ، فهو لم يكن يعلم بأن لين لن تستطيع إخبار أحد بما فعله لأنها أُصيبت بصدمة أفقدتها النطق.

استغل طارق الفرصة وأخذها لتعيش معه في منزل والدته ولم يعترض أي شخص بسبب مرض جد لين الذي جعل حالته الصحية سيئة لدرجة كبيرة ، وناريمان كانت لا تزال متزوجة.

بدأت معاناة لين منذ أول يوم أخذها طارق إلى المنزل فقد كان يضربها كثيرا ويضغط عليها كي تصاب بالجنون وتنتحر كما فعلت والدته.

تنهدت لين بألم عندما تذكرت كيف كان يحاول اقناعها بأنها مجنونة فقد كان يصرخ في وجهها بقوة وهو يصفعها:

-"أنت واحدة مجنونة ومريضة فاهمة ولا لا؟"

هزت رأسها عدة مرات نافية وهي تبكي بشدة وتحاول الصراخ كي يأتي أحد وينقذها من هذا المعتوه ولكنها لم تستطع ... أمسك طارق بحفنة من شعرها وجرها خلفه ثم دفعها لتسقط أرضا أسفل قدميه وسألها مرة أخرى:
-"أنت مجنونه يا لين صح ولا غلط؟"

هزت لين رأسها نفيا ليكرر فعلته ويبدأ بضربها حتى أطاعته في النهاية وهزت رأسها موافقة عندما أعاد سؤالها.

ظل هذا الوضع قائما حتى أصبحت لين مريضة نفسية بالفعل ولكنها لم تصل لمرحلة الجنون الذي يدفعها لتقتل نفسها كما أراد طارق ، وعندما انفصلت ناريمان عن زوجها الأول وذهبت لتعيش في منزل طارق لاحظت خوف لين وحالة الحزن التي تنتابها وعندما سئلت طارق هتف قائلاً:

-"أنتِ عارفة يا ناريمان أن لين متعلقة بيكِ وعشان كده هي بتروح تنام في أوضتك لأنها خايفة أنك تسيبيها وتمشي".

لم تستطع لين أن تكتب لناريمان ما يحدث معها لأن طارق كسر ذراعها الأيمن قبل أن تحضر إلى المنزل ، وعندما تعافى ذراعها كانت ناريمان غادرت إلى بيت مروان المسيري بعدما أجبرها طارق على الزواج به عقب وفاة طفلها.

مر أربع سنوات وأصبحت لين في الثالثة عشر من عمرها ... كانت جسدا بلا روح فقد استطاع طارق بأفعاله أن يمحو شخصيتها ويجعلها عبدة تفعل ما يأمرها به وهو أن تعترف دوما بأنها مجنونة وتتصرف على هذا النحو ، ولم تستطع معارضته لأنه كان يعاقبها بأبشع الطرق التي لا يحتملها أي أحد.

ذات يوم أخذها طارق إلى المول لكي يشتري بعض الأشياء التي يحتاجها للمنزل ... كانت تسير خلفه وتحمل الأكياس التي تحتوي على كل شي قام بشرائه ... اتسعت ابتسامتها عندما رأت عربة المثلجات وتوجهت نحوها على الفور ولكن أمسك بها طارق وصفعها على وجهها بقوة أسقطتها أرضا وهدر بها بغضب:

-"أنتِ اتجننتِ؟! أنتِ إزاي تعملي كده؟!"

لم يحصل منها سوى على دموعها وبكائها مما أغضبه أكثر وكاد يضربها مره أخرى قبل أن يمسك به "سيف" الذي أردف بغيظ وهو ينظر إليه:

-"إيه اللي أنت بتعمله ده يا طارق؟! ومين البنت دي؟"

صُدم طارق بشدة عندما رأى سيف برفقة " تقى" ولكنه رسم على وجهه ابتسامة مصطنعة وهو يقول:

-"ازيك يا سيف أخبارك إيه؟ أنت بتعمل إيه هنا في المول؟"

أشار طارق إلى لين أن تذهب إلى السيارة دون أن يلاحظ كلاً من سيف وتقى ثم أردف قائلاً وهو يصافح سيف:

-"سؤال غبي أوي أكيد أنت بتشتري حاجات أنت كمان من هنا".

تنهد سيف بضيق وهو يمسح صفحة وجهه قبل أن يقول:

-"أنت مجاوبتش على سؤالي ... مين البنت دي؟ وكنت بتضربها ليه؟"

تجهمت ملامح طارق واحتدت نبرته وهو يجيب بمكر:

-"دي واحدة حرامية ... كانت بتحاول تنشل محفظتي بس أنا الحمد لله مسكتها في اللحظة الأخيرة".

عقدت تقى حاجبيها في دهشة غير مصدقة ما قاله طارق للتو ... كيف يمكن أن تكون تلك الطفلة سارقة؟!

رمقه سيف بدهشة واستنكار قبل أن يردف:

-"حرامية إزاي؟! دي باين عليها من شكلها أنها بنت ناس أغنية ... ممكن تكون المحفظة وقعت منك وهي كانت بتحاول تديهالك".

قلب طارق عينيه بملل وقام بتغيير مجرى الحديث ولم ينتبه إلى لين التي كانت تسترق السمع ولم تذهب وتنتظره في السيارة كما أمرها.

بكت بشدة وانكسار وهي تتوجه نحو السيارة ولكنها غيرت رأيها وركضت بأقصى سرعة ممكنة خارج المول وظلت تركض لفترة طويلة حتى ابتعدت كثيرا.

ظلت تجوب الشوارع لمدة يومين حتى عثرت عليها الشرطة واتصلوا بطارق الذي كان قد قدم بلاغا مسبقا باختفائها وأعطى صورتها لهم حتى يستطيعوا ايجادها.

حضر طارق إلى المديرية وهو يتوعد لها بأشد أنواع العقاب ولكنه أخفى غيظه وغضبه منها وتوجه نحوها معانقا إياه بقوة وهو يردد بلهفة مصطنعة:

-"لين حبيبتي أنتِ كويسة؟ كده تقلقيني عليكِ يا قلبي!!"

نظرت له لين بغيظ فأخيها حقا يجيد التمثيل ببراعة ويستحق أن يتصدر قائمة أفضل الممثلين ... كورت يدها بغضب فهي لم تقابل في حياتها شخصا حقيرا ومنافقا مثله أبدا.

أمسك طارق بيدها حتى يغادرا المديرية ولكنها تشبثت بالكرسي وحاولت مقاومته فهي تعلم جيدا ما سيفعله طارق بها ... لاحظ الضابط الأمر فأبعده عنها ونظر لها بعطف وأردف بنبرة حانية:

-"أنت مش عايزة تروحي معاه؟"

هزت رأسها موافقة عدة مرات وهي تتشبث به حتى لا يؤذيها طارق الذي كان ينظر لها بغضب.

نظر الضابط إلى يدها التي تتشبث به فحاول إبعادها برفق ولكنه انتبه إلى الندبات التي توجد في ذراعها ... جحظت عيناه بصدمة وهو يتفحص الندبات وأثار الحروق التي توجد على ذراعها ورقبتها ... نظر إليها بشفقة وهتف قائلاً بغضب وهو يشير بإصبعه نحو طارق:

-"أخوكي هو اللي عمل فيكِ كده؟"

هزت رأسها موافقة وهي تبكي بشدة وتحاول أن تتحدث وتخبره عن باقي الأشياء التي كان يفعلها طارق بها ... كانت تريد أن تخبره أيضا بأن طارق كان يحبسها في غرفة مظلمة بلا طعام وشراب لمدة يومان إذا لم تسمع كلمته وتطيع أوامره.

رفض الضابط إعادة لين لطارق واستدعى جدها الذي استعاد جزءا من صحته وأرسلها معه إلى منزله وعندما رأى جد لين "محسن" الكدمات وأثار الحروق قدم على الفور بلاغا ضد طارق.

استطاع طارق أن يثبت أن لين هي من قامت بإيذاء نفسها وساعده على ذلك تصرفات لين التي لم تكن متزنة.

أمسكه محسن من تلابيب قميصه وصفعه بقوة صائحا في وجهه بغضب:

-"اخرس يا حيوان أنا حفيدتي مش مجنونة ... أنت اللي عملت فيها ده كله خليتها مضطربة وخايفة من كل حاجة ... أنت واحد حقير استغليت أني كنت مريض عشان تاخدها وتبهدلها ... روح يا شيخ منك لله ، ربنا ينتقم منك".

رمقه طارق بغيظ وهو يتحسس موضع صفعته وكاد يصفعه لولا تدخل الضابط الذي هتف باشمئزاز وهو ينظر له:

-"إياك تفكر تمد إيدك عليه وإلا هتشوف يوم أسود من سواد الليل ... امشي من هنا دلوقتي أحسنلك".

غادر طارق وهو يتوعد لكليهما ... أخذ محسن لين إلى طبيب نفسي بعدما ساءت حالتها كثيرا فهي تستيقظ كل ليلة في منتصف الليل وتبكي بشدة وحاولا الانتحار في إحدى المرات.

مر خمس سنوات تحسنت خلالها حالة لين كثيرا واستعادت قدرتها على الكلام مرة أخرى ونصحها الطبيب بأن تمارس أحد الأنشطة الرياضية الهادئة والتي لا يوجد بها عنف حتى تنسى ما مرت به في الماضي.

فعلت لين ما قاله لها الطبيب ومارست أحد الأنشطة الرياضية ولكنها لم تلتزم بالجزء المتعلق بالهدوء وعدم العنف فقد اشتركت في رياضة الملاكمة وأصبحت خلال وقت قصير إحدى أشهر لاعبات الملاكمة.

نظر له الطبيب بذهول وهو يردد:

-"بوكس ... أنا قولتلك تخرجي طاقتك في حاجة هادية تقومي تروحي تلعبي بوكس؟!"

قلبت لين عينيها بملل وهزت كتفها بلا مبالاة قائلة:

-"كان لازم أعمل كده عشان أتعلم أدافع عن نفسي وأبقى قوية ... لو أنا كنت كده وأنا صغيرة مكانش طارق عمل كل ده معايا".

تنهد الطبيب بضيق فهو يعلم جيدا بأنه لن يستطيع أن يمنعها من لعب الملاكمة فرأسها يابس كالصخرة وما تريده تفعله رغم أنف الجميع.

على الرغم من تحسن حالة ليان إلا أنها في بعض الأحيان تأتيها نوبة غضب إذا استفزها أحدهم ونعتها بالمجنونة وقد تدفعها هذه النوبة إلى إيذاء نفسها أو إيذاء غيرها.

فاقت من شرودها عند هذه النقطة ... نوبة الغضب التي تسيطر عليها أحيانا ... ابتسمت بتهكم عندما تذكرت ما فعلته بدينا قبل ثلاث سنوات عندما نعتتها بالمجنونة.

-"أنتِ بني آدمة مجنونة ومش طبيعية نهائي".

قالتها دينا وهي تنظر إلى لين بسخط وازدراء ... نظرت لها لين بغضب ولكن دينا لم تبالِ بغضبها وتابعت:

-"أنتِ أصلا تصرفاتك مش طبيعية ... كفاية البوكس اللي بتلعبيه ده ... بذمتك في واحدة عاقلة بتلعب ملاكمة؟"

ظلت دينا تستفزها وتنعتها بالمريضة والمجنونة ... لم تحتمل لين ما تقوله دينا عنها فأمسكتها من عنقها بقوة محاولة القضاء عليها نهائياً ... لم تكن لين تعي ما تفعله فهي كانت كالمغيبة ولا تشعر بشيء.

شهقت علا بصدمة عندما رأت ما يحدث وحاولت أن تفصل بين لين ودينا ولكنها فشلت فصرخت بقوة تستغيث بأحد يساعدها.

سمع شريف صراخ علا فهرع إليها على الفور ، وصُدم عندما رأى دينا تكاد تختنق فقام بإبعاد لين على الفور قبل أن تقتلها.

كانت دينا ترتجف وتبكي بهستيريا وهي تشير نحو لين التي فقدت وعيها بعدما أبعدها شريف عنها قائلة بحشرجة:

-"دي واحدة مش طبيعية وكانت هتقتلني".

رمقها شريف شذرا وهتف بانفعال:

-"أنتِ اللي واحدة مجنونة ومتخلفة لأنك عارفة كويس حالتها عاملة إزاي وأنها لسه بتتعالج فبدل ما تراعي الموضوع راحه تستفزيها وتقوليلها مجنونة!!"

أصبحت دينا منذ تلك اللحظة تخاف من لين بشدة وتتجنبها ولا تتواجد في مكان يجمعها بها إلا إذا كانت برفقة معتز أو طارق.

صفت لين سيارتها أمام منزل ناريمان وترجلت منها ثم دلفت إلى الداخل لتطمئن عليها وتتحدث معها لبعض الوقت.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

أوقفت دينا سيارتها في أحد الحارات الشعبية وخرجت منها وهي ترتدي نظارتها الشمسية السوداء كي لا يعرفها أحد.

رفعت رأسها بشموخ وهي تسير غير عابئة بنظرات الرجال وهمهمات النساء من حولها ، ولم يستطع أحد أن يتعرف عليها فهي تغيرت كثيرا عن تلك الفتاة التي كانوا يعرفونها منذ بضع سنوات ، ووصلت أخيرا إلى أحد المباني ودلفت إليه.

كانت تجلس "أم أيمن" بالقرب من المبني الذي دلفت إليه دينا وعندما رأتها هتفت قائلة وهي تلكز صديقتها التي تجلس بجوارها:

-"هي مش دي البت دينا ولا أنا بيتهيألي يا أم سامية؟"

أومأت أم سامية برأسها تؤكد حديث صديقتها وقالت:

-"أيوه دي هي فعلا يا أم أيمن".

عجبا لك يا زمن ... من كان يصدق بأن دينا ذات الشعر الأكرت والثياب الرثة أصبحت الآن سيدة أعمال ذات شأن هام؟!
كان هذا ما يجول في رأس أم أيمن قبل أن تقول:

-"دي الفلوس طلعت بتعمل عمايل فعلا متخطرش على بال حد ... اللي يشوف دينا دلوقتي ميشوفهاش زمان كانت عاملة إزاي".

غمغمت أم سامية وهي تلوي ثغرها بتهكم:

-"عمليات التجميل والمكياج يعملوا أكتر من كده ... الواحدة تروح لدكتور التجميل عاملة زي البومة تطلع من عنده عروسة".

أردفت أم أيمن بلامبالاة وهي تنظر إلى أم سامية:

-"أنا سمعت أنها متجوزة واحد غني أوي ومعاها فلوس قد كده".

رفعت أم سامية حاجبيها بذهول بعدما سمعت ما قالته صديقتها ... هل أصبح مدحت الآن رجل أعمال ولديه أموال؟!
لا يمكنها أن تصدق بأن مدحت الفاشل والذي لا يستطيع أن يفعل أي شيء أصبح الآن أحد أهم رجال الأعمال.

-"بقى مدحت اللي كان بيقعد يشرب سجاير على القهوة دلوقتي بقى بيه؟!"

قالتها أم سامية بتعجب وعندما سمعتها أم أيمن ضربت رأسها بيدها لا تصدق بأن صديقتها غبية لهذه الدرجة.

-"مدحت مين يا عبيطة اللي بقى بيه؟! هو أنتِ مفكرة أنها لسه مع مدحت؟! أنتِ طلعتي عايشه في دنيا تانية خالص ... دينا بعد ما سابت بيت أبوها وهربت مع مدحت واتجوزته عرفي فضلت معاه سنتين لحد ما زهق منها ورماها وكانت حامل منه وسقطت وبعدها بكام سنة اتجوزت واحد تاني غني ومعاه فلوس".
أطلقت أم سامية شهقة عالية وهي تضرب صدرها قائلة:

-"يالهوي!! كانت عايشه مع مدحت من غير جواز رسمي؟! يا دي العيبة!!"

أردفت أم أيمن بصرامة وغيظ:

-"دي واحدة تستاهل الحرق والله العظيم ... منها لله جابت العار لأهلها وأبوها مات بسبب عملتها وأختها داليا خطوبتها اتفركشت وعريسها سابها ومحدش اتقدملها بعدها لحد ما في الأخر اضطرت تتجوز واحد كان متجوز وعنده ولد".

في هذه اللحظة خرجت دينا من المبنى وعلامات الحزن تكسو وجهها وعندما لمحت أم أيمن وأم ساميه لوحت بيدها قائلة ببرود:

-"هاي ... عاملين إيه؟"

قالتها ورحلت غير عابئة بالذهول والتعجب الذي اعترى وجه كلاً منهما ... رمشت أم أيمن بعينيها عدة مرات وهي تقول بنبرة ساخرة:

-"دي بتقول هاي يا أم سامية!! الله يرحم أيام ما كانت في الإعدادي لما مدرس الإنجليزي كان بيجي لأبوها ويقوله بنتك مش عارفه تنطق كلمتين إنجليزي على بعض".

سكتت قليلا ثم تابعت وهي تنظر شذرا إلى دينا التي كانت تصعد سيارتها:

-"هموت وأعرف هي كانت جاية تعمل إيه هنا؟"

نظرت أم سامية إلى سيارة دينا التي كانت تبتعد من المنطقة ولمعت عينيها بالغضب وهي تقول:

-"أكيد كانت جاية تشوف أمها بس هي متعرفش أن أمها وأخواتها سافروا البلد النهارده وعشان كده هي طلعت ونزلت على طول ... الحمد لله أن أمها مكانتش هنا لأنها كان ممكن يجرالها حاجة لو شافتها زي المرة اللي فاتت ... أنا مشوفتش في حياتي بني آدمة بجحة زيها ، يعني بعد ما هربت وجابتلهم العار عايزاهم لما ترجع يأخدوها بالحضن؟! دي تحمد ربنا أن أمها مدبحتهاش وغسلت عارها".

أومأت أم أيمن برأسها مؤكدة:

-"والله عندك حق يا أم سامية".

الجزء السادس 

-"طيب وأنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟"

هتفت بها ناريمان بإشفاق وهي تربت على كتف لين وتابعت:

-"أنا متأكدة أن علا مكنش قصدها حاجة وحشة من الكلام اللي قالته لسيف".

زفرت لين بأسى وقالت:

-"أنا فاهمة كويس أن علا مش قصدها تهيني بكلامها وأنها كانت بتحاول تصلح الأمور بيني وبين سيف".

ابتسمت بمرارة على حالها ، يعتقد الجميع أن ما مرت به كان سهلا وهينا عليها ولكنهم مخطئون ... طارق دمرها عندما كانت طفلة وقضى على معنوياتها وثقتها بنفسها وجعلها تؤمن بأنها مجنونة وتتصرف على هذا الأساس ، وخضعت إلى العلاج النفسي لسنوات ، وانقطعت عنه بعدما تشاجرت مع دينا التي نعتتها بالمجنونة.

مرت بضع سنوات قبل أن يتقترب منها طارق ويحاول إرضائها بشتى الطرق وشعرت بالذهول عندما اعتذر لها عما فعله بها في الماضي ، ولكنها اكتشفت بأنه يفعل هذا المسلسل الدرامي السخيف فقط ليقنعها بالزواج من فهد الثري العربي ، الذي رآها في إحدى الحفلات وأعجب كثيرا بها.

لم تتفاجأ لين كثيرا عندما علمت بأن أخيها الحقير أراد أن يزوجها لرجل يكبرها بأربعين عاما ولديه أولاد أكبر منها سنا.

اعتقدت أن الحياة ابتسمت لها عندما التقت بسيف وتعرفت عليه ولكنها كانت مخطئة ، فالرجل الذي أحبته بجنون وتزوجته دون أن تفكر في الأمر مرتين ووثقت به ، اكتشفت أنه لم يحبها أبدا وكان يخدعها لينتقم من طارق.

لم يرحمها أحد في هذه الحياة ، فقد دفعت في الماضي ثمن أخطاء والدها والآن تدفع ثمن أخطاء طارق.

انتشلها من شرودها "إياس" ابن ناريمان وهو يردف بمرح:

-"وأخيرا شوفتك يا لين ... بقالك كتير مجاتيش عندنا".

ابتسمت له لين وهي تقرص وجنتيه بلطف وخفة وقالت:

-"أنا عارفه أني مقصرة معاك بس أنا حقيقي كنت مشغولة جامد أوي الفترة اللي فاتت".

ضيق إياس عينيه بطفولة وهو ينظر لها بتمعن قبل أن يقترب منها ويصافحها بطريقة الملاكمين ويهتف قائلاً:

-"خلاص سماح المرة دي بس متعملهاش تاني".

ضحكت لين بشدة على كلمات هذا الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ، بينما عقدت ناريمان جبينها بغيظ من هذا الحذق الصغير الذي يشبه والده كثيرا بطريقة تثير استفزازها.

نظرت لين إلى ناريمان وهي تهتف قائلة:

-"أنتِ ليه سبتي بيت جوزك يا ناريمان؟"

زفرت ناريمان بضيق وأشارت إلى إياس أن يذهب إلى غرفته قبل أن تتحدث بتنهيدة:

-"زهقت يا لين ومبقتش قادرة ... أنا لحد دلوقتي لسة فاكرة أني انجبرت على الجوازة دي".

تنهدت بألم وهي تتذكر ما حدث معها منذ عشر سنوات عندما تركها زوجها وتخلى عنها وعن طفلهما من أجل السفر وتحقيق أحلامه ، وبعد مرور عدة أشهر مرض ابنها بشدة وكانت الطامة الكبرى عندما أخبرها الطبيب:

-"للأسف يا مدام ناريمان الشريان اللي بيوصل للقلب فيه انسداد ولازم نعمل عملية بأسرع وقت ممكن".

بكت بشدة وألم وهي تتذكر عندما ذهبت إلى طارق وطلبت منه أموال من أجل العملية الجراحية:

-"أنا مش معايا فلوس كاش والفلوس اللي في البنك مش هتكمل ثمن العملية فأنا عايزه أستلف الباقي منك لحد ما أبيع العربية وهرجعهملك على طول".

ابتسم لها طارق بلطف زائف وهو يقول بمكر:

-"مفيش مشكلة يا ناريمان هتاخدي الفلوس اللي أنتِ عايزاها بس بشرط".

عقدت ناريمان حاجبيها في ريبة وهي تنطق:

-"شرط إيه؟"

أجابها طارق ببساطة:

-"توافقي على جوازك من مروان المسيري ... أنتِ عارفة كويس أنه بيحبك من أيام الجامعة وأنه اتقدملك زمان كذا مرة بس أنتِ كنت بترفضيه".

صرخت في وجهه بذهول:

-"أنت بتساومني على حياة ابني يا طارق؟! المفروض أنك تكون سند وظهر ليا وتساعدني مش تستغل ظروفي عشان تحقق أهدافك".

أخذت تتنفس بصعوبة قبل أن تستطرد:

-"وبعدين مروان اتجوز بعد ما أنا اتجوزت بفترة ... مش معقول عايز تخلي أختك زوجة تانية؟!"

ابتسم طارق وأردف ببرود:

-"من الناحية دي اطمني خالص ... مروان طلق مراته بعد شهر من جوازهم يعني مش هيكون في غيرك على ذمته".

فشلت جميع محاولاتها في اقناعه بالعدول عن قراره فخرجت من المنزل وهي غاضبة ، وحاولت أن تبيع أي شيء من ممتلكاتها ولكن في كل مرة يتراجع المشتري ويعتذر منها وعلمت فيما بعد أن طارق هو من كان يفسد عليها كل شيء ... ضاق بها الحال أكثر عندما أخبرها الطبيب بأن حالة طفلها قد ساءت ويجب أن يخضع للعملية في أسرع وقت ، فلم يكن أمامها سوى الإذعان لطارق والموافقة على الزواج.

تزوجت قسرا من مروان وأعطاها طارق المال من أجل العملية ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن ومات طفلها.

لا يزال مروان يدفع ثمن هذا الزواج فهي تكرهه وتبغضه وتخبره بهذا مرارا وتكرارا دون كلل أو ملل.

صدع رنين هاتف لين فأجابت لتتهلل أساريرها عندما رأت أن المتصل هي جهاد التي دعتها إلى الحفل الذي سيقيمه شريف بمناسبة ذكرى زواجهما.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

-"تسلم يا مؤمن ، الضربة اللي احنا عملناها دي ضرت طارق أوي وخاصة بعد انفجار المخزن".

هتف بها سيف بتشفي وهو ينظر إلى مؤمن الذي ابتسم بسخرية وقال بتهكم:

-"هو لسه شاف حاجة؟! ده مستنيه بلاوي زرقة لسه قدام هو والأخت دينا".

تنهد سيف بعمق فما زالت لعبته في البداية ولن يتراجع حتى لو كلفه ذلك حياته ... نظر إلى مؤمن بإمتنان فلولاه لما استطاع أن يضرب طارق هذه الضربة الموجعة.

عندما خرج من السجن تعرف بالصدفة على مؤمن الذي يكره دينا ويخطط للانتقام منها.

اتفقا سويا بأن يذهب مؤمن إلى شركة طارق ويعمل بها حتى يكون قريبا جدا منه ، وقد استطاع مؤمن أن ينال ثقة طارق العمياء خلال وقت وجيز .

كل شيء يسير على نحو جيد ولكن ما يشغل بال مؤمن ويقلقه هو أن تتحدث دينا وتخبر طارق بأنها كانت تعرفه من قبل ... يعلم بأنها تشك كثيرا بأمره ولكنها لم تمسك عليه أي شيء يدينه ويجعلها تتأكد بأنه يلعب من وراء ظهورهما ، وهذا ما يجعله يحاول قطع شوطا كبيرا في خطته قبل أن يقع في قبضتها وينتهي أمره.

هتف مؤمن باستهزاء ولم تكن السخرية غائبة عن وجهه:

-"طارق رغم أنه شخص حقير وواطي بس في نفس الوقت غبي جدا ، لأنه مضى على الأوراق من غير ما يشوف الشيك اللي دسيته وسطهم".

ابتسم سيف والتوت زاوية فكه بتهكم قبل أن يردف بثقة:

-"الشخص الخبيث دايما غبي ، لأنه بيبقى مفكر نفسه ذكي والناس كلها أغبية وعشان كده بيقع بسهولة".

-"عندك حق فعلا يا سيف".

هتف بها مؤمن بتأكيد وهو يفكر بأنه سيكون عليه أن يتوخى الحذر في الأيام المقبلة كي لا يكتشف طارق أمره.

شعور قوي بالسعادة يتغلغل داخل سيف وهو يرى طارق يدور حول نفسه بسبب المصائب التي تحل عليه من كل جهة ، وأكثر شيء يسعده هو أنه لم تعثر الشرطة على دليل بخصوص انفجار المخزن حتى الآن.

هتف سيف بتساؤل:

-" أنت متأكد أن الولد اللي أنت جبتهولي عشان يكون معايا لما كنت بحرق المخزن ده موثوق فيه؟"

هز مؤمن رأسه مؤكدا:

-"أيوه متقلقش من الناحية دي خالص ، الولد ده أمان ومش هيعرفوا يوصلوله نهائي".

أردف سيف باقتضاب:

-"تمام".

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

نظر شريف برضا إلى القائمة التي أعدها معتز من أجل المدعوين ، نظرت جهاد هي الأخرى إلى القائمة وهتفت:

-"كويس جدا ، احنا كده مش هننسى حد ، وبالنسبة للبنات فأنا كلمت لين وناريمان وعلا وعزمتهم".

نظر لها شريف وسألها:

-"اتصلتي بطنط سمية؟"

أجابته وهي تومأ برأسها:

-"أيوه ، متقلقش أنا كلمتها الصبح وعزمتها".

-"كده تبقى كل حاجه تمام ، أنا هستأذن دلوقتي عشان ورايا شوية شغل".

هتف بها معتز وهو ينهض من كرسيه وصافح شريف وخرج من المنزل وتوجه إلى شركته.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

أطاح بكل شيء على مكتبه بغضب وغيظ ... لا يزال غير قادرا على مواجهة واستيعاب أن علا قد استعادت أموالها منه ... أمسك المزهرية بغل وألقاها بقوة لتتهشم إلى عدة قطع.

جفلت دينا من شدة ارتطام المزهرية بالأرض ونظرت إلى طارق شذرا وهي تتحدث:

-"اللي أنت بتعمله ده ملوش فايدة ، احنا لازم نفكر كويس يا طارق ونعرف مين الخاين اللي موجود هنا في الشركة وساعد سيف وعلا".

وضع طارق رأسه بين كفيه وهو يزفر بغضب وعصبية ، وأقسم بأنه سيقتل هذا الخائن اللعين ولن يرحمه.

كان مؤمن يتابع ما يحدث أمامه وهو يكبح ضحكته بصعوبة بالغة كي لا ينكشف أمره وتظاهر بالغضب والحزن الشديد على ما حدث لطارق.

نظر له طارق وهتف بجدية:

-"أنت لازم تفتح عينك كويس يا مؤمن الأيام دي عشان نعرف مين اللي بيساعد سيف".

هتف مؤمن بحزم وهو يومئ بالموافقة:

-"متقلقش يا أستاذ طارق ، أنا هفتح عيني كويس أوي الفترة الجاية عشان أعرف مين اللي ورا المصيبة دي".

-"هو في فلوس فعلا اتسحبت من حسابك يا طارق؟"

سأله معتز الذي دلف إلى المكتب ليجلس طارق على كرسيه وهو ينظر له وهتف باستنكار:

-"هو أنت لسه فاكر تتأكد وتسأل دلوقتي؟! الموضوع ده حصل امبارح بالليل ، وسيف الكلب هو اللي دبر البلوة دي".

رمقه معتز بلوم وهو يردف بنبرة معاتبة:

-"أنا حذرتك قبل كده وقولتلك ترجع الفلوس لعلا بس أنت نشفت دماغك ، واستغليت أنها مقالتش حاجة لمروان".

سكت قليلا ليرى تأثير حديثه على طارق الذي شحب وجهه قبل أن يستطرد:

-"أكيد أنت عارف كويس إيه اللي ممكن يحصلك لو مروان عرف بالموضوع ده ، مش بعيد أنه يقتلك ويخلص عليك".

نهض طارق من مقعده وهو يصيح بغضب وشراسة:

-"أنت جاي تأنبني وتخوفني من مروان المسيري ولا جاي تساعدني أشوف حل في المصيبة دي؟!"

لانت ملامح معتز وهو يهتف بهدوء وتعقل:

-"أنا بحاول أوصلك فكرة أنك لو سمعت كلامي مكنش سيف استغل الوضع عشان علا تبقى في طرفه واللي هتخلي مروان يبقى هو كمان مع مرور الوقت في صفه ، ومتنساش أنه كده لو احتاج أي مساعدة منهم عشان يأذينا مش هيتأخروا عليه".

نظرت دينا إلى طارق وهتفت:

-"معتز عنده حق ، أنت بعنادك ده يا طارق خليت عندنا أعداء أكتر".

صر طارق على أسنانه بقوة وعصر عينيه في مقاومة مستميتة كي لا يفتك بمعتز ودينا ويدق عنقهما .

شعر مؤمن بأنه لن يستطيع السيطرة على انفعالاته أكثر من ذلك فخرج من مكتب طارق واتصل بسيف وأخبره بكل ما حدث.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

لا يوجد حقد بلا مبرر وهذا ما تؤمن به رضوى فهي تكره دينا بسبب ما فعلته بها قبل سنوات.

-"طلبات إيه اللي كتيرة يا مدحت؟! أي واحدة مكاني بيجلها أكتر من كده ، أنا مش طماعة ولا حاجة زي ما أنت بتقول".

هتفت بها رضوى بتأفف فالوضع أصبح لا يحتمل ولا يطاق.

أجابها مدحت بضيق:

-"يعني هو لازم يبقى في سلسلة وغويشتين؟ كفاية أوي دبلة وخاتم".

أنهى عبارته لتصيح "حفصة" والدة رضوى قائلة:

-"هو إيه اللي كفاية بالظبط؟! أنا بنتي جميلة وعندها أصل وحسب ونسب وكمان متعلمة ، وأي حد يتمنى يناسبنا ، واحنا مش بنعجزك احنا اللي طلبناه في حدود المعقول ، وأختك لما اتجوزت جوزها جابلها زي كده وأكتر".

كز مدحت على أسنانه ولكنه تحكم في غضبه وهتف بهدوء وابتسامة مصطنعة:

-"خلاص يا جماعة صلوا على النبي ، واللي رضوى تطلبه أنا هجيبه".

ضيقت رضوى عينيها بغضب وهي تتذكر ما فعلته بها دينا في الماضي ... فمن كانت تظنها صديقتها المقربة غدرت بها وطعنتها بقوة في ظهرها.

عادت إلى ذكريات تلك الأيام والتي كانت بالنسبة لها أسوء فترة قضتها في حياتها.

كانت رضوى تنتظر مدحت في صالون التجميل وهي تنظر إلى الساعة بتوتر ، فقد تأخر كثيرا عن موعده ، تعلم بأنها تنازلت وتساهلت كثيرا من أجله عندما وافقت على أن تتكفل بتكاليف القاعة التي سيقام بها حفل الزفاف وأيضا أعطته المشغولات الذهبية التي جلبها لها لكي تساعده على تسديد الأموال التي اقترضها من أحد أصدقائه ولكنه وعدها بأنها سيرد لها أموالها بعد الزواج وأيضا سيشتري لها شبكة جديدة عندما تتحسن ظروفه المادية الحرجة.

سمعت رنين هاتفها فأجابت على الفور عندما رأت أنه المتصل وقالت بلهفة:

-"أنت مجيتش ليه يا مدحت لحد دلوقتي؟"

هتف بحزن مصطنع:

-"العربية عطلت بيا يا رضوى وهتأخر شوية على ما تتصلح ، خلي ابن عمك يوصلك القاعة وأنا هصلح العربية وأجيلك على هناك".

هتفت رضوى باعتراض:

-"بس مش هينفع ..."

إلا أنه قاطعها بجدية وهو يقول:

-"رضوى لو احنا استنينا لحد ما أصلح العربية عشان أجي أخدك من الكوافير هنتأخر على القاعة وبكده معظم وقت الفرح هيروح على الفاضي والفلوس اللي اندفعت هتضيع عليكِ".

أومأت رضوى رأسها بتفهم وتحدثت بإذعان:

-"خلاص ماشي ، بس حاول متتأخرش وخلي بالك من نفسك".

هتف بلطف زائف:

-"تمام يا حبيبتي".

ذهبت إلى القاعة برفقة ابن عمها وانتظرت مدحت لوقت طويل ولكنه لم يحضر ... اتصلت به كثيرا ولكن هاتفه كان مغلقا وهذا ما أثار قلقها ، وجعلها تعتقد بأنه أصابه مكروها ... بحثت حولها بعينيها عن صديقتها دينا علها تهدئها ولكنها لم تجدها أيضا.

كانت تبكي بانهيار وحاول ابن عمها العثور على مدحت ولكنه لم يستطع إلى أن انقضى وقت الزفاف وانصرف المدعوين.

مرت ساعة قبل أن تصلها رسالة من مدحت مضمونها:

"تعيشي وتاخدي غيرها يا دودو ، معلش بقى بس أنتِ بصراحة دمك تقيل أوي وطلباتك أنتِ وأهلك مبتخلص وأنا زهقت منك ، وبعدين مش معقول يبقى قدامي واحدة صاروخ زي دينا وأسيبها وأجي أدفن نفسي بالحيا جنبك ، نصيحة مني خفي دمك وافردي بوزك العكر ده شوية عشان حد يرضى يتجوزك ، وصحيح قبل ما أنسى دينا بتسلم عليكِ وعلى أهلها وبتقول أنكم مش هتوحشوها خالص ، وبالنسبة للدهب فأنا أخدته عشان محتاجه ، مش معقولة يعني هديهولك وأنتِ مش هتبقي مراتي"

أخذت تبكي بقوة وتلطم خديها وتجرحها بأظافرها حتى سالت الدماء ... احتضنتها حفصة بقوة وهي تبكي على نصيب ابنتها الذي أوقعها في طريق ذلك الوغد الذي لا يمت للرجولة بصلة.

يعلم الكثيرون بأنه في مواقف كهذه يتزوج ابن العم من الفتاة حتى لا يدع مجالا للناس بالتحدث عنها والطعن في شرفها ، ولكن لم يكن هذا ممكنا في حالتها لأن ابن عمها متزوج بالفعل من شقيقتها الكبرى ، وابن عمها الأخر يصغرها بعشر سنوات.

مرت سنوات وكانت حالتها النفسية سيئة للغاية إلى أن أتى اليوم الذي قررت فيه الخروج من عزلتها والبدء من جديد ، وأول قرار اتخذته هو أن تعمل وبالفعل حصلت على وظيفة جيدة في شركة مرموقة وبراتب ممتاز ، وبعد مرور عدة أشهر التقت بمعتز الذي كان أحد عملاء الشركة.

انجذبت له ولشخصيته وهذا شيء لا يمكنها أن تنكره ولكنها أسرت الأمر في نفسها ، وشعرت بالسعادة عندما صارحها معتز وأخبرها بأنه معجب بها ويريد الزواج منها ولكن تجهمت ملامحها عندما هتف دون أدنى تردد وبنبرة صادقة:

-"في شيء مهم لازم تعرفيه يا رضوى وهو أني متجوز".

أخذت تسعل بشدة قبل أن تسأله بتوجس ولم تكن نبرتها خالية من التهكم:

-"يعني أنت عايزني أبقى زوجة تانية وكمان مش عايز مراتك تعرف حاجة عن جوازنا لحد ما يجي الوقت اللي حضرتك تشوفه مناسب وتقولها؟!"

أومأ برأسه مما جعلها تقف وتغادر دون أن تنطق بحرف واحد ، ومر أسبوعين قبل أن تراه صدفة في المصرف وبرفقته دينا وهذا ما أثار دهشتها وحيرتها.

رأت إحدى العاملات تمر من أمامها فاستوقفتها وسألتها وهي تشير بإصبعها تجاه دينا التي لم تلاحظ وجودها:

-"هو أنتِ تعرفي المدام اللي واقفة هناك دي؟"

هتفت العاملة وهي تبتسم:

-"أيوه دي مدام دينا مرات أستاذ معتز اللي واقف جنبها".

شكرتها رضوى وخرجت من المول بعد أن حسمت أمرها واتصلت بمعتز وأخبرته بأنها تريد مقابلته ، وفي اليوم التالي التقت به وهتفت وهي تفرك أصابها بتوتر:

-"أنت لسه عندك استعداد تتجوزني؟"

قطب حاجبيه بتعجب وقد تملكه الفضول لمعرفة سبب سؤالها وأردف بتوجس:

-"أيوه يا رضوى ، أنا مغيرتش رأيي وعايز أتجوزك".

نظر لها مطولا قبل أن يسألها:

-"ممكن أعرف أنتِ طلبتي تقابليني ليه؟"

ابتسمت وهي تجيبه:

-"أنا موافقة على عرضك يا معتز".

لم يصدق ما سمعه منها وشعر بالذهول لأنها غيرت رأيها ولكنه لم يهتم وذهب إلى منزلها وطلب يدها من ابن عمها وتزوجها ، وحرصت رضوى على أن تجعله يتقرب كثيرا منها ويتعلق بها وهذا ما حدث بالفعل ، فمعتز أحبها كثيرا وابتعد عن دينا وترك لها المنزل أيضا بعد مشاجرتهم الأخيرة.

دمرت دينا حياتها قبل سنوات وأخذت منها خطيبها والآن حان الوقت لترد لها ما فعلته بها وتأخذ منها معتز.

الجزء السابع 

نظرت إلى ساعتها وهي تترقب وصوله بشوق كبير ، فشقيقها قد عاد أخيرا من سفره بعد غياب ثلاثة أشهر ، ابتسمت بشدة عندما رآته قادم نحوها فتقدمت منه وعانقته وهي تقول:

-"حمد الله على السلامة يا مروان ، ماما هتفرح أوي بالمفاجأة دي".

بادلها ابتسامتها وقال:

-"الله يسلمك يا علا وحشتيني أوي".

نظر خلفها يبحث عن ناريمان ولكنه لم يجدها كما توقع بالضبط ، فزوجته المصون لم تكلف نفسها وتأتي لاستقباله والترحيب به ... لاحظت علا تغضن ملامحه وفهمت ما يدور في رأسه فهتفت قائلة محاولة شرح الأمور له حتى لا يفهمها بشكل خاطئ:

-"ناريمان متعرفش أنك جاي النهارده ، محدش يعرف غيري أنا بس".

زفر بضيق وهتف بسخرية مريرة:

-"ده على أساس أنها لو كانت تعرف كانت هتيجي ، هي أصلا مش موجودة في بيتها زي أي ست بتستنى جوزها يرجع من سفره ، أنا عارف كويس أوي أنها عملت زي كل مرة واستغلت سفري عشان تسيب البيت وتروح الشقة بتاعتها".

حاولت علا تلطيف الأجواء فأردفت بتبرير:

-"أكيد هيا مش بتبقى مرتاحة في البيت وأنت مش موجود فيه ، وعشان كده بتسيبه وأنت مش هنا".

زفر مروان بألم ويأس قائلاً:

-"لو كلامك صح يا علا كانت رفعت سماعة التليفون واتصلت بيا طول الشهور اللي فاتت ، بس هيا معملتش كده وده معناه أنها أما صدقت أني مشيت".

حزنت علا وتألمت كثيرا على حال شقيقها ، وتمنت أن تتحسن أحواله مع ناريمان.

سار مروان برفقة علا حتى وصلا إلى السيارة التي كانت تنتظرهما أمام المطار ، وصعدت علا وانتظرت مروان ولكنه ظل جامدا ولم يتحرك فنظرت له بعدم فهم وقالت:

-"اركب يلا يا مروان ، ولا أنت مش جاي معايا؟"

لم تتغير ملامح وجهه الجامدة وهو يجيب:

-"اسبقيني أنتِ يا علا على البيت ، أنا ورايا مشوار مهم لازم أعمله".

أذعنت لأوامره ولم تناقشه لأنها تدرك جيدا أنه لن يخبرها بشيء إذا سألته.

أشارت إلى السائق حتى يتحرك تاركة مروان يحدق إلى الأمام بشرود ووجوم قبل أن ينتشل هاتفه من جيب سترته ويتصل بأحد رجاله ويطلب منه أن يجلب له سيارته أمام المطار.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

كان "سيف" ينام بعمق عندما شعر بشيء ما يتحرك فوقه ... عقد حاجبيه بتأفف وهو يحاول إبعاد هذا الشيء عنه ولكنه لم ينجح ... انتفض مذعورا عندما سمع مواء قطة بالقرب من أذنه ، وفتح جفونه لتقع عينيه على هذه الهرة التي تقف على كتفه وتمرغ وجهها في عنقه.

رمقها شذرا وهو يحملها في يده وهتف بغيظ:

-"هو أنتِ كل شوية تيجي تزعجيني وأنا نايم؟!"

نظرت له القطة بوداعة وكأنها تفهمه ليكز على أسنانه ويأخذها معه وهو يغادر الغرفة.

هبط درجات السلم حتى وصل إلى لين التي كانت تجلس بهدوء على الأريكة وتضع قناعا أسود من المرطبات والمستحضرات على وجهها.

نظر لها بسخط وهو يلقي القطة بجوارها وقال:

-"طالما أنتِ شاطرة أوي كده في الاهتمام وبتهتمي بنفسك ، اهتمي بقطتك اللي قارفاني ليل ونهار دي" .

نزعت لين شرائح الخيار من فوق عينيها وهتفت بحنق:

-"مالك على الصبح؟! أنت مش لاقيلك حاجة تعمل دوشة عليها فجاي تتريق على الماسك اللي حطاه على وشي؟!"

صاح سيف بغضب وانفعال هو يشير نحو الهرة:

-"قطتك الجربانة والمقرفة دي يا ست هانم كل يوم تيجي أوضتي وتنام فوقي".

رمقته بنزق وبرود ليستكمل:

-"دي بقت عيشة مقرفة وحاجة لا تطاق".

وقفت لين أمامه ونظرت في عينيه بتحدي وهي تقول بنبرة جامدة:

-"أولا ، أنا قطتي نظيفة ومش جربانة".

تقدمت منه أكثر وهي تقول ليتراجع خطوتين إلى الوراء:

-"ثانيا ، قطتي اسمها سمسمة ويوم ما تفكر تجيب سيرتها على لسانك ، تتكلم عنها كويس وبشكل محترم".

لا يصدق ما تفعله من أجل تلك القطة ، من يراها وهي تدافع عن هرتها بهذه الطريقة سيظن بأنها ابنتها أو أحد أقاربها ، هل هناك امرأة عاقلة تعتني بالقطط كما تفعل لين؟

لم تكن إجابته على كل الهراء الذي تفوهت به سوى ابتسامة ساخرة ، فرأس زوجته لا يمت للعقل بصلة.

أمسك القطة بعنف وتوجه نحو النافذة وكاد يرميها إلا أن لين أمسكت بيده وأخذت سمسمة وهي تصرخ بغضب أجم:

-"أنت اتجننت!! إزاي تتجرأ وتحاول تقتل سمسمة؟!"

داعبت لين سمسمة التي كانت ترتجف من الخوف بسبب نظرات سيف المرعبة وتوجهت إلى غرفتها وكادت تغلق الباب ولكن استوقفها سيف وهو يقول بغضب:

-"أنا ماسك نفسي عنك وعن قطتك السودة دي بالعافية ، لو البتاعة دي دخلت أوضتي تاني أنا هرميها من الشباك".

تنفست بعمق عدة مرات تحاول أن تحافظ على هدوئها حتى لا تغضب ويحدث مالا يحمد عقباه ولكن هذا لم يمنعها من إثارة غضبه والثأر منه فنظرت له وابتسمت ببراءة وهي ترمش جفونها بوداعة وهتفت بنبرة ساخرة:

-"ماسك نفسك؟! أنت كده بتعترف بأنك مبعتر في كل حتة؟!"

أنهت كلامها وأوصدت باب الغرفة خلفها بالمفتاح قبل أن يلحق بها ويلقنها درسا لن تنساه أبدا.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

أوقف مؤمن دراجته النارية أمام منزله ودلف إليه لتستقبله والدته وهي تبتسم قائلة:

-"حمد الله على سلامتك يا حبيبي ، غير هدومك على ما أحط الأكل عشان تتغدى".

اقترب منها وقبل رأسها وقال:

-"حاضر يا ست الكل".

كاد يذهب إلى غرفته ولكنه سمع رنين جرس الباب ، فتوجه إليه وفتحه لتدلف "أم سامية" وهي تحمل في يدها صينية كنافة وتضعها على الطاولة.

عقد مؤمن حاجبيه بتساؤل وهو ينظر إلى الصينية وقال:

-"هي إيه دي يا طنط؟"

ابتسمت أم سامية وهي تقول:

-"دي كنافة لسه عاملاها دلوقتي وقولت لنفسي لازم أجبلك منها أنت وأم أيمن عشان تحلوا بعد الغدا".

انفرجت أسارير أم أيمن عندما خرجت من المطبخ ورأت أم سامية وصينية الكنافة ، ولأنها اعتادت على أن تقوم بواجب الضيافة ، أقسمت على أم سامية بأنها لن تغادر قبل أن تتناول الغداء معهم.

عدل مؤمن من وضع ملابسه بعدما انتهى من تناول الغداء وأخذ هاتفه وخرج من غرفته وهتف بلطف وهو يقترب من والدته:

-"أنا هروح دلوقتي أقابل رنيم ، عايزه مني حاجة أجبهالك وأنا جاي؟"

ابتسمت أم أيمن وقالت:

-"سلامتك يا حبيبي ، ابقى سلملي على رنيم وأمها".

غادر مؤمن المنزل لتبتسم أم سامية وهي تقول:

-"ربنا يحفظهولك وتفرحي بيه قريب إن شاء الله".

أطلقت أم أيمن تنهيدة طويلة وهي تهتف برجاء:

-"ربنا يسمع منك يا أم سامية ، ده الوحيد اللي طلع عدل في أخواته ، أيمن ومش وراه غير مقصوفة الرقبة مراته ، وفايزة مشغولة في بيت جوزها ومش بتيجي تشوفني غير كل كام شهر مرة ، بتمنى يجي اليوم اللي هفرح بيه فيه وأشوفه متجوز هو ورنيم".

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

(الحياة بقى لونها بمبي ، وأنا جنبك وأنت جنبي ...)

كانت ناريمان تقف في المطبخ وتعد بعض الشطائر وهي تبتسم وتدندن بهذه الأغنية للراحلة "سعاد حسني".

التفتت لتأخذ علبة الملح ولكنها سقطت من يدها وتهشمت عندما رأت مروان يجلس بكل أريحية ويضع ساق فوق ساق ، وينظر لها وهو يبتسم بسخرية.

أخذت تتنفس بقوة حتى هدأت ضربات قلبها التي ارتفعت بعدما فزعت من رؤيته ، وتناولت كأسا من الماء قبل أن تهتف بتلعثم:

-"أنت دخلت هنا إزاي؟"

قام من مقعده واقترب منها لتتراجع عدة خطوات إلى الوراء ولكنه لم يهتم وظل يقترب حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات قليلة ، ونظر لها ببرود قبل أن يأخذ الشطيرة التي كانت تعدها ويتناولها بتلذذ أمام أعينها مما جعلها تكز على أسنانها بغيظ وهي تعيد سؤالها:

-"دخلت الشقة إزاي يا مروان؟"

هتف ببرود وهو يغسل يده:

-"المفروض تقوليلي حمد الله على السلامة يا حبيبي مش تتخضي أول ما تشوفوني ، ورغم كل ده أنا هجاوبك على سؤالك وهقولك أن إياس فتحلي الباب".

جفف يده ووضع المنشفة جانبا وهو يتابع:

-"أنا اتصلت بيه قبل ما أجي وقولتله يستناني ورا الباب وأول ما أتصل بيه تاني يفتحلي الباب على طول".

هتفت باقتضاب قبل أن تبدأ بصنع شطيرة أخرى:

-"تمام".

أخذ مروان نفسا عميقا ثم زفره على مهل ليهمس بعدها بحزم:

-"يلا جهزي نفسك عشان هنرجع البيت".

نظرت له بجدية بعدما استمعت إلى أوامره وقالت:

-"مروان احنا متجوزين بقالنا أكتر من عشر سنين ومع ذلك مقدرتش أنسى أنك شاركت طارق في اللي عمله معايا وساومتوني على حياة ابني".

هبطت دموعها وهي تهمس بألم:

-"أنا اتجوزتك عشان أنقذ ابني وفي الأخر مات قدام عيني ومقدرتش أعمله حاجة".

زفر بضيق فقد أخبرها مرارا طوال عشر سنوات بأنه لم يكن يعلم بحالة ابنها وبأنها أجبرت على الزواج منه ولكنها لم تصدقه.

لطالما نعتته بالكاذب ووصفته بمعدوم الكرامة لأنه ظل محتفظا بها طوال هذه السنوات ولم يطلقها على الرغم من أنها تخبره دائما بأنها تكرهه ولا تطيقه ولا تحتمل البقاء معه تحت سقف واحد.

هتفت ناريمان بلهجة حاسمة:

-"أنا مش قادرة أكمل معاك أكتر من كده ، طلقني يا مروان ووفر وجع القلب ده على نفسك وعليا".

لوى شفتيه بتهكم قبل أن يقترب منها مما جعلها تصرخ بانفعال ولكنه لم يهتم وحملها وتوجه بها إلى الخارج وعندما رآهما إياس أخذ يقفز بسعادة وفرح وهو يردد:

-"وأخيرا هنروح البيت ، أنا زهقت من الشقة دي".

صاحت ناريمان بغضب وهي تحاول أن تفلت من قبضة مروان:

-"فرحان فيا يا حيوان ، استنى عليا بس لما تقع في ايدي وشوف هعمل فيك إيه".

هتف مروان وهو يفتح باب الشقة:

-"انزل يا إياس اسبقنا على العربية لحد ما أنزل أنا وأمك".

هبط إياس درجات السلم بسرعة وهو يبتسم وتبعه مروان الذي نال نصيبا وفيرا من ركلات ولكمات ناريمان على ظهره ولكنه لم يتأثر وتابع طريقه إلى أن وصل إلى السيارة ففتحها ودفع ناريمان بحدة وأغلق الباب ، ولم يعبأ بنظرات الجيران المشدوهة نحوه فقد اعتاد هذا الأمر طوال السنوات الماضية عندما يأتي ليأخذ ناريمان في كل مرة تترك له المنزل.

عقدت ذراعيها بضيق وهي تتأفف بحنق من أفعال مروان المجنونة التي تجعلها تخجل عندما تقابل جارتها التي شهدت على جميع مواقف مروان المتهورة.

صعد السيارة بجوارها وأدار المحرك ، التفتت له وهي تسأله بضيق:

-"مين اللي هيجيبلي هدومي وحاجتي؟"

أجابها بإيجاز ودون أن ينظر لها:

-"هبعت حكمت بكرة تجيبهوملك".

أخذت تردد بغيظ حتى تثير غضبه:

-"إيه الغلب ده يا رب ، مش فاهمة أنا عملت إيه في حياتي عشان ربنا يوعدني بواحد بارد مش قادر يفهم أني مش عاوزاه".

أوقف السيارة فجأة ليرتطم رأسها بالتابلوه ... أمسك فكها بقوة وهو يهمس بحدة وخشونة:

-"البارد ده يا هانم مستحمل جنانك وبيعاملك باحترام مش بيصبحك بعلقة ويمسيكِ بعلقة زي ما أي راجل بيعمل مع مراته لما تقرفه في عيشته زي ما أنتِ بتعملي".

ترك فكها وأعاد تشغيل السيارة وهو يهتف بسخرية:

-"أنا مش سايبك على ذمتي عشان سواد عيونك الحلوة ، أنا بعمل كل ده عشان خاطر ابني اللي نفسيته هتتأثر لو احنا اتطلقنا".

نظر إلى إياس الذي غفى بالمقعد الخلفي وهو يتابع بقسوة غير عابئا بتأثير كلماته الصادمة عليها:

-"أنا كل اللي يهمني هو ابني وبس وعشان كده أنا مستحملك ومستحمل جنانك وقرفك".

بذلت مجهودا شاقا حتى استطاعت كبح دموعها ، وأضافت بكبرياء وعزة نفس فهي لن تسمح له بأن يهينها ويبعثر كرامتها ويدهسها بحذائه:

-"كويس أوي إن احنا متفقين في أننا مكملين مع بعض عشان خاطر إياس وبس مش عشان خاطر حاجة تانية".

أصبح الصمت هو سيد الموقف حتى صف مروان السيارة ، فخرجت ناريمان منها على الفور وذهبت إلى غرفتها دون أن تهتم بنظرات علا وحماتها المصوبة نحوها ، دلف مروان إلى المنزل وهو يحمل إياس النائم لتحتضنه والدته بشوق قبل أن يصعد مروان إلى غرفة إياس ... وضعه في سريره ودثره جيدا بالغطاء قبل أن يخرج ويتوجه إلى غرفته.

نظرت علا إليه وهو يدلف إلى غرفته وتذكرت حالة ناريمان عندما حضرت إلى المنزل وأيقنت بأنها نالت كما لا يستهان به من كلمات مروان اللاذعة.

استلقى على سريره وابتسم بسخرية عندما رأى الوسادة التي وضعتها زوجته لتكون فاصلا بينهما.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

-"أنا عارفة كويس أنك بتعتبرني طفلة صغيرة وبتلعب من ورايا يا سيف".

هتفت بها لين بغضب بينما رمقها سيف بذهول مصطنع وهو يقول:

-"إزاي عرفتي بالكلام ده؟"

اقترب منها واحتضنها بخبث ثم تحولت نبرته إلى السخرية وتابع:

-"أقولك أنا يا قلبي أنتِ عرفتي إزاي ، أنتِ بتراقبيني بقالك فترة وكمان حطيتي جهاز تصنت في تليفوني".

جحظت عينيها وانتبهت إلى أنه يعانقها ، فنفضت ذراعه بغضب وابتعدت عنه وهي ترمقه شذرا بينما هو نظر له ببراءة وقال:

-"بس بصراحة أنتِ فاجئتيني يا حبيبتي ، أنا لو مشوفتكيش وأنتِ بتحطي جهاز التصنت في الموبايل مكنتش هفكر خالص بأنك ممكن تعملي حاجة زي كده".

أشاحت نظرها عنه وهي تهتف بتبرير:

-"أنا كان لازم أعمل كده عشان أنت بدأت تلعب من ورايا وفي حاجات كتير بتنفذها من غير علمي".

فركت أصابعها باضطراب وفكرت في طريقة تخرج بها من هذا المأزق فقد نجح سيف وقلب الطاولة عليها ... هتفت بسرعة بأول أمر خطر في رأسها:

-"في واحدة صاحبتي عاملة حفلة بكرة بمناسبة عيد جوازها وأنا معزومة ، هتيجي معايا؟"

هز رأسه نافيا وهو يتحدث:

-"أنا بكرة هروح أقابل مؤمن فمش هينفع أجي معاكِ".

حك ذقنه قليلا قبل أن يضيف:

-"سيبيلي عنوان بيت صاحبتك وأنا أول ما أخلص الموضوع مع مؤمن هجيلك على هناك".

التقطت ورقة ودونت بها العنوان وأعطتها له وذهبت إلى المطبخ لتعد فنجان قهوة عله يهدئ من حدة هذا الصداع الذي يفتك برأسها.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

-"اتفضلوا يا حبايبي".

هتفت بها والدة رنيم وهي تضع أكواب العصير أمام مؤمن ورنيم ... ابتسم لها مؤمن بلطف وهو يقول:

-"تسلم إيدك يا طنط سميرة ، ربنا ميحرمناش منك".

أخذت سميرة الصينية وخرجت ... نظر مؤمن إلى أثرها وعندما تأكد بأنها غادرت بالفعل التفت إلى رنيم وأمسك كفيها وهو يغمز لها وقال:

-"بس أنتِ مقولتليش ، إيه الحلاوة دي؟!"

أبعدت رنيم يده وهي تلتفت حولها وهمست بغيظ:

-"اتلم يا مؤمن وبطل حركاتك دي ، مفيش مسك أيادي غير بعد الجواز".

رفع مؤمن حاجبيه مدعيا الدهشة وهو يردف:

-"بعد الجواز؟! هو مش احنا كاتبين الكتاب برضه ولا أنا كنت بحلم؟!"

ضحكت رنيم بخفوت وهي تهمس برقة:

-"لا مكنتش بتحلم ولا حاجة يا طريف ، أنا قصدي بعد الفرح".

نظر إلى ضحكتها بشرود وهو يتذكر دينا التي يكرها ويخطط للانتقام منها ، كيف لها أن تكون شقيقة هذا الملاك البريء الذي يجلس أمامه ويبتسم ببراءة؟

هل يعقل بأن تكون تلك الحورية هي أخت تلك الشيطانة التي كانت سببا في موت والدها وإصابة والدتها بمرض القلب؟

دينا وهل هناك غيرها؟ من دمرت حياة عائلتها وجلبت لهم الذل والعار.

▪▪▪▪▪▪▪▪

نظرت إلى انعكاس صورتها في مرآة الباب الزجاجي الخاص بالمطعم الذي تجلس به وتنتظر "يسري" هذا الشاب الذي يعمل في إحدى أكبر شركات الاتصالات ، وتتمنى لو أنه يستطيع مساعدتها كما وعدها ، وتجد سيف وتجتمع به مرة أخرى.

تأملت ملامح وجهها وهي تتحسسه ، لقد تغير شكلها قليلا وأصبحت أكبر سنا وأنضج فكرا ولكنها لا تزال تحتفظ بجمالها.

أربع سنوات مرت عليها كأربعين سنة ، لم تصدق أنه خرج من السجن إلا عندما أخبرتها صديقتها بذلك ، وحاولت أن تبحث كثيرا عنه ولكنها لم تصل إليه.

فرقعة إصبع انتشلتها من ذكرياتها فالتفتت لتجد يسري قد جلس أمامها بالفعل وابتسم وهو يقول:

-"أنا جاهز يا أنسة تقى ومستعد أني أساعدك عشان تلاقي الشاب اللي بتدوري عليه".

تهللت أساريرها وهتفت بحماس:

-"متشكرة جدا يا أستاذ يسري ، أنا معايا صورة ليه وجبتها لحضرتك عشان تساعدك في البحث".

تنهد بعمق وهو يسترسل في حديثه:

-"بس أنا مش هكدب عليكِ يا تقى ، الموضوع هياخد وقت وخصوصا بعد ما أنا اتأكدت إن محل الإقامة اللي مكتوب في بطاقة سيف متغيرش لحد دلوقتي ، يعني تقدري تقولي بأنه مش سايب أي حاجة تدل على المكان اللي عايش فيه دلوقتي".

أومأت برأسها بتفهم وهي تهمس بحزن:

-"مفيش مشكلة أنا هصبر لحد ما حضرتك تعرف مكانه ، أهم حاجة ألاقيه في الأخر وأقابله".

أخرجت الصورة التي تجمعها بسيف وجهاد ونظرت لها بأسى قبل أن تعطيها ليسري ، ولم تكن تعلم بأنه في ذات اللحظة التي نظرت بها إلى الصورة كان كلا من سيف وجهاد يجلس في منزله وينظر أيضا إلى تلك الصورة التي جمعتهم معا في أحد الأيام.


الجزء الثامن

-"بقى أغيب شهرين وأرجع ألاقي شعرك باظ كده؟!"

هتفت بها "نعمة" بضيق وهي تمسك شعر جهاد وتنظر له بحسرة وتابعت:

شوفي بقى عامل إزاي من الكوي والبروتين ، هتعملي زي مقصوفة الرقبة مرات معتز".

قلبت جهاد عينيها بملل ودعت بداخلها أن يأتي شريف وينقذها من براثن جدته قبل أن تضع على شعرها من هذا المستحضر كريه الرائحة والذي لا يختلف كثيرا عن رائحة البنزين.

تنهدت بارتياح عندما دلف شريف إلى المنزل وصعق مما يراه ... شعر بالغثيان عندما تذكر رائحة شعر زوجته قبل بضعة أشهر عندما وضعت عليه نعمة من تلك الوصفة ... أشارت له جهاد بعينيها أن يساعدها فأومأ برأسه واستجاب لها على الفور وتقدم نحوها وأبعدها برفق عن جدته وهو يهتف بمرح:

-"هو أنا مش هتغدى النهارده ولا إيه؟ اوعوا تكونوا مش ناويين تعملوا غدا؟!"

-"لا طبعا هعمل ... هقوم دلوقتي أجهزلك الغدا".

هتفت بها جهاد وابتسمت له وتوجهت بسرعة نحو المطبخ وأرسلت له قبلة في الهواء دون أن تنتبه لها "نعمة" ... مصمصت "نعمة" شفتيها وهي تهتف بنزق:

-"أنت الخسران ... أنا غلطانه أني كنت عايزه أظبتلك شعرها!!"

شعر "شريف" بالحرج من جدته التي تحفظ طباعه عن ظهر قلب فهو بالنسبة لها كتاب مفتوح تفهم ما بداخله دون أن يتفوه بشيء ... ابتسم لها وتوجه إلى المطبخ تحت نظراتها المعجبة ... لوت فمها وهي تتمتم بتهكم:

-"روح اجري وراها يا أخويا ، أصلها مركبه أجنحة وهتطير!!"

أخرجها من شرودها صوت "معتز" الذي حضر لتوه ويبحث بعينه عن شريف وقبل أن يسألها عن مكانه هتفت بنبرة ساخرة:

-"عصافير الغرام جوه في المطبخ".

ضحك معتز بشدة ثم جلس بجوارها ونظر بفضول إلى تلك العلبة التي تحملها في يده مما جعلها تبتسم قبل أن تعطيها له وقالت:

-"رغم أني مش بطيق مراتك بس هديك الوصفة بتاعتي تعملها لشعرها الأقرط وتوفر فلوسك اللي مضيعاها في الكرياتين".

ابتسم معتز وهو يأخذ العلبة ولكن سرعان ما تغضنت ملامحه بعدما استنشق رائحتها الكريهة وهتف بتساؤل:

-"هي دي ريحة بنزين ولا أنا بيتهيألي؟"

ضربته بخفة على كتفه وهي تردف بضيق:

-"أنت بتتريق!! ده جدك الله يرحمه كان بيحلف بجمال شعري لما كان بيشوفه".

وضع معتز العلبة جانبا وهو ينظر لها بقرف وتمتم بصوت منخفض لم يصل لمسامع جدته:

-"أكيد الأزمة اللي جيتله وموتته كانت بسبب الريحة المقرفة دي".

استرسلت "نعمة" في الحديث بنبرة يشوبها الفخر:

-"ده أنا كنت بحطه لأمك الله يرحمها وكان أبوك بيعجه شعرها".

جحظت عيناه بصدمة شديدة فقد فهم الآن السبب الذي كان يجعل والده يترك الغرفة لوالدته ويبيت في غرفته أو في حجزة شريف.

شعر "معتز" بالأسف على والده المسكين الذي عاش مظلوما في هذه الحياة ولم يهنأ بها أبدا.

▪▪▪▪▪▪

تأففت لين بحنق من تلك البودرة التي وضعتها علا على وجهها وهتفت بضيق:

-"أنا مش فاهمة إيه لازمة القرف اللي بتحطهولي ده؟"

زجرتها علا وهي تبعد يدها عن وجهها حتى لا تفسد كل ما صنعته:

-"احنا لعبنا ملك وكتابة وأنا اللي فزت ، وعشان كده أنتِ هتسمعي الكلام وهتعملي اللي هقولك عليه من غير دوشة".

ارتفعت ضحكات ناريمان عندما رأت وجه لين العابس ، فهي تكره كثيرا مستحضرات التجميل ، وما تفعله علا بها الآن ليس سوى عقاب بالنسبة لها.

انتهت علا من وضع اللمسات الأخيرة ثم أحضرت المرآة ووضعتها أمام لين التي تغضنت ملامحها بعدم رضا وهي تهتف بنزق:

-"على فكرة شكلي عادي جدا بالهبل ده ، مش ملكة جمال يعني".

نظرت لها علا بيأس فيبدو أن لين لن تغير رأيها أبدا ... تقدمت منها ناريمان وهي تصفر بإعجاب وهمست بانبهار:

-"إيه الحلاوة دي يا لين ، أنا لو مش واقفة جنبك هنا مكنتش هعرفك".

رفعت لين حاجبيها في دهشة وقالت:

-"هو أنا شكلي متغير للدرجة دي؟"

أومأت علا برأسها وهي تردف:

-"أنتِ مش شايفة نفسك في المراية ولا إيه؟ أنا متأكدة أن سيف لو شافك مش هيعرفك".

التوت زاويتي شفتي ناريمان وهي تهمس بإعجاب:

-"هي شكلها فعلا اتغير شوية يا علا ، بس مش للدرجة اللي تخلي سيف ميعرفهاش".

هتفت لين بضجر:

-"ناريمان عندها حق ، سيف مش غبي عشان ميعرفنيش".

تحدثت علا بعدما جلست بغرور على كرسيها وهي متفاخرة بملامح التعجب على وجه ناريمان:

-"على فكرة لو أنتِ يا لين غيرتي نبرة صوتك وخليتيها هادية شوية وقابلتيه بشكلك ده في الحفلة ، فأنا أراهنك أنه مش هيقدر يميزك".

هتفت لين بتحدي:

-"هنشوف".

▪▪▪▪▪▪▪▪▪

بدأت الحفلة وحضر مروان وبرفته ناريمان وعلا ولين ... صافحه شريف بحرارة فهو صديقه المقرب وبئر أسراره ... مرت بضع دقائق قبل أن يحضر معتز وبرفقته دينا التي كانت تتأبط ذراعه وتسير بجواره وهي تنظر للجميع بغرور وكبرياء.

شعرت "نعمة" بالتعب ولاحظت جهاد ذلك فأخذتها وصعدت بها إلى غرفتها دون أن تخبر شريف حتى لا تثير قلقه وظلت بجوارها ولم تعد إلى الحفل.

جلست ناريمان برفقة علا وأمامهما تقف لين وتنتظر قدوم سيف حتى تثبت لعلا أنها مخطئة وتفوز بالتحدي ... عقدت حاجبيها في دهشة عندما حضر سيف ومر بجوارها دون أن ينتبه لها وهذا ما جعل علا تبتسم بثقة وهي تهز كتفها فقد انتهت اللعبة وحسمت النتيجة لصالحها.

شعرت لين بالغيظ وقررت أنها لن تستسلم وتدع علا تفوز عليها فذهبت إلى الطاولة التي جلس عليها سيف وجلست بجواره دون أن تنطق بكلمة واحدة.

حمحمت قليلا حتى تجذب انتباهه ونجحت في ذلك بالفعل بعد ما سمعته يبادر بالحديث:

-"هو حضرتك مستنية حد؟"

هزت رأسها نفيا ونظرت إلى خاتم زواجه وابتسمت قائلة برقة وبصوت هادئ عكس عادتها التي يعرفها بها:

-"أنت أكيد مستني مراتك ، مش كده برضه؟"

عبس بوجهه وزفر بضيق وهو يردف:

-"ليه بس تجيبي في السيرة العكرة دي؟ ده أنا أما صدقت أنها مش موجودة قدامي دلوقتي".

كورت يدها بغضب ولكنها استطاعت التحكم في انفعالاتها بمهارة وأردفت بهدوء مصطنع:

-"يا حرام!! هي مراتك دي منكدة عليك عيشتك للدرجة دي؟"

أومأ برأسه وهو يقول بأسف:

-"دي بني أدمة أعوذ بالله منها ، ده كفاية وشها وملامحها اللي عاملة زي السلعوة وكله كوم وقطتها الجربانة دي كوم تاني خالص".

إلى هنا ولم تستطع "لين" تمالك نفسها و أمسكته بعنف من ياقة قميصه وهي تصيح بغضب جذب انتباه بعض المدعوين الذين استنكروا تصرفها:

-"أنا عاملة زي السلعوة ده على أساس أنك كازانوفا ومفيش منك اتنين؟!"

نظر لها بصدمة وهو يردد بذهول وعدم استيعاب جعلها تعتقد بأنه حقا لم يكن يعرفها:

-"لين!!"

نظر لها مرارا حتى يتأكد من أنه لا يتوهم قبل أن يستطرد باستنكار:

-"أيه اللي أنتِ مهبباه في وشك ده؟!"

رمقته بغضب وغيظ ثم تركته وذهبت لأنها لو بقيت دقيقة أخرى فسوف تهشم كأس العصير على رأسه ... تقدمت نحوه ناريمان وتحدث تضيق:

-"بذمتك أنت معرفتهاش أول ما شوفتها؟!"

مط شفتيه بتهكم وهو يجيبها:

-"هو أنتِ شايفاني أهبل لدرجة أني مش هعرف مراتي!!"

كزت على أسنانها بغيظ وصاحت هادرة بانفعال:

-"أمال إيه لازمة اللي أنت عملته ده يعني ، كان لازم يعني تحرق دمها وتزعلها بالشكل ده!!"

أشارت بسبابتها في وجهه وهي تستطرد بصوت منخفض حتى لا يسمعها أحد وينكشف السر الذي حافظت على إخفائه لفترة طويلة ولكن لم تكن نبرتها خالية من القوة والحزم:

-"صدقني يا سيف لو مبطلتش حركاتك دي أنا ساعتها هنسى أنك أخويا اللي من لحمي ودمي وهقف ضدك ... أنا لحد دلوقتي مش مستوعبة أنك استخدمت لين عشان تنتقم من طارق ... أخر حاجة كنت أتوقعها أنك تعمل كده والأسوء من ده كله أنك استغليتني عشان توصلها".

تنحنح سيف بثقل وتحدث بألم:

-"كنت مفكر أنها تهمه وأنه هيتوجع عليها مكنتش أعرف إنه واطي لدرجة أن أخته اللي من لحمه ودمه مش عزيزة عليه ... أنا حقيقي مش مصدق اللي طارق عمله فيها لحد دلوقتي".

تنهد سيف بضيق وساد الصمت للحظات قبل أن يكمل:

-"أقل كلمة تنقال في حق البني آدم ده أنه حيوان وإذا كان في حد لازم يتعالج عند دكتور نفسي فهو طارق مش لين".

أخذ هاتفه وذهب للبحث عن لين تاركا ناريمان تنظر إلى أثره بوجوم وحزن فقد وضع سيف بدون قصد الملح على جرحها فهي لا تزال تلوم نفسها وتحملها ذنب ما حدث مع لين في الماضي ... كان عليها أن تعرف بما يفعله طارق وتنقذ لين من وحشيته.

▪▪▪▪▪▪▪

عاد إلى المنزل وحديث ناريمان يتردد في أذنه فهو استغلها للوصول إلى لين لأنه أراد الانتقام من طارق فليس هناك ما هو أصعب من الشعور بالغدر الذي يجعلك تشعر بنار تتأجج في صدرك وتحثك على الانتقام بأي وسيلة دون النظر إلى العواقب الوخيمة ... أعاد رأسه إلى الوراء وهو يتذكر ما حدث قبل بضع سنوات وكيف بدأ هذا الامر .

كاد يغادر مكتبه حينما دلفت دينا إلى مكتبه لتعطيه الملفات التي طلبها من طارق ... ابتسم بمجاملة وهو يقول:

-"شكرا يا دينا بس مكانش في داعي أنك أنتِ اللي تجيبيهم وكمان تراجعيهم".

ضحكت برقة وهي تجيبه:

-"دي ملفات مهمة مش أي حد يشيلها وأنا كان لازم أتأكد أنها هتوصلك وبالنسبة للمراجعة فده عشان أريحك وده لأن راحتك تهمني".

شعر بالريبة وعدم الراحة من حديثها ولكن عقله لم يصل به إلى القذارة التي تفكر بها دينا ... أخذ الملفات ووضعها جانبا وأخبرها بأنه سوف ينظر إليها غدا لأنه مضطر للمغادرة فهو سيرافق والدته إلى الطبيب الذي تتابع معه وضعها الصحي ... خرج من المكتب دون أن يضيف كلمة أخرى ومرت الأيام ولا تزال محاولات دينا الغير مباشرة في التقرب من سيف مستمرة ، وفي أحد الأيام اضطر سيف للذهاب إلى منزل معتز لأمر طارئ ولكنه تفاجئ عندما علم بأن معتز لم يكن موجوداً وكاد يغادر ولكن أمسكت به دينا وحركت يدها على كتفه بإغراء ولم تغفل عليه نظرات الإعجاب التي ترمقه بها.

فاق من صدمته على يد دينا التي تحاول فك أزرار قميصه فدفعها بعيدا وصفعها بقوة على وجهها وهدر بها وهو يرمقها باحتقار وقرف فهو لم يكن يتصور بأن تكون وضيعة ومنحطة إلى هذه الدرجة:

-"أنا عمري ما كنت أتصور أنك قذرة وسافلة بالشكل ده".

رمقها بتقزز وغادر قبل أن يرتكب جريمة يندم عليها لاحقا ... وصل إلى منزله وهو غاضب وقابلته تقى التي لاحظت انفعاله فهتفت بتساؤل وحيرة:

-"مالك يا سيف فيك إيه؟ ده أنت شكلك ولا اللي عايز تولع في حد".

أجابها بنبرة هادئة في محاولة لكبح غضبه والسيطرة عليه فهي ليست مخطئة حتى يصب غيظه وانفعاله في وجهها:

-"مفيش حاجة أنا مضغوط بس شوية مش أكتر يعني مفيش داعي للقلق ... أنا كويس".

ولأنها تحفظه عن ظهر قلب لم تصدقه فملامحه المتجهمة كانت خير دليل على أن سبب عصبيته شيء خطير ولكنها قررت مجاراته في الحديث وهتفت بحماس ومرح محاولة رسم البسمة على وجهه:

-"طيب يلا تعال نطلع بسرعة عشان نلحق المكرونة قبل ما تبرد ، مش هتصدقني لو قولتلك أن طعم البشاميل فيها المرة دي خرافة".

ابتسم لها قائلاً بمشاكسة:

-"هموت وأعرف الأكل اللي بتاكليه ده كله بيروح فين؟!"

لكزته بقوة في كتفه وسبقته إلى المنزل وهي تقول:

-"دي عشان تتلم ومتبصليش في الأكل".

مر يومين قبل أن تأتي دينا إلى مكتبه وهي مطأطأة رأسها بخجل واعتذرت منه عما بدر منها في منزلها ولأنه غبي صدقها ولم يكن يدري بأنها تخطط للانتقام منه والإيقاع به وتدمير حياته.

مرت الأيام ولم يتبق سوى أسبوع واحد على زفافه من خطيبته التي ظل يكافح حتى أنهى كل شيء في شقتهما المستقبلة وأصبحت جاهزة فرغم أن والدته تملك الكثير من الأموال التي ورثتها إلا أنه لم يأخذ منها قرشا وصمم على أن يجهز كل شيء من ماله الخاص حتى يعرف قيمة القرش الذي يصرفه.

-"أنا مش فاهم إزاي كل ده حصل؟"

قالها سيف بذهول بعدما أخبره طارق أنه تم اختلاس أموال كثيرة من الشركة ... استرسل سيف قائلاً وهو يضع يده على جبينه:

-"مبلغ زي ده اللي خده أكيد شخص له وضعه هنا في الشركة عشان كده هو قدر ياخد الفلوس بالشكل ده".

هتف طارق بخبث ومكر لم يلاحظه سوى دينا التي خططت معه للإيقاع بسيف:

-"أنا أعرف عم رضا موظف الحسابات من سنين طويلة ومتأكد من نزاهته وأمانته وأنه مستحيل يفكر في حاجة زي دي".

أومأ سيف برأسه وهو يردف بجدية:

-"عندك حق ... عم رضا لا يمكن يكون هو اللي ورا اللي حصل".

تدخلت دينا في حديثهما وهي تقول بحزم:

-"تحريات البوليس هي اللي هتوصلنا للشخص اللي زور توقيع رضا عشان يقدر ياخد الفلوس ... كل اللي مطلوب مننا دلوقتي هو الصبر مش أكتر".

تنهد بشرود عندما وصل إلى هذه المرحلة المؤلمة من ذكرياته ، فقد ألقت الشرطة القبض عليه قبل زفافه بيومين فقد قام طارق بتلفيق جميع الأدلة حتى يوقع بسيف ولم يترك ثغرة أو مهرب في خطته القذرة أمام سيف حتى يستغلها ويخرج من هذه القضية.

ما فعله طارق دمر حياته ومستقبله كمهندس للبرمجيات ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد توفت والدته وتطلقت منه خطيبته وتزوجت برجل أخر ثري وذو مكانة مرموقة وعندما منع شقيقته من زيارته اختفت ولم يعثر عليها بعد خروجه من السجن.

لم ينس ما فعلته ناريمان من أجله فقد استطاعت استخدام نفوذ زوجها دون أن يدري ووكلت لسيف نخبة من المحامين البارعين وبعد عدة جلسات في المحكمة تم تخفيف الحكم عنه وبسبب حسن سلوكه خرج قبل انتهاء فترة سجنه المحددة.

لم يكن يعلم في البداية بأمر لين فناريمان لم تخبره بأي شيء عنها وعن علاقتها بطارق ولم يقابلها قبل ذلك اليوم الذي خرج به من المنزل حتى يذهب إلى قبر والدته.

أوقف سيارة أجرة وجلس في المقعد الخلفي وهو ينظر بشرود من النافذة على الشوارع والمباني من حوله ... صحيح أنه لم تتغير الأوضاع كثيرا عما كانت عليه قبل سجنه ولكن شخصيته لم تعد كما كانت فقد تعلم الدرس وأدرك أن طيبته وتسامحه هما سبب المعاناة التي عاشها.

فاق من شروده على صوت اصطدام قوي فالتفت بسرعة ورأى أن سائق التاكسي اصطدم بسيارة أخرى .

هبط من التاكسي واقترب من السائق الذي بدأ يتشاجر مع مالكة السيارة الأخرى وسمعها وهي تصرخ بعصبية:

-"يعني مش بس غبي وكمان بجح؟! ماشي مش شايف قدامك وخبطت فيا وبدل ما تعتذر بتقولي تدفعي كام وأنا معملش محضر!! "

هتف السائق بغطرسة:

-"أنا مش هسكت على اللي أنتِ عملتيه ده ... التاكسي هيكلفني كتير عشان يتصلح".

أشاحت برأسها وهي تجيبه ببرود:

-"وماله ... عشان تبقى تفتح بعد كده وأنت سايق".

كادت تغادر ولكن أوقفتها يد السائق التي قبضت بقوة على معصمها ... نظرت إلى يده بغضب ونفضتها عنها بقوة وسددت له لكمة في وجهه وهي تهتف بعنف:

-"أنت إزاي تتجرأ وتلمسني بالشكل ده يا حيوان أنت ... أنا كنت هتنازل عن اللي عملته في عربيتي وأمشي بس بعد اللي عملته ده أنا هوديك في ستين داهية".

رفع السائق يده حتى يصفعها ولكن أوقفه سيف ولوى ذراعه خلف ظهره وهو يردف بغضب شديد فقد طفح كيله من هذا الجشع الذي يريد جني المال على حساب الأخرين:

-"أنا شايفك بنفسي وأنت بتخبط في عربيتها يعني أنت الغلطان مش هي خالص".

رفع رأسه لينظر لها ولكنه تفاجئ عندما رآها فملامح وجهها تبدو مألوفة بالنسبة له ولكنه نفض هذه الفكرة وتحدث بجدية وحزم:

-"شوفي يا أنسة أنتِ ناوية تعملي إيه ... هتروحي القسم تعملي محضر ولا هتقفلي الموضوع؟"

وقبل أن تجيبه هتف السائق باندفاع وغضب:

-"أنا مش هسيبها تمشي من غير ما تدفع تمن تصليح العربية".

انفجرت في وجه السائق بعصبية وقالت:

-"أنا غلطانة أني كنت همشي وأسيبك بس أنت شكلك بتحب تجيب لنفسك وجع الدماغ".

أضافت بإيجاز وهي تنظر إلى سيف:

-"أنا هعمل محضر".

ذهب برفقتها إلى القسم وحررت محضر ضد السائق ... شعر سيف بذهول شديد بعدما سمعها تجيب الضابط الذي سألها عن اسمها:

-"ليان مصطفى محمود حلمي".

هذه بالتأكيد مزحة من القدر فقد أعطاه فرصة الانتقام من عدوه عن طريق شقيقته الصغرى ... ابتسمت له لين وقالت:

-"أنا متشكرة جدا على وقفتك معايا دلوقتي وأسفة لو ضيعت وقتك".

بادلها ابتسامتها وهو يقول في نفسه:

-"أنا دلوقتي مبقاش ورايا دلوقتي حاجة أهم منك".

ثم مد يده وصافحها وهو يردف:

-"أنا سيف وأنتِ؟"

أجابت بهدوء وجدية:

-"لين".

الجزء التاسع 

عندما تأتي أمامك الفرصة للتثأر من عدوك فأنت بالطبع لن تتركها تضيع من يدك وهذا بالضبط ما فعله سيف فقد ظل يراقب لين لعدة أيام بعدما تأكد أنها شقيقة طارق بالفعل.

بدأ يلاحقها ويتقرب منها بطريقة غير مباشرة وكما توقع فقد قوبلت جميع محاولاته بالرفض في البداية ... ابتسم بسخرية وهو يتذكر ذلك اليوم عندما هددته بشقيقها وهذا ما جعله يعتقد بأن علاقتها بطارق جيدة وأنهما يهتمان لأمر بعضهما.

وقفت أمامها فجأة سيارة سوداء ...نظرت إليها جيداً ورأت أن راكبها ليس سوى هذا البغيض الذي يضايقها منذ فترة ... مطت شفتيها بضيق وحاولت الابتعاد من أمامه ولكنه لم يسمح لها بذلك فقد حاصرها بسيارته ثم خرج منها وهتف قائلاً بضيق:

-"وبعدين معاكِ هتفضلي تهربي مني كتير؟!"

زفرت "لين" بحنق قبل أن تردف:

-"ابعد عني أحسنلك أنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه".

ابتسم لها قائلاً وهو يرمقها بإعجاب:

-"لا أنا عارف كويس أنتِ مين ، واحدة بتلعب ملاكمة وعصبية ومعندهاش يا أمى ارحميني".

بادلته لين نظرته بأخرى غاضبة وقالت:

-"أنت عايز مني إيه بالظبط؟"

-"أنا معجب بيكِ وعايز أتعرف عليكِ".

قالها هكذا ببساطة شديدة وكأنه يلقي عليها السلام وهو لا يعلم بأن تلك الكلمة قد تؤثر بها ... نظرت له بازدراء وأردفت بنبرة ساخرة:

-"معجب بيا؟!"

سكتت قليلاً ثم استأنفت قائلة:

-"طب اسمع بقى يا بني أدم أنت ... أنا لو قولت لأخويا أنك بتضايقني صدقني مش هيسيبك غير لما يخليك تشوف النجوم في عز الضهر وأنت متعرفش أخويا كويس فنصيحة ليك ابعد عني أحسنلك".

أنهت كلامها ونظرت له بضيق قبل أن ترحل وهي تشعر بالغيظ والغضب لأنها اضطرت لاستخدام رابط الدم الذي يجمعها بطارق حتى تهدد به هذا المتطفل الذي كان سيسخر من حديثها إذا كان يعرف بأنها تكره شقيقها وهو أيضا يبغضها.

ابتسم "سيف" قائلاً لنفسه:

-"بتهددينى بأخوكي!! وماله مسيرك هتقعي في الأخر ... أنا دلوقتي فهمت طريقة تفكيرك وعرفت إزاي أوصلك وساعتها بس هدفع طارق اللى أنتِ بتخوفيني بيه ده تمن كل حاجة عملها فيا".

مر شهرين نجح سيف خلالهما في التقرب من لين وكسب ثقتها والحصول أيضا على قلبها.

خرجت لين من منزل صديقتها وأشارت إلى سيارة أجرة ولكنها تفاجأت بمن يقبض على ذراعها ... شعرت لوهلة أن عظام ذراعها ستتحطم من قوة قبضته فأردفت بنبرة قوية عكس الخوف الذي تشعر به داخلها :

-"أنت اتجننت؟! سيب إيدي بدل ما أكسرهالك".

حرر يدها من قبضته وجعلها تلتفت له وهو يقول بأسف:

-"اهدي يا لين ده أنا ... أسف مكانش قصدي أخوفك".

تنفست الصعداء وهي تنظر له بعتاب وقالت:

-"أنا فكرتك واحد جاي يخطفني".

ضحك بشدة على حديثها واصطحبها إلى أحد المطاعم وأردف قائلاً بجدية بعدما تناولا طعامهما:

-"في موضوع مهم عايز أفاتحك فيه".

عقدت حاجبيها بتعجب وهي تسأله:

-"موضوع إيه؟"

نظر في عينيها مباشرة وابتسم وهو يقول:

-"تتجوزيني؟"

صدمت من حديثه وهتفت بتلعثم فهي لا تصدق أن الرجل الذي اختاره قلبها يطلب يدها للزواج:

-"أنت بتتكلم بجد؟!"

أخذت تتنفس بعمق قبل أن تتابع:

-"أنا مش هقدر أرد عليك دلوقتي لأنك الحقيقة فاجأتني ... كل اللي محتاجاه هو مجرد فرصة هفكر فيها".

كان وجهها خاليا من أي تعبير سوى الجمود الذي كان يسيطر على ملامحها ... لم يستطع أن يستشف من معالم وجهها أي علامة تدل على موافقتها أو رفضها إلا عندما قالت:

-"هفكر في الموضوع وهرد عليك بكرة".

ابتسم بعدما غادرت وقد تأكد بأنها ستوافق وأن كل ما قالته بشأن التفكير في الأمر ليس سوى تدلل منها لا أكثر.

وكما توقع سيف فقد وافقت على الزواج منه وانتظرت سفر طارق للخارج حتى لا يفسد عليها الأمر وحددت موعد عقد القران ... علمت ناريمان بأنه هو العريس قبل الزفاف بيوم واحد فقط وحدثت مواجهة قوية بينهما ولكنها لم توقف الزفاف حتى لا تفسد سعادة لين.

لا يوجد شيء في هذه الحياة يبقى على حاله وهذا ما حدث مع لين فقد اكتشفت الحقيقة المؤلمة والصادمة بالنسبة لها بعد مرور شهر على زواجها عندما سمعت سيف وهو يتحدث على الهاتف مع مؤمن.

الغدر والخذلان والخيانة هذا ما شعرت به في تلك اللحظة ... أنهى سيف المكالمة واستدار ليدخل إلى المنزل ولكنه تصنم في مكانه وجحظت عيناه عندما رأى لين تقف خلفه وتنظر له بجمود ... نظرت له من أعلى لأسفل بازدراء وهتفت بتهكم:

-"طارق عمل معايا مواقف كتير أثبتلي أنه متخلف وعشان كده كنت بقول عليه أنه أغبى واحد شوفته في حياتي ، بس بعد اللي أن سمعته منك دلوقتي ده عرفت أنك أغبى منه بمراحل عارف ليه؟"

صمت سيف ولم يتفوه بكلمة واحدة بينما أكملت هي بسخط:

-"لأنك فكرت أن واحد واطي زي طارق هيكون ليه عزيز وهيهتم بحد".

ضحكت بسخرية وهي تحاول كبح دموعها وأضافت بحشرجة:

-"دايما أنا اللي بدفع التمن ... هو أخدني بذنب أبويا لأنه كان السبب في انتحار أمه ، وأنت أخدتني بذنبه لأنه دمر حياتك".

رفعت يدها أمام وجهه وصفقت بقوة وهي تسترسل بقهر:

-"بس حقيقي برافو عليك ... أنت تفوقت على طارق في نقطة مهمه أوي وهي أنك قدرت تخدعني وترسم الحب عليا وده الشيء الوحيد اللي هو مقدرش يعمله نهائي".

كاد يتحدث ولكنها قاطعته وهي تنظر له باحتقار وقرف وهتفت بعنف:

-"أنا مش هقولك غير حاجة واحدة وهي أنك مفيش فرق بينك وبين طارق أنتم الأتنين متختلفوش عن بعض".

تركته ودلفت إلى المنزل تحت نظرات الذهول المشوبة بالندم التي يرمقها بها ... لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل زاد شعوره بالذنب عندما علم ما فعله طارق بلين في طفولتها وكيف دمر حياتها ... مر شهر ولين لا تزال تقاطعه ولا تتحدث معه حتى أتى اليوم الذي عادت فيه إلى المنزل وهي شاحبة فشعر بالقلق عليها وعندما سألها ما بها لم ترد ودلفت إلى غرفتها ، وبعد ساعة دلف إلى حجرتها للاطمئنان عليها ووجدها نائمة وكاد يخرج ولكنها فوجئ بشريط الأدوية الموضوع بجانبها على الكومود ... عقد حاجباه في ريبة عندما التقط هذا الشريط وتبدلت ملامحه إلى الصدمة عندما قرأ النشرة المرفقة به ... يعلم بأنها تكرهه ولكن لم يتوقع أن يصل بها الأمر إلى القيام بعملية إجهاض للتخلص من طفله الذي لم يكن يعرف عنه شيئا.

خرج من غرفتها وهو يشعر بأن عالمه قد انهار وبأنه هو الوحيد الذي خسر في تلك اللعبة ... انتظر يومين حتى تحسنت حالتها وأخبرها بأنه علم بأمر إجهاضها ... رمقته باستخفاف قائلة بتهكم:

-"وأنت مالك ، ده شيء يخصني وأنا الوحيدة اللي ليا الحق في أني أقرر إذا كنت عايزة الطفل ولا لا".

وجوابها لم يزده سوى غضبا وغيظا فرفع يده وكاد يصفعها ولكنها أمسكت ذراعه ونفضتها بعيدا وأشارت له بسبباتها وهي تهتف بحزم:

-"إياك تفكر أنك تكررها تاني لأني ساعتها هكسرك ... أنت اتجرأت ولعبت معايا ودورك خلاص انتهى ودلوقتي الوقت بتاعي أنا اللي بدأ ... الورق اللي أنت مضيت عليه من أسبوعين عشان بيع الأرض اللي ورثتها من أمك أنا دسيتلك فيه شيك بتلاتين مليون جنيه يعني أنت دلوقتي رقبتك تحت سناني وممكن ببساطة أرجعك السجن اللي أنت ملحقتش تخرج منه".

رمقها بذهول وعدم استيعاب وهو يردد:

-"معقول أنتِ تعملي كده؟!"

ضحكت بقوة وهي تنظر له بتشفي وشماتة وجلست على الأريكة وهي تضع ساق فوق ساق ثم أردفت بغل وحقد:

-"وأعمل أكتر من كده ... أنت اللي بدأت ودخلت عش الدبابير برجليك يبقى لازم تستحمل ... دلوقتي أنت متقدرش تطلقني ولا تمد إيدك عليا لأنك لو عملت كده أنا هوديك في داهية".

تنهدت وساد الصمت المريب للحظات قبل أن تتابع بحسم:

-"السبب اللي هيخليني أفضل على ذمتك هو أنك هتحميني من طارق وتنتقملي منه زي ما أنت هتعمل معاه ... تقدر تقول ببساطة كده أني أنا اللي هستغلك بعد ما كنت أنت اللي بتلعب بيا".

يعترف بأنه أخطأ في حقها وما فعله أشعل لهيبا لن يخمد لفترة طويلة ... وهكذا أصبحت حياتهما معا يعيشان فقط مع بعضهما من أجل الثأر والانتقام من طارق فهي لم تنس أنه خدعها وهو لم ينس أنها قتلت روحا بريئة ليس لها ذنب فقط لتحرق قلبه.

استيقظ سيف من نومه على صوت مواء "سمسمة" الذي يزعجه دوما ... نظر حوله وأدرك أنه نام على الأريكة في الصالون وابتسم عندما رأى هذا الغطاء الموضوع على جسده وعلم على الفور بأن لين هي من وضعته في المساء حتى لا يصاب بالبرد.

خرج من الصالون ليتفاجأ بالفوضى العارمة التي تعج جميع أركان المنزل ... كز على أسنانه بغضب فهي تتفنن دائما في إثارة غضبه وتحويل حياته إلى جحيم ... بحث عنها ووجدها تجلس في غرفتها وتحتضن "سمسمة" وهي تطعمها ... زفر بحنق وهو يقول:

-"ممكن أفهم إيه المزبلة دي؟ البيت ولا كأنه زريبة!!"

هزت كتفها بعدم اكتراث وهي تهتف بلا مبالاة:

-"والله أنا مش مسؤولة غير عن أوضتي غير كده أنا مليش علاقة فلو أنت متضرر من عدم النضافة ممكن بكل بساطة تجيب أدوات التنضيف وتشتغل وتعمل حاجة مفيدة بدل قعدتك اللي ملهاش لازمة".

لاحظت احتقان وجهه ونظراته المتوعدة ولكنها لم تكترث وهي تتابع:

-"وبعدين أنا بخاف جدا من البكتريا والفيروسات عشان كده مش بنضف".

هتف بسخرية وهو يضع يده على جبينه فقد سأم منها ومن أفعالها التي ستدفعه حتما للجنون أو الانتحار:

-"وهي قطتك الجربانة دي مش بتجيبلك جراثيم؟!"

هتفت ببرود وعناد وهي تخرج ملابسها من الخزانة:

-"لا مش بتجيب لأني بحميها وبنضفها كل يوم".

خرج من غرفتها وهو يسب ويلعن اليوم الذي فكر فيه أن يخدعها ويتزوجها وتوجه إلى المطبخ وأحضر المكنسة والممسحة وشرع في التنظيف فهو لا يمكنه البقاء في مكان قذر لأكثر من دقيقة واحدة.

خرجت من غرفتها بعدما ارتدت ملابس الخروج وضحكت بخفوت عندما رآته ينظف المنزل وغادرت دون أن تنطق بكلمة واحدة ... ابتسمت بخبث عندما رأت دراجته النارية فتقدمت نحوها وأخرجت من جيبها المفتاح الذي انتشلته من جيب سترته واستقلت الدراجة وغادرت المنزل وهي تفكر في ردة فعل سيف عندما يعلم بأنها سرقت دراجته النارية ... وصلت إلى النادي وذهبت للبحث عن ناريمان وجهاد وعلا فقد اتفقت معهن سابقا على اللقاء والجلوس برفقتهن.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

أزال قطرات العرق العالقة بجبينه وهو يشعر بالغضب فهو ولأول مرة يختبر شعور أن يبتزه أحد ويهدده وهذا الشخص ليس سوى زوجته التي تتعمد استفزازه دائما وكأنها تريد أن ينتهي به المطاف في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية ... تمتم بغضب وهو يلتقط قشور الموز الملقاة على الأرض:

-"حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا لين ... حتى قشر الموز مش عارفة ترميه في السلة!!"

تحرك لينظف مكان أخر ولكنه تعثر في قشرة موزة لم يكن انتبه لها وسقط بقوة على ظهره ... وضع يده على كتفه يتحسس موضع الألم وهو يردد بغيظ:

-"كله منك يا لين حتى وأنتِ مش موجودة بتنتقمي مني لما بجيب في سيرتك".

نظر بغيظ إلى "سمسمة" التي ترمقه بنظرات فسرها بأنها شماتة وتشفي لأنه دعى على صاحبتها منذ قليل وهتف وهو يشير بسبابته في وجهها:

-"غوري من وشي يا زفتة أنتِ أنا مش طايق نفسي دلوقتي".

لم تتحرك سمسمة من مكانها وظلت تنظر له ليتنهد بحسرة وهو يقول بأسف:

-"أنا شكلي كده اتعديت من لين وهكلم قطط على أخر الزمن!!"

ابتسم وهو يتذكر موقف مشابه حدث معه قبل عدة سنوات.

كانت تقى تجلس في الشرفة وتبكي وهي تلتهم أصابع الموز بشراهة وتلقي بقشوره هنا وهناك غير عابئة بالفوضى التي سببتها حولها ... جلس سيف بجوارها وهو يهتف بأسف:

-"خلاص بقى يا تقى متزعليش ، صدقيني والله مكانش قصدي أتعصب عليكِ".

تحدثت بصوت متحشرج وهي تكفكف دموعها:

-"أنا مخنوقة أوي دلوقتي ونفسي مسدودة عن كل حاجة في الدنيا".

اتسعت عيناه بدهشة وهو يردد بذهول:

-"نفسك مسدودة!! أمال لو كانت مفتوحة كنتِ هتعملي إيه؟! ده أنتِ أكلتي لوحدك دلوقتي كيلو موز بحاله".

نظر إلى الموزة التي تحملها في يدها وقال:

-"ده أنتِ ولا كأنك قردة!!"

ألقت تقى الموزة في وجهه بينما هتفت جهاد بغيظ:

-"أنت هتعد عليها الأكل اللي بتاكله؟! مش كفاية زعقتلها وشخط فيها من غير سبب!!"

نظر لهما باستنكار وهتف وهو على وشك المغادرة:

-"مش بعد ولا حاجة ، أنا بس بنبهها عشان متجيش تقول بعد كده أنا عايزه أخس ، معلش أصل أنا تخنت و..."

لم يكمل كلمته لأنه تعثر في قشور الموز وسقط بقوة على الأرض لتنفجر كلاً من جهاد وتقى في الضحك.

تنهد بمرارة فذكرياته القديمة لا تزال تطارده وكأنها أقسمت هي الأخرى على تعذيبه.

▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪

دلفت لين إلى النادي وبحثت عن ناريمان حتى وجدتها فاقتربت منها وجلست بجوارها وهي تنظر إلى الأجواء حولها بتعجب فهناك الكثير من العمال يتحركون هنا وهناك وكأن هناك حدثا مهما سيقام بعد وقت قصير ... هتفت بتساؤل وهي تنظر إلى جهاد التي حضرت لتوها وجلست بجوارها:

-"هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟"

أجابتها جهاد وهي تبتسم:

-"شريف ومروان وأصحابهم هيتسابقوا بالخيول كمان نص ساعة في حلبة السباق".

عقدت حاجبيها وسألتها باهتمام ولم تكن نبرتها خالية من الضيق:

-"ويا ترى طارق هيسابق هو كمان؟"

لاحظت ناريمان نبرة لين الحادة في الحديث فهتفت بهدوء وحذر:

-"أنا شوفته هنا من شوية بس مش عارفة والله هيسابق معاهم ولا لا".

-"تمام".

قالتها لين باقتضاب قبل أن تغادر وتتوجه إلى الاسطبل حتى تطمئن على الحصان الخاص بها "برق" ولكنها صدمت عندما رأت طارق أمامها وهو يداعب أحد الأحصنة الأخرى.

توجهت نحو "برق" ولم تهتم لوجوده ولكنه كعادته لم يفوت فرصة لاستفزازها ومضايقتها وهتف بسخط:

-"أنتِ لسه بتهتمي بالخيول لحد دلوقتي؟!"

أجابته ببرود وحدة:

-"وأنت مالك ... خليك في حالك وملكش دعوة بيا".

رن هاتفها فأخرجته من حقيبتها وعندما رأت أن سيف هو المتصل أعادت الهاتف مرة أخرى إلى الحقيبة دون أن تجيب ... أظلمت عيناه ورمقها بكره وحقد دفين لم يستطع إخفائه وهو يتابعها قبل أن يقول:

-"كل ما بشوفك وأنتِ بهتمي ببرق وسمسمة بفتكر أمك لما كانت بتهتم بيا".

انقبضت عضلات وجهها وظهر الحزن جليا على وجهها عندما تذكرت والدتها وما فعله طارق بها ... امتلئت عينيها بالدموع ولاحظ طارق هذا الأمر ولكنه لم يكترث وتابع بقسوة:

-"ست غبية أوي ... كانت مفكرة أنها لما تعمل معايا كل الخير ده أني هنسى أمي اللي انتحرت بسببها ... مكانتش تعرف أني مستني الفرصة المناسبة عشان أنتقم منها وأخلص عليها".

ربت طارق على ذقن الحصان الذي أمامه قبل أن يهم بالمغادرة ولكنه توقف ونظر لها مطولا قبل أن ينطق بسخرية من حالتها التي تبدلت مائة وثمانون درجة عندما ذكرها بوالدتها:

-"مضطر أستأذن بقى يا لين عشان أنا ورايا سباق عايز ألحقه ويدوب أجهز نفسي".

خرج طارق من الاسطبل وتركها تذرف دموع الألم والحسرة فهي لم تستطع حتى الآن استرداد حقها من شقيقها الوغد ... كورت يدها بغلٍ وهي تنظر إلى جواد طارق واقتربت منه وهي تتمتم بحقد:

-"جه الوقت اللي أجيب حق أمي منك يا طارق".

فتحت حقيبتها وأخرجت قطعة كبيرة من الشوكولاتة وأطعمتها للحصان وهي تتحدث بقسوة:

-"وأخيرا هدفعك تمن كل حاجة عملتها فيا وفي أمي وكمان في ناريمان ... أنت عمرك ما رحمت حد وأنا كمان مش هرحمك".

غادرت الاسطبل وعادت إلى الطاولة حيث تجلس ناريمان برفقة جهاد وأيضا علا التي انضمت إليهم وانتظرت موعد بدأ السباق بفارغ الصبر فهي سترى أمامها اليوم طارق وهو يتألم ويعاني ... توجه الجميع إلى الحلبة لمشاهدة هذه السباق والذي يربحه شريف دوما وأحيانا يتغلب عليه مروان ... تابعت لين خروج كل متسابق برفقة جواده وانتظرت خروج طارق ولكنه لم يخرج.

عقدت حاجبيها باستغراب فمن المفترض أن يكون طارق في الحلبة الآن برفقة حصانه ولكن تبدلت ملامحها إلى الذهول والصدمة عندما رأت طارق يجلس بجوارها وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويشير بيده إلى معتز وكأنه يقول "حظا موفقا".

حركت رأسها عدة مرات ووضعت يدها على جبينها في محاولة لفهم ما يدور حولها والتفتت له وهي تسأله:

-"هو أنت مش هتسابق ولا إيه؟"

هز رأسه نافيا وهو يجيب بهدوء:

-"لا مش هسابق".

ثم هتف بتهكم:

-"أمال أنتِ بتسألي ليه؟ أصل مش من عوايدك تهتمي بيا".

ابتلعت لين ريقها بصعوبة وهي تهتف بتوتر:

-"أصل أنت كنت واقف في الاسطبل قدام حصان وقولتلي أنك عايز تلحق السباق".

ضحك بشدة على حديثها قبل أن يقول:

-"أنا قصدي ألحق أشوف السباق من أوله وبالنسبة للحصان فهو بتاع شريف وأنا كنت بشوفه عشان عجبني وحابب أجيب واحد من نفس السلالة".

جحظت عيناها بصدمة وهتفت بهلع:

-"أنت بتقول إيه؟! الحصان بتاع شريف!!"

وقبل أن يستوعب عقلها كل ما جرى سمعت صراخ جهاد باسم شريف.


الجزء العاشر 


باقي حلقات الرواية موجوده بشكل حصري لمدونة يوتوبيا
يجب عليك كتابة تعليق على هذا المقال ثم تحديث الصفحة لتظهر لك باقي الحلقات.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

لو عايز أي رواية pdf .. أو لو عايزنا نعرفك لما الرواية إللي بتتابعها ينزل منها حلقة جديدة، انضم لقناتنا على التيجرام: من هنا 
ما هو الفصل الذي تود قراءته؟