القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية غير قابل للحب كاملة بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب كاملة بقلم منال سالم


رواية غير قابل للحب كاملة بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب الفصل الأول بقلم منال سالم


منحت المضيفة ابتسامة لطيفة، مع إيماءة ممتنة من رأسي، بعد أن أرشدتني إلى مقعدي بالطائرة. جلست بجوار النافذة، لأمتع عيناي برؤية السحاب، وما يقبع أسفله من مبانٍ تتضاءل في حجمها رويدًا رويدًا، إلى أن تلاشت كليًا. التفت برأسي نحو والدتي التي همَّت تسألني:
-هل أنتِ بخير؟
أجبت باقتضابٍ دون أن أخفي انزعاجي:
-نعم..

داعبت "صوفيا" بشرتي بحنوٍ، وقالت بهدوءٍ محاولة تبديد مخاوفي:
-استرخي قطعة السكر، لا شيء خطير.
زممت شفتاي، واعترضت متسائلة بشكلٍ مباشر:
-لماذا نحن مضطرين للذهاب؟
تنهدت قبل أن تجيب:
-أصر خالك على حضورنا "ريانا"، وأنا لم أستطع الرفض.
واصلت احتجاجي قائلة:
-إنه حفل لا يخصنا بأي حالٍ، ولسنا على صلة بأحدٍ هناك.


شتت نظراتها عن وجهي، وقالت بقليلٍ من الجدية:
-لا يهم، هو أراد رؤيتنا.
قلت ببساطة:
-يمكنه المجيء في أي وقت لرؤيتنا، لا داعي لذهابنا نحن إليه.
عادت لتحدق بي قائلة:
-"ريانا"! أنتِ لا تدركين حجم المسئولية الملاقاة على عاتق خالك لكونه الرئيس، لن يكون متفرغًا لنا وسط كل تلك الصراعات.



أدركت أن الجدال معها لن يجدي، ولن تعدل عن رأسها فنحن بالفعل بالطائرة، وعلى وشك الوصول، وحتمًا ستتجه بمجرد هبوطنا إلى الفندق المحجوز مسبقًا لنا للاستعداد لحفل الزفاف، وأنا مرغمة على الذهاب بصحبتها، لذا تنهدت قائلة باستسلامٍ، وقد تهدل كتفاي:
-حسنًا.


حاولت أن ألتهي بعقلي –ولو بشكلٍ مؤقت- عن أي شيء يذكرني بعودتي إلى مدينة الموت؛ "شيكاغو". لا أصدق أني في طريقي إليها بعد مضي ما يقرب من أربعة عشر عام على ذاك الحادث المؤسف؛ اغتيال "أندرو". والحق يُقال لم تتزوج والدتي بعدها، فحينئذ قام خالي "رومير" بإعادتنا سرًا إلى مدينة "ميلانو"، لنظل هناك في معزلٍ عما يحدث من صراعات مميتة.

ما زالت تأتيني تلك الرجفة كلما انغمست في أحلامي العميقة حين أغفو، أعود لطفولتي البعيدة رغمًا عني، أشعر بمذاق الدم في فمي، وبرائحة الموت في أنفي. كنت على وشك الاختطاف لولا أن تدارك أحد رجال "أندرو" الأمر، وسدد سلاحه الناري في وجه الخاطف الذي تناثرت بقايا مخه المنفجر على جسدي بعد أن طُرحت أرضًا وهو يجثو فوق جسدي الضئيل، كان كمن حط صخرة لتهشم عظامي الواهنة، أبعده "رومير" عني وهو يلعنه راكلاً جثته بقدمه:
-احترق في الجحيم "ماركوس"
انقطعت أنفاسي من هول الموقف، وشعرت بضمته الحنون تحتويني في أحضانه، ثم أعادني إلى أمي.


في تلك الفترة البائسة، انتابتني حالة من الهلع الجنوني؛ وكأن مسًا من الشيطان طالني. لم أتوقف عن الصراخ لأيام متواصلة، كان المخدر فقط ما يبقيني هادئة، لأعود بعد أن ينتهي مفعوله في دمائي للصياح بشكلٍ هيستري. بالطبع تحاشت شقيقتي الصغرى الاقتراب مني، وكان الخوف ظاهرًا في نظراتها نحوي، وارتعبت والدتي من تدهور حالتي للأسوأ، ليكون القرار الصادر من قائد المنظمة الجديد بإقصائنا لنعود لموطننا بـ "إيطاليا"، وكانت النجدة الإلهية حقًا، فبعد وقت لا بأس به من العلاج المتواصل استعدت عافيتي، وأصبحت حياتنا نوعًا ما عادية؛ وإن كانت متحفظة.

بضعة ساعات وهبطت الطائرة في المطار، لنجد فور انتهائنا من إجراءات الوصول سيارة فارهة في انتظارنا، والسائق يقف مستندًا على الأبواب الجانبية، حاملاً لافتة بأسمائنا، تحسبًا إن لم ننتبه له. ألقيت نظرة مدققة عليه، لم يكن سائقًا بالمعنى الحرفي، وإنما أحد أفراد منظمة "فاليريو" في زي رسمي. استطعت أن ألمح سلاحه الناري خلف سترته معلقًا في جرابه، بلعت ريقي في حلقي الجاف، واستشعرت مجددًا مذاق الدماء الكريه في فمي، تباطأت حركتي، فشعرت والدتي بارتباكي، وتأبطت ذراعي لتحثني على السير وهي تهمهم بخفوت:
-كل شيء سيكون على ما يرام، لا تقلقي.

تعبيرات وجهي كانت جامدة، ونظراتي منزعجة، احتفظت بصمتي، ومضينا في طريقنا للفندق بعد أن جلس كلانا بالمقعد الخلفي. راقبت بشرودٍ قلق واجهات المباني المختلفة، والحدائق المكتظة بالبشر، وسرحت مع لافتات محال الماركات الشهيرة حتى وصلنا عند وجهتنا. قاومت قدر المستطاع ما يعتريني من ذكريات خائنة متسللة إلى عقلي من أعماق ذاكرتي، خطوت نحو الداخل وأنا شبه متحفزة..

كانت كلماتي محدودة مقتضبة مع والدتي التي بدت سعيدة بتلك الرحلة الاستثنائية. وبعد برهةٍ في غرفتنا الفخمة، كانت أمي قد ارتدت ثوبًا أرجوانيًا، مفتوح الصدر، بفتحة مثلثة تجد مثيلتها في الظهر أيضًا، غطت قدرًا منها بترك شعرها البني ينسدل عليها، ولفت حول عنقها شالاً مصنوعًا من الحرير من نفس اللون أظهر لمعان بشرتها البيضاء. كنت أمتلك نفس البشرة، بالإضافة إلى زوجٍ من الأعين الزرقاء، وشعرًا أشقر اللون.

على عكس والدتي لم أتزين مثلها، كنت كمن تتجه لمقابلة عملٍ، وليس إلى عرسٍ كبير، حيث ارتديت بلوزة من اللون القرمزي، ذات ياقة تحجب ما قبل عنقي بالكامل بأنشوطة عريضة، ومن أسفلها تنورة كريمية اللون، تكاد تصل إلى ركبتي مع فتحة شق صغيرة بالخلف. عقصت شعري كعكة، فتذمرت والدتي قائلة:
-بحق الله! هذا حفل للزفاف "ريانا".

علقت بعدم مبالاة أظن أنها استفزتها:
-وماذا في الأمر؟ أنا سعيدة هكذا.
توسلت إليّ قليلاً:
-من فضلك، لا تتسببي في إحزاني، أين لمسة الأنوثة بكِ؟
حاورتها بنوع من الجدية كتعبير عن اعتراضي:
-لست هنا لاصطياد عريس سيدة "صوفيا".

قالت ببساطة:
-ومن قال هذا؟ أريدك أن تكوني جميلة.
لم أرغب في إحباطها أكثر من ذلك، لذا اضطررت أن أترك بعد الخصلات تنساب على جانبي صدغي، وألطخ شفتاي بمزيدٍ من الحمرة المغرية، علها تمنحني تلك اللمسة السحرية.

تلقيت اتصالاً هاتفيًا قبيل توقف السيارة عند مدخل القصر المُقام بداخله حفل الزفاف، تجولت بنظرات عابرة على الحراسة المشددة التي حاوطت المكان في وضح النهار، وكأن الحرب ستندلع هنا. ترجلت والدتي أولاً، واستدارت نحوي تسألني:
-"ريانا"! ألن تأتِ معي؟
أجبتها بهدوءٍ:
-سأتبعك بعد لحظة، فقط سأنهي مكالمتي مع رئيسي في العمل.

صاحت "صوفيا" عاليًا، كأنها تتعمد أن يصل صوتها إلى مسامعه:
-أخبريه أنكِ في أجازة، وإلا سيضطر "رومير" للتعامل معه.
تورد وجهي حرجًا من ذلك الموقف، وهمست وأنا أضع يدي على طرف الهاتف:
-حسنًا، لقد سمعك الرئيس.

كنت أتمنى أن التحق بالجامعة، ولكن لأسباب عائلية شبه صارمة اكتفيت بالمرحلة الثانوية، ومع ذلك لم أتوقف عن تلقي الدورات التدريبية في مجال إدارة الأعمال، وسمح لي خالي بتولي متابعة جزءًا من أعماله بـ "ميلانو" كنوعٍ من قتل الفراغ الطويل المصاحب لحياتي، لكني اتخذتها وسيلة لإثبات تفوقي. أنهيت المكالمة بعد دقيقتين، واشرأبيتُ بعنقي وأنا أترجل من السيارة لأنظر إلى والدتي التي اصطفت خلف بعض الرجال والسيدات من ذوي الثياب الغالية، وعلى ما يبدو هناك أحدهم يراجع أسماء المدعوين قبل السماح لهم بالدخول. بدا ذلك مبالغًا فيه، لكنه منطقي، فقادة المنظمات وأعوانهم مجتمعين في الحفل.

تهاديت في خطواتي وأنا أتخذ مكاني خلف إحداهن، تابعت ما يحدث من إجراءات بفتورٍ إلى أن جاء دوري، سألني الرجل الضخم ذي البشرة السمراء، والذي يسد المدخل بجسده المليء بالعضلات المنتفخة:
-ما اسمك سيدتي؟
أجبت بزفيرٍ متعب:
-"ريانا أندرو".

ألقى نظرة متأنية على القائمة التي بحوزته، وعاد ليحدق بي قائلاً:
-اسمك ليس مسجلاً عندي.
انعقد حاجباي في دهشة عجيبة، وهتفت مستنكرة بتهذيب:
-كيف هذا؟ تأكد من فضلك
أخفض نظراته مجددًا، وتابعت بعينين حائرتين الرجل الآخر المشابه له في الحجم، والذي تحفز في وقفته وهو ينظر نحوي، وكأنه يستعد لطردي باعتباري متطفلة دخيلة، لكني تفاجأت به يرحب بوقار شديد بأحدهم:
-تفضل سيد "فيجو"، الجميع في انتظارك بالداخل.

لم أكلف نفسي عناء النظر لمن جاء بعدي، ولمحت بطرف عيني طيفًا لبدلة سوداء وظلاً طويلاً حجب أشعة الشمس عن جانب وجهي. رأيت الرجلين يتنحيان للجانب من أجل السماح لذلك الضيف الهام بالمرور، وبقيت مهملة في مكاني حتى أنهوا طقسهم الترحيبي الحار. اعتذر الرجل مني قائلاً:
-سيدتي، على ما يبدو أنتِ لست مدعوة..

وكأني أرغب بالحضور حقًا؟ لاح على زاوية فمي ابتسامة استهجان، تذكرت أني مؤخرًا ما عدتُ أستخدم لقب زوج أمي –تكريمًا لذكراه- في المناسبات الرسمية بعد اعتراض خالي على ذلك. كان الرجل الآخر على وشك طردي بوقاحةٍ، حينها استقمت في وقفتي، وانفجرت صائحة فيه بنفاذ صبر، وبنبرة حادة:
-السيدة "صوفيا فاليريو" والدتي، تحقق من اسمها، وأنا "ريانا توماسو فاليريو"، وإن لم تصدق يمكنك استدعاء خالي لتتأكد..

تبدلت الأحوال كليًا، واعتذر مني بشدة:
-أسف آنستي.. لم أنتبه لذلك، من فضلك تقبلي اعتذاراتي الحارة وآ...
قاطعته بعبوسٍ ملوحة بيدي في وجهه:
-لا يهم.

بدأت بالسير مجددًا، وأنا لا أعرف أين أتجه تحديدًا، نظراتي كانت تائهة، مرتبكة قليلاً، لما لم تنتظرني والدتي لنذهب سويًا؟ كنت على الأقل تلافيت الإحراج الذي تعرضت له من قبل هؤلاء الرجال. تشتت ذهني، مع نظراتي للحظة قبل أن أتوقف حين سألني أحدهم بصوتٍ بدا عميقًا؛ لكنه أرسل شرارة من الرعب انتشرت تلقائيًا في أوصالي:
-أنتِ إذًا هنا؟

استجمعت جأشي، وارتديت قناع البرود على وجهه، وبكل عنجهية استدرت للخلف لأجد أحدهم مستندًا على الجدار، يثني ركبته قليلاً، رفعت عيناي ببطءٍ لألقي نظرة شاملة عليه، كان في بدلته السوداء، يدس يديه في جيبي بنطاله، لا شيء سوى اللون الأسود طاغيًا على كل ثيابه، حتى رابطة عنقه. وصلت إلى وجهه، لديه ذقن نابتة، وبشرة مصبوغة باللون البرونزي، أما عيناه فكانتا تختبئان خلف نظارة تحمل نفس اللون الداكن.

لم يكلف نفسه عناء رفعها لأرى ملامحه بوضوح، بدت حوله هالة غريبة من القوة والعظمة، هكذا استشعرت دون أن أكون بحاجة للتخمين. انتصب بكتفيه، فازداد عرضًا، وتطلع إليّ مليًا من خلف نظارته القاتمة. تعصبت قليلاً من نظراته المستترة، وسألته بوجهٍ عابس:
-ومن أنت؟

اعتدل في وقفتي فبدا أكثر طولاً مني، حسنًا كنت بالكاد مع حذائي العالي أصل لكتفيه، فماذا إن انتزعته؟ سأبدو قصيرة للغاية؛ وإن لم أكن في الواقع كذلك، لكن إن قارنت طولي به فإنه يفوقني بمسافة. تقدم نحوي بخطواتٍ ثابتة، مغترة، استطعت أن أشعر خلالها بغطرسته، خاصة مع تلك تلك الابتسامة المليئة بالزهو والمتشكلة على ثغره. مد يده لمصافحتي معرفًا بنفسه:
-أنا "فيجو سانتوس"..

لكني تجاهلته، لما أكترث بمن أجهل هويته؟ وقُلت بسخافةٍ، وقد عقدت ساعداي أمام صدري:
-لا يعنيني من أنت!
ثم أضفت أهاجمه باستحقارٍ متعمد للتقليل من شأنه:
-أم أنها طريقتك غير الناضجة لمعاكسة الفتيات؟

سحب يده للخلف وقد انزعج من قلة تهذيبي معه، تتبعته بعينين نافرتين وهو ينتزع نظارته عنه ليظهر كامل وجهه بتقاسيمه الصارمة. أرسل لي من عينيه نظرة غاضبة قبل أن ينطق بغموضٍ أصابني بالتوتر:
-مخطئة، حتمًا سنتقابل.
نفيت على الفور بنبرة شبه هازئة:
-لن يحدث إلا في أحلامك المحرمة!

ندمت على زلة لساني المتهورة، وبلعت ريقي بصعوبة، خاصة مع نظراته الغريبة المسلطة عليّ، وكأن الأمر يروقه، ابتسم قليلاً، ودنا مني فتراجعت على الفور للخلف في ردة فعل تلقائية لاتجنبه. لم يبعد "فيجو" عينيه الجائعتين لشيء ما عني، وقال بابتسامة ذات دلالة خاصة، تنم عن ثقة كاملة:
-ستأتين إليّ قريبًا.

كنت على وشك لعنه؛ لكنه ألجم لساني بوضع إصبعه على شفتي، تصلبت من لمسته المباغتة، لأكن صادقة مع نفسي، لم يتجرأ أي غريب على تجاوز حدوده معي؛ ربما لخوفهم المفهوم من سطوة خالي وشراسته إن شكيته وعلم بالأمر، أو لعدم رغبتي في السماح لأحدهم بالتودد لي بنوعٍ من المبالغة. تشتت أما نظراته القوية التي نفذت بداخلي؛ وكأنها تعري شخصي المتوتر. لم يبتسم، وأضاف:
-استمتعي، أنتِ في ضيافتي.

لكزت بعنفٍ ذراعه لأبعده عن تلمس فمي رغمًا عني، وإحساسي بالغضب مستعر في كل ذرة تنبض بالحياة في جسدي. استمر في تحديق الغريب بي، تجاوزني ليمضي في طريقه وأنا أتبعه برأسي، تفاجأت بذلك التجمع الذكوري الذي ينتظره من خلفي، على ما يبدو لم أنتبه لوجودهم منذ البداية. تجمدت عيناي على أحدهم تحديدًا، كان يرمقي بنظرة خالية من الحياة، حرك ذراعه بإشارة ما من أصابعه نحوي؛ وكأنه يشهر سلاحه الناري ويسدده ناحيتي قاصدًا قتلي، وإن لم يحمل حقًا واحدًا في يده، لكن رؤيته يفعل ذلك أرعبتني!

قفز قلبي خوفًا، وسريعًا ما سيطرت على رجفتي، وحدجته بنظرة نارية مهددة؛ ومع ذلك بادلني ابتسامة مستفزة مترقبة. لم يتحرك إلا بعد ابتعاد المدعو "فيجو"، أو أيًّا كان اسمه، عنه ليتبعه بشموخٍ. أشحت بوجهي عن هذا التكتل اللعين، ودمدمت من بين أسناني المضغوطة بحقدٍ:
-الحقير! من يظن نفسه...؟!

رواية غير قابل للحب الفصل الثاني بقلم منال سالم


تنفستُ بعمقٍ لأثبط من تلك الدماء المستثارة التي غزت عروقي، لا أعرف السبب الذي دفعني للشعور بالرهبة رغم حنقي، ولكن طريقة هؤلاء الغرباء بثت في نفسي الرعب؛ وإن كنت أحاول التماسك. أليس من المفترض أن يكون هذا عرسًا؟ لماذا إذًا أجد أنا –تحديدًا- تلك النوعية من المضايقات السخيفة؟ حولت الأمر تلقائيًا لشعور منزعج على أن يكون إحساسًا بالخوف، حاولت نفض ما يعتريني حاليًا من ضيقٍ وخوف قبل أن أتابع سيري للداخل. لن أنكر أني احتجت لبعض الوقت لأصل لوجهتي دون مساعدة، بالطبع فأنا لا أملك كتيب إرشادات لأعرف الطريق للمكان المقام به الحفل داخل ذلك القصر الكبير.

تتبعت صوت الصخب المرتفع للوصول إلى منطقة الحدائق، وهناك تم إعادة تنسيقهم بتصميم راقٍ محولاً بقعة كبيرة لما يشبه تقسيم الكنيسة بالداخل، من حيث طريقة صف مقاعد الضيوف، والممر الفاصل بينهم لتتمكن العروس من السير عليه، حتى تصل في النهاية للمذبح المصنوع من الأقمشة، ليقوم القس بتلاوة عهود الزواج على العروسين .. أما البقعة الأخرى فاحتوت على طاولات مزينة بالشراشف البيضاء، التصقت ببعضها البعض كحرف U ، لتتيح الفرصة لجميع الحضور من رؤية بعضهم البعض دون عناء، فيما عدا بضعة طاولات احتلت الواجهة، والتي تم تخصيصها للعروسين وعائلتيهما وكبار القادة والزعماء.


اشرأبيتُ بعنقي حين وصلت لمنطقة المقاعد، متجولة بنظرات حائرة على الرؤوس الظاهرة من أعلاها، حاولت البحث عن والدتي بين الحضور، لم أحدد مكانها بعد، ولا أعلم في أي صفٍ استقرت، لكن الأكيد أنها ستكون بالمقدمة، لكونها شقيقة زعيم المنظمة الحالي. رجفة موترة تفشت في جسدي بقوةٍ، ولا أظنُ أني كنت قادرة على إخفائها، عندما سمعت هسيسًا ذكوريًا في أذني يقول:
-مرحبًا بقاتلة "ماركوس".


التفتُ على الفور لجانبي لأجد ذلك الحقير -والذي استفزني قبل دقائق بإشارته المهددة لي- يكاد يلتصق بي. انتفضت مبتعدة عنه، وابتسامته المخيفة ما زالت مرسومة على فمه؛ وكأنه حقًا يقصد ترهيبي. تراجعت بحذرٍ للخلف، دون أن أبعد نظراتي المرتاعة عنه، ظل يبتسم لي بخبث شيطاني. لم أسترح لنظراته الجريئة الدائرة على مفاتني المخفية، متفحصًا بوقاحة فظة مدى جودتها خلف القماش الحريري.

شهقة خافتة انفلتت من بين شفتي، حين ارتطمت بصدر قوي استوقفني فجــأة، استدرت كالملسوعة -وفي ربكة متوترة- للجانب الآخر، لأجد المدعو "فيجو" يرمقني بنظرة خاوية من أي مشاعر. جف حلقي تمامًا، أنا الآن محاصرة بين اثنين مرعبين، شعرت بمدى تعاظم الخوف بداخلي، وتضاءل أي إحساس بالغضب قد استبد بي قبل قليل أمام قساوة النظرات المسلطة على شخصي. تركزت عيناي على "فيجو" حين استطرد بهدوءٍ قاتل يحذر الحقير الآخر:
-"لوكاس"! لا تُخيف ضيفتنا.


رد عليه الأخير ببرود أصابني بالقشعريرة:
-أنا أتسلى فقط مع قاتلة أبي..
أدرت رأسي في اتجاهه، والحيرة تسيطر على عقلي المشوش، عن أي قاتل يتحدث؟ أنا لم أقدم مطلقًا على الإساءة لأحدهم؟ إذًا لماذا يتهمني بقتل أبيه؟ اتسعت حدقتاي في خوفٍ أكبر وقد تابع باقي حديثه الموجه لي، بكلمات ذات دلالات موحية:
-لم أفعل ما يسيء .. بعد.
أنذره "فيجو" مجددًا بلهجته الصارمة:
-لا تدعني أكرر كلامي مرتين!
تأهب في وقفته ليهتف محتجًا بنوعٍ من التحدي، وقد قست نظراته:
-وماذا ستفعل "فيجو"؟ هيا، أرني!


من نظراتي السريعة الموزعة على كليهما، تبينت مدى التشابه بين الاثنين؛ في ملامح الوجه، في لون العينين الداكن، في بشرتهما البرونزية، في اشتراكهما في الطول الفاره، وأيضًا في الجسد الرياضي المتخم بالعضلات الغليظة، ناهيك عن الوحشية التي تنطلق من تعابير وجهيهما، الفارق الملاحظ بينهما في استطالة المدعو "لوكاس" لشعره، إذًا من الأكيد وجود صلة قرابة تجمعهما!

احتدم الجدال بينهما، وأنا محاصرة كالفأر المذعور في المنتصف. حسنًا لا مجال لإظهار الضعف في عالمٍ يعج بالقتلة ومعتادي الإجرام، لذا حاولت استجماع شجاعة هاربة لأرد، وأنا أشير بسبابتي في وجهي كليهما:
-إن لم تكُفا عن إزعاجي فسأشكوكما لخالي، وحتمًا لن يعجبكما رده.

أطلق "لوكاس" ضحكة عالية هازئة بي؛ وكأن تهديدي السخيف لم يهز شعرة في رأسه. بدا مستمتعًا بالأمر، ومتحفزًا بشكلٍ أجفل بدني. ازداد خوفي، وشعرت ببرودة قارصة تسري في عروقي، عندما نطق بصوت قادم من أعماق الجحيم، وهو يتقدم نحوي، ليقلص المسافات بيننا:
-ليأتي، وسأحرص على نحر عنقه قبل أن يدرك كيف تم ذلك.


برزت عيناي في فزعٍ حقيقي، وما عزز هذا الشعور المميت بداخلي بقوة مجيء خالي في تلك اللحظة، وهو يهتف مرحبًا بي، بودٍ يناقض ما يسود الآن:
-أنتِ هنا قطعة السكر؟
غلف دوار موتر رأسي، ظننت أني سأفقد الوعي من تخيلي لقتله في التو، على يد ذلك الحقير تنفيذًا لتهديده الجريء. ما منع حدوث ذلك احتضان "رومير" لي، بالكاد استطعت التنفس بانتظامٍ، مع ما اختبره الآن من تهديدات علنية بسفك الدماء. لف ذراع خالي خصري، ودعم ذلك ثبات قدماي على الأرض التي اهتزت من أسفلي، شعرت بتقلصاتٍ عنيفة تصيب معدتي وهو يسألني مباشرة:
-أرى أنكِ تقابلت مع قطبي عائلة "سانتوس"..

هربت الدماء من وجهي، وأُجزم أن بشرتي قد باتت شاحبة في أعين المحدقين بي، لم أجد ما أنطق به، على الأغلب فرت الكلمات من طرف لساني، يا ليتني أهرب مثلها! تابع "رومير" حديثه متسائلاً في اهتمام:
-كيف الحال يا شباب؟
غمزة متسلية بالكاد رأيتها من "لوكاس" وهو يرد:
-كنا نتحدث عنك سيد "رومير".


تجمدت عيناي تلقائيًا على وجهه القاتل، ورأيت تلك الابتسامة المستفزة تغزو تعابيره، أبعدت نظراتي المرتاعة لأركزها على وجه خالي الذي تساءل في فضولٍ:
-حقًا؟ عن أي شيء؟
لم أرغب في سماع الحقائق الصادمة أو حتى الأكاذيب المنافقة، اعتذرت لأتحجج بصوتٍ متذبذب:
-معذرة خالي، أين تجلس أمي؟

أشــار بيده نحو الجانب الأيمن من الحديقة وهو يجيبني:
-إنها بالأمام بجوار آ....
قاطعته بتلعثمٍ، وأنا انسحب من ذراعه المطوق لي، لأفر من الحصار المُطبق على أنفاسي، وبالكاد يبقيني واعية:
-شكرًا، سأجدها بنفسي.
جاهدت لأبدو هادئة خلال سيري، على الأقل لأخفي ما أشعر به من مشاعر خائفة؛ لكني أشك في هذا، كانت خطواتي أقرب للركض بمجرد ابتعادي مسافة مترين عن ثلاثتهم، وبالطبع سيلاحظون فراري البائس المليء بمشاعر الجُبن، كفرار الحمل الوديع من بين براثن الذئاب المتعطشة للدماء.

خبا شعوري بالخوف تدريجيًا خلال طقوس الزفاف، ركزت كامل انتباهي على العروسين، وعلى القس الذي بدأ في تلاوة عهود الزواج، محاولة بجهدٍ كبير تشتيت تفكيري عن كلمات "لوكاس" التي ما زالت ترن في أذني. نظرات خاطفة حاولت البحث بها عن كليهما، ولم ألمحهما بين الحضور، تنفست الصعداء، وبدأ الارتياح يسري في عروقي. عُدت للتحديق بالعروس، وحين أمعنت النظر بتفاصيلها الجميلة، لاحظت كم هي شاحبة! ربما متوترة إن دق التعبير، ابتسامتها لبقة منمقة للغاية؛ وكأنها مضطرة على ذلك. عرفتُ من والدتي أنها بلغت الثامنة عشر قبل بضعة أسابيع، وذكرني عمرها الصغير بشقيقتي "آن"، بالإضافة أيضًا أنها لم تكن الزوجة الأولى له.

انزعجت من فكرة إجبار فتاة -في مقتبل العمر- مشاعرها لم تنضج بعد، على الارتباط للأبد بشخصٍ لا تعرفه. البديهي والمعروف للجميع حدوث مثل تلك الزيجات من أجل مصالح عائلية عليا، ولا يهم إن كان يتم الزج بالفتيات في الجحيم، فالعائلة فوق الرغبات الشخصية. ماذا إن كان سيئًا في تعامله معها؟ ماذا عن طباعه الشخصية؟ تلقائيًا حدقت في وجه العريس، ورأيت الفارق العمري واضحًا، كان يكبرها بحوالي عشرين عامًا على الأقل، وقد يزيد. تجهمت تعبيرات وجهي في نفورٍ صريح، لذا أجبرت نفسي على عدم النظر إليه لنمو مشاعر الحنق بداخلي. توقفت عن استغراقي في تفكيري المهموم لالتفت نحو والدتي عندما تنهدت هاتفة بنبرة ناعمة:
-أوه! كم هي رائعة!

سألتها ببلاهة:
-من تقصدين أمي؟
أدارت رأسها في اتجاهي، ورمقتني بنظرة معاتبة، قبل أن تجيب:
-"ريانا"! يبدو عقلك شاردًا، انظري للعروس الخجول!

بالكاد التفت وزوجها يختطف قبلة إجبارية مطولة من على شفتيها، وسط تهليلات الحضور لاستمرار قبلته العميقة، الوقح! يتعمد إظهار سيطرته عليها علنًا لإخضاعها. ما لاحظته حقًا أن العروس بدت مستاءة من جراءته العلنية، عن كونها مبتهجة. أشاحت بعيني بعيدًا عن المشهد الرومانسي المبتذل، وأنا أشعر بالغثيان يضرب معدتي مرة أخرى. تنبهت مجددًا لصوت الهمهمات العالية المصحوب بنهوض المدعوين من على مقاعدهم، تطلعت إلى "صوفيا" فرأيتها تنهض وهي تعيد ترتيب وشاحها حول عنقها، حثتني على التحرك قائلة:
-هيا قطعة السكر، سيبدأ الحفل الآن.

بتثاقل وكدر رفعت جسدي عن المقعد لأسير بجوارها، رأيت نظرات الترحيب في أعين كل من مر بجوارنا، على ما يبدو كان الأغلب ودودين معنا، أو ربما ذلك نوع من التقدير اللبق احترامًا لمكانتنا، فهي شقيقة زعيم المنظمة، وأنا ابنتها الكبرى. انتقلنا للجانب الآخر من الحديقة؛ حيث تتواجد طاولات الطعام، كنت على وشك نسيان ما مررت به اليوم، لولا رؤيتي للحقير "لوكاس" والمخيف "فيجو" يحتلان الطاولة الموضوعة في الصدارة، إن دق الوصف طاولة العروسين. تبدلت ملامحي المرتخية للوجوم المتوتر مجددًا، انفلتت من بين شفتي سبّة خافتة:
-اللعنة! إنهما هنا!

كدت أترك مخاوفي تظهر على السطح، وتحتل قسماتي؛ لكن رؤية خالي يتجول بخيلاءٍ وثقة في الوسط أعادت إلي إحساسي المسلوب بالأمان. تنفست الصعداء، وهبط صوت دقات قلبي العنيفة. لم ينظرا نحوي مطلقًا، كانا مشغولان بالحديث مع بعض الأفراد، لذا الاحتمال الأكبر أنهما لم يلمحاني، وأردت الإبقاء على ذلك طوال المدة المتبقية للحفل. أشـارت لي والدتي لأتبعها، ولم أحاول النظر في اتجاههما، وبسخافة ساذجة رفعت حقيبة يدي الضئيلة، والصقتها بجانب وجهي خلال مروري بالقرب منهما، على أمل أن أكون غير مرئية لهما.

سرت بخطوات شبه متعجلة للطرف الأقصى من الطاولات، شعرتُ بمزيدٍ من الارتياح يتخللني وأنا أجلس في منأى عنهما. وعلى عكس معظم الفتيات اللاتي احتللن الصدارة، ليظهرن جمالهن المغري للشباب المفعم بالذكورة والقوة، انزويت في هذا المقعد المميز، والذي حجب الأنظار المتلصصة عني؛ كنت أريد الاختباء بالفعل، وكم تمنيت حدوث ذلك!

كان من سمات ذلك القصر العظيم، إطلالته الفريدة على واحدٍ من أشهر الخلجان بالمدينة، استقرت عيناي على منظر الخليج الرائع، وددت لو استطعت خلع حذائي، والتسلل خلسة من هنا لأدس قدماي في الرمال الدافئة. انتشلتني والدتي من سرحاني الممتع وهي تسألني:
-"ريانا"! هل تصغين إليّ؟
رمشت بعيني متسائلة بوجه يكسوه علامات الجدية:
-ما الأمر والدتي؟

رأيتها وهي تنهض من مقعدها لتقول:
-سأذهب للحمام لأضبط زينتي، ألن تأتين معي؟
علقت نافية وأنا أهز رأسي:
-لا.. أنا بخير.
ابتسمت قائلة بلطفٍ، وابتسامتها المشرقة تنير وجهها اللامع:
-حسنًا، لن أتأخر.
قلت بابتسامة عادية:
-خذي كل ما تحتاجين من وقت "صوفيا".

عدت لأحدق بزرقة الخليج البراقة بنظراتٍ أكثر عمقًا؛ وكأن التحديق به يفصلني عمن حولي، انتبهت لأحد الندلاء يفرغ في الكأس الفارغ قبالتي نوعًا غاليًا من الشمبانيا، أشرت له بيدي ليكف عن ملء الكأس، واعتذرت منه بلباقةٍ:
-شكرًا.. لا أريد المزيد
ولكنه أصر عليّ:
-إنها هدية من السيد، وأدار رأسه في اتجاه أحدهم، تتبعت نظراته لأجد "فيجو" محدقًا بي بنظارته القاتمة من طاولته البعيدة عني، أصبتُ بالذهول، لقد حدد مكاني رغم صعوبة إيجادي وسط ذلك الزحام. لن أنكر أني شعرت بنفس الرجفة المرعبة تغزو جسدي بقوة، أخبرت نفسي بضرورة إخفاء أي أمارة تدل على خوفي، وباستبسالٍ يناقض الرعب المسيطر علي، أمسكت بالكأس ورفعته عاليًا بعد أن صرفت النادل، ثم سكبت ما فيه خلفي، وتلك الابتسامة المتعجرفة تحتل شفتي، ربما محاولة طفولية مني، لكنها تستحق التجربة.

أعدتُ الكأس إلى مكانه، ولكن موضوعًا على حافته، ثم أرحت ظهري للخلف، وأنا أتطلع إليه بغرورٍ سعيد، رأيته يومئ برأسه لي، بدا متقبلاً لردة فعلي الخرقاء مما أفسد عليّ متعتي. أشحتُ بوجهي نحو الخليج مجددًا زافرة الهواء المكبوت في صدري دفعة واحدة.

دقائق، وعاد الصخب ينتشر في المكان بسبب قيام العروسين بافتتاح ساحة الرقص برقصتهما الأولى، بدت الموسيقى جيدة، ومع ذلك لم أبدو متحمسة لمتابعة حركاتهما الإيقاعية، فالزوجان غير متناسقين بالمرة؛ العروس شاردة، وتوترها واضح للعيان، والعريس متحكم بطريقة خانقة للأنفس. بالطبع أجبرت عيناي على عدم ملاحقة "فيجو"، لأتركه يحترق كمدًا لتجاهلي إياه، لكن من حين لآخر أبت حاسة البصر الانصياع لأوامر عقلي، واختلست النظرات نحو مكانه.

زفير ارتياح خرج من جوفي حين اختفى عن المشهد، شعرت بالحرية أخيرًا، وحاولت الاندماج في الحفل الممل .. دنا "رومير" من طاولتي، وبصحبته أحد الأشخاص، لكن الأخير استوقفه أحدهم ليرحب به في اهتمامٍ مبالغ به. ابتسم خالي بحماسٍ زائد عندما سألني، وهو يدور برأسه على الحضور:
-أين "صوفيا"؟

-أجبته بشكلٍ آلي:
-في الحمام، ستعود الآن.
تنحى للجانب ليتابع معرفًا بضيفه:
-أقدم لك سيد "مكسيم" ابنة أختي.

نظرة سريعة ألقيتها على الضيف، بدا في الخمسين من عمره، يدخن سيجارًا كوبيًا، استله من بين شفتيه وهو يستقر بنظراته على وجهي، وكبادرة تهذيب مني اضطررتُ أن أنهض لمصافحته، ثم قلت بابتسامة رقيقة:
-مرحبا.
بادلني المصافحة بحرارة قبل أن يقول في إعجابٍ:
-جميلة كأمها.

قال "رومير" في زهوٍ:
-أنت تعلم جينات الجمال موروثة لدينا.
شاركه ضيفه الرأي مرددًا في استحسانٍ:
-بالطبع.
استدار كلاهما نحو والدتي حين أقبلت تقول برقةٍ ونعومة:
-أهلاً..
أدار خالي ظهره لي ليعيد تقديم ضيفه لها:
-"صوفيا" قابلي السيد "مكسيم"... إنه زعيم عائلة "سانتوس"!

عندما نطق بتلك الكلمات الأخيرة هبط قلبي في قدمي فزعًا، تشتت نظراتي، وتشوش تفكيري من الصدمة، لما لم يتفقه ذهني لحضوره المهيب منذ البداية؟ فأغلب المتواجدين هرعوا لتحيته بإجلالٍ مبالغ فيه، ولمحته تقريبًا خلال جلوسه على طاولة القادة، ولذا من البديهي أن يكون تواجده هنا للمشاركة في حفل العروس، حيث يعد ذلك الارتباط بمثابة هدنة مؤقتة بين العائلات المتناحرة.

تحفزت في وقفتي، ورغم كوني بتُ متجاهلة من قبل ثلاثتهم بعض الشيء إلا أنهم بدوا على وفاق غريب، يناقض المشاعر العدائية القاتلة التي يكنها باقي أفراد العائلة نحو خالي. عبست تعبيراتي عندما رأيت "مكسيم" يدعو والدتي للرقص معه، والأخيرة لم تدخر وسعها، وهتفت بترحابٍ رقيق:
-يسعدني ذلك سيد "مكسيم".

رد بنوعٍ من التحدي وهو يتغزل بها بنظراته الخبيرة:
-لنرى مهاراتك أيتها الأميرة.
ضحكت والدتي ملء شدقيها وبصفاءٍ ردت على كلماته اللطيفة:
-حاول أن تجاريني.
وتركته يقودها لساحة الرقص، بينما جلست في تذمرٍ عابس وقد تهدل كتفاي بســأم. لم أحبذ أبدًا رؤية والدتي بين أحضان أحد هؤلاء القتلة، آهٍ لو تعلم ما يضمره القلب! فقط لو اتسعت نظرتها المحدودة وتخلت عن البريق الزائف المحاوط بها لرأت نواياهم الحقيقية.

ظننتُ أن كل شيء سيسير على ما يرام، طوال الوقت المتبقي من الحفل، خاصة مع انشغال الأغلبية بالرقص واللهو، مددت يدي لأعبث بهاتفي المحمول، وتبادلت مع رفيقتي "مارتا" بعض الرسائل الطريفة، لأقتل بها الضجر الذي بدأ يصيبني. رعشة باردة مصحوبة بشرارت حسية ضربت جسدي في مقتل، تخشبت في مكاني، وتجمدت أناملي على شاشة الهاتف حينما سمعت صوته العميق يستأذنني:
-هل تسمحي لي؟

ببطءٍ رفعت رأسي نحوه، كان يحجب ضوء النهار بجسده الشامخ، لاحظت أنه نزع سترته ليظهر قميصه الملتصق بعضلات صدره، بينما انسدل ذراعاه القويان على جانبيه، إلى أن اختفت قبضتاه في جيبي بنطاله. رفرفت بعيني في ذهولٍ قلق، لم يبتسم لي، اكتفى بالتحديق الملي في تفاصيل وجهي بعينيه الداكنتين، وأنا حملقت فيه بنظرات ضيقة، حثني فضولي على النظر إليه دون خوفٍ، لن يجرؤ على المساس بي أو حتى تهديدي أمام ذلك الحشد الغفير. أفقت من شرودي في تحديد أي درجة تمتاز بها حدقتي هذا القاتل على صوته الآمر:
-هيا!

على الفور أخفضت رأسي لأجد يده ممدودة نحوي، أحرجته عن عمدٍ بالرفض ببرود سمج:
-لستُ مهتمة
توهمت أن الحرب ستندلع لوقاحتي الصريحة؛ لكنه تقبل رفضي بلباقةٍ، وقال مستقيمًا في وقفته بصوتٍ أجش، زادني توتر:
-ستأتين إليّ طوعًا...
صمت لبرهة ليتابع بعدها بصوت عميق أجفلني أكثر:
-قطعة السكر!

حدقت فيه بنظرة حادة شبه غاضبة، وقبل أن أعنفه على مناداتي بذلك اللقب المدلل، كان قد ابتعد، تجمدت نظراتي على ظهره، لم يتحرك كثيرًا، تعمد الوقوف في مرمى بصري ليضاعف من استفزازي، تحرك بؤبؤاي مع صاحبة الثوب الأصفر، هي إحدى وصيفات العروس، رأيتها تقترب منه، رمت نفسها في أحضانه بغنجٍ مفتعل، ومالت على أذنه لتهمس له بشيء، وعلى ما يبدو تدعوه لمشاركتها الرقصة التالية، وبعنجهية مفرطة قبل دعوتها، وسحبها بسيطرة كاملة نحو ساحة الرقص، ليراقصها ببراعة.

لبرهةٍ بقيت عيناي مرتكزة عليه، لا أعرف إن كان من غيظي أم لخوفي من تحقيق ما ألقاه على مسامعي. التفت نحو والدتي حين عادت من رقصتها الأخيرة هاتفة لي بأنفاس شبه لاهثة:
-"ريانا"! تبدين شاحبة! ما الأمر؟
نهضت واقفة من مقعدي، وتعللت كاذبة:
-يبدو أن الحر لا يفيدني، سأذهب للحمام.

أشـارت لي بيدها لتدلني على الطريق، فلا أضل وجهتي. حافظت على ثبات بسمة منمقة مرسومة على شفتي، وأنا أخطو مبتعدة عن الساحة، وقبل أن أتركها بالفعل وجدت "سانتوس" يعترض سيري، سألني الأخير بتهذيب:
-جميلة الحفل، أرغب في اصطحابك للرقص؟

وجدت نفسي في مأزق آخر، وكنت على وشك الاعتذار منه بتهذيب، لكنه خالي كان الأسبق في الانضمام لنا ليعلن موافقتي نيابةً عني، لم أرغب في إحراجه، سيعتبر ذلك قلة ذوق مني، وربما يُساؤء فهمي. رفعت يدي في استسلام لأضعها في كفه الذي احتضن أناملي، وقادني لحيث يرقص الثنائيات، لف ذراعه الآخر حول خصري، وضغط برفقٍ على ظهري، أكاد أشعر بحمرة طفيفة تتسلل إلى بشرتي الشاحبة، كنت جيدة في الرقص، لا أدعس الأقدام كما تفعل الفتيات، ولكن مع الأصدقاء.

تمايلت بحذرٍ، وأنا أمنح السيد "سانتوس" ابتسامة رقيقة، وظلت نظراتي شبه متوترة، بالرغم من لباقته الغريبة معي، فمن يظن أن ذلك السيد المحترم زعيمًا لأحد أكبر المنظمات الإجرامية؟

لسوء حظي، لم انتبه لكون تلك الرقصة التي انضممت إليها يتبدل فيها الأزواج بعد كل مقطع، ارتخت ذراعاه عني، ووجدت آخرًا يتلقفني على الفور؛ وكأنه متربصٌ بي. ارتفع حاجباي للأعلى في ارتعابٍ حقيقي، وأظن أن علامات الخوف تزينت بها ملامح وجهي، حينما وجدت رفيقي المؤقت هو .. "لوكاس"...!

رواية غير قابل للحب الفصل الثالث بقلم منال سالم

اشتدت ذراعه على خصري، كان يضغط على ظهري بقسوة، محاولاً إلصاقي بجسده عنوة، وكنت نافرة منه حد الاشمئزاز، شعرت بالقشعريرة تنتشر في بدني، درتُ بنظراتي باحثة عمن ينجدني، الكل مشغول بمراقصة رفقائهم؛ ناهيك عن الموسيقى الصاخبة التي لن تسعفني؛ الحقيقة المريرة لن أجد من يساعدني، استحوذ كليًا عليّ، وبقدر استطاعتي جاهدت لأبعده عن ملامستي؛ لكن الحقير "لوكاس" تعمد مداعبة ظهري بأصابعه الغليظة، ليضمن سيطرته على انتباهي، تجمدت عيناي على وجهه القاسي حين نطق يهددني بنبرته التي تجفل بدني، وتلك النظرة المميتة تتراقص في عينيه:
-لن تنجي بفعلتك يا قاتلة أبي.

استجمعت جأشي لأظهر بمظهر القوة أمامه، واحتججت على ذلك اللقب الشنيع قائلة له:
-أنا لا أعرف من هو والد، لما لا تحل عن رأسي؟
كركر ضاحكًا باستمتاعٍ أرعبني وهو يدمدم بنبرة واثقة للغاية:
-لن يحدث!


تلك اللحظة التي توقفت فيها الموسيقى، حيث يتبدل الثنائيات، كانت فرصتي المثالية للنجاة من أحضانه المقيتة، دفعته في صدره بقبضتي، بقوةٍ لا أعرف من أين جاءت، لأتحرر منه، واستدرت بجسدي قاصدة الهروب من محيطه؛ لكن تلقفني صدرًا آخرًا، صلبًا للغاية، قوته من النوع الذي يثير الرهبة في أشد الرجال خشونة، حاوطني في غمضة عين، وأصبحت أسيرة ذراعيه، وكلتا يداي ترتكزان على جانبي كتفيه، رفعت رأسي لأتطلع إلى وجهه، وكان أكثر من أخشــاه في الوقت الحالي؛ "فيجو".


شعرت بجفافٍ موتر يصيب حلقي، برزت عيناي في قلقٍ، أكاد أشعر بحركتهما العصبية، لف الدوار رأسي قليلاً، من الحركات المفاجئة المتعاقبة علي، شعرت برائحته المميزة تجتاح أنفي، بتُ استنشق الهواء الملوث بعطره،؛ وإن كان باهظ الثمن، لكنه محمل بسمات الرعب، والرهبة. لم يبتسم لي، وقال بصوته الرخيم، وهو يجبرني على التمايل مع النغمات الراقصة:
-قُلت لكِ، ستأتين إليّ طوعًا.

نظرت له بعينين تستجمعان الغضب بسبب كلماته الاستفزازية تلك، ونفيت ما اعتبرته اتهامًا بما يشبه المهاجمة:
-لم يحدث، أنت من تتربص بي!
بالطبع أنا لم أقصد الذهاب إليه، كان هو من ظهر من العدم واعترض طريقي، ولحظي العثر سقطت في أحضانه، نظر لي بغرابة اقشعر لها بدني، على ما يبدو كلاهما يتسليان بإرهابي، وكنت ضائعة في مخاوفي، وبدلاً من استجدائي لعطفه، وجدت نفسي أنفجر فيه صارخة بنفاذ صبرٍ، وقد تقلصت عضلات وجهي:
-ماذا بك أنت وذلك الحقير؟ أتحاولان إخافتي؟


حدق في مليًا بنظراتٍ لم أفهمها، ولكني واصلت القول معترفة بصدقٍ:
-حسنًا لقد نجحتما في هذا!
لم يبعد عينيه عني، وهو يعقب ببرود مما جعل قشعريرة أخرى مقلقة للغاية تمر عبر جسدي:
-أنا لن أفعل بكِ أي سوء.. حاليًا.

لم أكن متأكدة من استمرار صمودي أمام ما أواجهه من ضغوطات مرهقة، شحذ كل ما أملكه من قوة، ودفعته هو الآخر بقساوة من صدره، لأشير بعدها بسبابتي نحوه، وأنا ألعنه:
-لتحترق في الجحيم، كلاكما!


كنت أوجه لعناتي له وللحقير الآخر، بتشنجٍ، وانفعال، وانعكس تبعات ذلك على لون بشرتي الذي تخضب بحمرة مشتعلة. توقفت الموسيقى عن اللعب مجددًا، وبقيت محدقة في وجه "فيجو" مترقبة ردة فعله؛ لكن لم يرف له جفن، بقي في مكانه، يتطلع إليّ بنظراته القاتمة، جفلت، وشعرت بانقباضة موترة تعصف بصدري، أبعدت عيناي عنه، لأحرك بعدها رأسي في يأسٍ، وأنا أردد لنفسي بحنقٍ، محملة والدتي اللوم كله:

-يا ليتني لم أحضر إلى هنا.. الخطأ منذ البداية لـ"صوفيا"، كان يجب أن أصر على رفضي، على الأقل كنت تخلصت من كل ذلك الرعب.
لم أنظر للخلف مرة أخرى، واخترقت باندفاعٍ متعصب التكتلات البشرية لأهرب من نظراته التي حتمًا لم تفارقني.

رفرفت بجفناي بحركة عصبية، لأنفض العبرات التي تسللت إلى عيناي، وأنا أسير عبر الممر المعبد بالحجارة، كنت سريعة البكاء حين تتأزم بي المواقف، ولم أحبذ أبدًا أن يظهر ضعفي أمام الغرباء، تسللت بعيدًا عن الحشد المنغمس في الحفل باحثة عن متنفس منعزل عمن حولي، توقفت في منتصف الممر، وقد ظهرت الحيرة جلية على محياي، لم أرغب في المجازفة بالتجول في ذلك المكان الذي أجهله، لذا غمغمت بغيظٍ:
-اللعنة عليهما!


تلفت حولي كالضائعة؛ لا أرغب حتى في سؤال أحدهم، لحسن حظي تجمدت نظراتي على شيء بعينه، بدا الخيار المتاح –والآمن- التوجه للخليج؛ كان على مسافة قريبة مني، لهذا تحركت صوبه بخطواتٍ أقرب للركض، حتى بدا صوت فرقعة حذائي كالطلقات. وما إن أصبحت أمامه حتى أغمضت عيناي، واستنشقت بعمقٍ الهواء المنشع الذي اقتحم صدري بقوة ليبدد ما يحرق داخلي، تركت للنسمات المنعشة كامل الحرية للفح وجنتاي، والعبث بخصلاتي الفوضوية. فتحت عيناي، ونظرت مجددًا للمنظر الخلاب الذي احتل المشعد أمامي، والحق يُقال تناسيت مع زرقة المياه ما اجتاحني من غضبٍ وخوف.

ودون إعادة تفكيرٍ، انحنيت للأمام، ثم انتزعت حذائي عن قدماي، اعتدلت في وقفتي، وأمسكت بفردتي حذائي بيدي اليمنى، وتأهبت حواسي كليًا لأقوم بهذا التصرف الصيبياني، بلعت ريقي وأنا أخطو بنزقٍ على السطح الرملي، شعرت بتلك الخفقة المرحة تداعب قلبي حين تجرأت لفعل ذلك، خطوة أخرى أحرزتها، وتركت للرمال الدافئة الفرصة للتخلل بين أصابعي، نطقت بتنهيدة متمهلة مليئة بالاشتياق:
-أوه! رائع!

حركت أصابع قدماي لأتأكد من غمرها أكثر بالرمال، وتغمدني شعورًا عظيمًا بالراحة والصفاء، ازداد إحساسي بالاسترخاء كلما تقدمت بضعة خطوات نحو الشاطئ، انغرزت قدماي أكثر بين الكثبان الرملية البيضاء، وتضاعف حماسي ليطغى بقوة على خوفي، كما أنعش ما أقوم به من حركات طفولية -خلال ركلي للرمال- ذاكرتي، ولاحت ومضات خاطفة في مخيلتي نشطت عقلي بما كنت أفعله فيما مضى على الشاطئ، ينقصني فقط أن أحضر الدلو والجاروف لأبدأ مهمة بناء القلعة، ضحكت لعفويتي وبراءة ذكرياتي مرددة لنفسي:
-يا إلهي! ليتني أعود لتلك الأيام الجميلة!


أدرتُ نظراتي بتمهلٍ متأملة تفاصيل المكان الجذابة، كان يحظى بخصوصية واضحة، ليس من المسموح لأحد بالتجول فيه، استدرت برأسي للجانب الآخر، ورأيتُ ممرًا خشبيًا على يســاري، استقرت نظراتي عليه، كان مخصصًا للسير، يعلوه حواجز جانبية تتيح للسائر التوقف، والاستناد على حوافها، حتى تصل به لمسافة لا بأس بها بداخل مياه الخليج، دون الحاجة للسباحة، أو استقلال أي وسائل النقل المائية للتواجد في مياهه المشوقة.

فكرت في الاتجاه إليه، كان مثاليًا لعزلتي، حتمًا لا أريد السير على الشاطئ، فيلمحني أحدهم؛ خاصة أحد أفراد عائلة "سانتوس"، أردت البقاء بعيدة عن أي تطفلٍ غير مرغوب منهم، وبالتالي تعززت تلك الفكرة اللطيفة بداخلي، وقلت مشجعة نفسي:
-ولما لا؟ يبدو المكان ساحرًا من الأعلى.

واصلت السير في اتجاه الممر، وأنا أحرر خصلات شعري من عقدتها، رغبت في الشعور بالحرية؛ وإن كان يعني ذلك التخلي عن هيئتي المهندمة.
دقائق، وكنت أخطو برشاقة على الألواح الخشبية، سمعت صريرها؛ وكأنها تعبر عن فرحتها بقدومي، نظرة شمولية ألقيتها على اللون الأزرق المحبب إلى نفسي، ثم تخليت عن جديتي، وجلست في منتصف الممر، عند الحافة، حذائي إلى جواري، وساقاي تتدلى للأسفل، بالكاد لامست أصابع قدماي صفحة المياه المتلألأة بأشعة الشمس الدافئة، حين تحركها برقةٍ حذرة نسمات الهواء المُلطفة، حملقت بشرود، وابتسامة حمقاء تعلو ثغري، كنت أحاول الاستمتاع بسحر الطبيعة بعيدًا عن أي مظاهر مزعجة.

استغرقت في تأملي معتقدة أني بمفردي، في جنتي الخاصة، إلى أن زكم أنفي رائحة عطرٍ قوية، تنم عن شخصية مهيبة، لا يُستهان بها، اختلطت بالهواء، وعبقته برائحته الذكورية الموترة. تصلبت في مكاني، وانقبضت أناملي على حافة اللوح الخشبي الجالسة عليه، وقد بادر بسؤالي؛ دون أن أكون بحاجة لتخمين هويته:
-جميل، أليس كذلك؟
كان سؤال "فيجو" تقليديًا، مباشرًا، إجابته متوقعة؛ لكن بالنسبة لي بدا مقلقًا، لم ألتفت نحوه، رغم يقيني بأنه يقف خلفي، وعلقت بفظاظة، عله ينصرف:
-وما شأنك؟

تعجبت من صمته على ردي، ولم أكترث بتبعات ما تفوهت به، ربما سيحاسبني على وقاحتي، أو يستل خنجره من غمده وينحر عنقي، أو يضع طلقة نارية في رأسي الأهوج، الحقيقة أني وضعت العديد من المقترحات الدموية؛ لكنه أفشل سيناريوهاتي العنيفة، وظل بلا حراك للحظات بدت بطيئة للغاية. تابعت بنظراتٍ حذرة حركة ظله المنعكس على المياه، وأيقنت أنه غير مساره ليبدو أكثر قربًا مني..

اتجه إلى الجانب الأيمن، واستند بظهره على حافة السور الخشبي، وركز كامل نظراته عليّ، توقعت قيامه بذلك دون أن أجرؤ على رفع رأسي نحوه للتأكد، آثرت التحديق في المياه، واحتفظت بسكوتي إلى أن فاض بي الكيل، سيظل متواجدًا ما لم أصرفه، لذا أنهيت عزوفي عن الحديث معه متسائلة بحدةٍ:
-ألن تحل عني؟
أتاني جوابه واضحًا، وقاطعًا، بنفس صوته الجاف:
-لا.

استخدمت قبضتاي لأنهض من مكاني، مد ذراعه بلباقةٍ لمساعدتي، ضاقت نظراتي في حنق، ورفضت الاتكاء عليه، تجاهله عن عمدٍ، واعتدلت في وقفتي. هنا لاحظت فارق الطول الكبير بيننا، بدون حذائي، بالكاد تصل قمة رأسي إلى كتفه. تجاوزت عن شرودي السريع، ورمقته بنظرة حادة، نارية، ركزت فيها كرهي على وجهه المختبئ خلف نظارته القاتمة، ثم صرخت به:
-ماذا تريد مني؟ هيا! أخبرني.

رفع أنفه للأعلى في إباءٍ مغتر، وكتف ساعديه أمام صدره، ليجيبني بعدها بكلمة واحدة، جعلت رجفة عجيبة أخرى، محملة بالوخزات الموترة، تتفشى في أوصالي:
-أنتِ!
باغتني رده، فاتسعت حدقتاي في صدمة، انقبضت عروقي، ورددت مستنكرة بشدة؛ وكأني أهاجمه:
-نعم؟ أنا؟ هل جننت؟
لاحت على شفتيه ابتسامة مستخفة وهو يرد بغموضٍ، ضاعف من غيظي:
-ليس بعد.

نظرت له شزرًا، وتابعت هجومي الهازئ به:
-يبدو أن الخمر لعب برأسك..
ثم أشرت له بيدي، وكأني أصرف أحد الخدم، حين أكملت:
-رجاءً، اذهب أيها السكير، قبل أن أخرج عن تهذيبي، وصدقني لن تسمع ما يرضيك.
لاحظت تبدل تعابيره للوجوم، يبدو أن كلامي اللاذع استفزه، استقام في وقفته، وأكاد أشعر أن طوله قد تضاعف، خطا قبالتي قائلاً بلهجة بددت مظاهر الشجاعة الواهية التي استحوذتني قبل قليل:
-لن أذهب.. قطعة السكر!

تراجعت بتلقائيةٍ للخلف، وأنا أنهره:
-لا تناديني بهذا اللقب، لا يحق لك يا هذا.
قصدت التقليل من شأنه بأسلوبي الحاد في حوارنا، ومع هذا وجدته يرد بغموض زاد من رهبتي:
-لي كل الحق فيكِ، وأنتِ هنا بسبب زعيم عائلتك.
على الفور نطقت متسائلة، وما زالت الصدمات تتوالى على رأسي:
-أتقصد خالي "رومير"؟

بهزة بالكاد تراها من رأسه أجابني:
-نعم..
سألته في نفور محتج:
-كيف هذا؟
دس يديه في جيبه، وقال بعنجهية وترتني:
-يبدو أن خالك لم يتحدث معكِ بعد.

تابعت بحركة لا إرادية من عيناي انخفاض ذراعيه، واختفاء قبضتيه بداخل سرواله الداكن، عدتُ لأرفع نظراتي للأعلى، فلاحظت حامل الأسلحة الذي يرتديه على صدره؛ كان يحوي سلاحين ناريين على كل جانب، وهناك جرابًا مخصصًا للخنجر بالقرب من حزام بنطاله الجلدي، كيف لم أنتبه لهذا؟ ربما لكونه قد نزع سترته، فظهر ما يخفيه ورائها من شر مهلك، تداركت نفسي، وسألته بنفس الدرجة من الحدة في صوتي:
-ولماذا أسأله؟ أنت موجود هنا، فأخبرني.

حرك رأسه للجانبين بشكلٍ روتيني، وأجاب على مهلٍ ضاغطًا على الكلمة الأخيرة:
-حسنًا، أنتِ متورطة في مقتل عمي، وآ....
قاطعه نافية تكرار ذلك الاتهام الدموي عني:
-لا تقل هذا، أنا لم أقتل أحد! ولا أعرف عمك هذا، فكيف لي صلة بقتله؟
تابع "فيجو" موضحًا حين رأى عصبيتي الأقرب للجنون:
-حدث ذلك قبل سنوات.

هتفت صائحة بصوتٍ تعمدت أن يبدو غليظًا رغم اهتزازه، وأنا أحذره بسبابتي:
-لم أقتله يا هذا...
صحح لي مقاطعًا حديثي قبل أن استأنفه بابتسامة متعجرفة:
-"فيجو"، أنا أدعى "فيجو"، لا تنسي اسمي، يا قطعة السكر!

اغتظت من تكرار ترديده للقبي المفضل بهذا الأسلوب الساخر؛ وكأن له كامل الحق في تداوله على لسانه، لذا استحقرته بصوتي الغاضب:
-أيًا كان اسمك، لا يهمني! أنا لم أحضر إلى "شيكاغو" مطلقًا، حتى في العطلات لا أتي إلى هنا أبدًا، أقيم في "ميلانو".. وخالي من يأتي لزيارتنا، هل هذا واضح بالنسبة لك؟

أتى من خلفي صوتًا غليظًا نعتني بشراسة جعلتني أنتفض قافزة:
-كاذبة!
التفت كليًا نحو مصدره، فرأيت "لوكاس" مقبلاً نحوي بخطواتٍ أقرب للاندفاع؛ وكأنه ينتوي الفتك بي، لعقت شفتاي، وهمهمت بقلب خفق في فزعٍ:
-أنت؟!
تنحيت للجانب، لأستند على حافة الحاجز، وأنا أموت رعبًا من بطشه الأهوج الموجه قبلي، خاصة وهو يهتف مؤكدًا لما يخبرني به حدسي من قرب هلاكي على يده:
-نعم، أيتها القاتلة!

تخطاني "فيجو" ليقف قبالته، حجبه عني بجسده العريض، مانعًا إياه من الاقتراب مني، ثم هتف يحذره بصيغة آمرة:
-"لوكاس"! دعني أتحدث معها.
رد محتجًا بتذمرٍ:
-لا تفاوض مع القاتلة.

أصابني الاستياء من منحي ذلك اللقب الملفق، الذي لا صلة له بي، وصار عقلي يرفض السماح بسماعه، انتفضت مدافعة عن نفسي، وخرجت من القوقعة التي كدت أحبس فيها نفسي، ظهرت أمام عينيه اللاتين تقدحان شرًا، نظرت له بشجاعةٍ، وسألته بما يشبه التحدي:
-أنت ما مشكلتك معي؟

ببساطةٍ جاوبني "لوكاس"، بنبرة متهكمة، تزدريني، مقللة من شأني؛ وكأن هذا أسلوب حياته المعتاد:
-أريد قتلك! هذا كل ما في الأمر... يا حلوة.
رأيت "فيجو" وهو يضع ذراعه على صدره ليستوقفه، وقد بدا على وشك التحرك في اتجاهي، قبل أن يأمره:
-"لوكـــاس"، اصمت.
-لا أستطيع..

همهمات خافتة دارت بينهما، لم أتبين ماهيتها، لكن على الأغلب كان "فيجو" يحاول تثبيط عزيمة "لوكاس"، لكن انفلتت منه سبه مسيئة، ونظراته مثبتة عليّ:
-تلك العاهرة تستحق القتل.
غلت الدماء في عروقي لإهانته الفجة، وبدلاً من التزامي الصمت، حفاظًا على حياتي، تشدقت ساخرة منه، بجمل متعاقبة، لا أعرف من أين انطلقت، فقط لأرد اعتباري:
-أتعلم شيئًا؟ أنت أجبن من أن تقتل عاهرة رخيصة، وليس أنا يا هذا، فأنت لست أكثر من كتلة عضلات متحركة على قدمين، يعلوها رأسٍ كبير أحمق، لا يفكر أبدًا.

اصطبغت حدقتاه باللون الأحمر وهو ينهرني بأنفاسه الهادرة:
-اصمتي يا (...)
لفظ نابي آخر نعتني به، فرددت محتقرة إياه، باستخفافٍ ظاهر على تعابيري، ونظراتي نحوه:
-هذا أكثر ما تستطيع فعله، اللعن .. أيها الحقير.
حذرني "فيجو" بوجه غائم:
-لا تختبري صبره!
التفت نحوه لأقول باستبسالٍ أتعجب منه:
-وإلا ماذا؟

رمقني "فيجو" بنظرة لم أفهمها، لكنها كانت مظلمة للغاية، ومع هذا باعدت عيناي عنه لأتطلع للوغد الآخر، وهتفت به برعونة واضحة:
-هيا أرني شجاعتك أيها الحقير!
انتفض "لوكاس" دافعًا "فيجو" ليتجاوزه؛ لكن ظل الأخير كالسد المنيع يحول دون اقترابه مني، سمعته يطلب منه بصوته الأجش الخشن:
-اهدأ، لا ترتكب أي حماقة.

تحركت من مكاني لأغدو قبالة "لوكاس"، وتمتمت بنفس الكلمات الهوجاء لاستثير غضبه:
-إن كنت تريد تصفية حسابك معي، فهيا، أنا لا أخشاك!
توهمت بإظهاري لشجاعة غير موجودة سأردعه، للأسف كنتُ مخطئة، فرأيت قبل أن تطرف عيناي يده وهي تسحب من داخل سترته الداكنة شيئًا ما، اتضحت ملامحه حين استقرت فوهة سلاحه على وجهي، وصوته الشرس يردد عاليًا:
-كما تريدين.

انقبض قلبي جزعًا بعنف آلمني، وهربت الدماء المستثارة من عروقي، وبات مذاق الموت حاضرًا وبقوة على لساني، تخشب جسدي بالكامل، وأنا أراقب احتدام النقاش بين الاثنين، صوت "فيجو" كان غليظًا صارمًا وهو يقول:
-ماذا قلت لك؟ ألا تصغي لي أبدًا "لوكاس"؟
لم تحد عيناي عن فوهة السلاح، وذاك الحقير يجيبه:
-أترى ما تفعله؟ لنقتلها، ولا داعي للسلام الوهمي بين العائلتين، كلهم يستحقون الموت، حتى أمها الدمية الوضيعة.

نظرة سريعة سددتها نحو ذراع "فيجو" حين قبض على رسغه ليجبره على رفع يده بعيدًا، وسط وابل لعناته القذرة التي طالت من عائلتي اللطيفة، رأيته يشد على يده حتى لا تنفلت طلقة غادرة منه، وتصيبني في مقتل، خاصة مع وجودي في مرمى سلاحه.. تنبهت لصوته من جديد وهو يزأر:
-ماذا قال لك أبي؟ أتعصى الرئيس "مكسيم"؟

أجابه بنبرته المنفعلة:
-لا.. ولكنه أبي، أريد الثأر لأجله!
لعنات، وإهانات، وتوعدات بالموت المحتوم لم أستطع تحملها، إن كانت نهايتي قد حانت، إذًا فلتكن بيدي، وقتما أشاء، وليس بأياديهما النجسة، الملوثة بالدماء. صرخت فيهما بجنونٍ قبل أن استدير للخلف:
-اللعنة عليكما.

توقفا عن الجدال لينظرا نحوي، لكني شرعت بالركض بأقصى ما أستطيع لنهاية الممر الخشبي، حيث فكرت في القفز في الخليج، لن تكون المياه ضحلة لألقى حتفي من قوة الارتطام، كما أني أجيد السباحة نوعًا ما، ليس كرياضية محترفة، لكني أعرف كيف أبقى على قيد الحياة، بسبب الدروس المكثفة التي تلقيتها فيها. غمغمت بصراخٍ مهدد، وأنا أصعد في خفة على حافة الحاجز لأثب عنه:
-لن تنالا مني، وسأحرق الأرض من تحتكما.

ارتطم جسدي بالمياه، وصرخت متأوهة من البرودة القارصة التي نالت من بدني فجأة، لكن لا يهم أي معاناة الآن، بدأت بتحريك ذراعاي وساقاي على أمل قطع مسافة كبيرة في أقل وقت ممكن، تنبهت لصوت ارتطامٍ آخر مصحوبًا بأمرٍ صارم:
-"لوكــاس"، أحضر اليخت للجهة الأخرى.

توقفت للحظة عن السباحة لأدير رأسي للخلف، وعندها رأيت "فيجو" يتبعني، اللعنة! كان محترفًا للغاية، يقطع أشواطًا في خفة وسرعة، حتمًا لن أتمكن من مجاراته إن كنا نشترك في سباقٍ واحد، واصلت السباحة بكامل طاقاتي لأفر منه، ومن كل تهديد قد ينالني، ومع هذا سمعت صوته يأمرني:
-انتظري، لا مهرب لكِ.
هتفت، وأنا ابتلع المياه:
-اللعنة عليكما.

ما زال يتبعني بسرعته الفائقة، وأنا ألهث من الإرهاق المؤلم الذي حل على أطرافي، آهٍ لو كنت أمارس السباحة باستمرار! لما شعرت باستنزاف قواي بتلك السرعة. صرخت فجأة حين شعرت بيدٍ تقبض على قدمي:
-يا إلهي!

اختلت حركاتي للحظة من قوة المسكة، وجذبني نحوه، ابتلعت قدرًا آخرًا من المياه في جوفي، وقد غمرت المياه رأسى، رفعتها للأعلى وأنا أسعل بحشرجة تأذى منها حلقي. تحررت من أصابعه؛ لكن اختلت حركاتي من فرط التوتر المرتعب، وكدت أغرق؛ لكنه حاوطني من الخلف ليسيطر عليّ، لم استسلم له سريعًا، بل قاومت بشراسةٍ، كثورٍ هائج، يقاتل من أجل إبقاء حياته، قبل أن يطال عنقه نصل سكين جزاره، وهذا آخر ما أذكره، حيث غامت الصور في عيناي، وتداخلت بشكلٍ مخيف ساحبة ذاك الظلام الحالك نحو عقلي، لأجد نفسي أسقط سريعُا فيه ظلمته التي اشتدت بلا هوادة...!


رواية غير قابل للحب الفصل الرابع بقلم منال سالم



كانا يتفاوضــان على قتلي، هذا آخر ما أذكره قبل أن أشعر بألم عظيم يعصف برأسي، وبمذاقٍ مالح يقتحم حلقي، لأغرق بعدها نحو ذاك السواد الحالك، حينها فقط شعرت بالسكينة والاسترخاء، نغص عليّ ذلك الشعور الجارف بالاستسلام تلك الضغطات العنيفة على ضلوعي، فتحت بثقلٍ جفناي لألمح أطيافٍ مبهمة المعالم تتجول فوق رأسي، حتى الأصوات المنتشرة من حولي، بدت كوخزات حادة تؤلم أذناي، فقط نداء قريب للغاية، متكرر باسمي، ظل ينتشلني من راحتي المؤقتة:
-"ريانا"! "ريانا"!

ثم أحسست بذراعان تلتفان حولي، وباهتزازات سريعة من أسفلي؛ وكأن أحدهم ينقلي من مكان لآخر، بعدها اجتاحت جسدي رطوبة باردة، وشعرت برجفات متتالية تنال مني، ومع هذا أطبقت على جفناي بقوةٍ لاستدعي استرخائي اللذيذ واستمتع به، لا أعرف كم مضى عليّ من الوقت وأنا على تلك الحالة الهادئة؛ كنت في حالة سكون تام، إلى أن بدأت استفيق من غفوتي على شعوري بلمسة حنون، تطال جبيني تارة، وظهر كفي تارة أخرى، بدأت استجمع طاقتي المستهلكة لأفتح بها جفناي، وأنا أرهف السمع لتلك الهمهمات غير الواضحة.. صوت والدتي كان الأقرب إليّ، خاصة حين هللت بسعادة غريبة:
-يا إلهي! أخيرًا عدتِ إلى وعيك.



ضغطت على عيناي لأعتاد على الإضاءة، رغم كونها غير مزعجة؛ لكنها كانت مؤلمة بالنسبة لي، شعرت بوخز طفيف بهما، ربما نتيجة الملوحة التي أصابت حدقتاي، أدرت رأسي مع حركة جسدها المتحمس لأتابعها، وهي تضيف:
-أنظر "رومير"! لقد أفاقت ابنتي.
تحولت نظراتي نحو خالي، حين سألني بلطفٍ:
-كيف تشعرين الآن، "ريانا"؟



أجبته متسائلة بوهنٍ، وأنا أحاول الاعتدال في رقدتي، ساحبة الغطاء على جسدي، فمازلت أشعر بالبرودة تضرب أطرافي:
-ما الذي حدث؟ وأين أنا؟
مسح على رأسي برفقٍ، وجاوبني بابتسامة لبقة:
-أنتِ في مأمن من أي خطر.
سألته محاولة تذكر ما مررت به:
-ألم أكن بالخليج وآ..؟

بترت سؤالي لأنظر إلى قميص النوم الحريري –ذي اللون الأسود- الذي أرتديه، كان يكشف عن كامل أكتافي بسبب حمالاته الرفيعة، لا أذكر أبدًا أني كنت أمتلك واحدًا أسفل ثيابي الرسمية، ولا أعرف أين يصل طوله بسبب الملاءة التي تغطي جسدي، للحظة دار في خلدي هاجس موتر، جعل بشرتي تتورد خجلاً؛ ألا وهو احتمالية قيام "فيجو" باستغلال الموقف، وتجريدي من ملابسي، في حالة اللا وعي التي كنت غارقة فيها، لهذا هتفت متسائلة في جزعٍ، وأنا أتطلع إلى والدتي:
-ما هذه الثياب؟ وأين ملابسي؟



رد "رومير" بقليلٍ من التهكم:
-ليس من المعقول أن نبقي ثيابك المبتلة على جسدك.
بينما أوضحت والدتي بابتسامتها الرقيقة، وهي تمسح على وجنتي بأناملها الناعمة:
-لا تقلقي ابنتي، لقد أحضرنا لكٍ ثيابٍ جديدة، وقمت بتبديلها لكِ، بمساعدة إحدى خادمات القصر.
تنهدت في ارتياح، وأنا أجاهد لابتسم حين رددتُ:
-شكرًا أمي.

عادت الأسئلة الفوضولية تقتحم عقلي بقوة، وتساءلت بجديةٍ، ونظراتي تجول على وجه خالي:
-وكيف جئت إلى هنا؟
نظر في عيني بشيءٍ من الغرابة، وأجاب متحفظًا:
-أنقذك "فيجو" حينما اختل توازنك، وسقطت عن الممر.
ارتسمت علامات الدهشة على كامل وجهي، وهتفت في استنكارٍ، رافضة تصديق ذلك الجانب الملفق من الرواية:
-ماذا؟



ضمت "صوفيا" يديها معًا، في حركة متضرعة، وقالت بنبرة ممتنة بشدة:
-حمدًا لله أنه رأكِ، وإلا لهلكتِ صغيرتي!
شعرت بالإحمرار الغاضب يتسرب إلى بشرتي الذابلة، حتى دبيب قلبي كان في ارتفاعٍ عجيب، ارتكزت عيناي مجددًا على وجه خالي الذي قال بنبرة جافة، أو الأحرى أن توصف بأنها خالية من التعاطف معي؛ وكأن الذنب يقع على عاتقي فقط:
-نعم، هو أحسن التصرف بإحضارك إلى هنا، بعيدًا عن أجواء حفل الزفاف، وإلا للفت الأنظار إليكِ، ونحن لسنا بحاجة لأي فضيحة الآن!

لم أتحمل الصمت، وصحت محتجة، موجهة حديثي لوالدتي، ولوحت بذراعي، بالرغم من الأنين الصارخ في كامل عظام جسدي:
-أمي، الحقيقة غير ذلك.. كان هذا الوغد، وقريبه متربصان بي!
شهقت والدتي وهي تضع يدها على فمها مصدومة، قبل أن تبعدها لتسألني بنفس الدهشة المرتابة:
-ماذا تقولين؟
أنكر خالي الحقيقة التي مررت بها، ليقول ببرود استفزني:
-إنها تهزئ أكيد.



احترقت أحشائي، وتلوت معدتي ألمًا لفرط انفعالي المرتعد، وأنا أصرخ بشدةٍ، لأزيح تلك الغشاوة التي تحجب الحقيقة المخيفة عنهما:
-لا، اللعنة عليهما، أراد المدعو "لوكاس" قتلي!
شهقة أخرى مفزوعة انطلقت من فم "صوفيا" تلقائيًا، لتردد بعدها بأنفاسٍ مرتبكة، وعلامات الجزع تنبعث حتى من نظراتها نحوي:
-قتلك؟ يا إلهي!
تدخل خالي معترضًا بهدوئه غير المفهوم، وهو يحاوطها من كتفيها لتخفيف روعها:
-"صوفيا"، إنها تبالغ!

ثم التفت نحوي محذرًا، بلهجةٍ لم أسترح لها:
-وأنتِ "ريانا"، اهدئي! هذه تراهات.
تشبثتُ برأيي، وقُلت:
-ليس كذلك.
حدجني بتلك النظرة المستهجنة قبل أن ينطق بنبرته الهازئة:
-يبدو أن أثر الارتطام أصابكِ بلوسةٍ غريبة.



احتججت بغضبٍ أكبر، واكتسبته تعابير وجهي أيضًا:
-أنا واعية لما أقول.
كانت نظرته لي غاضبة تقريبًا، وهو يدفع والدتي نحو باب المنزل، تباطأت خطواتها، وأصرت على البقاء قائلة له بما يشبه التوسل:
-انتظر "رومير"، أريد أن أعرف التفاصيل من طفلتي.
بتهذيب رفض رجائها:
-لاحقًا "صوفيا"، دعِ "ريانا" تستريح الآن.
زمت شفتيها قائلة باعتراضٍ:
-ولكن..!
أسبل عينيه يرجوها بحنوٍ استشعرت زيفه:
-من فضلك..

نظرت لي بحيرة، قبل أن تباعد عينيها عني لتحدق في شقيقها الذي ألح بتشديدٍ:
-"صوفيا"! أحتاج للحديث مع "ريانا".. بمفردنا، سأتحرى منها عما حدث، والمخطئ سيعاقب.
هزت رأسها في إذعانٍ، وقالت له، وهي تمنحني تلك النظرة الحنون منها:
-لا ترهقها، "رومير".. إنها لا تزال متعبة.
كانت ابتسامته هادئة وهو يرد:
-لا تقلقي.

تابعت حركة والدتي إلى أن انصرف من الغرفة، فأغلق "رومير" الباب من خلفها، واستدار ليواجهني، لم أنهض عن الفراش بعد؛ لكني كنت متحفزة بدرجة كبيرة، رمقت خالي بنظرة جادة، وأنا أسأله مباشرة، خاصة حين طالت نظراته الغامضة نحوي.
-ما الأمر خالي؟
بادر بسؤالي عن منحي إجابة صريحة:
-هل أنتِ بخير؟
أجبتُ بنفاذِ صبرٍ:
-نعم.. وأريد الذهاب من هنا فورًا...

انفلت لساني بالمزيد، وبوحت له دون تمهيدٍ:
-أنت لا تعلم المؤمرات التي تُحاك من ورائك، إنهم يترصدون حركاتك، وربما يريدون قتلك.
نظر لي مليًا قبل أن يعقب:
-أعلم كل هذا.. وأكثر.

شكلت صراحته مفاجأة صادمة له، وانفرجت شفتاي عن دهشة عظيمة، ما لبث أن تضاعفت حينما اقتحم هذا الوقح الغرفة، لم أتوقع أبدًا أن يفعل ذلك، رجفة موترة عصفت بجسدي المتعب، منحني "فيجو" نظرة سريعة؛ وكأنه يتفقدني بها، تخشبت تقريبًا في جلستي على الفراش حينما تقدم للداخل، كان جريئًا بشكٍل لا يصدقٍ، ونظراته النافذة تنخفض على بشرتي، مما دفعني لسحب الغطاء لتغطية كامل جسدي، فلم يظهر إلا رأسي منه. ضاقت عيناي بتحفزٍ عندما أردف مستئذنًا بتهذيبٍ، وتلك الابتسامة الباردة مرسومة بعناية على محياه:
-هل تسمح لي بالدخول؟

وبدلاً من طرده قام "رومير" بدعوة "فيجو" للدخول، بترحيبٍ دافئ:
-تفضل.
شعرت بدمائي الحارة تنتفض في كل عروقي، فرفعت ذراعي لأصرخ في وجهه بعصبيةٍ كبيرة، مما أزاح قدرًا من الغطاء عن كتفي:
-خالي! إنه مخادع، ليس وديعًا كما يدعي.

لم أشح بنظراتي النارية عن وجهه القاسي، وفاجأني مجددًا، وجعل قلبي يهوي برعبٍ في قدمي، حين هتف بتلك الابتسامة المميتة، وعيناه تتجولان على بشرتي بحريةٍ؛ كأنه يؤكد لي استباحته للأمر:
-ومن قال أني كذلك؟ أنا من أشرس القتلة! ربما أشدهم وحشية!
أكاد أجزم أن قلبي توقف عن النبض للحظة، لأتمتم بعدها بصوتٍ انحبس غالبيته في جوفي:
-اللعنة!

رأيته يدير رأسه في اتجاه خالي يسأله، ووجهه مشدود بشكلٍ منزعج:
-ألم تخبرها بعد سيد "رومير"؟
أجاب الأخير محاولاً الابتسام له، بصوتٍ خافت؛ لكنه مسموع لي، وهو يشير بيده:
-كنت أمهد لها عزيزي "فيجو".
احتدت نظراتي نحو الاثنين، وسألتهما بنبرتي المهزوزة، والتي لم تخلُ من العصبية:
-ما الأمر؟ لماذا كل هذا الهمس، خالي؟

لم يمنحني الإجابة، بل كان يتوسل لعدوه باستعطافٍ شديد، حتى شعرت أنه سينحني ليقبل قدمه كذلك ليقبل بالذهاب:
-من فضلك "فيجو"، اذهب الآن، هذا أفضل.. للجميع.
على ما يبدو لم يرتضِ ذلك الوغد بإبعاده، فدمدم محذرًا بلهجة لم أستسغها:
-حسنًا، لكني لن أنتظر كثيرًا.
همست من بين شفتاي أنعته، ونظراتي الحقود تكاد تقتله:
-حقير!

أغلق الباب ورائه، وتشدقت هاتفة بنبرة متعجلة، وأنا أدفع الغطاء عني، لأنهض عن الفراش، معتقدة بيقين كبير أن صوتي الغاضب اخترق الخشب، وحتما وصل إليه، فدمائي الحانقة لم تحط بعد:
-خالي أريد الرحيل من ذلك المكان فورًا، لا أطيق البقاء في مكان يجمعني بهؤلاء القتلة.
رأيتُ خالي يلوح لي بكفيه قائلاً:
-لحظة "ريانا".

احتفظت بحدة نبرتي المتشنجة، وأنا أسأله:
-ماذا؟
أخفض يديه، وعلق بملامح جادة:
-أريدك أن تصغي جيدًا لما سأقوله، اتفقنا؟
اكتفيت بهز رأسي، فاستطرد يوضح لي، بنوعٍ من المراوغة:
-تعلمين صغيرتي، بأن مصلحة العائلة وسلامتها، هي من أولى اهتماماتي.

أيدتُ قوله مرددة دون إعادة تفكيرٍ:
-نعم، أنا متأكدة من إخلاصك في شئوننا خالي.
تنهد ببطءٍ قبل أن يتابع بنبرته الجادة:
-وأنا أحاول جاهدًا أن أحافظ على حياة الجميع سالمين، وبعيدًا عن أي أذى.
أصغيت لما يخبرني به باهتمامٍ، فلم يبدُ ذلك غريبًا؛ ومع هذا شعرت بالخوف يتسرب تحت جلدي، عندما واصل القول:
-لكن.. للأسف.. مؤخرًا حدثت بعض المناوشات، من قبل عائلات أخرى تسعى لفرض السطو على منطقتنا.

سألته بصوتٍ مضطرب، وقد ازداد تغلغل إحساسي بالخوف:
-وكيف تعاملت معهم؟
مط فمه، وضغط عليه شفتيه لثوانٍ قبل أن يحركهما ليجيب:
-حسنًا، لقد اتفقت مع عائلة "سانتوس" على الاتحاد لمواجهة ذلك التمرد.
قلت باستحسانٍ، وبلا أدنى تشكيك في نواياه:
-جيد.
انقبض صدري، وهو يضيف الجزء الأخير الغامض، والذي أشعرني أني متورطة فيه بقوةٍ:
-لكن، كي يكتمل هذا الاتحاد، لابد من حدوث المصاهرة بيننا.

حاولت إنكار ما ينبئني به حدسي، وسألته:
-وما شأني بالأمر؟
انتظر لبرهةٍ، وكأنه يستعد لإطلاعي بالكارثة الكبرى، ثم هتف أخيرًا بتهملٍ حريص، وقد اتلفت هذا كامل أعصابي:
-طلب "مكسيم" يدك.. لابنه "فيجو"!
صرخت ناعتة بهديرٍ متشنج:
-اللعنة، ماذا تقول؟
تفاجأ خالي من وقاحتي، وحذرني بنوعٍ من التأديب في صوته:
-احذري لسانك "ريانا"!

هتفتُ، وأنا ألهث تقريبًا من انفعالي الشديد:
-أعتذر منك خالي، ولكني أرفض بشدة أن أتورط مع هذا القاتل الملعون.
بدا صوته واثقًا وهو يعقب عليّ:
-لن يمسك بسوء، "مكسيم" تعهد لي بهذا.

اغتظت من الصفقة الدنيئة التي تمت من دون علمي؛ كما لو كنت جارية أباع في سوق الرقيق، لمن يدفع ثمني مسبقا، ومع هذا كنت متمسكة بأمل ضعيف، من احتمالية تراجع خالي عن قراره، إن وجدني مُصرة على رفضي، فتساءلت، وقلبي يدق بقوة، حتى كدت أحس أنه سيقفز هاربًا من بين ضلوعي:
-ومن يضمن لك ألا يخل بوعده معك ويقتلني؟ أنا ابنة أختك؟
رد ببرود:
-لن يفعل.

صحت بنزقٍ:
-إنه يتحدث مع قريبه عن ثأر يخصني.. كيف أثق أنه لن ينحر عنقي؟
فقدت إحساسي كليًا بالأمان، وهو يؤكد لي مخاوفي:
-للأسف زواجك منه سيمنع هذا، لأن لكِ علاقة مباشرة بمقتل "ماركوس".
هتفت في يأسٍ من تكرار سماعي لهذا الاسم الغريب:
-من هذا الرجل؟ أنا لا أعرفه! كيف أتحمل ذنبه؟
أوضح لي بترددٍ:
-"ماركوس" هو.. الشقيق المحبوب الأصغر للزعيم "مكسيم".

شهقت مذهولة من معرفة الحقيقة الغائبة، وامتلأت تقاسيم وجهي بدلالات الارتعاب، بينما أكمل خالي بمزيدٍ من الغموض المخيف:
-ربما كنتِ صغيرة، لا تعين ما حدث، ولكن دعيني ألخص لكِ الأمر..
تأكد من حوزته على انتباهي بالكامل، قبل أن يستأنف قائلاً بنبرته الثابتة، وكأنه يقص عليّ أقصوصة ما قبل النوم؛ ولكن من النوع المفزع جدًا:
-كانت الحرب مشتعلة بضراوةٍ مع عائلة "سانتوس"، عشرات القتلى عشية كل عطلة أسبوعية، وخلف ذلك الكثير من الأرامل واليتامى، خرجت الأمور حقًا عن السيطرة، و"ماركوس" بالأخص توعد زوج أمك بقتله، وإنهاء نسله، لخلافات جمة بينهما، ومراهنات لا نهاية لها..

قاطعته متسائلة بخوفٍ أكبر، ودقات قلبي تكاد تسد أذناي من قوتها:
-وما شأني بهذا النزاع الدموي المميت؟
بتمهلٍ لبك بدني أكثر أجابني "رومير":
-حينما جئتِ مع أمك لمقابلة "أندور" الراحل، أحد الوشاه الخائنين أخبروه بوجودك، لاعتقاده بأنكِ ابنته، لذا أراد خطفك، وأنا منعته في اللحظة الأخيرة، وأرديته قتيلاً.
استوعب عقلي جملته الأخيرة بوعيٍ أكبر، واعترفت له دون احترازٍ:
-إذًا ثأره معك، وليس معي!

لم أتوقع أن يجاريني في رأيي حين عقب بصوته الهادئ:
-يمكنك قول هذا؛ لكن رأكِ رجال "سانتوس"، وأنتِ ممسكة بسلاح "ماركوس"، حينما سقط بكِ أرضًا، كان السلاح بين يديكِ، فاعتقدوا أنكِ من فعلتِ هذا.
مع توضيحه المسهب الأخير، أصبت بالصدمة الشديدة، بدا الأمر بالنسبة لي، كما لو أن صاعقة برق ضربت عمود إنارة وحيد في طريقٍ منعزل، فطرحته أرضًا
-اللعنة! أنا أرتعد من منظر الدماء، كيف أقتل أحدهم ببساطةٍ؟

تنحنح قائلاً بحذرٍ طفيف:
-هذا ما تناقله أفراد العائلتين، تحولتِ مُصادفة لقاتلةِ "ماركوس".
علقت ساخرة، وأنا أكتف ساعداي أمام صدري:
-وبالطبع عزز ذلك كل الكراهية نحوي.
وافقني خالي القول مرددًا بصراحة تامة:
-للأسف.. نعم.

تنفست بعمقٍ لأستعيد ضبط أنفاسي المضطربة، فلم أعد على ما يرام، بعد كل ما سمعته، حتى جسدي لم يكف عن الارتجاف، وقدماي تكادان تفشلان في حملي، عدت لأجلس على طرف الفراش، وأطبقت على جفناي للحظة، وكلتا قبضتاي تمسكان بطرف الغطاء، ثم فتحت عيناي، ونظرت إلى "رومير" بعينين تائهتين، وأنا أطلب منه:
-وما العمل إذًا؟ أنا لا أريد هذا الارتباط، لا أستطيع أن أقبل به.

رد "رومير" بتعابير لا تبشر بخير:
-أنتِ مضطرة للقبول بـ "فيجو"، وإلا لنال منكِ "لوكاس"، هو من يمنعه عنكِ.
كنت في وضعٍ لا أحسد عليه، الاختيار بين الموت الحتمي، أو الزواج من قاتل لا يعرف الرحمة، وكلا الاختيارين أرفض القبول بهما، كدت أبكي، وأنا أصر على رفضي:
-اللعنة.. أنا أهرب من الموت للجحيم، لا أريد ذلك.

ثم دفنت وجهي بين كفي، أنتحب بعجزٍ واستياءٍ شديدين، جلس "رومير" إلى جواري، شعرت بيده تضغط على كتفي برفقٍ، قبل أن تنخفض نحو ظهري شبه العاري لتمسح عليه بحنو، صوته الخافت وصل إلى أذني، وهو يجاهد لإقناعي، بتقبل ما تم إقراره بشأني:
-ليس الأمر بهذا السوء "ريانا"، "فيجو" هو الرئيس القادم لعائلة "سانتوس"، وستصبحين زوجته، وإن أنجبت لـ "مكسيم" حفيدًا، ستصبحين في منزلة عظيمة.

توقفت عن البكاء لأرفع رأسي، وأديرها في اتجاهه، وجدته يبتسم لي ببرود؛ وكأنه يفرض عليّ ثوبًا من ذوقه، وليس زواجًا محكومًا عليّ فيه بالموت، حملقت فيه مليًا، بشيءٍ من الكراهية، وأنا فقط أردد بين جنبات نفسي:
-كيف يقرر مصير حياتي بتلك السهولة؟ لن أسمح بإجباري على الزواج منه مهما حدث، سأهرب فورًا.

انسحب "رومير" من الغرفة، تاركًا إياي أستريح، أو الأدق تركمي بمفردي لأفكر بحكمة في مصير ومستقبل العائلة الذي بات بين يدي، ذرعت المكان جيئة وذهابًا، أدور حول نفسي في حلقات مفرغة، محاولة وضع تصور مبدأي لخطة الهروب الخاصة بي، أهم ما كنت أحتاجه حاليًا؛ هو الخروج من هنا أولاً، دون أن أخبر حتى والدتي، فلا تعيق حركتي، أو تخبر خالي، فيمنعني من تنفيذ هذا، ثم الذهاب إلى الفندق، وجمع متعلقاتي سريعًا، والتوجه إلى المطار، و...

يبدو أني استغرقت في التفكير، فلم أنتبه للباب الذي فتح لتوه، تسمرت في مكاني مذهولة، وأنا أرى "فيجو" يحتله بجسده الضخم، بالطبع بدل ثيابه المبتلة، بأخرى جافة، وأنيقة؛ سروالٌ رمادي داكن، يعانق ساقين مليئتين بالعضلات، وقميصٌ أسود اللون، يلتصق بعضلاته البارزة من أسفله؛ لكن بدون رابطة عنقٍ، وياقة مفتوحة.

تراجعت تلقائيًا للخلف، لأوفر مسافة آمنة لي، نظراته الوقحة تجولت على جسدي بجراءة لا مثيل لها، مما أشعرني بالخجل، وجعل الدماء الحارة تندفع بغزارة إلى وجهي، لتشعرني بالمزيد من السخونة، تداركت سبب تحديقه المطول بي، كنت لا أزال أرتدي قميص النوم القصير، وبالتالي كانت الرؤية متاحة له، عفويًا ضممت يداي إلى صدري لأحجبه عن نظراته، قبل أن أوبخه بغلظةٍ، رغم ارتجاف صوتي:
-كيف تتجرأ على الدخول إلى هنا؟ وأنا في تلك الحالة؟

استقام في وقفته، فظهرت هيبته المطعمة بقوة تدب الخوف في القلوب، ابتسم واضعًا يديه في جيبي سرواله، ورمقني بتلك النظرة المستخفة المثبتة على مفاتني، وهو ينطق ساخرًا مني:
-وكأنك تملكين شيئًا لم أشاهده من قبل!
اغتظت بشدة من اقتحامه لخصوصيتي، واستحقاره البادي في صوته نحو ممتلكاتي الأنثوية، فهتفت أنعته بعصبيةٍ:
-أنت .. وقح!

رد بابتسامته المتسلية؛ وكأنه يتعمد استفزازي، وإثارة حنقي أكثر:
-لم ترِ الوقاحة بعد آنستي!
شهقت لصراحته الفجة، وارتعبت من نظراته الغامضة المهددة لكينونتي، استجمعت شجاعة هربت منذ أزل، لأوبخه بضيق، وأنا اتجه للفراش لأسحب الغطاء، وألف به جسدي، لأمنعه من التطلع إليه بتلك الجرأة:
-كيف تتحدث هكذا مع سيدة محترمة مثلي؟

كنت متأكدة أنه يتبعني بنظراته، وإن لم أكن أنظر في اتجاهه، تصلبت أكثر في وقفتي، واستدرت كليًا نحوه بنصف استدارة، حين قال بصوته الصارم:
-لننهي تلك السخافة، اسمعيني جيدًا...
ضاقت عيناي على الأخير للحظة، قبل أن تتسع في هلع، وهو يؤكد لي بلهجته التي تجعلني انتفض خوفًا، وإصبعه مرفوع في وجهي:
-أنتِ لي!
لعقت شفتاي الجافتين، وتداركت خوفي الظاهر مؤكدًا على ملامحي، لأرد محتجة على امتلاكه المعلن لي:
-لن يحدث.

تقدم نحوي بثباتٍ، وعلى الفور تراجعت بخطواتٍ مرتبكة للخلف، لأبتعد عنه؛ لكني اصطدمت بالحائط البارد، وقبل أن أفكر في الهروب من تهديده المحيط بي، وجدت نفسي محاصرة بين ذراعيه، حيث أقبل عليّ، في لمح البصر، مستندًا بكفيه على الحائط، وأصبحت فعليًا أسيرته.

التصقت أكثر بالحائط، وأدرت رأسي للجانب، وأنا أغلق عيناي، لأشيح بعيدًا عن نظراته التي تمنحني شعورًا بالبرودة القاتلة، كانت رائحة عطره الذكوري قوية، تخترق أنفي، وتصيبني بالدوران، خنقت شهقة مذعورة، حين لفحت أنفاسه الساخنة، بشرتي الباردة، وهو يهمس بنبرة أقرب للتعهد:
-سنرى.

حبست أنفاسي بترقبٍ، متوقعة حدوث الأسوأ، وحاولت أن أحتمي بالغطاء الذي يمنعه من لمسي تقريبًا، دون أن أجرؤ على فتح عيناي، وانتظرت .. لكن خفت حدة العطر، وشعرت به يبتعد عني، هنا تنفست الصعداء، واستدرت ناحيته لأجده يسير بتؤدة في أرجاء الغرفة متابعًا حديثه معي:
-أرى أنكِ أصبحتِ بخير.

ادعيت الثبات وأنا أصرح له بسماجةٍ:
-لن تحظى بشكرٍ مني.
انطلق ضحكة هازئة منه استفزتني قبل أن يبترها ليرد بكلماته الموحية، وعيناه مثبتتان على جسدي:
-لا أريد شكرك، أطمع في شيء آخر أهم..
فطنت لما لمح له، فنعته بوجه محمر خجلاً:
-قذر.

استهزأ بي مبتسمًا، وهو يغمز لي بطرف عينه:
-لماذا يتجه عقلك دومًا لتلك المسائل...
بدا معتدًا بنفسه، وصوته مغترًا بشكل أربكني أكثر وهو يكمل:
-هل لأنكِ ترغبين بي؟ اعترفي!
قال جملته الأخيرة وهو يخترقني بنظراته النافذة؛ كأنه يجردني من ثيابي، صحت بعصبية مهددة رافضة تواجده بالقرب مني:
-أنت وغد، اذهب من هنا، قبل أن أصرخ وأتسبب لك في فضيحة.

لم يأخذ حديثي على محمل الجد، فقط رمقني بتلك النظرة القاتمة، غير المريحة، وقال ببرود متناهٍ:
-حسنًا هذه المرة سأذهب، لكن لن أسمح لكِ بطردي مجددًا.
منعت لساني من سبه بصعوبة؛ خشية أن يفكر في الاعتداء عليّ، وأنا في موقف ضعيف، إلى أن خرج من الغرفة، لأقول بعدها، وكل حنق العالم يعتريني:
-احترق في الجحيم.

على عجالة، ارتديت الثوب الفيروزي الذي وجدته على طرف الفراش، لا أعرف حقًا كيف أحضرته والدتي، ولم أهتم للسؤال، فقد كان مناسبًا لجسدي، ومعانقًا لمنحنياته المغرية، بكتفٍ واحد مغطى؛ كان أنيقًا، وملائمًا لي، كأنه تم تفصيله لأجلي؛ لكنه أيضًا كان كافيًا لأموه به أفراد التأمين أثناء خروجي، فلن يتعرف عليّ أحدهم، لكوني لم أخرج بنفس الثياب التي أتيت بها، صففت شعري، وتركته منسدلاً، لأخفي به ملامح وجهي، تشجعت وخرجت من الغرفة، أسير بخطوات حذرة في الردهة الطويلة، بحثت عن الدرج، ورأيته في النهاية، بالطبع استعنت بمساعدة إحدى الخادمات، لأصل إلى حيث يتواجد الحفل.

نظرة سريعة حذرة اختلستها، وأنا اختبئ خلف إحدى الشجيرات العالية، كان أغلب الحضور في حالة سُكر، ومشغولين بالرقص والمرح، فتشت عن والدتي وخالي لم أجد الأولى، ورأيت الأخير يضحك مع "مكسيم" وابنه الوقح، أما "لوكاس" فكان يُراقص إحدى وصيفات العروس، حسنًا، ذلك أمر جيد، لن يدرك أحدهم اختفائي، سيظنون أني استريح؛ كنت فقط قلقة على والدتي، لكني سألتقي بها لاحقًا على أي حال..،

تسللت من المكان لأتجه للممر المؤدي لبوابة القصر، وهناك نثرت شعري المتحرر، على جانب وجهي، لأخفيه عن الأمن كما خططت، انتصبت خلال سيري، حتى لا أبدو مهتزة أمامهم، فأثير الريبة دون داعٍ، مررت بهم، وأنا أدعي انشغالي بالتطلع إلى ما داخل حقيبة يدي الصغيرة، والتي حمدًا لله لم أفقدها، واصلت السير إلى أن خرجت من هذا المكان، حابسة لأنفاسي، وما إن ابتعدت عنهم حتى ارتخت عضلاتي بالكامل، وشعرت أني على وشك الإغماء من فرط حماسي.

حقًا لا أصدق نجاحي في الفرار بتلك البساطة الشديدة، تراقصت ابتسامات فرحة على محياي، حتى نبض قلبي شعرت به ينفجر من قوته داخل ضلوعي، تابعت السير المتعجل إلى أن وصلت لطريق السيارات، لوحت بيدي لإحدى عربات الأجرة، آملة أن أجد واحدة شاغرة، قبل أن يستوقفني أحد الرجال المسئولين عن صف السيارات، وحدث ما توقعته، وجدت أحدهم ينادي من خلفي:
-آنستي! أتريدين مساعدة؟

تجاهلت الرد عليه لأهرع نحو السيارة التي توقفت على الجانب الآخر، رفعت طرف ثوبي، حتى لا أتعثر في خطواتي الراكضة، استقريت في المقعد الخلفي وأنا أوجه أوامري للسائق:
-تحرك من هنا سريعًا.
لم أشعر بالاسترخاء إلا والسيارة تبتعد عن القصر، عنئذ غصت في المقعد، وتنفست بعمقٍ لأثبط من حدة الانفعالات المشبعة بالأدرينالين، انتبهت للسائق حين سألني:
-إلى أين سيدتي؟

أجبته مبتسمة بسعادة:
-أي مكانٍ غير هنا!
اعتبر ردي ساذجًا، فكرر سؤاله بوجهٍ عابس، رأيته من انعكاسه في المرآة الأمامية:
-أين تحديدًا؟
تنحنحت قائلة بحرج:
-إلى فندق (...).

ما حدث بعد ذلك كان ضربًا من الجنون، كالمندفعة انطلقت في ردهة استقبال الفندق، مستقلة المصعد إلى غرفتنا بالطوابق العُليا، جمعت أشيائي، وأقحمتها عنوة في الحقيبة دون ترتيب، كنت أعيد سرد أفكاري المتهورة في رأسي مرة أخرى؛ الذهاب إلى المطار، حجز مقعد بالطائرة العائدة إلى روما، مهاتفة والدتي، لأطمئنها على أحوالي بمجرد جلوسي بداخلها، اعتدلت في وقفتي، وصفقت بيدي محدثة نفسي عاليًا:
-وأخيرًا انتهاء ذلك الكابوس المزعج للأبد، لن يتمكن ذلك الوقح من إزعاجي، أو إجباري على الزواج به.

بدا كل شيءٍ على ما يرام، وأنهيت توضيب أمتعتي في زمنٍ قياسي، ثم بدلت ثوبي ببنطالٍ من الجينز، وكنزة وردية واسعة، وعقدت شعري بأنشوطة صغيرة، لأطرحه خلف ظهري كذيل حصان، سمعت طرقًا على باب الغرفة، فظننت أنها خدمة الغرف، وفتحته دون أن أتحقق من الطارق، لأستدير عائدة إلى حقيبتي، لأضع الثوب الجديد بها، وتعذر علي إغلاقها بسبب امتلائها، تجمدت في ارتعابٍ لم أشعر به أبدًا، كان أشد وطأة عن تلك المرات، عندما سمعت صوته القريب يسألني من خلفي، بنبرة أجفلتني، وجعلتني أموت رعبًا من حضوره المباغت:
-أين تظنين نفسك ذاهبة...!
يتبع..


رواية غير قابل للحب الفصل الخامس بقلم منال سالم


الفصل الخامس قيد الرفع على الموقع..
يُمكنك زيارتنا مُجددًا بعد قليل لقراءته
اكتب في جوجل (مدونة يوتوبيا) أو ( رواية غير قابل للحب مدونة يوتوبيا )
كي تقرأها كاملة.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

لو عايز أي رواية pdf .. أو لو عايزنا نعرفك لما الرواية إللي بتتابعها ينزل منها حلقة جديدة، انضم لقناتنا على التيجرام: من هنا 
ما هو الفصل الذي تود قراءته؟