القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول كامل بقلم منال سالم

 رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول كامل بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول كامل

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول كامل بقلم منال سالم - مدونة يوتوبيا


مقدمة رواية الطاووس الأبيض
رواية اجتماعية تحاكي الواقع المعاش حيث أجواء المناطق الشعبية وما بها من أحداث مشوقة... والرواية مأخوذة من مواقف أغلبها حدث بالفعل، لكن تختلف البيئات، والأزمان، وحتى الشخصيات.

كقارئ ربما لن تشعر بالغرابة إن صادفك موقف شعرت فيه أنك عايشت تجربة مماثلة، فكل شيء جائز خلال متابعتك لفصول العمل، ما عليك إلا أن تطلق العنان لخيالك، وتستمتع بالتجربة وتتفاعل مع الأبطال.. هنا أنت لست بقارئ فقط، وإنما جزء من الأحداث.

كلمة شكر واجبة
شكرا جزيلا لكل من أمدني بالمعلومات والمواقف والقصص الحقيقية من المحيطين بي ليخرج العمل بصورة لائقة تحاكي الأجواء الواقعية..
وأخص بالذكر والدي الحبيب، أخي الغالي، وزوجي العزيز..

اقتباس من الرواية
بلغت ألسنة اللهب عنان السماء في أقل من لحظاتٍ بعد اندلاع النيران في محل بيع الطلاء الكائن بالمنطقة المأهولة بالسكان المحليين من ذوي الطبقة المتوسطة والفقيرة، تعالت الصرخات المفزوعة واختلطت مع الأصوات التحفيزية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك وتطال النيران المستعرة المباني المجاورة ويحدث ما لا يُحمد عقباه. حملقت الصغيرة ذات الجديلتين السوداوتين بعينين متسعتين في رعب في اللافتة المتآكلة والتي أوشكت على السقوط، حاولت تحذير ذلك الصبي الذي جاهد لإطفاء النيران من جهته مستخدمًا دلوًا معدنيًا مملوءًا بالماء، لكن صوتها الضعيف لم يصل إليه وسط الجلبة الصاخبة التي تصم الآذان.

انقبض قلبها في هلع أشد حينما وقع جزء خشبي منها على كتفه فطُرح أرضًا، هرولت بشجاعة متهورة تناقض سنوات عمرها الصغيرة نحوه لتهب لنجدته بعد أن سكن جسده كليًا، جثت على ركبتيها تهزه بعنفٍ.. لا استجابة على الإطلاق!


 
تلفتت حولها باحثة عمن يساعدها، الكل مشغولٌ بإخماد الحريق الهائل، نهضت مستندة على كفيها لتقف عند قدميه، انحنت عليه بجسدها الهزيل لتمسك به من عقبيه، حاولت جره بعيدًا عن النيران لكنها لم تستطع، فقد كان وزنه ثقيلاً بالنسبة لها.

لهثت وتعرقت وتسارعت أنفاسها، ومع ذلك لم تيأس، استمرت في المحاولة مستنزفة كل قواها، بدأت في السعال المتألم بعد أن ازدادت كثافة سحب الدخان الذي عبأ المكان وملأه. توقفت عن سحبه لتضع يدها على أنفها مانعة نفسها من استنشاق المزيد من الأدخنة الخانقة، جابت بنظراتها المرتاعة المكان الذي تحول لكتلة من الضباب وهي معتقدة أنها النهاية، لا مخرج.. لا نجاة، تهاوت جاثية على ركبتيها وقلبها يكاد ينخلع من عنف دقاته، وضعت يديها المرتعشتين حول عنقها المتيبس تتحسسه في عجزٍ، وكأنها تستجدي بذلك آخر نفسٍ لها في الحياة.

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الأولى بقلم منال سالم



رفع ثقل جسده عن الأرضية الباردة للمرة الثلاثين مستخدمًا مرفقيه دون أدنى شكوى، وكأنه لا يزن إلا مثقال ريشة، صفق السجناء في انبهارٍ وهم يحمسوه على فعل المزيد، وبالرغم من العرق الغزيز الذي ينهمر من خلايا جسده إلا أن أصواتهم التحفيزية حثته على الاستجابة لمطلبهم وزاد العدد حتى بلغ الخمسين رفعة، ثم نهض واقفًا على قدميه يمسح العرق العالق بأصابعه وخاصة حول خاتم خطبته، تلفت حوله والتصفيقات المصحوبة بالصافرات والتهليلات تشجعه، تعلقت الأعين المتباهية بإنجازه بوجهه ذي البشرة القمحية والمخبئ خلف ذقنه التي استطالت، بدا غير متأثرٍ بتفاخرهم به، مرر يده على رأسه الحليق يمسحها، كانت نظراته التي تنبعث من حدقتيه البنيتين تعبر عن قوة واستبسال لا حدود لهما، حتى بنيته الجسمانية ذات لياقةٍ عالية. لكزه أحدهم في جانب ذراعه يمدحه:
-عاش يا وَحَش!


 
ارتسم على جانب شفتي "تميم" بسمة متهكمة، مسح بظهر كفه عرقه المتصبب على جبينه وعينيه، ثم أردف قائلاً بصوته الأجش:
-خلي الكلاب اللي هنا تعرف من ريس المخروبة دي.
قال وهو يزيد في مدحه:
-هو في حد يقدر يقول غير كده يا كبيرنا؟


 
ثم ناوله منشفة نظيفة ليمسح بها عرقه قبل أن يتجه لأحد الأسرة التي تنتصف عنبر الحبس، جلس "تميم" على الفراش القديم منكسًا رأسه المشحون قليلاً، ما زال شأن عائلته يشغل باله، ها قد تبقى القليل ليعود إليهم بعد سنواته الخمس التي قضاها هنا في ذلك المكان الكئيب المستنزف للأعمار. ضاقت نظراته بحدة وزميله في محبسه يسأله:
-بتفكر في إيه يا معلم؟

رفع عينيه المحتدتين نحوه ليسأله بخشونةٍ مانعًا إياه من اقتحام خصوصيته:
-هنطفح إيه النهاردة؟
تنحنح قائلاً بصوتٍ مهتز:
-أوامرك يا كبير، أنا هاروح أشوف جاه إيه من الزيارة وأوضبه لجنابك.


 
تحرك مبتعدًا عنه ليتركه جالسًا بمفرده، فلم يجرؤ أي أحد سواه من السجناء على محادثته دون السماح له أولاً بذلك، كانت له هيبة طاغية ومرعبة وسط عتاة الإجرام، كما اكتسب منذ الليلة الأولى التي قضاها هنا شعبية عظيمة، وذلك لنجاحه في التغلب على واحد من أشد السجناء شراسة ممن حاولوا التحرش به وإذلاله وكسر كبريائه، قضى عليه وأهانه بشكلٍ مذل ليحتل بعدها مكانته وينال ذلك الشرف العظيم.

لم تكن لتضيع سنوات عمره هباءً لولا ما فعله للعائلة، تلك التي تأتي على رأس أولوياته وإن كلفته حياته، لن يتغاضى للحظة عن الدفاع عن أفرادها حتى لو كان مصيره التهلكة. أغلق "تميم" دفتر الماضي بما فيه من أحداث رافضًا الخوض في المزيد من تفاصيله التي تزيده ضيقًا وألمًا، استلقى على الفراش يثني ركبته أمام صدره، ثم فرقع فقرات عنقه بتحريكه للجانبين، انخفضت عيناه نحو خاتم الخطبة الذي يزين إصبعه، أداره بحركة ثابتة لعدة مرات وهو يفكر في أمرها، تلك التي انتظرته لما يقرب من سبعة أعوام متسائلاً في نفسه إن كان لا يزال يكن لها نفس المشاعر أم باتت واجبًا عليه أدائه إكرامًا لإخلاصها معه. تنهيدة ثقيلة خرجت من فمه ليرفع رأسه بعدها للأعلى محدقًا في سقفية العنبر الكئيبة بغير هدفٍ محدد.


 
دارت عيناه الخبيرتان بطول الشارع المعتم نسبيًا فاحصًا بدقة كل زاوية فيه ليتأكد من عدم مراقبة أحدهم له، كان قد درس المنطقة جيدًا وحدد هدفه التالي بعد مراقبة متأنية لوقت معقول في ذلك الحي السكني المعروف عنه بثراء قاطنيه، انتقى البقعة المناسبة للوقوف بها والاختباء إن لزم الأمر دون أن يثير الريبة بين قاطنيها ليظن من يتطلع إليه أنه عامل النظافة المجد في عمله. انتهى "حمص" من تدخين الجزء المتبقي من سيجارته رديئة الصنع ليلقي ببقايا عُقبها أسفل قدمه.

دعسها بحذائه القديم مومئًا برأسه لأحدهم يستقل دراجة بخارية على الجهة المقابلة، ثم استدار للخلف متجهًا نحو السور الحجري حيث النقطة التي اختارها ليتسلقه منها، وبخفة واحترافية تتماشى مع جسده النحيف استطاع أن يصعد عليه، حبس أنفاسه ثم وثب للداخل جاثيًا على إحدى ركبتيه وكفيه على الأرضية العشبية للحديقة الخلفية لتلك الفيلا الخالية من سكانها. تلفت حوله في توترٍ وقلق، كان المكان هادئًا إلا من نباح الكلب المزعج، هنا اعتلى ثغره ابتسامة ماكرة، فقد جاء خصيصًا إليه، وسرقته تلك المرة تعتبر من النوع الباهظ، حتمًا من سيشتريه سيدفع لأجله مبلغًا محترمًا من المال، فنوعه معروف للجميع. اقترب منه "حمص" غير مكترثٍ بالمرة بالأنياب الحادة الظاهرة بين فكيه ولا باللعاب المقزز الذي يتناثر من جوفه هامسًا له بلهجة ساخرة:
-تعلالي يا غالي.


 
ما منع الكلب من الهجوم عليه وربما افتراسه كونه موثوقًا بسلسلة حديدية قوية، تشجع "حمص" للتعامل معه كما اعتاد أن يفعل مع ذوي الأنياب، رفع ذراعه أمام وجهه وكأنه يحتمي به من تهديده الصريح بالعض، ثم دنا بخطواتٍ حذرة حتى أصبحت المسافة خطيرة للغاية، عند تلك اللحظة وثب الكلب قاصدًا قضم ذراعه، منحه صائده فرصته لينهش في لحم ذراعه المحمي نسبيًا بقطع القماش، وما إن تعلق به حتى لف ذراعه الآخر حوله ليحكم قبضته عليه، رفعه للأعلى بعد أن حل وثاق سلسلته ليصبح أسير قبضته، ومثلما جاء خلسة فر هاربًا بنفس الطريقة وأيضًا في سرعة وخفة مستعينًا برفيقه "شيكاغو" الذي ولج للحديقة ليمسك بالكلب معه، وضع القناع الواقعي على فمه ليمنعه من النباح، ثم قام بتقييده وقبل أن يلحظهما أحد. وضعه الاثنان على الدراجة البخارية ثم انطلقا بها في شارع جانبي غير ذاك الذي جاءا منه، وكلاهما يمني نفسه بمبلغ لا بأس به.

بدت كمن ينازع بألم في نومه فانحشرت أنفاسها، وكأن الهواء قد بات ثقيلاً على صدرها فضاعف من إحساسها بالاختناق، أنين خافت خرج من جوفها ليوقظ النائمة إلى جوارها، تأملتها بنظراتٍ قلقة خائفة بعد أن أزاحت الغطاء عنها، فتلك الحالة دومًا تتكرر معها دون تفسيرٍ مفهوم، وبرفقٍ حذر وضعت يدها على كتفها لتهزها منه لتنتشلها من ذلك الكابوس المطبق على الروح، مالت عليها تهمس باسمها:
-"فيروزة"، اصحي! إنتي بتحلمي، مافيش حاجة.


 
انتفضت مذعورة من نومها وصدرها ينهج بقوة، لهثت محاولة التقاط أنفاسها لتعيد انتظامها بعد أن تمكن ذلك الحلم المزعج منها مجددًا، كانت تعيشه بكل جوارحها، حتى بات مؤلمًا لأقصى الحدود، التفتت إلى جانبها لتتأمل وجه أختها القلق، لم تجرؤ على التفوه بكلمة، حملقت فيها بعينين غائمتين وكأنها تحاول التأكد من عودتها لأرض الواقع. ضغطت "همسة" على شفتيها تسألها:
-نفس الحلم إياه؟

أومأت شقيقتها بالإيجاب، مسحت توأمتها على وجنتها براحة يدها محاولة تطمئنتها وهي تقول:
-معلش يا حبيبتي، الحمدلله إنه عدى على خير.
استدارت "فيروزة" للجانب الآخر لتمد يدها نحو الكومود حيث كوب الماء المسنود عليه، تناولته وارتشفت ما فيه دفعة واحدة حتى تروي ظمأها، التفتت ناظرة إليها لتقول معتذرة بسعالٍ طفيف:
-أنا أسفة، قلقتك.

ربتت على ظهرها قبل أن تميل عليها لتحتضنها في محبة أخوية صافية لتضيف بعدها:
-متقوليش كده، ده إنتي روحي.
ابتسمت لها "فيروزة" في امتنانٍ وعادت لتستلقي بظهرها على الفراش محاولة نسيان تفاصيل ذلك الكابوس المؤرق لمضجعها. تساءلت بعينين تحدقان في السقفية:
-هي الساعة كام دلوقت؟
أجابتها "همسة" بتثاؤب وهي تتقلب على جانبها:
-لسه النهار مطلعش.
ردت متصنعة الابتسام:
-كويس، فرصة ننام شوية.

كانت تخدع نفسها بتصديق ذلك، فالنوم أبعد ما يكون عن جفنيها وقد ظلت تفاصيل حلمها المزعج حاضرة في ذهنها، أجبرت عقلها على عدم التفكير فيه حتى تستعيد من جديد حالة الاسترخاء التي كانت عليها، مالت برأسها على الوسادة ناحية أختها لتجدها قد غفت بالفعل، ظهرت بوادر ابتسامة متهكمة على جانب شفتيها قبل أن تلفظ تنهيدة طويلة مليئة بالهموم مستسلمة للأرق الذي أصابها كالعادة.

لا تعرف كيف غفت تحديدًا لكنها استيقظت على صوت أمها المرتفع الذي نبه كل حواسها، نظرت لها بنصف عين ووجهها متقلص بدرجةٍ كبيرة، شعرت ببرودة تضرب أطرافها حينما أزاحت عنها الغطاء فجأة ليتلاشى ذلك الدفء المغري، حاول التقاط طرف الغطاء قائلة بتذمر:
-ليه كده بس يا ماما؟ أنا ملحقتش أنام!!

ردت "آمنة" بلهجة الأم الجادة غير المتفاوضة:
-ده احنا داخلين على الضهر وورانا حاجات كتير لازم تتعمل قبل ما خالكم "خليل" يرجع من السفر.
عبست ملامح "فيروزة" وعلقت عليها باستياءٍ:
-هو لازم يعني كل مرة نعمل التشريفة دي؟
رمقتها بنظرة حادة وهي ترد عليها:
-عيب كده يا "فيروزة"! هو أنا ربيتك على كده؟
قالت بنبرة متنمرة:
-يعني يصح يا ماما يطلع عينك من صباحية ربنا عشان تطبخي لمراته وفي الآخر بدل ما تقولك شكرًا نسمع منها كلمتين بايخين مالهومش أي 30 لازمة؟!!

وبالرغم من كونها محقة في طريقة استغلال أخيها وزوجته لها بشكلٍ سافر إلا أنها ردت بحسمٍ:
-أنا بأعمل لوجه الله.
انزعجت "فيروزة" من ردها المحبط فاعترضت بنبرة شبه محتدة:
-بس مش كده!
حاولت والدتها أن تغلق باب المناقشة غير المجدية في ذلك الموضوع فصاحت بها:
-بصي أنا ماليش في الكلام بتاعك ده، قومي يالا امسحي السلم وروقي المدخل وانشري الغسيل، وأختك هتوضب الأوض وتكمل معايا بقية الأكل، مافيش وقت نضيعه.

ضربت الأرض بقدمها بعصبيةٍ كتعبيرٍ عن سخطها وهي تمتم بتهكمٍ:
-دي أخرتها، أشتغل مساحة سلالم!
حذرتها أمها بلهجةٍ أقرب للشدة وهي تشير بعينيها:
-عدي نهارك يا "فيروزة".
نفخت متسائلة في نفاذ صبرٍ:
-ماشي يا ماما، ممكن أغسل وشي الأول ولا هاطلع كده بلبس البيت وبعُماصي؟!
قالت لها بصوتٍ أقرب للين وقد ارتخت نظراتها قليلاً:
-روحي غيري هدومك وافطري وبعد كده اعملي اللي قولتلك عليه
همست ساخرة في امتعاضٍ:
-الحمدلله، ألحق أعمل حاجة لنفسي!

تابعتها والدتها بنظراتٍ مهتمة وهي تتجه إلى خارج الغرفة لتقول بعدها محدثة نفسها:
-ربنا يهديكي يا "فيروزة"، أخدة كل طباع أبوكي العصبية.
ردت عليها "همسة":
-الله يرحمه، بس أنا شبهك صح؟
عادت الابتسامة لتتشكل على وجهه المرهق قبل أن تعلق عليها بحنوٍ ملموسٍ في صوتها ونظراتها:
-إنتي نسخة مني يا حبيبتي.
عفويًا احتضنت "همسة" والدتها لتنعم بحضنها الدافئ، أسندت رأسها على كتفها وأغمضت عينيها تقول لها:
-ربنا يخليكي لينا يا ماما.
ربتت والدتها برفقٍ على ظهرها بعد أن ضمتها إليها، ثم أبعدتها عنها لتبدأ الاثنتان بحماسٍ يناقض "فيروزة" في إعادة ترتيب أغطية الفراش سويًا قبل أن يتشاركا أداء مهام المنزل التي تنتظرهما.

وقفت مستندة بمرفقيها على حافة سور المنزل المكون من طابقين، تأملت أمواج البحر الغاضبة بنظراتٍ ضجرة، ففصل الشتاء على الأبواب، موجة أشد قوة تحطمت على الصخور لتتناثر مياهها المالحة بطول الكورنيش، ارتجف بدنها وشعرت بقشعريرة باردة تسري في أوصالها، هي دومًا تخشى الاقتراب منه، ومع ذلك تجبر نفسها على التطلع إليه لتحذر نفسها من قسوته إن فكرت يومًا أن تطأه، ذكرياتها معه تحمل الألم والحزن، ورؤيته في تلك الحالة الهائجة يؤجج من إحساسها بالضيق الممتزج بالخوف، امتد البحر على مرمى بصرها؛ وكأن لا نهاية له، فمنزلها يعتبر معتزل نسبيًا عن باقي المنازل والبنايات بالمنطقة، أو كما تصفه منبوذ عن البقية، لكنه ما ورثته هي وشقيقتها ووالدتها عن أبيها الراحل، تمسكت أمها به ورفضت بيعه رغم المغريات المادية نظرًا لموقعه القريب من الشاطئ، ومساحته المتسعة التي تمنح من به خصوصية لا مثيل لها إن حاوطه بسورٍ مرتفع.

لمسة حنون شعرت بها على جانب كتفها الأيسر فأخرجتها من تحديقها فيه، التفتت للجانب لتجد "همسة" تبتسم لها في رقة، وعلى الرغم من كون الاثنتان تتشاركان في كل شيءٍ تقريبًا إلا أن صفاتهما مختلفة؛ ف "فيروزة" حادة الطباع، متقلبة المزاج أحيانًا، مثابرة، عنيدة، لا تقبل الهزيمة مُطلقًا. أما "همسة" فتمتاز بالرقة، بالطباع اللينة، بالقناعة، والرضا، بالإضافة لنقطة ضعفها أو ما يمكن تسميته مجازًا بعيبها الخطير؛ الخوف من المواجهة مع الآخرين. تساءلت الأخيرة في اهتمامٍ وهي تضم ياقتي بلوزتها معًا:
-مش بردانة يا "فيرو"؟

تطلعت "فيروزة" أمامها قائلة بعدم اكتراثٍ:
-لأ، مش أوي.
اقشعر بدن "همسة" من النسمات الباردة التي ضربت بوجنتيها، ثم قالت وهي تحاول تضم الشال الذي ترتديه حول كتفيها لتستعيد إحساسها بالدفء:
-الجو ساقعة، الشتا شكله السنادي هيبتدي بدري.
قالت "فيروزة" في فتورٍ:
-وإيه الجديد؟ ما احنا متعودين على كده.
ردت بصوتٍ شبه مرتعش تأثرًا بإحساسها بالبرودة:
-أنا بأحبه أوي.
نظرت لها من طرف عينها قبل أن تعلق:
-أنا لأ!
رددت باستغرابٍ:
-إنتي غير الكل، الناس بتحب الشتا والجو ده.

أغمضت عينيها للحظة لتتجنب الذكريات المؤلمة التي تحاول اقتحام عقلها فتنغص عليها نهارها، ثم زفرت بقوة لتتساءل بعدها:
-مقولتليش رأيك في موضوع عربية الأكل
أجابت بترددٍ محسوس في صوتها:
-هي فكرة مش بطالة، بس ماما هانقولها إيه؟
صمتت "فيروزة" للحظة قبل أن تعقب عليها:
-سبيها عليا، أنا هاعرف أقنعها.
حذرتها "همسة" بجدية واهتزازة بؤبؤاها واضحة لشقيقتها:
-أنا مش عاوزة أكدب عليها!

حاولت الأخيرة الابتسام لتمنحها شعور الثقة وهي تقول مؤكدة:
-أنا هاتصرف معاها، اطمني.
عادت "همسة" لتتساءل بتوترٍ لم تخفه:
-بس تفتكري خالك هيوافق؟
احتقن وجه أختها نسبيًا حينما رددت على مسامعها تلك الجملة التي تشير إلى التدخل السافر لخالهما الوحيد في شئون حياتهما، قالت باحتجاجٍ ناقم:
-وخالنا ماله أصلاً؟ دي حاجة تخصنا احنا.
عللت لها:
-ما إنتي عارفاه مش هايعدي الموضوع كده بالساهل.
رفعت "فيروزة" حاجبها تشير لها:
-ما احنا مش هانقوله.

شحب وجهها نسبيًا من جراءتها المتهورة وردت متسائلة:
-طب افرضي عرف؟ أكيد مش هايسكت وهايعملها حكاية ومشكلة كمان.
نفخت هاتفة في ضيق انعكس على قسماتها وكذلك نظراتها:
-أنا مش عارفة هو غاوي يتدخل ليه في حياتنا؟ ده حتى ما بيساعدش بمليم!
بالرغم من موافقتها إياها في الرأي إلا أنها دافعت عنه قليلاً فقالت:
-بس هو خالنا حتى لو مش عاجبنا تصرفاته!

اغتاظت "فيروزة" من اتخاذها لصفه فاسترسلت موضحة لها بحدةٍ طفيفة علها تفيق للواقع المحيط بهما وتدرك حقيقة الأمور:
-"همسة" إنتي شايفة مصاريفنا بقت عاملة إزاي؟ تفتكري مع الحياة الغالية اللي احنا عايشين فيها الكام ملطوش اللي بيديهم لأمك من نصيبها في الأرض هيكفوا؟ ده يدوبك بالعافية احنا مقضينها، طب افرضي حد فكر يتقدم ويخطب واحدة فينا، ساعتها ماما هاتجهزنا منين؟ ولا تكونيش مفكرة إنه هيطلع من جيبه ويدينا، ده "حمدية" ترفعله حواجبها وتقلبها عليه وعلينا.
رمشت أختها بعينيها في قلقٍ حائر، لذا سألتها:
-والعمل؟

أجابتها عن ثقة تامة غير مبالية بتبعات قرارها:
-همشي في المشروع بتاعنا، إنتي عليكي الطبيخ وأنا عليا التسويق والبيع، واحنا لا أول ولا آخر ناس عملوا كده.
شعرت "همسة" بالخوف يضرب عقلها، كانت تخشى من ردة فعل الجميع إن عرفوا بما تنتوي أختها فعله بحثًا عن لقمة العيش بعد أن تعذر على إحداهما العثور على وظسفة مناسبة براتبٍ معقول، لعقت شفتيها بطرف لسانها قبل أن تغمغم بأنفاس عبرت عن ارتعادها:
-ربنا يستر!

تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم خرجت من صدرها وهي تمسح بأصابعها على زجاج الصورة الفوتغرافية التي تضم أغلى ما في حياتها المليئة بالوحدة والشقاء؛ ابنتيها. هي تذكر تلك اللقطة جيدًا، حينما احتفلت الاثنتان بتخرجهما؛ ف"فيروزة" خريجة كلية التجارة، و"همسة" الاقتصاد المنزلي. تطايرت خصلات شعرهما الأسود بفعل الهواء وشكلت خلفية مثالية لألوان ثيابهما المبهجة، لامست وجهيهما الضاحكين بإبهامها رامقة الاثنتين بنظراتٍ حزينة ومتحسرة، فابنتاها اقتربتا من منتصف العشرينات ولم يتقدم أحدهم لخطبة أيًا منهما بالرغم من اللمحة الجمالية البسيطة التي تمتلكاها لتزداد قساوة الحياة معهما وتحرمهما من حق التمتع بالزواج والخطبة، ألا يكفي حرمانهما من الأب الحنون الذي يغدق عليهما بمحبته وأمانه؟

ألا يكفي اعتزالها للزواج من بعد وفاته غدرًا في رحلة الصيد المشؤومة لتعكف على تربية الصغيرتين بمفردها دون معيل حقيقي؟ دمعات متسللة ملأت طرفيها ألمًا على حالهما البائس. كفكفتهم "آمنة" سريعًا قبل أن تلمحها إحداهما مصادفة، حاولت إلهاء عقلها عن التفكير في شأنهما بأداء ما تبقى لها من أعمال المنزل، هتفت صائحة بصوت مضطرب حينما سمعت النقر على زجاج الشرَّاع:
-أيوه يا اللي بتخبط، جاية أهوو.

ضبطت عقدة منديل رأسها وهي تسرع الخطا نحو باب المنزل، فتحته راسمة على شفتيها ابتسامة بسيطة وهي ترحب بشقيقها الذي عاد لتوه قائلة له:
-حمدلله على السلامة يا أخويا، نورت بيتك
قال لها بوجه جاد ونبرة رسمية:
-إزيك يا "آمنة"؟ أنا قولت أعدي عليكي أنولك الأمانة بتاعتك وشوية الحاجات دي قبل ما أطلع شقتي
تأملت ما أحضره لها من شنط بلاستيكية تحوي بعض الخضر والفاكهة، تناولته من يديه مرددة في امتنانٍ:
-تعيش ياخويا، دايمًا فاكرني.

دس "خليل" يده في جيب قميصه، ثم أخرج منه مغلفًا صغيرًا مطويًا، مد يده به نحوها قائلاً بنفس اللهجة الروتينية المملة:
-فلوسك أهي معاكي، كده مش ناقصك حاجة؟
أخذت المغلف منه وأطبقت عليه بأناملها تشكره:
-الحمد لله، دايمًا عامر يا رب
نفخ قائلاً في تعب بعد أن أنهى مهمته المعتادة:
-أنا هاطلع أريح من المشوار الطويل ده
أيدته الرأي:
-وماله يا "خليل"، حقك ترتاح، وأنا شوية وهابعتلك بالبنات بالأكل، ما أكيد "حمدية" تعبانة ومش هاتقدر تطبخ.

قال لها بامتعاضٍ:
-العيال قرفوها طول الطريق وطلعوا عينها
حاولت التهوين عليه فقالت:
-الله يقويها عليهم، اطلعلها بدل ما تقلق عليك
هز رأسه بإيماءة صغيرة ليودعها بعدها ويصعد على الدرج متجهًا للطابق العلوي حيث يوجد مسكنه، تابعته "آمنة" بنظراتٍ مهتمة حتى اختفى عن عينيها فأغلقت الباب وانحنت تحمل ما أحضره لتضعه في مكانه بالمطبخ قبل أن يفسد.

بشموخٍ وهامة منتصبة وقف ذاك الرجل الذي قارب عمره على منتصف الخمسينات وسط عماله أمام دكانه الشهير الخاص ببيع الخضروات والفاكهة يدير الأعمال بخبرته العريضة في ذلك المجال، تركزت أنظار "بدير" مع الشاحنة الكبيرة المرابطة عند ناصية الزقاق الضيق والتي تعبئ بصناديق الفاكهة والخضار المنتقاة بعناية فائقة والمعدة خصيصًا لطهاة السفن السياحية حيث رحلاتهم التي تمتد للأشهر وتستلزم وجود كميات كبيرة من الطعام، كان يراقب أداء رجاله ويتفحص الصناديق واحدًا تلو الآخر ليضمن تقديم جودة عالية لزبائنه، استدار برأسه للجانب حينما سمع محامي العائلة يناديه، ترك ما في يده واتجه إليه، التقط المحامي أنفاسه قائلاً في حماسٍ وتفاؤل:
-البشارة جت يا حاج "بدير".

برقت عيناه بلمعانٍ غريب وقد فطن إلى ما يرمي إليه، خفق قلبه واعتلى وجهه المجعد ابتسامة مليئة بالأمل قبل أن يعده:
-لو طلع كلامك صحيح يا سي الأستاذ لأحلي بؤك على الآخر.
رد مؤكدًا وهو يضبط رابطة عنقه غير المهندمة بيده:
-وأنا مش بأجيب غير الأخبار الجد يا حاج.
عبث "بدير" بلحيته البيضاء قائلاً في حبورٍ وبهجة:
-ياه، أخيرًا "تميم" هيطلع من السجن، ده أنا كنت خايف أموت قبل ما أشوفه.
قال له محاميه:
-العمر الطويل ليك يا حاج، مافيش حاجة بعيدة عن ربنا.

رد عليه بتنهيدة طويلة:
-الحمد لله
ثم ما لبث صوته تحول للحماس من جديد وهو يكمل:
-أما ألحق أبشر أبويا الحاج "سلطان" بالأخبار دي.
تساءل المحامي في اهتمامٍ:
-صحته عاملة إيه دلوقت؟
رد مستخدمًا يده في الإشارة:
-أهوو.. يوم كده، ويوم كده!
أومأ برأسه معقبًا:
-ربنا يباركلنا في عمره، سلميلي عليه يا حاج
قال مجاملاً:
-يوصل، عن إذنك يا أستاذ.
تحرك بعدها "بدير" في اتجاه عماله يأمرهم بمتابعة إكمال تعبئة باقي الشاحنة بالصناديق ريثما يصعد إلى منزله ليطمئن على والده ويبشره بما عرفه من أخبار رائعة.

سعالٌ مؤذي لحنجرته أصابه لأكثر من دقيقة وهو يحاول استعادة انضباط أنفاسه بعد أن اختنق صدره بالدخان الكثيف لنارجيلته المتقدة، ربت "نوح" الجالس على ميمنته على ظهره بقوة حتى يهدئ، ثم سأله بصوتٍ ثقيل وهو يسحب نفسًا من خاصته:
-إنت كويس؟ مكانش كام نفس خدته ورا بعض!
تطلع إليه "هيثم" بعينيه الحمراوتين من تأثير الدخان عليه ليجيبه بحنقٍ:
-أنا تمام يا عمنا، دي حاجة بس وقفت في زوري.

ورغم عدم اقتناع الأخير برده إلا أنه ادعى تصديقه ليتجنب بوادر مشادة كلامية معه ربما تنتهي بعراكٍ حامٍ تتحطم فيه المقاعد الخشبية ويتكبد صاحب المقهى خسائر فادحة لكون الأول معروفًا برعونته وأفعاله الطائشة. تجرع "هيثم" ما تبقى في كوب الشاي الخاص به ليدس يده في جيب بنطاله باحثًا عن النقود، لم يجد ما يكفيه، فالتفت لصديقه الملازم له يطلب منه بسماجةٍ:
-بأقولك إيه، الحساب عندك المرادي.

اعترض بتذمرٍ:
-هو كل مرة كده؟
رد بنبرة متنمرة:
-معييش فلوس، بكرة أردلك اللي دفعته الطاق عشرة!
حك "نوح" طرف ذقنه معلقًا في تهكمٍ:
-أهوو كلام بنسمعه منك، ومافيش حاجة بتحصل.
استثارت حميته فاحتج بصوتٍ شبه غاضب:
-هو أنا من امتى بأكل فلوس على حد؟
أشاح بوجهه بعيدًا عنه بعد أن رمقه بنظرة مزدرية ليرد بنبرة مزجت بين التهكم والإدانة:
-بقى جوز خالتك يبقى الحاج "بدير سلطان" على سن ورمح وحالك يبقى كده!
قطب جبينه متسائلاً:
-قصدك إيه؟

نفس بطيء مليء بالدخان ارتفع عاليًا من جوفه ليقول موضحًا في مكرٍ:
-تشوفلك مصلحة معاه يطلعلك منها قرشين.
لم يكن حديثه الغامض مفهومًا، ولم تكن حالته المزاجية تسمح له بالمكوث وسؤاله باستفاضة أكبر ليعي غرضه، هب "هيثم" واقفًا ورمقه بنظرة جافة قائلاً له بسخافة منهيًا معه جلسته المضيعة للوقت:
-بأقولك إيه، أنا دماغي مش رايقة السعادي، نتكلم بعدين
لوح له بخرطوم نارجيلته وهو يرد:
-أه وماله .. وأهوو الحساب يجمع.

كز "هيثم" على أسنانه في غيظٍ من طريقته التي تستفزه، بصعوبة واضحة على تعابيره حاول كبح جموحه الذي يهدد بالانفجار ليشتبك مع رفيقه، نظرة أخرى مليئة بالحقد تسلطت على "نوح" الذي بدا وكأنه يتجاهله ليستدير متجهًا إلى سيارة النصف نقل المملوكة إليه، استقر خلف عجلة القيادة وأدار المحرك، ثم قام بتشغيل إحدى تلك الأغنيات الشعبية الصاخبة التي ينوح فيها المطرب على ماضيه وحاضره وبدأ في الدندنة معها، تحرك مبتعدًا عن المقهى ليتسكع بلا هدفٍ في الشوارع كنوعٍ من تفريغ شحنته المكبوتة حتى تحط دمائه المحتقنة ويستعيد ثباته الانفعالي... !!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثانية بقلم منال سالم



أمسكت بالصينية الدائرية المغطاة جيدًا بعد أن قامت برص الأطباق المليئة بالطعام فيها بشكلٍ مرتب لتقدمها لخالها وزوجته وأبنائه، وبحذرٍ بالغ رفعت يدها للأعلى بعد أن ألصقت حافتها بصدرها لتتمكن من قرع الجرس، تراجعت "همسة" خطوة للخلف راسمة على وجهها البشوش ابتسامة لطيفة وهي تتمنى في نفسها ألا تتشاجر مع تلك المتغطرسة الفظة، رمشت بعينيها حينما فتحت لها "حمدية" الباب، حاولت عدم التحديق في قميصها المنزلي الأحمر ذي فتحة الصدر العريضة والتي تبرز مفاتنها المتهدلة بشكلٍ فجٍ ومقزز، غضت بصرها وبادرت مرحبة بتهذيبٍ وتواضع:
-حمدلله على السلامة يا مرات خالي، نورتوا بيتكم، المكان مكانش ليه حس من غيركم الأيام اللي فاتت...


 
استطاعت تلك المرأة ذات الملامح الخبيثة والنظرات غير المريحة أن تلاحظ إبعادها لعينيها عنها، ظنت أن في ذلك إساءة لها، لذا تغنجت بجسدها المليء بكتل الشحم ورفعت ذراعها لتستند به على حافة الباب، منحتها نظرة دونية تعبر عن تأففها منها وهي تكمل ببسمتها الرقيقة:
-ماما جهزت الأكل من بدري عشان آ....


 
عبثت "حمدية" بذيل شعرها الذي يلتف حوله أنشوطة عريضة من اللون الأحمر بشكلٍ صبياني لا يتماشى مع عمرها المتجاوز لمنتصف الأربعينات، ثم رفعت حاجبها الرفيع للأعلى في حركة تعبر عن سخطها، لم تمنحها الفرصة للثرثرة أكثر من ذلك فقاطعتها بسماجة:
-ابلعي لسانك شوية!

تحرجت من ردها غير المقبول واكتست تعبيراتها بالخجل، تحركت زوجة خالها نحوها لتمنعها من الولوج للداخل مشيرة لها بعينيها القاسيتين لتتراجع خطوتين للخلف كتعبير عن رفضها لوجودها، تسمرت قدما "همسة" في مكانها وبقيت متصلبة الجسد محاولة التغلب على الدمعات الخجلة التي تتسلل إلى مقلتيها، فتلك تعد إهانة كبيرة من قبلها وهي لم تفعل ما يسيء، بل على العكس كانت أكثر ذوقًا عنها. أزاحت "حمدية" الغطاء لتنظر إلى ما أحضرته، عبرت تعبيراتها الواجمة، وحركة شفتيها الممتعضة، بالإضافة إلى نظراتها المستاءة عن عدم رضائها، ثم زادت الطين بلة بسؤالها الوقح:
-ده بس اللي أمك طبخته؟


 
ارتبكت "همسة" وهي تجيبها:
-أيوه..
علقت عليها بأسلوب فظ يبعث على النفس الضيق وهي تلقي بالغطاء على الأرضية:
-يا ريتها ما عملت، إيه القرف ده؟ هو احنا بنشحت منكم؟ ده "خليل" طفحان الدم عشان يجيبلكم حاجتكم!
تغللها شعور متعاظم بالإحباط فور أن سمعت ما تفوهت به، خاصة أنها كانت شاهدة على المجهود المبذول من قبل والدتها لتعد ألذ أنواع الطعام وأكثرها شهية، لذا دافعت عنها بغريزية صادقة:
-يا مرات خالي ماما عملتلك كل اللي بتحبيه، وواقفة على رجلها من صباحية ربنا عشان متتأخرش عليكم، تبقى دي أخرتها؟
مطت شفتيها في ازدراء محتقر غير مبالية بدفاعها البائس، رمقتها بنظرة جافية ثم تناولت الصينية وقالت لها بتهكمٍ فج:
-ياما جاب الغراب لأمه!


 
شهقة خافتة مستنكرة انطلقت من بين شفتي "همسة"، احتقنت عيناها بدرجة كبيرة وامتلأتا بالعبرات، شعرت وكأنهما ينفثان نيرانًا حامية، كزت على أسنانها مانعة نفسها من التفوه بأي حماقة حتى لا تتسبب في إحداث مشكلة بين خالها ووالدتها، فالمقيتة زوجة خالتها ربما ستدعي الأكاذيب لتفسد ما بين الأم وابنتها وتوغر صدرها نحوها بأسلوبها الملتوي في قلب الحقائق، أفاقت من التفكير في عواقب ردها على انتفاضة جسدها المباغتة حينما سمعت صوت الصفقة العنيفة لباب المنزل لتشير إلى وقاحتها اللا متناهية وانعدام الذوق لديها، انحنت لتلتقط الغطاء الصغير ثم استقامت واقفة واستدارت للخلف لتمسك بالداربزين حتى تهبط للطابق الأول، تجمدت مصدومة حينما تفاجأت بوجود أختها التي حتمًا تابعت ما دار بينهما من حوار، رأت على تعابيرها حمم الغضب متأججة، اعتلت "فيروزة" درجات السلم لتقف في واجهتها تسألها بنبرة مغتاظة:
-عجبك اللي عملته معاكي وإهانتها لينا؟


 
وضعت "همسة" يدها على ذراعها واستخدمت قوتها لتجذبها للأسفل وهي ترجوها:
-عشان خاطري يا "فيرو"، خلينا نتكلم تحت.
لوحت الأخيرة بيدها صائحة بغضبٍ وعروقها تنتفض من شدة حنقها:
-فكرك أنا خايفة منها العقربة أم أربعة وأربعين دي؟ خليها تطلع وأنا أعرفها مقامها!
توسلتها أختها برجاءٍ أشد وهي تسعى لسحبها معها نحو الأسفل:
-بلاش مشاكل الله يكرمك، بتقلب في الآخر بغم عندنا.


 
استشاطت "فيروزة" غيظًا من أسلوبها الهروبي والسلبي الذي تتخذه مع واحدة بغيضة كتلك، كزت على أسنانها تلومها بحدةٍ:
-ما هي طول ما شيفاكي كده هتطيح فينا زي ما هي عايزة، ومحدش هيقدر يوقفها.
نكست رأسها خزيًا لكونها متخاذلة بالفعل في تلك النوعية من المواقف وعاجزة عن الإتيان بحقها، بينما أكملت "فيروزة" هجومها قائلة:
-لأ وبتقولولي بلاش إنتي تطلعي، طبعًا ما هو لو كانت بتقول الكلام ده ليا كنت سمعتها ما تكره وعرفتها مقامها
لم تستطع "همسة" منع دمعاتها من الانسياب، فبكت أمام أختها التي تضاعف شعورها بالسوء، مالت عليها تسألها بصوتها المحموم:
-إنتي خايفة منها ليه؟

أجابتها بصوتها الباكي مبررة موقفها:
-مش خايفة، بس أنا مش بأحب المشاكل، غصب عني، دي طبيعتي، وأنا مش هاتغير.
حذرتها أختها بلهجة شديدة وقد قست عيناها:
-جُبنك ده هيوقعك في مشاكل يا "همسة"، خليكي فاكرة ده كويس!
كفكفت عبراتها بظهر كفها لترد عليها بصوتها الحزين:
-أنا راضية بحالي كده، يالا بينا
اضطرت "فيروزة" أن تكتم غضبها المندلع بداخلها حتى لا تزيد من إحساسها بالضيق بحديثها الحاد، هبطت الدرجات بخطواتٍ شبه متعجلة لتقف عند أعتاب منزلهما، التفتت تقول لأختها:
-بلاش تعيطي قصاد ماما عشان متسألكيش وهتضطري ساعتها تجاوبي.

هزت رأسها استجابة لنصيحتها الثمينة ومسحت ما علق في أهدابها بأناملها، سألتها في اهتمامٍ:
-كده كويس
ابتسمت لها "فيروزة" وهي تجيبها:
-أيوه..
سحبت "همسة" نفسًا عميقًا أخرجته ببطءٍ من صدرها، ثم نجحت في وضع تلك الابتسامة الزائفة على ثغرها قبل أن تقول كذبًا بنبرة عالية:
-طنط "حمدية" بتشكرك يا ماما على تعبك
تنهدت "آمنة" قائلة بارتياحٍ:
-الحمدلله إن الأكل عجبهم..

ثم أخذت نفسًا ولفظته لتضيف بتعبٍ ملموس عليها:
-هاخش أوضتي أنام شوية، لأحسن مش قادرة من عضمي، الأكل عندكم يا بنات.
قالت "همسة" في امتنانٍ:
-تسلمي يا ماما، ارتاحي إنتي
كتفت "فيروزة" ساعديها وهي تتأمل المشهد المحبط بكافة المقاييس، الكل يدعي رضائه بالوضع وهي وحدها من تقاوم استغلال الآخرين واستغفالهم، لم تتقبل تلك التمثيلية السخيفة وانسحبت لتنزوي في غرفتها وقد فقدت شهيتها لتناول أي شيء.

بكل حيوية ونشاط وخفقات قلب غير هادئة لفت تلك الشابة التي تجاوز عمرها منتصف العشرينات بقليل حجابها المزركش حول رأسها، أخفت خصلة متمردة تأبى الانصياع مع مثيلاتها. قامت "خلود" بقرص خديها بإصبعيها لتلهب بشرتها قليلاً فيظن من يتطلع إليها أن وجنتيها يكسوها حمرة طبيعية مغرية، لم تبالغ في وضع مساحيق التجميل أو حتى أحمر الشفاه، اكتفت بمسحة خفيفة من (زبدة الكاكاو) ذات اللون الكريمي لترطب شفتيها. لم تنتبه تلك الشابة ذات العينين العسليتين إلى والدتها "بثينة" التي استندت بكفها على باب الغرفة تتأملها في صمت وضيق، فمن هم في مثل عمرها حظين بزوجٍ وعدة أبناء، أما خاصتها فرفضت الارتباط بغيره رغم سنواته الضائعة في الحبس، بقيت وافية على عهدها معه.

تذكرت "بثينة" تلك اللحظة المميزة التي نضج فيها جسد ابنتها وأعلن عن بزوغ فجر أنوثته، حينها اقترن اسمها بزوج المستقبل وابن أختها "تميم"، توقفت عن إكمال تعليمها بحصولها على شهادة التعليم الثانوي بعد رسوبها لعامين متعاقبين، وهيأت نفسها للزواج منه بعد خطوبة استمرت لبضعة أشهر، لكن تلك المشاجرة الدامية في سوق الجملة أفسدت كل شيء وأطاحت بمخططاتها الوردية، حيث زج به في السجن وحكم عليه بالحبس لمدة عشر سنوات، وقضى منهم سبعًا.

آنذاك رفضت "خلود" التخلي عنه لتقترب من العنوسة بإصرارها عليه. لم ينتقص حبها له ولو بمقدارٍ ضئيل، بل على العكس حاولت إسعاده بشتى الطرق حينما تذهب لزيارته مع العائلة بالرغم من تذمره وانزعاجه من قدومها لذلك المكان غير الملائم، واليوم فرحتها لا توصف لذهابها معهم لاستقباله بعد السماح بخروجه ضمن المجموعة المُفرج عنهم بعفوٍ مشروط قبل انتهاء مدتهم كاملة، التفتت لتجد أمها مسلطة لبصرها عليها، سألتها في لهفةٍ:
-ها كده شكلي حلو؟

أجابتها بتنهيدة شبه مطولة مبدية اعتراضها:
-أيوه يا "خلود"، بس مكانش ليه لازمة إنك تروحي معاهم، جايز أبوه يضايق ولا......
قاطعتها بعبوسٍ منزعج:
-أنا خطيبة ابنه يا ماما، وكلها كام يوم بعد ما "تميم" يشم نفسه وأبقى مراته، يعني لا أنا غريبة ولا مش من العيلة
أشارت لها والدتها بعينيها تؤكد عليها:
-عمومًا لو حد ضايقك ماتسكتيش، إنتي بنت "بثينة"، وألف مين يتمناكي، ولولا بس أنا شيفاكي متعلقة بيه كنت فركشت الجوازة دي من يوم ما اتحبس
ردت عليها باحتجاجٍ منفعل:
-يا ماما أنا بأحبه، روحي فيه، ماتخيلتش نفسي مع حد تاني غيره.

قالت من بين شفتيها في لمحةٍ تهكمية:
-يا ريت يكون زيك، والسجن مغيروش.
علقت عن ثقةٍ كبيرة:
-أنا عارفة "تميم" كويس، قلبه ميال ناحيتي وبيحبني!
وقبل أن تنغص عليها نهارها بالمزيد من الاعتراضات عادت "خلود" لتبتسم وهي تقول لوالدتها:
-أنا هالحق أروح لجوز خالتي عشان متأخرش عليهم، سلام يا قمر.
رمقتها "بثينة" بنظرة غير راضية من عينيها، لم تسعَ لإخفاء ضيقها عنها، ف "تميم" بالنسبة لها قد أفسد على ابنتها الكثير من الفرص الرائعة بتمسكها غير المستساغ به.

اشرأبت بعنقها وشبت على قدميها لتنظر بتركيز إلى السيارات القادمة من أول الطريق علها تلمح خاصتها، فعلى حسب الميعاد المتفق عليه فإن اليوم هو تاريخ تسلمها لعربة الطعام القابلة للجر، تلك التي ستكون نقطة البداية لانطلاق مشروعها لجني الأموال عن طريق بيع المأكولات البسيطة الجاهزة كالسندوتشات وسلطة الفواكه بأسعارٍ شبه رمزية.

استطاعت بعد عناءٍ أن تتدبر النقود اللازمة لشرائها بعد اشتراكها مع شقيقتها في جمعية شهرية مع بعض رفقاء الكلية ممن ما زالوا على صلة بهما. استغلت "فيروزة" فرصة ذهاب والدتها لشراء الخضراوات من السوق القريب -كعادتها في ذلك اليوم من كل أسبوع- ليكون يوم استلامها، وما ساعد على زيادة شعورها بالاطمئنان والارتياح سفر خالها مع زوجته وأبنائه في مأمورية عمل تخص الأول، انتظرت على أحر من الجمر وصول سيارة النقل. تطلعت كل بضعة ثوانٍ لشاشة هاتفها في لزمة متوترة منها لربما يردها الاتصال من مسئول الشحن. كانت أختها تقف إلى جوارها تثرثر بلا توقفٍ، ومع هذا لم تنتبه لها، كان كامل اهتمامها منصبًا على الطريق. صاحت "همسة" عاليًا بعد أن ضجرت من تجاهلها غير المكترث بها:
-يا "فيروزة" إنتي مش سمعاني؟

التفتت نحوها وهي تنفخ في ضيقٍ، ثم ردت بإيجاز:
-أيوه سمعاكي، خير؟
سألتها في قلقٍ وهي تعيد إزاحة خصلات شعرها المتناثرة بفعل الهواء خلف أذنيها:
-دلوقتي ماما هتقول إيه لما تشوف العربية هنا؟ وخالك أكيد هيقلب الدنيا!
ردت بلهجة جافة:
-أنا هاقنعها متقلقيش، وخالك فكك منه، طالما ماما راضية يبقى خلاص.

اقشعر بدنها من البرودة المنتشرة في الأجواء، فشبكت ذراعيها وضمتهما إلى صدرها علها تدفء نفسها، ارتجفت نبرتها قليلاً حينما أضافت بنفس التوجس السائد عليها:
-مش مطمنة يا "فيرو"، حاسة إننا هنفتح على نفسنا فاتوحة إحنا مش أدها.
رمقتها "فيروزة" بنظرة جامدة من طرف عينها دون أن ترد، لم يؤثر بها خوفها ولا نصائحها المبالغ فيها بالتراجع عن ذلك المشروع الذي فكرت فيه عشرات المرات واضعة الخطط اللازمة لدراسته قبل تنفيذه على أرض الواقع، لن تتراجع عنه الآن بعد أن أوشكت على تحقيقه. لمحت إحدى سيارات النقل الصغيرة وهي تنعطف نحو منزلهما فهتفت بحماسٍ لاكزة شقيقتها في جانبها:
-شكل العربية جت.

التفتت "همسة" تنظر في اتجاه السيارة وعيناها متسعتان على الأخير، فعربة الطعام التي تحملها كانت نوعًا ما كبيرة الحجم ولافتة للأنظار بالرغم من لون الطلاء الأسود الطاغي عليها، لوحت "فيروزة" بيدها لسائق السيارة ليتوقف أمام الرصيف المقابل لمدخل المنزل، وترجل منها رجلان ليحلا وثاق العربة المربوطة بالأحبال الغليظة، أنزلاها بحذرٍ على الرصيف، شكرتهما "فيروزة" على تعبهما ومنحتهما المبلغ المتفق عليه لنقلها وتحميلها، انتظرت حتى انصرفا لتدور حول العربة تتفحصها بتلهفٍ واهتمامٍ مضاعفين، رفعت عينيها لتنظر إلى "همسة" متسائلة:
-ها إيه رأيك فيها؟

أجابتها بإعجابٍ بادٍ على تعبيراتها وعينيها:
-شكلها تحفة.
تلمست "فيروزة" كل جزءٍ في العربة وقلبها يخفق في سعادة، ها هي تخطو بثباتٍ نحو تحقيق حلمها بإثبات الذات، شردت لوهلةٍ تتخيل إقبال الناس عليها لشراء الطعام الشهي ومدحهم لمذاقه ونجاحهم في جني الأرباح الكثيرة لتنتقل بعدها لخطوة أخرى هامة وهي امتلاك محل خاص بها كنوعٍ من التوسع في الأعمال، وجدت نفسها تبتسم تلقائيًا مع تعمق أحلامها المثمرة، انتشلتها "همسة" من تحليقها الوردي في سماء الأحلام بسؤالها:
-هنحطها فين؟

حكت طرف ذقنها بيدها قبل أن تجيبها مقترحة:
-إيه رأيك لو سيبناها مؤقتًا ورا البيت.
-ماشي.
بدت فكرة جيدة لوضعها به حتى ترتب كلتاهما أوضاعهما، لذا قامت الاثنتان بدفع العربة ذات العجلات الأربع للأمام وقاما بإدخالها لباحة المنزل الخلفية، حيث تحتفظ العائلة بمعظم الكراكيب القديمة والأدوات غير المستخدمة. نفضت "فيروزة" يديها والتفتت قائلة لأختها بلهجة شبه آمرة:
-مش عاوزين نضيع وقت، هاتي حتة قديمة نلمعها بيها، وأنا هاروح أجهز الحلل والأطباق اللي هنحطها جواها.

هزت "همسة" رأسها بالإيجاب وأسرعت ركضًا للمنزل لتنفذ ما أمرتها به، وقفت الأولى تتأمل حلمها الذي بات وشيكًا من التحقيق بحماسٍ واستعدادٍ كبير، هي ستبدأ بإمكانات ضئيلة، لكنها واثقة أن أعمالها ستتسع بمرور الوقت، وأثناء سعيها الدوؤب ستخوض معاركًا جمة مع الأقربين أولاً قبل الغرباء لتثبت كفاءتها في إدارة مشروعها الصغير.

-يا لهوي! إيه اللي أنا شيفاه ده؟!
رددت "آمنة" تلك الكلمات المصدومة وهي تلطم على صدرها في قوةٍ حينما أطلعتها "فيروزة" على ما تنتوي فعله وأبصرت بعينيها تلك العربة لتؤكد لها على عدم عدم تراجعها عن إتمامه، انتابتها حالة من الخوف والانزعاج لجرأتها، وبالرغم من المبررات المنطقية التي حاولت إقناعها بها ومن التسهيلات التي ستقوم بها لتضمن تحقيق النجاح إلا أنها أبت الإصغاء إليها وأصرت على رفضها دون نقاش، انسحبت من باحة المنزل الخلفية مستديرة بجسدها، لحقت بها ابنتها لتعترض طريقها فأجبرتها على التوقف، التقطت أنفاسها وهي ترجوها:
-طب هي مش عجباكي ليه؟

ردت مستنكرة بلهجةٍ يشوبها الانفعال:
-هو في حد عاقل يوافق على الجنان اللي بتقوليه ده؟ بقى على آخر الزمن عاوزة تقفي تبيعي في الشارع يا "فيروزة"، لأ وبتجري أختك معاكي، أل هي ناقصة فضايح وقلة قيمة!
زوت ما بين حاجبيها مرددة في تساؤلٍ متعجبٍ:
-وإيه المانع يا ماما؟
احتدت نظراتها نحوها تلومها:
-المانع؟؟ إنتي مش شايفة نفسك غلطانة؟

ردت ببرودٍ مدافعة عما تريد:
-غلطانة في إيه طيب؟ أنا عاملة مشروع زي أي حد ما بيعمل، فكرته بسيطة، هانطبخ ونبيع الأكل للناس ونكسب منه، وبعدين هنقف هنا على الكورنيش جمب البيت بكام متر، يعني حضرتك يا ماما تقدري تشوفينا من الشباك أو حتى تقفي معانا.
هزت رأسها محتجة وهي تعقب عليها:
-برضوه مش موافقة، وخالك لما هيعرف هيبهدلنا، وأنا مش ناقصاه!!

هنا خرجت "فيروزة" عن حالة الهدوء الزائفة لتقول بتشنجٍ:
-إنتو ليه محسسني إني بأتاجر في المخدرات؟ زمايلي كلهم بيعملوا مشاريع زي كده، ونجحوا وأثبتوا نفسهم ومحدش قالهم لأ، اشمعنى أنا؟
أجابتها ببساطة:
-لأنك بنت.

تشنج جسدها أكثر من ردها الذي بدا من وجهة نظرها مستفزًا، وقبل أن تختنق شرايينها بدمائها الفائرة لطفت والدتها من الأمر علها تتخلى عن فكرتها المتهورة فاستعطفتها:
-يا ماما، عشان خاطري، افهميني، أنا زهقت من أعدة البيت وعاوزة أعمل حاجة مفيدة، وأنا درست الموضوع كويس، وبعدين هنقدر نحوش فلوس عشان لما نتجوز.
ردت عليها أمها تحذرها في عصبيةٍ:
-أنا مقصرتش معاكو في حاجة! بلاش تجروا رجلينا للمشاكل.

قالت بإصرارٍ:
-مافيش مشاكل إن شاء الله
-برضوه راكبة دماغك؟
لجأت لإقناعها أكثر بهدوءٍ ومنطقية موضحة لها:
-احنا عارفين ده كويس، بس الحياة غالية، والمصاريف كل مدى بتزيد، ومعاش بابا الله يرحمه مش مكفي مع الريع اللي بيطلعلك من أرضك، افرضي حصل حاجة وحشة لا قدر الله، هانجيب فلوس منين؟ وخالنا يدوب مكفي بيته وعياله، ولا نسيتي يا ماما اللي حصل أيام موضوع البيت؟!

ضغطت "آمنة" على شفتيها في ضيقٍ ممتعض، فما تتفوه به حقيقة مفروغ منها وإن أنكرتها، هي لا تملك من الأموال ما قد يغطي أي ضائقة مالية طارئة قد تحدث، وأخيها ليس بالخيار الأفضل لتقديم المساعدة، سرحت تفكر في لجوئها له قبل بضعة سنوات، تذكرت مساومته لها في شراء حصة بالمنزل الذي تركه لها زوجها بعد أن تعذر عليها سداد الأقساط الأخيرة لوفاته المفاجئة مقابل تسديده لهم، وبالرغم من التعويض المادي الذي تلقته إلا أنه لم يكن كافيًا لدفع باقي المستحقات. أدركت "فيروزة" من سكوت والدتها أنها ربما تعيد التفكير في الأمر، ظنت أن الفرصة مناسبة للضغط عليها وتليين رأسها المتيبس حتى تحظى بموافقتها، تلمس ذراعها بيدها تتوسلها:
-صدقيني يا ماما، مافيش منها أي ضرر، ولو حصل منها مشكلة أنا بنفسي هالغيها.

زمت أمها شفتيها متسائلة في قلقٍ بائن على تعبيرات وجهها المرهقة:
-طب وخالك؟
تشكلت ابتسامة لطيفة على محياها وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
-البركة فيكي إنتي يا حبيبتي.

رددت الأخيرة في استسلامٍ وقد رضخت تقريبًا للأمر الواقع أمام عناد ابنتها:
-أنا مش عارفة إنتي ناوية تعملي فيا إيه؟!
احتضنتها "فيروزة" في عاطفةٍ ومحبة بعد أن فطنت لموافقتها الضمنية، شدت من ضمها لها لتغرق في أحضانها الآمنة قائلة لها:
-كل خير يا ماما.
أغمضت عينيها لتستمتع بانتصارها الذي ظفرت به بعد صعوبة، تبقى لها أن تثبت لوالدتها أنها كانت جديرة بثقتها.

تجمدت الأعين المشتاقة على البوابة الحديدية السميكة، خاصة عيناها اللاتين تتوهجان في حبٍ، سيطرت بصعوبة على مشاعرها المتحمسة لرؤيته، فلو كانت بمفردها لأخذته في أحضانها وارتوت من حبه الذي حرمت منه، كم حلمت بتلك اللحظة التي سينال فيها حريته لتكتمل بوجوده سعادتها! همهمات خافتة متداخلة صدرت من أفواههم وقد فتح الباب الصغير الجانبي ليخرج منه الغائب المنتظر، فرحة عامرة سيطرت عليهم وتحركوا مقبلين عليه. رفع "تميم" عينيه للأعلى ليجد والده، وجده، وزوج أخته، بالإضافة إلى "خلود" ينتظرونه بالخارج أمام سيارتين تخص العائلة، على الفور تحرك أباه نحوه فاتحًا ذراعيه له، ارتمى ابنه في أحضانه يضمه بشوقٍ وحب، ردد "بدير" مرحبًا بفلذة كبده الغالي:
-حمدلله على السلامة يا ابني.

رد عليه "تميم" بصوته الأجش وهو يتراجع للخلف دون أن تترك قبضتاه ذراعيه:
-الله يسلمك يا حاج.
حرره ليذهب إلى جده الذي اتكأ على عكازه ليكون حاضرًا في تلك اللحظة الهامة حينما يلتقيه، انحنى عليه يقبل كفه المجعد يشكره في امتنانٍ واضح:
-جاي بنفسك يا جدي؟
ربت "سلطان" على كتفه قائلاً له:
-معندناش أغلى منك يا "تميم".
استقام في وقفته مقبلاً أعلى رأسه في تهذيبٍ، ثم أضاف ببسمة صغيرة:
-الله يديمك فوق راسنا يا كبير العيلة.

ربتة أخرى تلقاها كتفه منه، ثم استدار ليصافح "محرز" الذي صاح يحييه:
-كفارة يا ابن ولاد الأصول، غيبتك طولت عليا والله.
رد مجاملاً:
-تُشكر يا "محرز"، كله بيعدي، وأديني رجعتلكم.
علق مبتسمًا بتكلفٍ:
-تنور مكانك يا "تميم"، والله لا يعودها الأيام الغابرة دي تاني، أكيد إنت عقلت وعرفت إن مافيش حاجة تستاهل.

بدا وجهه جادًا للغاية بعد كلماته الحمقاء، رمقه "تميم" بنظرة نارية وهو يرد عن قصدٍ وبخشونةٍ بائنة:
-لأ تستاهل يا "محرز" وخصوصًا مع الأشكال الضالة وولاد الحرام، أنا فدا الحاج وجدي وأي حد يمس شعرة من عيلتي!
شعر زوج أخته بجفافٍ عنيف يصيب حلقه، اهتزت ابتسامته واضطربت حركة عيناه وهو يرد في حرجٍ كمحاولة بائسة في إصلاح ما أفسده لسانه:
-أكيد طبعًا، كله إلا عيلة الحاج "سلطان".

تحولت عينا "تميم" عنه لتتجه إلى تلك الجميلة التي احتضنت باقة ورد صغيرة بين ذراعيها، رأى في ملامحها بهجة وإشراقة يحسده عليها الرجال، مدت "خلود" يدها بها نحوه وهي تقول باشتياقٍ محسوس في صوتها وظاهر في تعبيراتها ولهفة نظراتها:
-حمدلله على سلامتك، أنا مش مصدقة إن الأيام عدت، الحمدلله إنك رجعتلنا وبقيت في وسطنا.
لم يبادلها نفس النظرات المتلهفة، بل نظر إلى باقة الورد بازدراءٍ، ولم تتحرك يده لأخذه مما أحرجها بشدة، سحبت "خلود" يدها للخلف وقد تسلل إليها إحساسًا مزعجًا بالارتباك الممزوج بالضيق من أسلوب معاملته غير الحميمي معها، شعرت بالإحباط والصدمة حينما سألها بجفاءٍ وجمود:
-جيتي ليه؟

وخزة مؤلمة عصفت بصدرها من قسوة كلماته المثبطة لأي فرحة تبزغ في قلبها، كادت أن تبكي وبدأت العبرات في التجمع في مقلتيها تأثرًا بما انتابها من حزنٍ مباغت، خرج صوتها إلى حد ما مهتزًا وهي تجيبه:
-ده أنا مستنية اليوم ده من زمان.
رد بنفس النبرة الجافية:
-كنتي أعدتي في بيتك أحسن، مش كتر مشاوير والسلام.

باتت قاب قوسين أو أدنى من البكاء علنًا لقسوته غير المفهومة معها، زاد انقباض قلبها كما لو كان قد غرز به سكينًا تلمًا، اغرورقت عيناها بالعبرات الكثيفة، واشتعل وجهها بحمرةٍ حرجة. استياءٌ محبط تغلغل في كيانها مع إشاحته لوجهه بعيدًا عنها وكأنها نكرة مشاعرها لا تعنيه في شيء، تابعته بعينين منكسرتين وهو يلتهي بالحديث مع عائلته لتشعر بكونها ضيفًا غير مرحب به بينهم، تهدل ذراعاها وارتخت أصابعها عن باقة الورد لتسقط على الرصيف، تركتها وسارت بخطواتٍ بطيئة نسبيًا تتبع زوج خالتها حتى وصلت للسيارة، لم تتفوه بكلمة واحدة مبتلعة مرارة الحزن في حلقها، حتى عينيها بقيتا بعيدتين عن وجهه الذي كانت تحترق شوقًا لتأمله، جلست بالمقعد الخلفي مركزة أنظارها على الطريق والشكوك تساورها بشأن استمرار حبه لها ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثالثة بقلم منال سالم



استندت بوجهها على كفها وهي تتطلع بشرودٍ حزين إلى حركة الجيران بمنطقتها الشعبية من خلال نافذتها، وعلى الرغم من الصخب المزعج المنتشر في وقت الظهيرة إلا أنها كانت معزولة عنه بانخراطها في همومها، تركت لدمعاتها المختنقة العنان لتنساب على وجنتيها، كان صدرها مختنقًا على الأخير، ما زال طيف لقائها معه بعد تلك الغيبة يؤلمها، قدم لها الخيال هاجسًا مخيفًا بأنها باتت مفروضة عليه، وحبها له من طرف واحد، بالرغم من كونها لا تعرف سواه، ولم تعشق غيره، لكنه كان منذ الوهلة الأولى بعد ذلك البُعد القاسي غامضًا معها .. نادت عليها والدتها عدة مرات فلم تنتبه لها مما حث الأخيرة على الاقتراب منها وهزها بضيقٍ، اعتدلت "خلود" في وقفتها المنحنية قليلاً لتنظر إلى والدتها باستغرابٍ، مسحت ما علق في أهدابها من عبراتٍ لتسألها:
-في إيه يا ماما؟


 
أجابتها بوجهٍ مكفهر وصوت يعكس ضيقها:
-بنادي عليكي وإنتي ولا سمعاني!
ردت بزفيرٍ بطيء:
-معلش.. مخدتش بالي.
دققت "بثينة" النظر في وجه ابنتها الذابل، لم تكن بالساذجة لتفهم وجود خطب ما، سألتها بجديةٍ تنم عن قوة وحاجباها معقودان:
-"خلود"، بقالك يومين مش زي تملي، في حد ضايقك؟ قوليلي وأنا أتصرف.
ظهر ترددها وهي تجيبها باقتضابٍ:
-لأ .. مافيش.


 
سألتها مباشرة وكامل نظراتها مثبتة عليها:
-"تميم" عملك حاجة؟
للحظة توترت من سؤالها الملبك لحواسها، أجابت دون أن تنظر في عينيها حتى لا تلاحظ كذبها:
-لأ.
كانت غير مقتنعة بردها، ومع ذلك قالت لها:
-طب جهزي نفسك عشان تروحي من بدري لخالتك تساعديها في عزومة العشا بتاعة النهاردة.


 
عبثت "خلود" بأصابع يدها في ارتباكٍ، فكيف ستخبرها أنها غير راغبة في الذهاب إلى هناك وجرح كبريائها أكثر من ذلك بتلقي المزيد من قساوة "تميم"، ما زالت مستاءة منه، ولم يخف حزنها، ضغطت على شفتيها تعتذر بصوتٍ مهتز وعيناها تتحركان في توترٍ:
-أنا أصلي.. مش.. رايحة
علقت مصدومة مما نطقت به:
-نعم؟ بتقولي إيه؟

تعللت مدعية كذبًا:
-جسمي واجعني و.. مش هاقدر أقف كتير، خايفة أدوخ وأتعب.. خليني أروح مرة تانية.
زمت والدتها شفتيها في عدم اقتناعٍ وهي تعقب عليها:
-غريبة! مع إنك كنتي بتزني عليا عشان تروحي.
غامت عيناها وهي ترد:
-مكونتش أعرف إني هاتعب
استدارت "بثينة" برأسها للخلف حينما سمعت صوت الجرس، عادت لتنظر إلى ابنتها وهي تهم بالتحرك:
-أنا هاروح أشوف مين بيخبط.


 
أومأت برأسها بهزة بسيطة والتفتت تتطلع من نافذتها للزحام المتواجد بالأسفل، سحبت "خلود" أنفاسًا عميقة تخفف بها تلك الغصة المؤلمة الموجودة بصدرها، أتاها صوت والدتها من خلفها وهي تقول لها بابتسامة ماكرة وعيناها تبرقان بوميضٍ غريب:
-في ضيف جايلك برا يا حلوة.
أدارت رأسها ببطءٍ نحوها لتسألها:
-ضيف؟ مين ده؟

هزت "بثينة" كتفيها في دلال مصطنع قبل أن تجيبها بابتسامتها اللئيمة:
-"تميم" يا عين أمك!
خفق قلب "خلود" بقوة لمجرد سماعها اسمه، في لحظة واحدة تلاشت جميع أحزانها ومُحيت كل همومها، أشرقت ملامحها وتوهجت نظراتها بوهج الحب. اضطربت أنفاسها حينما رددت:
-"ت..تميم"!
قالت في خبث:
-أه ياختي "تميم".


 
تملكتها حالة من الارتباك والحيرة، دارت حول نفسها غير مصدقة أنه قد جاء إليها، وقفت أمام المرآة لتضبط هيئتها سريعًا وتمسح ما تبقى من دمعاتها، قرصت خديها بأناملها وهي تتساءل في تلهفٍ مضاعف:
-شكلي مظبوط يا ماما؟
علقت عليها ساخرة:
-عجايب! اللي يشوفك من شوية مايشوفكيش دلوقتي!

نثرت "خلود" عطرها على بلوزتها الخضراء، وهندمت ياقتها ثم أرخت طرفي حجابها الأبيض وراء ظهرها، سحبت شهيقًا عميقًا تهدئ به دقات قلبها المتسارعة، وقفت قبالة والدتها ترجوها:
-ادعيلي ياماما.
قالت لها بوجهٍ عابس غير راضٍ عن تصرفاتها:
-بأدعيلك، بس إنتي اركزي كده.


 
وكأنها لم تصغِ لها حيث خرجت من غرفتها مهرولة نحو الصالة، لمحته جالسًا عند الزاوية يحرق صدره بسجائره، رمشت بعينيها غير مصدقة أنه جاء لرؤيتها، أحست بالسعادة تغمرها من جديد فتذيب الأوجاع التي أثقلت قلبها، لكنها أرادت معاتبته على خشونته معها، لذا تباطأت عن عمدٍ في خطواتها وهي تقترب منه. أطفأ "تميم" سيجارته وقد لمحها مقبلة نحوه، نهض لمصافحتها فرفضت مد يدها نحوه وكتفت ساعديها أمام صدرها لترد له ما فعله معها حينما قدمت له باقة الورد، رمقها بنظرة حادة أربكتها، ثم سألها لها:
-دي حمدلله على السلامة بتاعتك؟

على الفور تخلت عن قناع الجمود الزائف الذي ارتدته لتعتذر منه في ندمٍ وقد تهدل كتفاها وارتخى ذراعاها:
-حقك عليا يا "تميم"، أنا مقصدش.
ثم لعقت شفتيها بطرف لسانها قبل أن تضيف بمرارة:
-بس إنت وجعتني باللي عملته معايا قصاد أهلك!
رد عليها دون مراوغةٍ:
-عشان الورد؟


 
أدمعت عيناها وقد تجسد المشهد في مخيلتها، رأى "تميم" عبراتها تتجمع فشعر بوخزة تؤلم حلقه، لم يحبذ أبدًا تلك النوعية من الرومانسيات العلنية، هو غيرها لا يستطيع التعبير عن مشاعره أمام الآخرين، يحتاج لنوعٍ من الخصوصية ليبوح بمكنونات قلبه، أخرج زفيرًا عميقًا من جوفه ثم جلس على الأريكة ليقول لها:
-بصي يا بنت الناس، خليني أكون واضح معاكي..

قضم باقي حديثه ريثما تجلس، ثم استأنف قائلاً بنفس اللهجة الجادة:
-الأيام السودة اللي أنا عيشتها في السجن غيرتني كتير، طول اليوم مع مجرمين وأشكال بنت...، فمش بالساهل تلاقيني "تميم" بتاع زمان، أنا محتاج وقت عشان أعرف أتعامل مع الناس عادي، وخصوصًا خطيبتي، تصرفاتي شوية ممكن متعجبكيش، بس اديني وقتي!

امتدت يداها نحوه لتمسك بكفيه، مسحت عليهما برفقٍ وقد حدقت في عينيه بنظرات هائمة، خرج صوتها محملا بتنهيدات العشق وهي تقول:
-حبيبي، خد كل الوقت اللي إنت عاوزه، أنا مش مستعجلة، بس ماتقساش عليا، أنا بأحبك، وبأموت في التراب اللي بتمشي عليه.
تنحنح بصوتٍ خافت قبل أن يسحب كفيه من بين أناملها الناعمة، استقام في جلسته مرددًا:
-أنا جاي بنفسي أخدك للعزومة.

هللت غير مصدقة وهالة سحرية من الحب تحاوط وجهها:
-بجد يا "تميم"؟
رد بغلظةٍ طفيفة:
-أكيد مش بأهزر يعني! قومي جهزي نفسك، مش عاوز أتأخر.
نهضت واقفة وهي ترد في انصياع كامل:
-على طول يا حبيبي..
همَّت بالتحرك لكنها التفتت برأسها نحوه لتضيف في رقةٍ وقد ضج وجهها بتوردٍ دافئ:
-تعرف أنا كنت لسه بأقول لماما إني لازم أروح لخالتي من بدري عشان أساعدها، وهي و"هيثم" يروحوا براحتهم، برضوه هي محتاجة حد يقف معاها.

تقوست شفتاه عن ابتسامة صغيرة ممتنة وهو يدس بينهما سيجارة أخرى يوشك على إشعالها، رمقته "خلود" بنظرات أكثر عشقًا قبل أن توليه ظهرها لتسرع في خطواتها عائدة إلى غرفتها حتى تكمل ارتداء ثيابها. استوقفتها والدتها متسائلة بتهكمٍ:
-التعب راح خلاص؟
انفرج ثغرها عن بسمة متسعة مليئة بالفرحة، مالت نحو والدتها تحتضنها وتقبلها من وجنتيها وهي تهتف في ابتهاج:
-أنا بأحبك أوي يا ماما.
علقت عليها بنبرة ساخرة:
-خلي الحب لناسه ياختي!

لا تعرف كيف وافقت ببساطة على جنونها المُسبب للفت الأنظار وجلست على مقعد بلاستيكي إلى جوار عربة الطعام الجاهز لتراقب بقلقٍ غريزي ما تفعله ابنتاها مع الزبائن. في البداية كان الوضع هادئًا بالرغم من اختيار الأختين ليوم الخميس لافتتاح مشروعهما حيث بداية العطلة الأسبوعية وخروج المواطنين للاستمتاع بالأجواء الشتوية، انزعجت قليلاً من شرائط الأنوار الجاذبة للأنظار التي حاوطت مقدمة العربة لتجذب الأعين نحوها، أشاحت ببصرها عن إضاءتها لتضم شالها الصوفي على عنقها حتى تستعيد إحساس الدفء المفقود في ذلك المكان الفسيح..

أعدت "همسة" السندوتشات الخفيفة وأضافت لها نكهات مميزة لتعطيها مذاقًا مختلفًا وأيضًا حريفًا إن طلب أحدهم طعمًا لاذعًا وحارًا، في حين تولت "فيروزة" تلقي الطلبات وتغليف الطعام فور الانتهاء منه. نهضت "آمنة" من مكانها لتذهب إلى ابنتيها بعد أن ضجرت من المكوث مطولاً بمفردها دون أن تقوم بشيءٍ مفيد، ناهيك عن تيار الهواء البارد الذي أرهق جسدها.

وقفت تتطلع إلى الاثنتين الواقفتين خلف نافذة موجودة في العربة، كلتاهما ترتدي كنزة سوداء ثقيلة مطبوعٌ عليها نقوشات شتوية، ويرفعان شعرهما للأعلى ويلفان حوله منديلاً للرأس من اللون الأسود يزينه ورودًا ملونة حتى لا تتساقط أيًا من خصلاته في الطعام أثناء إعداده، تأملتهما بابتسامةٍ لطيفة سرعان ما تلاشت لتسألهما بنفاذ صبرٍ:
-هو احنا هنفضل أعدين كده لحد امتى؟

ردت عليها "فيروزة" بملامح جادة:
-لسه بدري يا ماما، الناس بتسهر للصبح.
قالت والدتها بتذمرٍ وهي تسحب شالها على كتفيها المرتعشين:
-بس أنا البرد نخر في عضمي وتعبني.
اقترحت عليها "همسة" بلطفٍ وهي تبتسم لها:
-تقدري يا ماما تطلعي تريحي، كتر خيرك واقفة معانا من بدري، واحنا كمان شوية هنقفل ونرجع البيت.
اعترضت عليها بشدة:
-وأسيبكم لوحدكم في الطل؟

صححت لها "فيروزة" عبارتها مستخدمة يدها وعينيها في الإشارة:
-طل إيه بس، ده الدنيا زحمة أهي.
انكمشت "آمنة" على نفسها من التيارات الهوائية الباردة التي تضرب وجهها، وقالت في ضيقٍ:
-أنا مش مرتاحة.
استندت "فيروزة" بكفيها على حافة النافذة لتتمكن من الانحناء نحوها، ثم ردت عليها بهدوءٍ علها تخفف من وطأة خوفها الزائد:
-يا ماما متخافيش، أديكي موجودة معانا من بدري ومافيش حاجة حصلت، الناس رايحة جاية وكل حاجة تمام التمام.

حركت رأسها للجانب قبل أن ترد عليها:
-قلبي متوغوش، وبعدين كل فين وفين لما حد يجي ناحيتكم
بررت لها عزوف الزبائن عن القدوم قائلة بمنطقية:
-ما هما لسه ميعرفوناش، بكرة لما الكل يدوق أكلنا هنبقى مش ملاحقين على الطلبات ولا الزباين.
-أما نشوف
قالتها وهي تجرجر ساقيها نحو مقعدها الموضوع بجوار العربة، في حين تساءلت "همسة" في اهتمامٍ وهي تحاول أن تطل برأسها من النافذة لتنظر إليها أكثر:
-هاتعملي إيه يا ماما؟

ألقت بثقل جسدها المنهك على المقعد لتجيبها بعدها:
-هاقعد في مكاني، ما أنا مش هاسيبكم لوحدكم.
سألتها مبتسمة:
-طيب أعملك سندوتش؟
ردت بوجهٍ متقلص ونظراتٍ متنمرة:
-لأ مش عاوزة.. ربنا يسهل وتفضوا المولد ده خلينا نرجع بيتنا.

كظمت "فيروزة" غيظها من أسلوبها المنفر والمثبط للعزائم لتقول بصوتٍ خفيض وهي تكز على أسنانها:
-شايفة الإحباط؟
همست لها أختها وهي تسحب السكين من موضعه:
-احمدي ربنا إنها وافقت أصلاً، مش أحسن ما كانت حطتلنا العقدة في المنشار ولا عرفنا نعمل حاجة.
قالت بتكشيرة جانبية على شفتيها:
-على رأيك، الحكاية مش ناقصة عكوسات!

أمرتها "همسة" بجديةٍ وهي ترص قطع اللحم في المقلاة المليئة بالزيت المتأجج على النيران:
-قطعي يالا الطماطم والخس، عشان لو حد جه طلب أوردر ما يقفش كتير.
رفعت "فيروزة" يديها للأعلى مرددة بنبرة عالية:
-ارزقنا من عندك يا رب!

شمر عن ساعديه وقام بثني كمي جلبابه ليتحرر ذراعاه ويستطيع مدهما بأريحية أثناء تناوله للطعام خلال المأدبة التي دعا إليها أفراد عائلته احتفاءً بخروج حفيده الغالي من محبسه. شطر "سلطان" الدجاجة المطهية أمامه إلى نصفين؛ وضع إحداهما في صحنه واستطال ذراعه ليصل إلى حفيده الجالس على ميمنته بجوار ابنه، أسندها في طبقه قائلاً له بصيغة آمرة:
-عاوزك تخلص الأكل ده كله.

رد عليه "تميم" مازحًا:
-أوامرك يا جدي، هنسفهالك
بادله جده ابتسامة راضية قبل أن تتحول أنظاره نحو "ونيسة" التي أمسكت بالمعلقة الكبيرة لتسكب بها الحساء الذي تُجيد إعداده بوصفة خاصة بها في طبقه وهي تقول:
-دوق يابا الحاج وقولي رأيك.
مد معلقته به وسحب القليل منه ليرتشفه ثم أردف في استحسانٍ:
-تسلم إيدك.

انتفخت عروقها تباهيًا برأيه الذي يضاعف من فخرها بمهاراتها في الطهي، وشرعت توزع على باقي الجالسين مستعينة بابنة أختها لتساعدها في تقديم الطعام لضيوفها، خاصة وأن ابنتها "هاجر" تعاني من آلام الحمل المعتادة في تلك الأشهر المتقدمة منه. استهلت "بثينة" حديثها مادحة عن عمدٍ لتوجه الأنظار نحو ابنتها:
-طول عمرك ست بيت شاطرة يا "ونيسة"، و"خلود" طالعة زيك، مخدتش حاجة مني.

ردت شقيقتها مجاملة:
-تسلمي ياختي، بس بنتك أشطر مني.
قالت لها بابتسامة متسعة بعد ضحكة مفتعلة:
-والله دي أخدة أصول الصنعة كلها منك.
وقفت "خلود" بجوار خطيبها تقدم له الطعام، شكرها بنظراته دون أن ينبس بكلمةٍ، وفهمت هي إشاراته غير المنطوقة واحمرت وجنتاها خجلاً. هتفت "بثينة" فجأة عاليًا وصوت المعالق يضرب في الصحون:
-ما تاكل يا "تميم"، ده إنت هفتان يا حبيبي، هما مكانوش بيأكلوك في السجن؟

بدت جملتها فظة إلى حد ما وأثارت حفيظة ابنتها التي اتسعت عيناها في لومٍ من أسلوبها غير المقبول لطرح مثل تلك الكلمات الصادمة، خشيت من توتر الأجواء لكن فاجأها "تميم" بالرد بسخافةٍ قاصدًا إحراجها وربما مضايقتها:
-كنت بأكل يا خالتي بدل الطقة عشرة، بس أكل أمي لا يُعلى عليه!
اكتسى وجهها بعبوسٍ ملحوظٍ، بينما ضحكت "ونيسة" بنبرة فرحة وهي تقول:
-حبيبي يا ابني، دايمًا كده ناصف أمك.

ثم غمزت له بمكرٍ لتتحول الأنظار من جديد نحو خطيبته المرتبكة:
-بس النهاردة "خلود" اللي عاملة كل حاجة بإيدها، صح يا "هاجر"؟
أيدتها ابنتها "هاجر" في الرأي فقالت بلؤمٍ:
-طبعًا، وكله على يدي.
ردت عليها "بثينة" متسائلة بابتسامتها العريضة:
-إنتي صحتك عاملة إيه دلوقت؟
أشارت "هاجر" إلى بطنها المنتفخ وأجابت بتنهيدة متعبة:
-الحمدلله، مطلع عيني، بس كله يهون عشانه.

قالت لها مجاملة:
-طبعًا، ده الحفيد المنتظر، ربنا يتمملك على خير، ها الضاكتور قالك النوع إيه؟
همَّت تجيبها:
-هو قالنا ...
لم يرغب "محرز" -زوج "هاجر" وأحد أهم معاوني "بدير"- في اقتحام تلك المرأة الفضولية لشئونه الخاصة، لذا بحزمٍ قاطع حديث النساء ليردد بطريقته اللزجة وبقايا الطعام الممضوغ يتناثر من فمه:
-كل اللي يجيبه ربنا خير، خلونا نشوف الشغل والتوريدات اللي ورانا، جايلنا كام طلبية و....

ظنت "بثينة" أن الفرصة مواتية لتقحم ما تريده مستغلة جملة "محرز" الأخيرة فهتفت متدخلة في الحديث بفظاظة ونظراتها بالكامل تركزت على وجه "بدير" لكونه المسئول عن إدارة الأعمال:
-بمناسبة الشغل يا حاج "بدير"، ما تاخد "هيثم" معاك، أهوو يقف معاكو ويقضيلكم مصالحكم.
رد عليها "بدير" بطريقة سمجة تليق بأسلوبها:
-جربته قبل كده ومانفعش!

احتج "هيثم" على اتهامه بالتقصير فدافع عن نفسه قائلاً وقد توقف عن بلع لقيمات الطعام:
-لا يا جوز خالتي، أنا بأفهم في الشغل.
نظر له بنظرة نفاذة تشير إلى خبرته وسطوته قبل أن يكتسي صوته بطابع رسمي وهو يرد:
-شغلنا مش عاوز فهلوة ولا لوي دراع، دي مصالح ناس بألوفات، وسمعتنا قبل كل ده فوق أي اعتبار.
علق الطعام في حلق "هيثم" فسعل بشدةٍ، ناولت "بثينة" كوب الماء لابنها وربتت على ظهره حتى يلفظ ما سد مجرى الهواء، التفتت لتعاتب زوج أختها:
-وأنا ابني قصر في حاجة؟

أجابها ببساطةٍ وهو يلوك الطعام:
-ابنك معندوش مخ.
اشتعل وجهها بحمرة غاضبة من إهانته غير المقبولة لابنها فصاحت تدافع عنه باستماتةٍ:
-نعم، أنا ابني مخه يوزن بلد باللي فيها، إنتو بس اللي مش مقدرين قيمته ولا مدينه حقه هنا.
تدخل "سلطان" قائلاً بلهجة الآمر الناهي:
-خلاص يا "بثينة"، قفلوا على السيرة دي، مش وقته الكلام ده، نبقى نشوف موضوع ابنك بعدين
ردت على مضضٍ وعيناها تشعان شررًا مغتاظًا:
-ماشي يا حاج "سلطان".

رن هاتف "تميم" فأخرجه من جيب بنطاله الجينز الخلفي لينظر إلى شاشته، فمنذ أن علم رفاقه بعودته وهاتفه لم يتوقف، نهض دافعًا مقعده للخلف وهو يستأذن بلباقةٍ احترامًا لضيوفه:
-لا مؤاخذة، هرد على التليفون وأرجعلكم
قالت له "ونيسة" بابتسامة عريضة وبكلمات موحية:
-بسرعة يا ابني، لأحسن الشوربة اللي عملاها بنت خالتك تبرد.. طعمها مابيبقاش حلو إلا وهي سخنة موهوجة.
تلقائيًا تحركت حدقتاه نحو وجه "خلود" المتشرب بحمرته الخجلة، بدت أكثر توترًا من نظرات المحدقين بها، رمقها "تميم" بنظرة غير مفهومة التقطتها خلسة، ثم عاد ليحدق في والدته قائلاً باقتضاب:
-إن شاءالله..

انسحب من مائدة الطعام ليتحدث مع المتصل وصوته المرح كان نوعًا ما مسموعًا وهو يقول:
-حبيبي يا "ناجي"، أهوو بنتعلم منك الأدب والأخلاق!
لم يدرك أن عينا "خلود" ما زالت تتبعه أينما ذهب وقلبها يدق بسرعة فائقة، وبالرغم من تحرجها من الأسلوب غير المستساغ في التحدث عنها بسبب أو بدونه إلا أنها كانت سعيدة بكونها محط اهتمامه. لاحقًا عاد "تميم" إلى الطاولة ووقف مستندًا بذراعه على مقعده ليعتذر بجدية:
-معلش يا جماعة، أنا مضطر استأذن وأنزل أشوف أصحابي، كلهم متجمعين ومستنيني على القهوة.

سقطت كلماته على رأس "خلود" كالصدمة، وهي التي كانت تمني نفسها بسهرة لطيفة تتمتع فيها بالتطلع إلى وجهه وتغرق في نظراته الساهمة، وربما يتجرأ ويداعب مشاعرها بتغزله فيها، تبخرت أحلامها كليًا وامتعضت ملامحها كتعبيرٍ عن ضيقها، في حين رد عليه "بدير" بصوتٍ هادئ:
-وماله اخرج يا "تميم"، بس بلاش مشاكل.
قال ممازحًا بابتسامةٍ ساخرة:
-اطمن يا حاج، أنا مبطل شقاوة بقالي يومين.
ودَّع الجالسين ملوحًا بيده.. حانت منه التفاتة سريعة نحو "خلود" رمقها بنظرةٍ ذات مغزى ابتسمت لها وأسبلت عينيها نحوه قبل أن تثبت نظراتها على صحن طعامها محاولة تهدئة قلبها الراقص طربًا لاهتمامه بها وإن كان صغيرًا ومتواريًا.

أوشك زيت القلية المستخدم في طهي قطع (الهامبورجر) على النفاذ بعد أن تكاثرت الطلبات الخاصة بتجهيز السندوتشات، حاولت "همسة" التعامل مع ما هو متاح حتى يتسنى لها توفير بعض الوقت للذهاب إلى المنزل لإحضار واحدة جديدة والعودة إلى عربة الطعام. أوكلت مهمة مراقبة تحمير وجهه ل "فيروزة"، لكن خشيت الأخيرة من إفساد مجهود أختها المبذول لقلة خبرتها فقالت حاسمة رأيها:
-أنا اللي هاروح أجيب الزيت، وخليكي إنتي تابعي الأكل
ردت عليها رافضة:
-يا "فيرو" أنا مش هتأخر، والموضوع بسيط مش مستاهل، إنتي بس ...

قاطعتها بعنادٍ:
-خلاص يا "همسة"، أنا عارفة مكان الحاجة، وبالمرة هاجيب لماما شال تقيل بدل اللي لبساه عشان البرد.
ابتسمت تشكرها:
-تسلميلي، خدي بالك من نفسك.
ردت ساخرة:
-هو أنا ههاجر، ده البيت آخر الشارع!
ثم انتزعت مريلتها عن خصرها لتتركها على الجانب وتهبط عن العربة، سألتها "آمنة" مستفهمة:
-رايحة فين يا "فيروزة"؟
أجابتها على الفور:
-هاجيب زيت من البيت وراجعة على طول.
أمرتها بنبرتها الجادة:
-متتأخريش.
-حاضر.

قالتها وهي تسير على عجالة بخطواتٍ أقرب للركض لتعبر النصف الأول من الطريق، وقفت عند المنتصف على الرصيف الفاصل بين الجهتين تنتظر تباطؤ حركة السيارات حتى تتمكن من العبور. كان الهواء عاصف نسبيًا فضرب وجنتيها وتسبب في بعثرة خصلات شعرها بشكلٍ شبه فوضوي على وجهها مما اضطرها لإعادة ما تناثر منه أسفل منديل رأسها دون أن تكترث أنها حررت مشبك الشعر الفضي المصمم على هيئة زهرة الأوركيد والذي كان ممسكًا به. فركت "فيروزة" كفي يدها معًا عل الدفء يتسرب إلى أطرافها التي ارتعشت كليًا، لم تتخيل أن يكون الطقس باردًا بسبب حرارة الموقد بداخل العربة فبدا الجو بها على النقيض من الحقيقي.

في تلك الأثناء، كان "تميم" في خضم اتصالٍ هاتفي مع رفيقه، كامل حواسه مركزة مع حواره الشيق فيما عدا بصره المنتبه للحركة المرورية، قال لرفيقه "ناجي" عاليًا بصوته الأجش:
-هاشوف فين القهوة دي وأجيلك عندها.
مر بجوار "فيروزة" ولم ينتبه لها لكونها شخص عابر بالنسبة له متابعًا حديثه ببسمة جانبية شبه متهكمة وعيناه تجوبان بفضولٍ على عربة الطعام الوحيدة المرابطة بجوار الكورنيش:
-ده الدنيا اتغيرت خالص، وشايف حاجات غريبة هنا.

لفتت أنظاره فتوقف عن السير ليتأملها بنظرات أكثر تدقيقًا وتفحصًا. هدأت سرعة السيارات نوعًا ما فهرولت "فيروزة" عدوًا للناحية الأخرى مقاومة قدر استطاعتها تيار الهواء الشديد، لم تشعر بمنديلها الذي حرره الهواء وطار في اتجاه الريح ليصطدم بذاك الشخص الغريب عنها، أحس "تميم" بألم طفيف يضرب مؤخرة عنقه وكأن أحدهم قذفه بطوبة صغيرة، تحسسه بيده وهو يلتفت برأسه للخلف باحثًا عمن ارتكب تلك الفعلة الحمقاء التي حتمًا لن يمررها مرور الكرام، لم يجد أحدهم في الجوار، لكن أصابعه التقطت المنديل والمشبك. حملق فيهما باستغرابٍ حائر متسائلاً مع نفسه:
-بتوع مين دول...؟!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الرابعة بقلم منال سالم



مسحة رقيقة بأناملها على تلك الصورة الصغيرة الوحيدة التي تمتلكها له قبل أن ترفعها إلى شفتيها لتطبع قبلة مطولة عليها، كانت تشتاق إليه حد الجنون بالرغم من وجوده معها، جفائه وخشونته غير المنقوصين معها كان أكثر ما يرعبها منه، تنهيدة أخرى خافتة انبعثت من بين شفتيها ونظراتها الساهمة حملقت في وجهه الجاد..


 
تذكرت "خلود" حينما ألحت على "تميم" ليعطيها صورته، كان ذلك قبيل إعلان خطبتهما، وافق بصعوبة على طلبها، وأهداها واحدة له وهو في عمر صغير، فرحت آنذاك بهديته الغالية واعتبرتها أثمن من أغلى مجوهرات العالم، خبأتها سريعًا في محفظة يدها قبل أن يراها أحدهم ويستغل الفرصة في إحراجها بالسخرية من حبها المتيم به. لمسة حذرة على جانب ذراعها كانت كفيلة بجعل جسدها ينتفض، التفتت كالملسوعة لجانبها لتجد خالتها تحدق بها بنظراتٍ ذكية، مالت عليها لتهمس لها بنبرة ذات مغزى:
-ربنا يكملكم على خير يا حبيبتي، إنتي صبرتي كتير، وعن قريب هانسمع الأخبار الحلوة.


 
قفز قلبها بين ضلوعها فرحًا، أشرقت ملامحها وهي تسألها بتلهفٍ مفضوحٍ:
-بجد يا خالتي؟
ردت عليها "ونيسة" مؤكدة بثباتٍ:
-أيوه، أنا هفاتح جوز خالتك عشان نتمم الجوازة، كفاية كده عليكم.
عفويًا احتضنتها "خلود" وهي تكاد تبكي من فرط سعادتها، شكرتها بأنفاسٍ مبهورة:
-ربنا ما يحرمني منك يا خالتي، دايمًا واقفة في صفي.


 
ربتت الأخيرة على ظهرها لتأمرها بلطافةٍ:
-طب يالا يا عين خالتك عشان نجهز القهوة والشاي لجدك وباقي العيلة.
هزت رأسها في إذعانٍ راضٍ واستدارت متجهة نحو أحد أدراج المطبخ العلوية لتفتحها وتخرج الفناجين وترصها بشكلٍ منمق في الصينية ريثما تكمل خالتها إعداد القهوة وغلي الماء.

نظرة حائرة متشككة ارتكزت على منديل الرأس والمشبك المعلق به، للحظة شرد عن مكالمة رفيقه وتركزت كامل حواسه مع ما في يده، ارتفعت عيناه لتحدقان في الطريق من جديد، لا شيء يدعو للاسترابة، أنفار متباعدون يسيرون على عجل في العتمة المسيطرة على المكان بسبب خفوت الإضاءة وقلة أعمدة الإنارة، نظر أمامه ليجد البعض ما بين جالس على الكورنيش وواقف على مطلع الرصيف ينتظر سيارة أجرة شاغرة ليستقلها..


 
الحياة تسير بشكلٍ طبيعي ومتلائم مع طبيعة الأجواء الباردة. أطبق "تميم" كفه عليهما وهو يفكر في إلقائهما في أقرب سلة للقمامة للتخلص منهما، وبالفعل دنا من واحدة بلاستيكية معلقة على عمود الإنارة المظلم، رفع يده للأعلى ليصل إلى فتحتها العلوية، لكن أعاقه صوت "ناجي" المتسائل باستغراب:
-إنت روحت فين يا باشا؟
أجابه باقتضابٍ بعد نحنحة خفيفة وقد تهدل ذراعه:
-معاك...

عفويًا دسهما في جيب بنطاله الخلفي ريثما يفكر بهدوء فيما سيفعله بهما بعد أن أُثيرت حفيظته، همَّ باجتياز الطريق وعيناه تبصران عربة الطعام المضيئة بالأنوار البراقة، توقف على مقربة منها يفحصها بعيني المحقق المشكك والباحث عن أجوبة تفصيلية لأسئلته الدائرة في عقله، اقتضب جبينه وانزوى ما بين حاجبيه بقوة وقد لمح فتاة تخدم على الزبائن المرابطين أمام العربة وابتسامتها المجاملة ظاهرة على محياها، أردف "تميم" متسائلاً باهتمامٍ فضولي ينم على كونه لن يدع الأمر هكذا يمر ببساطة:
-هو مين في الحتة بتاعتنا شغال على عربية؟


 
سأله "ناجي" مستفهمًا، فقد بدا حديثه غامضًا مبهمًا:
-عربية إيه؟
أجابه دون أن يرمش:
-عربية أكل..
عاد ليسأله حتى تتضح الصورة له:
-تقصد عربية فول؟
رد نافيًا:
-لأ، سندوتشات وحاجات تانية.

-طب مكانها فين؟
أجاب بجديةٍ:
-على الكورنيش قرب البحر.
تنحنح "ناجي" بخفوت قبل أن يعقب عليه:
-مش عارف بصراحة، بقالي كام يوم مامشتش من الناحية دي.. بس بيتهيألي مافيش حاجة هناك.
رد مؤكدًا بما لا يدع مجالاً للشك:
-بأقولك أنا واقف قصادها وفيها باين بنت شغالة عليها.
ردد "ناجي" متعجبًا:
-بنت؟ غريبة أوي!


 
حك الأخير جبهته مضيفًا بنبرة تميل للانضباط:
-نكمل كلامنا في الحكاية دي لما أشوفك الأول، قولي إنت فين بالظبط؟
حاول رفيقه أن يوصف له الطريق المختصر المؤدي للمقهى حديث الطراز الذي يجلس به بعد أن تغيرت معالم المنطقة كثيرًا واختلفت عما اعتاد عليها قبل أن يُسجن. ظل باله مشغولاً بما رأه على طريق الكورنيش وتغاضى مؤقتًا عنه حتى يستعلم عن الأمر برمته.. لكن الأكيد أن السكوت عليه أمرٌ مستبعدٌ.

سار "تميم" بضعة خطوات نحو وجهته، لكن لشيء داخلي لا يعلم سببه قرر فجأة الالتفاف والعودة إلى العربة، تخلى عن حذره واقترب من النافذة التي تطل منها تلك الشابة الجميلة، رمقها بنظرة مطولة محاولاً تفحصها بها.. توقف عن التحديق بها حينما باغتته متسائلة بشكلٍ روتينيٍ بحت:
-إيه طلبات حضرتك؟

بدا وكأنه قد أتى من كوكب أخرى وهو يرمقها بتلك النظرات الغريبة، تقلصت تعابير وجهه واشتد اقتضاب جبينه، حرك رأسه للجانبين في حيرة باحثًا عن قائمة الطعام أو المشروبات، فهو لا يعرف ماهية ما يقدم بالعربة، سكونٌ حائر ساد في الأجواء قاطعته "همسة" بلطافةٍ لبقة وكأنها أدركت سبب تردده:
-في عندنا سندوتشات برجر حلوة، وكمان آ...


 
رفع يده ليسكتها بقوله الفظ:
-مش عاوز.. شكرًا
تراجعت "همسة" برأسها للخلف في اندهاشٍ مصدوم من رده المستفز، اربد وجهها من الضيق والغضب. لم تكن تجيد التصرف في تلك المواقف المحرجة، خُيل إليها أنه لو كانت "فيروزة" حاضرة لما كانت مررت الأمر على خير وللقنت أمثاله من الوقحين درسًا يليق به، تجاوزت مضطرة عن وقاحته لتلتفت إلى عملها الذي يحتاج كامل تركيزها الآن.

بسرعةٍ وهمة أنجزت ما هو مطلوب منها في أقل وقت ممكن؛ حيث أحضرت زجاجتي زيت حتى لا تضطر للعودة إن نفذت الأولى، كما عبثت بدولاب والدتها لتأتي لها بالشال الصوفي الثقيل لتضعه على جسدها فلا تشكو من برودة الطقس، وقبل أن تغلق "فيروزة" باب المنزل خلفها، ألقت نظرة خاطفة على هيئتها، دهشة عجيبة اكتست ملامحها وقد أدركت فقدانها لمنديل رأسها، عفويًا تحسست بيدها الأخرى التي لا تحمل شيئًا خصلاتها النافرة، انزعجت قائلة لنفسها:
-أكيد طار وأنا مخدتش بالي.

رتبت بيدها ما تبعثر من شعرها عله يثبت في مكانه، كانت "فيروزة" مدركة لضيق الوقت، وبالتالي تجاوزت عن ضيقها لتخرج من المنزل لتلحق بالزبائن المنتظرين عند العربة. اتجهت للسلم وأمسكت بالدرابزين لتهبط درجاته.. توقفت قدماها عند منتصفه وقد أبصرت خالها وزوجته المستفزة يلجان من المدخل، انتابتها ربكة مفاجأة، تطلع لها الأول في استغرابٍ مندهش، ثم سألها بشكلٍ آلي كأنه يحقق معها:
-رايحة فين السعادي يا "فيروزة"؟

توترت ملامحها بشكلٍ ملحوظ وخرج صوتها مترددًا وهي تجيبه:
-كنت.. آ.. بأجيب حاجة ل.. ماما و...
تأملتها "حمدية" بنظرات جابت عليها من رأسها لأخمص قدميها، ثم تدخلت في الحوار متسائلة في استنكار وعلامات النفور ظاهرة على خلجاتها:
-في نص الليل؟
ثم انخفضت نظراتها نحو زجاجتي الزيت اللاتين تحملهما لتسألها والريبة تعتريها:
-والزيت ده بيعمل معاكي إيه؟

انتبه "خليل" لحديث زوجته ونظر إلى حيث قالت، وسألها مستفهمًا:
-صحيح، بتعملي إيه بدول؟
رفعت "فيروزة" يدها قليلاً لتحدق في حيرة بالغة فيما معها، أحست بجفافٍ كبير يجتاح حلقها، ازدردت ريقها ولعقت شفتيها قبل أن تجيبه بارتباكٍ يدعو للشك:
-أصل الحكاية... يعني آ... كنت هوديهم..
لوحت "حمدية" بيدها مضيفة بنبرة ذات مغزى:
-شكلها بتدور على كدبة تبلفنا بيها!

عبارتها الأخيرة أشعلت حنق زوجها فتساءل بلهجته الصارمة:
-انطقي يا "فيروزة"، إنتي بتعملي إيه من ورايا؟
ترددت في البوح بحقيقة ما تفعله، خشيت إفساده للأمر قبل أن تتمتع بنجاحه، لذا أجابته بشجاعة تفتقد لها:
-ولا حاجة يا خالي.
رمقتها "حمدية" بنظرة مزدرية قبل أن تتهمها بالباطل:
-تلاقيها مصدقت إنك مش موجود فخارجة تدور على حل شعرها..

هنا تجهمت تعابير ابنة أخته وكشرت عن أنيابها لتهاجهما بشراسةٍ حتى تدافع عن نفسها:
-أنا محترمة غصب عن عين الكل، وينقطع لسان أي حد يقول غير كده
احتقنت نظرات زوجة خالها فصاحت تعنفها:
-قصدك إني بأتبلى عليكي؟
ردت غير مبالية:
-والله إنتي أدرى!

التفتت "حمدية" نحو زوجها تهتف فيه بغضبٍ استعر بداخلها:
-شايف بنت أختك المؤدبة بتقولي إيه؟ بدل ما تشوف الصايعة دي خارجة فين في أنصاص الليالي جاية تعلمني الأدب؟!!!!
حفزت حميته الرجولية بكلماتها المستفزة والمثيرة للأعصاب، اندفع "خليل نحوها ليقبض على ذراعها، أمسك بها بقسوة آلمتها بضغطه الشديد عليها، ثم هزها بعنف وهو يسألها بزمجرة بائنة في صوته:
-انطقي يا بنت ال ......! رايحة فين السعادي؟

احتقنت عيناها تأثرًا بإهانته غير المقبولة ولعناته المسيئة، ومع ذلك ضبطت انفعالاتها قبل أن تهتاج لترد بقوةٍ:
-رايحة أشوف شغلي وأكل عيشي
انزوى ما بين حاجبيه مرددًا في اندهاشٍ أكبر:
-شغلك؟
ردت باستبسالٍ يعبر عن شخصيتها غير الضعيفة:
-أيوه، أنا فتحت عربية أكل وبأشتغل دلوقتي يا خالي، ورايحة أشوف الزباين اللي مستنين طلباتهم.
لطمة على الصدر مصحوبة باستنكارٍ قالتها "حمدية":
-يادي النصيبة اللي كانت على البال ولا على الخاطر!

هزها "خليل" بعصبيةٍ لاستفزازها له صارخًا بها:
-إنتي اتجننتي؟ من ورايا؟ ومن غير ما تقوليلي؟
ردت مدافعة باستماتةٍ عن حلمها:
-أنا معملتش حاجة غلط ولا حرام، وماما عارفة بده وموافقة كمان.
زمت "حمدية" شفتيها لتعلق بتهكمٍ محتقر ونظراتها الساخطة مثبتة عليها:
-بلا خيبة! هي أمك دي بتفهم!

استشاطت "فيروزة" غضبًا من إساءتها غير المقبولة عن والدتها، رفعت رأسها نحوها لتقول بنبرة مشحونة بالحقد:
-ماتغلطيش فيها، أمي على راس الكل بما فيهم إنتي!
شهقة مغلولة انفلتت من بين شفتيها، كزت على أسنانها في ضيق متعاظمٍ من جراءتها معها، ثم وضعت يدها أعلى خاصرتها لتقول بحدةٍ:
-شايف البت بتغلط فيا إزاي؟ هاتسكتلها؟ أنا مش هستنى أما أسمع شتمتي بودني، أنا طالعة، واصطفل إنت معاها، بت ناقصة رباية!
وقبل أن تبادر "فيروزة" بالرد أخرسها تحذير "خليل" الصارم وعينان تطقان شررًا:
-اسكتي خالص، ولا حرف واحد زيادة!!

كظمت غضبها في نفسها مضطرة، ثم عادت لتحدق في وجه خالها وهو يتابع بوعيدٍ:
-هنتحاسب على ده بعدين، بس الأول وريني أمك فين.
تنفست بعمقٍ لتضيف بعدها بعنادٍ استفزه:
-ماشي، بس أنا مش هابطل شغلي!
لكزها بخشونةٍ في كتفها وهو يوبخها:
-أما إنتي بجحة صحيح؟ ليكي عين تتكلمي؟ انجري قدامي.
هبطت ما تبقى من درجات وهي بالكاد تسيطر على ضيقها النامي بداخلها، لكنها عقدت العزم على ألا تتخلى عن حلمها مهما حدث.

انتهت من توزيع فناجين القهوة وأكواب الشاي المصحوبة بقطع (البسبوسة) الشهية لتجلس بجوار والدتها ونظراتها القلقة تدور على أوجه الحاضرين منتظرة بترقبٍ الشروع في الحديث عن موضوع زواجها من "تميم"، كم تلهفت لتلك اللحظة التي يجتمع فيها أفراد العائلتين من أجلها! حلمت بها مرارًا وتكرارًا، وتخيلت حبيبها يُلقي كلمات البداية الداعية لإتمام الزيجة، تلقائيًا تشبع وجه "خلود" بحمرة ساخنة فور تلميح "بثينة" الصريح بكل ثقة:
-مش كفاية تأخير بقى يا حاج "بدير"؟ الحمدلله "تميم" رجع بالسلامة، واحنا عروستنا جاهزة.

قال لها بتعابيره الجافة:
-أنا معنديش أي مشكلة، اتفقوا مع "تميم" وحددوا الميعاد المناسب.
دق قلب "خلود" في اضطرابٍ فرح، أخيرًا ستجتمع به في منزلٍ مستقل لتنعم بحياةٍ وردية تحاوطها طيور الحب، تحاشت النظر في أعين المحدقين بها، وركزت حاسة سمعها مع والدتها وهي تقول بنية عازمة:
-خير، واحنا هنبدأ نجهز فرش الشقة من دلوقتي.
رد عليها "بدير" بهدوئه الجاد:
-على بركة الله.

أطلقت "ونيسة" زغرودة عالية مهللة، ثم بررت ما فعلته وهي تضحك في ابتهاجٍ عظيم:
-ماينفعش الأخبار الحلوة دي تتقال على السُكيتي.
ضحكت "هاجر" بسعادة وهي تؤيدها:
-معاكي حق يا ماما، كله إلا "تميم" و"خلود"، دول الغاليين.
خجلت "خلود" من مدحها اللبق لها وعجزت عن الرد بصوت مسموع، لكنها كانت ممتنة لدعمها الكامل لها. تنحنح الحاج "سلطان" عاليًا ليزيح تلك الحشرجة المغلفة لأحبال صوته قبل أن يضيف حاسمًا:
-نقوط العرسان عندي، عفش كامل من مجاميعه هايكون عندهم في بحر أسبوع.

لم يجادل "بدير" والده في قراره، فحينما يبوح بشيءٍ تكون واجبة النفاذ، لذا ابتسم له وشكره بتهذيبٍ يحمل التقدير:
-تعيش وتجيب يا أبا.
على الجانب الآخر، مالت "ونيسة" على ابن أختها لتهمس له بعينين تلمعان بوميض غريب:
-بأقولك إيه يا "هيثم"، تعالى معايا عاوزاك في كلمتين.
أومأ برأسه في خفة وهو يرد:
-حاضر يا خالتي.

استند بمرفقيه على مسندي الأريكة لينهض، ثم تبعها ليسير خلفها في الرُدهة الطويلة -ذات الإضاءة البرتقالية الخافتة- والتي تنتهي بغرفة متسعة، تردد في الدخول لغرفة نوم زوج خالته، فهو من النوع المتشدد الذي يعتبر الأماكن الداخلية في منزله محرابًا لا يجوز وطئه، لكنها شجعته على الدخول. جاب "هيثم" بنظراتٍ فضولية أثاث الغرفة العتيق، ابتسامة تهكمية اعتلت ثغره، فبالرغم من المكاسب المادية التي تحصل عليها العائلة من تجارتهم الرابحة إلا أنهم لم يفكروا في تبديل أثاث المنزل الذي خطا الزمن أثاره عليه، أو حتى ينتقلوا من تلك المنطقة السكنية المليئة بالسكان محدودي الدخل، وكأن قوتهم وغرورهم مستمدين من بقائهم فيها.

توقفت حدقتاه عن الحركة عند تلك الشُفونيرة القديمة المكونة من أربعة أدراج، فتحت خالته الدرج الأول لتخرج منه شيء ما، اشرأب بعنقه للأعلى لينظر بفضولٍ إلى ما تفعل، سال لعابه وقد لمح ما يزيد عن أربعة رزم من النقود المعقودة بشريط بنكي مرصوصة فيه، على الفور أدار رأسه للجانب الآخر قبل أن تلتقطه مدعيًا التهائه بالتحديق أسفل قدميه، اقتربت منه "ونيسة" وأمسكت بكف يده ثم دست في راحته النقود المطوية وهي تقول له:
-خد يا حبيبي القرشين دول مشي بيهم حالك.

اعترض بكرامةٍ زائفة:
-كتر خيرك يا خالتي، بس مستورة والحمدلله.
أصرت عليه ببسمتها البشوش:
-يا واد ماتتكسفش، ده إنت معزتك عندي زي "تميم" بالظبط.
هز رأسه في استسلام مصطنع ولسانه يلهج بالشكر:
-ربنا يخليكي ليا يا "خالتي"
ثم ربتت على ظهره تشد من أزره وهي تضيف:
-ومتزعلش من عمك "بدير"، إنت عارفه شديد حتى معايا.

خرجت تنهيدة بطيئة من صدره كتعبير عن عدم رضائه عن قساوته معه، ثم قال متملقًا:
-والله يا خالتي إنتي الوحيدة اللي نصفاني هنا.
مسحت بنعومة على ذقنه النابتة وابتسامتها اللطيفة لا تزال مرسومة على وجهها،
تقلصت يدها فجأة وقد أتاها صوت "بدير" من خلفها متسائلاً في عصبيةٍ:
-الواد بيعمل إيه هنا؟
ابتلعت ريقها وأجابته بوجهٍ متوترٍ:
-كنت بأخد بخاطره، مافيهاش حاجة يا حاج.

تحرج "هيثم" وانزعج من نظرات "بدير" الحانقة نحوه، رمقه بنظرات قاتمة غريبة وهو يرد ببرود:
-لا مؤاخذة يا جوز خالتي، بس خالتي كانت عاوزاني، وأنا مبأخرلهاش طلب!
امتعاضٍ متأفف غطى ملامحه قبل أن يتمتم "بدير" من بين شفتيه بخفوتٍ:
-عيل سمج ورزل..

انتظره حتى خرج من الغرفة ليلتفت نحو زوجته يحذرها مستخدمًا سبابته في الإشارة ونظراته في التأكيد:
-اسمعي يا ولية، تاني مرة ملاقيش الواد هنا في أوضة نومي.
هزت رأسها في انصياعٍ:
-حاضر
نفخ "بدير" في ضيقٍ أكبر وهو ينتزع جلبابه الفضفاض من عليه ليتابع بنفس النبرة المزعوجة:
-هي نقصاه على آخر اليوم!!!

انقضت السهرة على خير وعاد الجميع إلى منازلهم ليستريحوا بعد عناء يومٍ شاق، انتهت "هاجر" من غسل جسدها بالماء الدافئ وارتدت قميصها الأحمر الواسع ذي الحمالات الرفيعة، بدت بطنها بارزة بشكلٍ ملفت، تحسستها برفقٍ وكأنها تدلل جنينها بذلك، ثم خرجت من الحمام منتزعة المنشفة التي تلف بها شعرها المصفف حتى لا يبتل. ألقت نظرة سريعة على زوجها المستلقي على الفراش، أولته ظهرها وجلست على مقعد المرآة لتضع القليل من مساحيق التجميل على وجهها المنتفخ بفعل تأثير الحمل، توقفت عما تفعل لتدير رأسها في اتجاهه حينما قال بازدراءٍ:
-من ساعة ما أخوكي رجع وأبوكي معاملته ليا اتغيرت.

دافعت عن أبيها قائلة بلهجة أظهرت ضيقها:
-الكلام ده مش مظبوط يا "محرز"، طول عمرك دراعه اليمين و...
قاطعها ملوحًا بذراعه في حركة مستنكرة:
-كان زمان، دلوقتي جه اللي سحب البساط من تحت رجلي!
تعقدت ملامحها وهي تسأله مستوضحة:
-تقصد إيه؟

أجابها بوجهٍ مقلوب:
-أنا يطلع عيني ليل نهار، وأطفح الدم مع الرجالة في السوق، والمحروس أخوكي يجي على الجاهز يُقش كل حاجة.
ردت مهاجمة سوء ظنه:
-هو كان سايب أبويا بمزاجه؟ ما إنت عارف اللي حصل!
علق بتكشيرة جانبية ونظراته الحاقدة ترتكز على نقطة في الفراغ:
-واهوو رجع ياختي.
تركت "هاجر" المشط من يدها لتحذره بلهجة آل "سلطان" الصارمة:
-بأقولك إيه، أبويا حر في ماله، يعمل ما بداله، إن شاء الله يولع فيه، محدش ليه عنده حاجة، ماشي؟ وكفاية اللي بيعمله معانا..
أشاح بوجهه للناحية الأخرى ليرد عليها بزفيرٍ مستاءٍ:
-ماشي يا بنت أبوكي، أما نشوف هترسى على إيه معاكم!

لف تلك الحقيبة النسائية السوداء المصنوعة من الجلد -والمقلدة لماركة عالمية شهيرة- بين كفيه بعد أن أخرج محتوياتها لينظر إن كانت تحوي مبلغًا ثمينًا أو قطعة من الذهب يبيعها وينفق مالها على مزاجه الخاص. رفع "حمص" عينيه ليتطلع إلى شريكه "شيكاغو" الذي كان يتحدث في الهاتف مع أحدهم، راقبه وهو ينفث دخان سيجارته من فمه قبل أن يرد:
-أوامرك يا كبير، اعتبره حصل.

كلمات وداع مقتضبة رددها بعد ذلك لينهي معه المكالمة، ثم اتجه نحو "حمص" الذي هم بسؤاله:
-مين كان بيتكلم؟
أجابه وهو يلقي بجسده على الوسائد الأرضية:
-ده الريس "ناجي" كان عاوزنا نتقابل عشان مصلحة كده
قذف "حمص" الحقيبة الخاوية عند قدميه بعد أن مزقها ليرد بتأفف:
-كويس، بدل ما الحال مأشفر معانا على الآخر، أهوو نطلعلنا بسبوبة حلوة نمشي بيها حالنا.

تساءل "شيكاغو" باهتمامٍ ونظراته مثبتة على محفظة جلدية، وبعض مساحيق التجميل الرخيصة، وعلبة مناديل ورقية:
-إنت إيه اللي معاك ده؟
أجابه بشفاه ملتوية:
-شنطة سرقتها من ولية ماشية في الشارع، بس طلعت شبهها فقر، مافيهاش ولا مليم.

أشعل الأخير سيجارة أخرى ملفوفة يدويًا، سحب منها نفسًا عميقًا كتمه في صدره لثوانٍ حتى ظهر احتقان بشرته، لفظ الدخان دفعة واحدة قبل أن يسعل بخشونة، رفع يده المرتعشة قليلاً نحو رفيقه يدعوه:
-طب خد عفر.
تناولها منه وهو يرد مبتسمًا ابتسامة صفراء أظهرت اتساخ أسنانه:
-من يد ما نعدمها.

خلال بضعة دقائق كانت العربة مدفوعة بيديها ويدي أختها نحو مدخل المنزل، اعتصر الحزن قلبها لإفساد خالها نهاية يومها بصراخه في الزبائن وإبعادهم بعد رد المال المدفوع لهم، بكت "فيروزة" بحرقةٍ طوال سيرها حتى وصلت للباحة الخلفية، كانت تشعر بالهزيمة والضعف، وذلك الشعور كان مرفوضًا بالنسبة لها، غطت العربة بملاءة قديمة وهي تكفكف بظهر يدها دمعاتها الساخنة على بشرتها الباردة، صعدت إلى والدتها التي كانت تتلقى جزائها بالتوبيخ القاسي، فالأخيرة قد أضعفتها الحاجة إلى مُعيل ذكر تُلقي إليه بهمومها، وتستند عليه في وهنها.

احترقت أحشائها من تعنيفه الحاد لتلك المسكينة التي لا تملك من حيل الدنيا شيئًا، وأختها "همسة" تبكي في صمتٍ عاجز كعادتها المستسلمة، كورت قبضة يدها وضغطت على أصابعها بقوةٍ حتى ابيضت مفاصلها، احمرت عيناها غضبًا وهو يلومها بصياحها الهادر:
-بقى إنتي يا "آمنة" توافقي على جنان بنتك ده؟!! لأ وبتساعديها كمان؟
بكت أخته تستعطفه:
-والله ما عملوا حاجة غلطت، دول بيسلوا وقتهم، وأنا أعدة على إيدهم.

علقت "حمدية" ببسمة ساخرة لم تبذل أي مجهود في إخفائها:
-ما هو باين التسالي والشباب حوالين البنات أد كده!
ردت عليها "آمنة" تحذرها:
-بناتي أشرف من الشرف يا "حمدية"، خدي بالك من اللي بيقوله لسانك!
وضعت الأخيرة إصبعيها على طرف ذقنها تقول لها باستعلاءٍ:
-ما هو واضح، وبالأمارة مستغليين غياب خالهم عشان يعملوا ما بدالهم!

لم تستطع "فيروزة" التحكم في أعصابها المستثارة، خاصة مع وجود تلك المقيتة التي تتلذذ بإشعال المواقف المتأزمة والرقص على أطلالها المحترقة، فقالت لها بتشنجٍ:
-بلاش تحشري نفسك، مش لازم تولعيها.
زجرتها "حمدية" تعاتبها بقساوةٍ شديدة:
-قصدك إيه يا مفعوصة إنتي؟ هو اللي يقول كلمة الحق يبقى غلطان؟ بكرة كل من هب ودب يجيب في سيرتنا ومش هيبقلنا عين نرد!
صرخت بها بوجهها المحتقن:
-يا شيخة بطلي تولعي فيها، ارحمينا بقى.

حدجتها "حمدية" بنظرة مميتة قبل أن تلتفت نحو زوجها تعنفه لتخاذله في الثأر لكرامتها:
-شايف المحروسة بتكلم معايا ازاي؟ مش عملالي أي اعتبار، لأ وأنا مش عاوزة أجيبها تحت رجلي واقطم رقبتها.
ردت عليها "فيروزة" تتحداها:
-ولا تقدري تعمليلي حاجة أصلاً.
أمسكت بها "همسة" من ذراعها وهمست لها بخوفٍ:
-بلاش تشتبكي معاها عشان خاطري.
صاحت "حمدية" عاليًا لتستفز زوجها وتخرجه عن هدوئه الذي يغيظها:
-شايف بتقول إيه؟ دي ناقص تمد إيدها عليا.

لم يكن منه بعد كلماتها المحفزة لحقن النفوس ووغر الصدور إلا التحرك نحو ابنة أخته، حيث هجم "خليل"على "فيروزة" قاصدًا الاعتداء عليها بالضرب، ما منعه من الاقتراب منها جسد "آمنة" الذي حال بينه وبينها مما منحها فرصة لتنأى بنفسها عن بطشه الأعمى. رفع خالها صوته يصرخ بها:
-ما تتعدلي في كلامك مع مرات خالك، محدش عاجبك فينا ولا إيه؟ ولا الظاهر عيارك فلت!!
ردت "فيروزة" بصوتها المختنق رافضة الرضوخ أمام صرامته:
-أنا مجتش ناحيتها، بس هي اللي بتدخل في اللي مالهاش فيه.

وضعت "حمدية" يدها أعلى منتصف خاصرتها ترمق "آمنة" وابنتيها بنظرات احتقارية مغلولة، هزت جسدها في حركة مستنكرة، ثم قالت:
-ده اللي ربنا قدرك عليه يا سبعي؟ ده بدل ما تديها جوز أقلام يفوقوها!
حملقت فيها "آمنة" بنظرة حادة، وأعقبها رجاءٌ يحمل التهديد:
-اهدي على نفسك شوية يا "حمدية"، الموضوع مش مستاهل
بادلتها بنظرات كارهة لثلاثتهن ثم ردت عليها:
-أنا أحسن حاجة أعملها أطلع بيتي بدل ما تتفقع مرارتي، بس أديني بأحذرك يا "خليل"، لو البنات دول ماجبوهاش لبر مش هانشوف طيب!!

نظرة وضيعة منحتها للفتاتين ووالدتهما، وانحنت تسحب شالها الموضوع على حافة الأريكة لتسير في اتجاه باب المنزل تاركة من فيه يشتعل غضبًا. استدار "خليل" موجهًا لومه المهدد نحو "آمنة":
-قسمًا بالله لو المسخرة دي اتكررت تاني محدش فيكو هايشوف طيب...
ثم تحولت أنظاره نحو "فيروزة" مكملاً كلامه:
-سمعاني إنتي بالذات؟!
ردت عليه ابنة أخته مُعاندة إياه:
-وأنا مش هافضل أعدة في البيت يا خالي، هاشغل العربية.

أغاظه عنادها فما كان منه إلا أن هوى بكف يده القاسي على وجهها ليصفعها وهو يقول لها:
-إنتي يا بت مالكيش كبير؟ إيه كلامي مش مالي عينك؟!!
شهقت "آمنة" تعاتبه في صدمة:
-"خليل"!
في حين احتضنت "همسة" أختها وهي بالكاد تسيطر على دموعها الغزيرة:
-"فيرو"!

وضعت "فيروزة" يدها على وجنتها المتألمة، قاومت بشراسةٍ تلك الرغبة العارمة التي تحثها على البكاء كمدًا، وردت بكرامة شامخة، وهامة منتصبة:
-إنت على عيني وراسي يا خالي حتى لو ضربتني مليون قلم!
بذلت مجهودًا مضاعفًا لتخفي أوجاعها، وأضافت بنفس الثبات العجيب:
-بس أنا ماتعلمتش عشان أبقى أعدة في البيت مستنية صاحب النصيب، ولا اللي يحن عليا عشان يتجوزني ومابقاش عانس.. أنا ليالي كيان، وعندي طموح هاحققه.
رد ساخرًا بنبرة ناقمة:
-طموح إيه ده اللي هيتحقق في الشارع؟

قالت بإصرارٍ متجاوزة إحساسها بالألم والقهر:
-مش عيب إني أبدأ كده، بكرة شغلي هيكبر والكل هيعرفني.
صاح بها بصوته الجهوري المتزمت:
-إنتي عاوزانا نتفضح؟
ثم قبض على كومة من شعرها يجذبها منه بعنفٍ ليقسو عليها أكثر فترتدع وتتخلى عن عنادها البائس، صرخت "فيروزة" عاليًا بمرارةٍ:
-آآه، سيب شعري يا خالي، كفاية بقى!

حاولت "آمنة" تخليص ابنتها من براثنه قبل أن يصم جام غضبه المشحون على فلذة كبدها، توسلته بعينين دامعتين:
-يا "خليل" اسمع البت للآخر.
رد عليها بخشونةٍ وقد أرخى أصابعه عن ابنتها:
-طبعًا ما إنتي موالسة معاها على المسخرة دي، ما هو لو كان ليها أب يربيها مكانش ده حصل
تبين على وجهها علامات الحنق من جملته الأخيرة، فردت عليه بقوةٍ لم يعهدها فيها:
-المرحوم عرف يربي بناته كويس، وأنا مش هاقبل بأي حد يقول عنهم غير كده.

شعر "خليل" بالحرج لمحاولتها ذبذبة هيمنته على الفتاتين، انتصب في وقفته يُخيرها بحسمٍ:
-هي بقت كده؟ طيب يا "آمنة"، يا أنا يا بنتك، اختاري.. ودلوقتي!!
وضعها عن عمدٍ في خيارٍ عسير؛ إما أن تخذل ابنتيها وتدعمه، وإما أن تخسر مساندته لها ويتخاصم معها. التفتت تنظر إلى صغيرتيها بعينين حائرتين، رأت فيهما الأمل والرجاء، ثم عادت لتحدق في وجه أخيها المتجهم، كانت القساوة متجسدة على كل ذرة فيه. عفويًا امتدت ذراعاها لتحتضن ابنتيها، ضمتهما إليها وشعرت بذراعيهما تلتفان حول جسدها ثم قالت له:
-أنا ماليش إلا هما بعد ربنا.

صدمة غير متوقعة هبطت على رأسه فأصابته بالحنق والغل، رمقها بنظرات نارية ثم أشار لها بإصبعه ينذرها:
-إنتي اللي اختارتي يا "آمنة"!
نكست رأسها حتى لا ترى نظراته المشبعة باللوم، يكفيها أن تشعر بسعادة ابنتيها ليتخللها إحساس الرضا، انتفض جسدها مع صفقه العنيف لباب المنزل، شددت من ضمها لابنتيها وهي تقول لهما بنحيبٍ:
-أنا ماليش إلا إنتم، مش مستعدة أخسركم...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الخامسة بقلم منال سالم



تلفت حوله في حلقت دائرية باحثًا عنها، كانت هنا قبل قليل، وهو لم يغب كثيرًا .. فقط ما يقرب من نصف الساعة، أيعقل أن تختفي هكذا فجأة وكأنها لم تكن موجودة مطلقًا؟ ما زالت الحياة سائدة بالمكان، بل ربما زادت قليلاً بالرغم من الغيوم المتجمعة، إذًا أين اختفت؟ حك شعر رأسه الذي استطال قليلاً بيده وأزاح زخات المطر الخفيفة المتساقطة عليه .. اقترب أكثر ليدقق النظر فيما تبقى من آثارها، لا شيء أبدًا يدل على احتلال تلك البقعة في الكورنيش، وكأنها قد خلت من سواها.

سدد نظرة متفحصة للعربات المصطفة على مسافات متباعدة، كلها تعمل تقريبًا والشباب متجمهر أسفل مظلاتها الجلدية ليحتمي من المطر المتساقط. استنشق "تميم" الهواء البارد عله يرطب على صدره الحانق دون سببٍ معلوم، نفخ مجددًا بضيقٍ غير مفهوم وهو يردد لنفسه:
-أنا متأكد إنها كانت هنا!

تطلع إليه "ناجي" باستغرابٍ، ثم قال مُلطفًا:
-جايز يكون حد من برا منطقتنا بيجرب رزقه هنا.
رد عليه بنفس النبرة المدهوشة وقد ازداد انهمار المطر:
-بس دي كانت بنت اللي واقفة.

أزاح "ناجي" بكف يده المياه التي احتلت وجهه، ثم سأله مستوضحًا:
-بنت؟ ومين نعرفه هنا هيسمح لبنته تقف وسط الشارع تبيع نص الليل؟ ..
ثم تلفت حوله وهو يكمل بنبرة ذات مغزى:
-لأ وكمان أغلب الموجودين شباب!!
عبث بذقنه النابتة قبل أن يرد في حيرةٍ:
-ما هو دي اللي مستغربه.
علق عليه "ناجي" مقتنعًا:
-أكيد حد مش من عندنا.

لاذ "تميم" بالصمت وحملق في الفراغ أمامه يفكر مليًا في تلك العربة المريبة التي ظهرت من العدم واختفت بعدها لتثير فضوله وريبته، ربما لم تكن لتلفت انتباهه لو لم يرَ بنفسه الشابة التي تعمل بها في تحدٍ صارخ للأعراف والتقاليد المتبعة هنا، وضع رفيقه يده على كتفه لينتبه له، ابتسم مضيفًا:
-عمومًا ماتشغلش بالك، هما تلاقيهم مشيوا عشان الجو وبكرة هيرجعوا.
تنهيدة متعبة خرجت من جوفه قبل أن يستطرد:
-أما نشوف..

لكن ما لبث أن اكتست نبرته بالجدية الآمرة وهو يكمل:
-بس عاوزك تجبلي أرارهم، وتعرفلي تبع مين.
رد محركًا رأسه بالإيجاب:
-تمام يا كبير.
ربتة خفيفة من "تميم" على ظهر رفيقه حثته على التحرك في الاتجاه المقابل لعبور الطريق، وبقي البال مشغولاً بتلك الأمور الغريبة التي حدثت معه وإن كانت مصادفة وبسيطة، لكنها استحوذت على تفكيره بشكلٍ يدعو للريبة، ناهيك عن انشغاله بما يخص أعمال الأسرة الهامة.

دس المفتاح في القفل الخاص به ليفتح باب المنزل بعد أن انقضت سهرته مع رفيقه، لم يكن بحالة مزاجية رائقة تمكنه من قضاء المزيد من الوقت مع أصدقائه القدامى .. لم يتوقع "تميم" أن يجد والدته في انتظاره، كانت متكأة على مرفقها وبالكاد مستيقظة، اقترب منها حتى أصبح بجوارها، انحنى نحوها يقبلها أعلى رأسها في حنوٍ، ثم هزها برفقٍ قبل أن يناديها هامسًا:
-يامه!

انتفضت في خفة على إثر صوته الخافت رافعة عينيها إليه، سألته بصوتٍ ثقيل ناعس:
-إنت رجعت من بدري يا "تميم"؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد متسائلاً:
-أيوه يا أمي، إنتي إيه اللي مسهرك في البرد ده؟
أجابته بغريزة أمومية صافية وعيناها تعبران عن حبها الفطري له:
-مستنياك يا ضنايا، قولت تكون عايز حاجة كده ولا كده.

أحنى رأسه على جبينها يقبله في امتنانٍ شاكر، ثم ضمها إليه وقال:
-حبيبتي يا أمي، ربنا يباركلي في عمرك، قومي ارتاحي إنتي
ربتت على كتفه في رفقٍ متابعة باهتمامٍ:
-يعني مش عاوز حاجة أعملهالك؟
رد نافيًا:
-لأ، أنا تمام، يدوب أخش أنام.

ابتسمت قائلة له في ودٍ:
-ماشي يا غالي، تصبح على خير.
مسح برفقٍ على كف يدها الذي رفعه إلى فمه ليقبله، وتطلع إليها مرددًا:
-وإنتي من أهله..
سارت "ونيسة" بضعة خطوات في اتجاه الردهة قبل أن تدير رأسها ناحيته تسأله:
-إنت كلمت "خلود"؟

أجابها بوجهٍ فاتر التعبيرات:
-لأ لسه .. أفوق كده وأكلمها
ردت مبتسمة:
-ماشي يا حبيبي، عمومًا أبوك اتفق مع جدك على جوازكم قريب، مالهاش لازمة تطولوا أكتر من كده
علق بدبلوماسية لم تفهمها:
-اللي عايزه ربنا هايكون.

لوحت له بيدها واستدارت مكملة سيرها نحو غرفة نومها، في حين تلكأ "تميم" في خطواته حتى تأكد من ولوجها وإغلاق الباب خلفها لتنقلب ملامح وجهه بامتعاضٍ مُحبط، لم يكن مستعدًا بعد لخطوة الزواج الجادة، هو ما زال يتعافي من آثار حبسه والذي انعكس بشكلٍ سيء على طباعه وأكسبه صفات الجمود والقسوة، عزز ذلك الشعور لديه إحساسه المحايد نحو "خلود"، لم يكن بالعاشق المتيم بها، القرابة فقط ما حتمت عليه موقفه من الزواج منها..

أخرج زفيرًا مطولاً من صدره واتجه إلى غرفته، أغلق الباب بهدوءٍ بعد أن ضغط على زر الإنارة، ثم استلقى على الفراش دون أن يبدل ثيابه، شعر بشيء مزعج في جيبه الخلفي يعوقه عن التمدد بأريحية، فرفع جسده ليعتدل في نومته ثم أخرج منه المنديل والمشبك.. كان قد نسيهما تمامًا في خضم ما رأه، تلك المرة تطلع إليهما بتفحصٍ مدقق، ابتسامة متهكمة لاحت على زاوية فمه.

أسندهما على الكومود الملاصق لفراشه، وبتباطؤ وكسل نهض من مكانه ليتجه إلى دولاب ملابسه، أخرج من ضلفته اليسرى منامة من تلك المجموعة التي رتبتها له والدته بعنايةٍ، وبهمة منخفضة وتثاؤبٍ متواصل انتزع ثيابه وألقاها بإهمالٍ على الأرضية ليرتدي منامته المريحة ويعود إلى فراشه، تمدد عليه وسرعان ما انخرط في نومٍ عميق أفسده اتصالٌ مزعج من "خلود"، بنبرة ثقيلة أجاب عليها متسائلاً بفظاظة:
-خير في حاجة؟

ورغم أسلوبه الجافي معها إلا أنها قالت برقةٍ:
-وحشتني..
رد عليها يلومها بجمودٍ ودون أن يحاول إزاحة آثار النوم عن صوته:
-وده وقت تتصلي فيه بردك يا "خلود"؟
أجابته ببساطة أظهرت عشقها له:
-ما هو إنت اتأخرت كتير برا، وأنا كان نفسي أشوفك قبل ما أمشي..
نفخ قائلاً بضيقٍ:
-وأنا هاروح منك فين؟ احنا هنشوف بعض كل يوم.

ساد للحظة الصمت بينهما قبل أن تسأله بترددٍ بنبرة تستطيع أن تتبين اهتزازها:
-"تميم" إنت لسه بتحبني؟
رد متسائلاً بغموضٍ ضاعف من حيرتها:
-تفتكري إيه؟
أجابته بخوفٍ محسوس:
-أنا خايفة تكون اتغيرت و...
قاطعها بنفاذ صبرٍ فلم يملك الطاقة الكافية لتحمل المزيد منها:
-أنا فهمتك على وضعي، وإنتي براحتك بقى.

استطاع "تميم" أن يسمع صوت نهنهة خافتة حاولت إخفائها، اعتدل في نومته وتمتم مستغفرًا بصوتٍ خفيض ليعتذر منها بهدوءٍ:
-معلش يا حبيبتي أنا تعبان ومش قادر أتكلم دلوقتي، حقك عليا.
وكأنه بكلماته المعتذرة تلك قد نجح في تبديد كل أحزانها فعادت الحيوية إلى صوتها وهي ترد بحماسٍ:
-حبيبتي.. الله! وحشاني الكلمة دي منك، دي كفاية عليا
رد ضاغطًا على شفتيه وكأنه مجبرٌ على الحديث معه:
-ماشي يا "خلود"، خدي بالك من نفسك.
قالت في سعادة:
-حاضر يا قلبي، تصبح على هنا
ودعها باقتضابٍ ودون أي إطالة:
-وإنتي من أهل الخير، باي.
ثم قام بإغلاق هاتفه نهائيًا حتى لا تزعجه هي أو غيرها خلال ساعات نومه القليلة.

هداها تفكيرها البسيط غير المدنس بالنوايا الخبيثة بإعداد صينية فطار شهية بكل ما لذ وطاب لتكون بادرة صلح طيبة بينها وبين أخيها، هي اتخذت جانب ابنتيها، لكنها غير راضية عن خسارة دعمه .. تأكدت "آمنة" من رص الأطباق وملأها بما يحبذه، ثم صعدت متهادية على الدرج حتى لا تفسد الشكل الجمالي لترتيب الطعام، وبحذرٍ مبالغ فيه رفعت يدها بعد أن ألصقت الصينية بصدرها لتتمكن من قرع الجرس، انتظرت بابتسامة بشوشة فتح الباب لها، استقبلتها "حمدية" بعبوسٍ مستنكر، رمقتها بنظرة احتقارية جابتها من رأسها لأخمص قدميها، تجاوزت "آمنة" عن نظراتها الوقحة لتستهل حديثها بودٍ:
-صباح الخير عليكي يا مرات أخويا.

زمت شفتيها مغمغمة بصوتٍ خفيض لكنه وصل لمسامعها:
-يادي القرف اللي على الصبح!
ثم منحتها نظرة دونية متعالية قبل أن تشيح بوجهها عنها وكأنها نكرة لتصيح عاليًا:
-تعالى كلم يا "خليل".
خرج الأخير من الحمام وبيده منشفته يجفف بها وجهه متسائلاً:
-في إيه؟
لم تجبه بل تغنجت بجسدها المتهدل لتظهر عدم ترحيبها بضيفتها ثم اقتربت من زوجها ولكزت كتفه تحذره:
-أختك يا سبع الرجالة.. اوعى تضحك عليك بمُحنها!

كانت كلماتها تحمل تلميحًا بالإهانة، وعفويًا تتطلع إلى "آمنة" باندهاشٍ متعجب، لكن ما لبث أن تحولت كامل تعابيره للتجهم، وقف قبالتها يسألها بجمودٍ ونظراتٍ قاسية:
-خير؟ عاوزة إيه يا "آمنة"؟
أجابته بوديةٍ وصفاء وهي تضع الصينية على طاولة السفرة:
-أنا عملتلك يا خويا كل الأكل اللي إنت بتحبه.
نظر لها شزرًا قبل أن يقول بوقاحةٍ:
-مش عاوز منك حاجة.

ابتلعت غصة مريرة في حلقها متغاضية عن جفائه معها، تنهدت ترجوه:
-يا "خليل" متخليش الشيطان يدخل بينا، احنا إخوات وسند لبعض
أولاها ظهره قائلاً لها بحسمٍ:
-إنتي اللي اختارتي.
بررت له موقفها بنبرة أقرب للتوسل:
-ما هو غصب عني برضوه، أنا مقدرش أكسر بخاطر بناتي، هما مالهومش غيري!
التفت نحوها يسألها في حدة:
-لكن يجيبولنا العار عادي؟!

ردت بتمهلٍ علها تمتص انفعاله الظاهر على محياه
-إن شاءالله مافيش حاجة وحشة هتحصل، وبعدين لو إنت في ضهرهم ه .....
قاطعها قبل أن تكمل جملتها رافعًا يده أمام وجهها:
-ماليش دعوة بحد، أنا علاقتي اتقطعت بكل اللي يخصكم، اصرفوا بعيد عني
بدت وكأن الدمعات تتجمع في طرفيها لتغرقهما، انخلع قلبها وهي تستعطفه:
-بس آ...

استدار بعيدًا عنها ليقول بجمودٍ قاسٍ أشعرها بالمذلة:
-شرفتي يا "آمنة"، وخدي أكلك معاكي.
-بقى كده يا خويا؟
وكأنها تُحادث الفراغ، لم يأخذه بها شفقة أو أدنى عاطفة، اختفى بالداخل غير عابئ بمشاعرها ورجاواتها المستمرة .. أطرقت رأسها في حزن آسف وحملت الصينية من مكانها لتخرج من المنزل مفطورة القلب.

لم تدخر وسعها في إظهار بأن عودته تعني الكثير لها من خلال الاهتمام بكافة التفاصيل المتعلقة به، دقت على باب غرفته بهدوءٍ حتى لا توقظه إن كان لا يزال نائمًا، أطلت "ونيسة" برأسها من الباب فلم تجد ابنها على الفراش، دفعته بيدها لتزداد فرجته ودارت بعينيها في أرجاء الغرفة، كانت خالية منه، اعتقدت بوجوده في الحمام، ولجت للداخل وتلقائيًا انحنت على الفراش لترتبه .. ابتسمت لكون ابنها ما زال محتفظًا بعادته في الاستيقاظ باكرًا وإن تأخر في عودته للمنزل مساءً. التقطت عيناها دون قصدٍ منديل الرأس النسائي المسنود على الكومود، مدت يدها لتمسك به فرأت المشبك المثبت به، انعقد حاجباها في استغرابٍ سائلة نفسها:
-بتوع مين دول؟

سرعان ما تلاشى اندهاشها مع ظنها أنه يخص "خلود"، ربما أهدته إياه خلسة ليحتفظ بشيءٍ يخصها فتحرك المياه الراكدة في علاقتهما .. ابتسامة عبثية لاحت على ثغرها وهي تعيد وضعه في مكانه، اعتدلت في وقفتها مكملة حديث نفسها:
-ربنا يقرب ما بينكم.
التفتت لتجد "تميم" واقفًا عند أعتاب الغرفة، منح والدته نظرة مليئة بالحب وهو يلقي عليها التحية ليمرح بعدها معها قائلاً:
-إيه الدلع ده كله، بنفسك بتروقيلي الفرش.

قالت له في عتابٍ رقيق:
-هو أنا عندي أغلى منك؟ الظاهر السجن نساك كنت بأعلم إيه عشانك!
احتضنها وأحست بذراعيه تطوقان جسدها المسن، قبَّل أعلى رأسها يشكرها:
-ولا لحظة نسيت يامه، ده مكانش في حاجة بتهون عليا بُعدك عني يا ست الكل
ربتت على كتفه بحبٍ مضاعف، ثم رددت بابتسامتها الودودة:
-حبيبي يا ابني، ربنا ما يحرمني منك أبدًا، الحمدلله إن ربنا مد في عمري وشوفتك قصادي تاني..

وما لبثت أن تحولت نبرتها للجدية وهي تنذره:
-بس بالله عليك بلاش أمور اللبش دي تاني! أنا مش ناقصة يا ابني، العمر معدتش فيه باقية.
رد بإجابة محايدة:
-كله على الله.
سألته في اهتمامٍ:
-أعملك تفطر؟
رد نافيًا بهدوءٍ:
-لأ، ده أنا يدوب أنزل ألحق الحاج في الدكان، ورانا طلبية بحر لازم تخلص قبل الضهر.

دعت له بصدقٍ:
-ربنا يعينك يا ابني ويفتحها في وشك من وسع
لف "تميم" وشاحًا رفيعًا من الصوف حول عنقه حتى لا يلفحه الهواء الشمالي البارد الآتي من البحر، مشط شعره بمشطه ليتركه بعدها على التسريحة، ثم هذب ذقنه بيده ملقيًا نظرة أخيرة على هيئته، التفت متجهًا نحو باب غرفته لكن استوقفه طلب والدته القائل:
-ماتنساش تاخد "خلود" تفسحها، بنت خالتك صبرت كتير، حاسسها إنك رجعت، وأجبر بخاطرها بكلمتين.
استدار برأسه نصف استدارة وقد بدا الوجوم واضحًا على ملامحه، سألها في ضيقٍ معتقدًا أنها ربما قد تكون استفاضت في الحديث مع خالتها:
-هي اشتكتلك يامه ولا حاجة؟

نفت كليًا وبجدية تامة:
-قسمًا بالله ما حصل، بس أنا ست وأفهم في دماغ البنات، وهي صعبانة عليا، لا لحقت تفرح بيك ولا تتهنى بخطوبتها.
زفيرٌ بطيءٌ خرج من جوفه قبل أن يتصنع الابتسام وهو يعدها:
-حاضر، هاخلص اللي ورايا وأرتب معاها خروجة.
رفعت كفيها للسماء تدعو له:
-ربنا يراضيك زي ما بتراضيني كده على طول.
قال في إيجازٍ:
-يا رب، سلامو عليكم.
أسرع في خطاه خارجًا من الغرفة وكلمات والدته تلحق به قائلة له:
-وعليكم السلام يا "تميم"، ربنا يبعد عنك شر الطريق

ملأها الحماس لتنزل باكرًا إلى الأسفل وتحديدًا باحة المنزل الخلفية بعد تناول الإفطار حتى تتفقد عربتها، كانت على عكس طبيعتها كلها حيوية وإقبال على الحياة، صدمة مروعة أصابت أطرافها بالشلل مؤقتًا فتجمدت في مكانها وقد رأت التخريب المتعمد الذي أصاب حلمها، تدلى فكها السفلي في ذهولٍ وارتعاب، أحست بقلبها ينخلع في صدرها من قوة المفاجأة المحطمة لآمالها .. رمشت "فيروزة" بعينيها وهي بالكاد لا تصدق مدى الضرر الذي لحق بالعربة، تساءلت مع نفسها في استنكارٍ تام:
-إزاي ده حصل؟

أجبرت ساقيها على التحرك في اتجاهها، تلمست بيدٍ مرتعشة النافذة التي انتزعت بشراسةٍ وتركت ملاقاة على الأرضية، وارتفع ذراعها ليمسك بالمظلة الجلدية التي تمزقت إربًا، ناهيك عن تلطيخ جسم العربة بالزيت وألوان بشعة ليفسد مظهرها الخارجي، وبالتالي ستحتاج لطلاء جديد لإعادتها لهيئتها الأولى .. في أقل من ثوانٍ كانت عيناها تسبحان في أبحر من العبرات الحارقة، حلمها انتهى قبل أن يبدأ، أصيب ذهنها بالتشوش فلم تستطع في البداية أن تفكر بعقلانية، انهارت جاثية على ركبتيها تبكي في ألمٍ، حانت منها التفاتة تلقائية للأعلى لتجده محدقًا بها من النافذة في تشفٍ صارخ، أكدت تعابيره المرسوم عليها ابتسامة انتصار عريضة ونظراته المزهوة أنه من يقف وراء ذلك، رددت بذهولٍ محاولة استيعاب أنه الفاعل:
-خالي؟

اتسعت ضحكة "خليل" اللئيمة وهو يستعيد المشهد في عقله منذ البداية، انتظر صلاة الفجر وهبط من منزله متجهًا للباحة الخلفية وهو يضمر سوءًا نحو ابنتي أخته، لن يتركهما يحققان مآربهما، سينتقم منهما بقسوة ليعرفا جيدًا مع من يتعاملان، وخاصة بعد شحن زوجته له وإوغار صدره نحوهما، أمسك بعَتلةٍ قديمة لينتزع النافذة المعدنية من مفصلاتها، ثم قام بشق جلد المظلة بطرفها الحاد وخلعه من مكانه ليلقيه أرضًا.

تمكن من الصعود إلى بدن العربة، وبداخلها عاث فيها الفساد، خرب كل شيءٍ تقريبًا فباتت لا تصلح للاستخدام، ترجل منها ومسح العرق الساحن الذي غطى جسده بالكامل بالرغم من برودة الطقس، أحس بنيرانه المشتعلة تهدئ بعد أن حاز على انتقامه .. عاد "خليل" لأرض الواقع مبتسمًا بشكلٍ استفز "فيروزة" على الأخير، جفت دموعها ونهضت واقفة على قدميها تصيح به:
-ليه كده يا خالي؟

أجابها ببرودٍ ونظراته الشامتة تنعكس عليه:
-مشكلة وحلتها!
صرخت به بحرقةٍ شديدة:
-حرام عليك! ضيعت تعبي كله، أنا عملتلك إيه؟
قال غير مبالٍ قاصدًا أن يصل إليها مغزى ما فعل:
-محدش بيتعلم ببلاش، ففوقي لنفسك يا بنت "أبو المكارم"!

أتت "همسة" على صوت شقيقتها الصارخ والمنفعل لتتفاجئ هي الأخرى بالكارثة التي حلت بالعربة، وضعت يدها على فمها كرد فعل طبيعي كاتمة شهقة مصدومة تقاتل للخروج من جوفها وتعبر عن حسرتها، التفتت ناظرة إلى أختها التي تحترق حية من فرط انفعالها، وقفت إلى جوارها وحاوطتها من كتفيها، نظرت إليها بعينين حزينتين فرأتها محدقة بالأعلى، ارتفعت رأسها لتتطلع إلى من تتركز عيناها عليه، سددت "همسة" نظرة لائمة لخالها الذي كان يرقص محتفلاً بانتصاره الرخيص، أوصد الأخير النافذة في وجهي كلتيهما ليزداد حنق "فيروزة" ويندلع غضبها أكثر، أخفضت رأسها تصيح في وجه أختها:
-شايفة خالك المفتري عمل فينا إيه؟

توسلتها بصوتٍ يعبر عن قرب بكائها:
-اهدي طيب يا "فيرو"
توعدت "فيروزة" خالها بعدائية جمة:
-أنا مش هاسكتله، والله ما هاسيب حقي.
رجتها "همسة" من جديد:
-عشان خاطري اهدي الأول، هيجرالك حاجة من العصبية.
ردت عليها بحرقةٍ:
-ربنا يقهره زي ما قهرني..
أضافت عليها مؤكدة:
-ماما لازم تعرف باللي عمله.

-ده أنا هافضحه، مش هاعديها على خير، هو ده اللي خايف على مصلحتنا؟ بدل ما ياخدنا تحت جناحه ويتفاهم معانا بالعقل؟
ثم كزت على أسنانها مضيفة بحنقٍ أشد:
-أكيد الحيزبونة مراته ورا اللي حصل
أيدتها في رأسها قائلة:
-ماتستبعديش ده
ضاقت نظراتها بعزيمة أكبر وهي تعد أختها بما لا يدع مجالاً للشك أو التراجع:
-فكره إنه بكده هيمنعني أعمل اللي في دماغي؟ يبقى غلطان، أنا مش هاستسلم!
عادت لتحملق بالأعلى من جديد وصدرها الناهج يضج بغضبٍ أشد قوة، لن ينجح في تثبيط همتها أو تدمير أحلامها، ستقف له الند بالند إلى أن يرضخ بالأمر الواقع.

تأنقت بعباءةٍ جديدة سوداء اللون تنتهي أكمامها بشرائط مرصعة بالترتر قامت بتضييقها من عند الخصر ليظهر تناسق جسدها وامتلائه بشكلٍ مغرٍ، أما فتحة صدرها فمنقوشٌ عليها رسمة لقرص الشمس وأشعتها المتشعبة لتبدو لافتة للأنظار، تأبطت ذراعه في تفاخر وزهو، وكأنها ملكت الدنيا بأسرها بسيرها معه وسط العامة خلال ساعات الليل الأولى، تهادت في مشيتها بثقةٍ ودلال مستشعرة باكتمال أنوثتها في حضرته.

كم ادعت تعثرها لأكثر من مرة لتشعر بقوة قبضته حينما يمسك بها! كذلك كانت تثرثر بلا توقف، تحكي له عن توافه الأمور لتشعره بأهمية مشاطرته لها في كل ما يخصها، أما هو فقد اكتفى بهز رأسه من آن لآخر ليوحي لها بأنه متابع جيد للغوها الذي لم يلتقط منه إلا جملاً معدودة .. تنهدت "خلود" مرددة في بهجة محسوسة:
-أنا خلاص هاجيب مفرش العرايس بتاع أوضة نومنا، وأبقى بكده قفلت كل حاجتي.

قال باقتضابٍ وبوجهٍ خالٍ من التعبيرات:
-كويس.
-إنت لو ناقصك حاجة قول لخالتي عشان تجيبهالك، مش عايزين نضيع وقت
-ربنا يسهل
-بأفكر كمان لما العفش يجي أعمل الستاير لونين
نظر لها بفتورٍ وقد بدا نوعًا ما منزعجًا من تلك التفاصيل المملة عن تأسيس منزل الزوجية، سألته "خلود" من جديد وعيناها تدوران في الطريق المتسع:
-هانروح فين يا "تميم"؟

للحظة انتبه لسؤالها الأخير بعد أن كان شاردًا عنها نسبيًا، حتى سيره معها كان بلا وجهةٍ محددة .. احتدت نظراته في الطريق وهو يفكر مليًا في المكان الذي سيصطحبها فيه ليقضي سهرته الروتينية معها، جال بخاطره فجأة أن يتجه لمنطقة الكورنيش، ولما لا فهي فرصة مناسبة للتأكد من وجود العربة، استدار برأسه نحوها يقول ببسمة بدت متكلفة:
-هانقعد على الكورنيش شوية.

استغربت من اقتراحه ورددت متسائلة:
-في السقعة دي؟
أجابها بحماسٍ عجيب:
-ده أحسن وقت يا "خلود" ..
نظرت له باسترابةٍ فأوضح لها:
-قصدي يعني هوا البحر مع أعدتنا سوا.

ورغم حالة التعجب المسيطرة عليها إلا أنها لم تعترض على فكرته، ظنت أنه يريد التودد إليها بشكلٍ حميمي ويحتاج لحجة زائفة لفعل ذلك والاقتراب منها مستغلاً برودة الجو، هكذا انطلقت في ذهنها الهواجس الوردية وتدفقت لتغزي عروقها.

عضت على شفتها السفلى في استحياءٍ مستنكرة جموح خواطرها، وأطرقت رأسها لتنظر إلى موضع قدميها وهي تكمل فسحتها الترويحية معه. دارت عينا "تميم" على مدى البصر في الكورنيش بحثًا عن تلك العربة، لم تكن موجودة مما أصابه بإحباطٍ عجيب، جاهد بصعوبة ليبدو طبيعيًا في تصرفاته مع خطيبته التي لو كانت منتبهة جيدًا له للاحظت التغيير الذي طرأ عليه وتملك منه، استنشق بعمقٍ الهواء الجليدي الذي اقتحم رئتيه فأنعشهما، أشار بعينيه إلى بقعة ما شبه خالية قائلاً:
-تعالي نقعد هناك.
-ماشي.

قالتها وهي ترفع طرف عباءتها الملامس للطريق قليلاً حتى تتمكن من صعود الرصيف والاتجاه إلى المنطقة الحجرية المخصصة لجلوس الأفراد، وقبل أن تجلس أخرجت من حقيبتها منديلاً ورقيًا مسحت به مكانها، ثم أعطت "تميم" واحدًا ليفعل مثلها، جلست معتقدة أنه سيحاول الالتصاق بها ليشعرها بحرارة جسده المضطرم فيه نيران الحب والغرام، لكنه ترك مسافة تتخطى السنتيمترات كفاصل بينهما مما أزعجها للغاية، سألها بصوته الأجش وقد نهض فجأة ليشعل سيجارته:
-عاوزة تأكلي إيه؟

أجابته في تردد وهي تهز كتفيها:
-مش عارفة
أومأ بعينيه نحو عربة قريبة منهما نسبيًا قائلاً لها:
-هاجيبلك شاورمة..
تطلعت إليه وقد أكمل جملته متسائلاً:
-مش إنتي لسه بتحبيها؟
ردت بقلب يدق في عنفٍ لكلماته التي أشعلت أكثر جذوة الحب المتقدة بداخلها:
-أيوه
-تمام..

بخفةٍ وسرعة تحرك "تميم" نحو العربة التي تبعد عدة أمتار ليقف أمام نافذتها، أملى على العامل الواقف بها طلبه ومنحه بقشيشًا إضافيًا ليعد له السندوتشات سريعًا، التفت نحو "خلود" ليراقبها عن كثب ليتأكد من عدم تعرضها للمضايقة من قِبل أحدهم، ولكن لكونه ذائع الصيت ومعروف لدى أغلب سكان المنطقة فلم يجرؤ أي شخص على الاقتراب منها، بل على العكس كان الترحيب الجلي به واضحًا طوال سيره..

أخذ "تميم" السندوتشات ذات الرائحة الشهية والمحفزة للمعدة من البائع وعاد بها إلى خطيبته، ناولها خاصتها وجلس إلى جوارها يقضم قطعة كبيرة وراء الأخرى، سكونٌ هادئ ساد بينهما لبعض الوقت، حاولت "خلود" استدراجه للحديث معها حينما طال صمته فقالت:
-فكرت في الميعاد اللي هنتجوز فيه؟
صدمها وجعل الطعام يعلق بحلقها فأصبح كالزقوم الحارق في جوفها حينما أجاب دون تفكيرٍ وكأنه يبوح بما يدور في مكنونات نفسه:
-لأ ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة السادسة بقلم منال سالم



غصة جارحة مؤلمة آلمت حلقها وجعلت لقمة الطعام تشق طريقها شقًا كما يجرف المحراث الزراعي الأرض الجافة الجرداء إلى أن ابتلعتها بعد كلمته المقتضبة التي حطمت سور الأحلام الوردية وهدمته على رأسها لتشعر بمدى قساوة واقعها المحيط .. كان الهواء قارصًا، لكنه لا يقارن ببرودته المميتة للقلوب في تعامله الجاف معها، سبحت عينا "خلود" سريعًا في أبحر من العبرات الدافئة، تركتها تنساب في قهرٍ وبؤس.

فقدت قدرتها على منعها أو الصمود أمامه، بدا صدرها وكأنه ينهج من اجتهادها لكتم ألمها، عجزت عن تجاوز الأمر وتخطيه، فلملمت أشيائها، ودست ما تبقى من السندوتش في حقيبة يدها، كانت عازمة على تصعيد الخلاف غير المقصود لمداه، فإن كان لا يريدها فلن تذل نفسها من أجله، لينفصلا في هدوء، وتجتر وحدها مرارة الانتظار .. هبت ناهضة من مكانها قائلة له ببقايا كرامةٍ وبصوتٍ مجروح:
-أنا عاوزة أمشي!

تطلع إليها "تميم" في ندمٍ، كان غبيًا بدرجة كبيرة لينطق برعونة بذلك الرد الفظ الذي أفسد الليلة وأنهاها فجأة لتكون عبارتها التى تعكس ألمها مؤثرة على سمعه ووجدانه، أي حماقةٍ دفعته للتصرف هكذا معها دون تفكيرٍ مسبق! وهو المشهود عنه ببراعته في إدارة أعمال التجارة وإنهاء الصفقات الكبيرة بمعسول الكلام .. تحرك ليقف قبالتها حتى يعترض طريقها بعد أن بدأت بالسير بعيدًا عنه، نظر لها بعينين غائمتين وهو يعتذر منها:
-أنا أسف يا "خلود"، مقصدش المعنى اللي في دماغك!

رفعت وجهها الباكي إليه لتشعره بالمزيد من الندم، ثم قالت بإصرارٍ وصوتها المتقطع يعبر عن حالها:
-تقصدش ولا متقصدش إنت حر! خلينا نروح...
ما لبث أن تحولت نبرتها للرجاء الشديد:
-لو سمحت، أنا عاوزة أرجع البيت، كفاية كده!

أدرك أنه دفعها لتعيش حزنًا جديدًا بسبب طريقته الجافة في التعامل معها بالرغم من سعيه لإثبات اهتمامه بها، لكن محاولته كانت فاشلة بشكلٍ ذريع .. لم يكن منه إلا أن سايرها وتحرك معها بخطواتٍ تميل للركض حتى يجتازا الطريق، سعى لاجتذاب أطراف الحديث مبتسمًا، فلم يجد منها إلا سكونًا ضاعف من إحساسه بالضيق، فالتزم الصمت أيضًا عله بذلك يفكر بعمقٍ في طريقة لاسترضائها.

بضعة دقائق وكان الاثنان يقتربان من البناية التي تسكن بها "خلود" والصمت سائد بينهما، لم تودعه وأسرعت هاربة منه متجهة ناحية المدخل، وضعت يدها على الدرابزين وبدأت تصعد الدرجات الأولية، أردات أن تختلي بنفسها لتنخرط في تعاستها البائسة بمفردها، شهقة خافتة خرجت من بين شفتيها وقد جذبتها قبضة رجولية بقوةٍ فأعادتها مجبرة للخلف، التفتت كالملسوعة للجانب وقد استندت بظهرها على الحائط لتجد معشوقها قريبًا منها حد إتلاف الأعصاب، كانت الإضاءة خافتة، فبعثت نوعًا من التوتر اللطيف، اهتز صوتها وهي تتوسله:
-سيبني يا "تميم".

رنت في أذنيه نبرتها الجريحة فاعتذر منها بأسفٍ أكبر وقد امتدت يده لترفع وجهها إلى عينيه:
-حقك عليا، أنا فعلاً كنت غبي في كلامي.
قالت له بصعوبةٍ ظهرت في نبرتها وهي تنظر له عن قربٍ خطير، لكنها أرادت أن تزيح ذلك الثقل الجاثم على قلبها وتترك له حرية الاختيار:
-لو إنت معنتش بتحبني.. فبلاش تربط نفسك بيا و..

رفع "تميم" يده عنها ليستند على الحائط فأصبحت شبه محاصرة من ذراعه، تهدجت أنفاسها اللاهثة أكثر، وتوقعت منه عصبية شديدة لكنه قال بعتابٍ رقيق مبددًا شكوكها التي ساورتها بالفعل:
-يا ستي أنا بأحبك، فبلاش تقولي كلام يزعلني.
انخرطت في بكاءٍ مرير امتزج مع شهقاتها، تمنت لو تدفس رأسها في صدره فتسمع خفقات قلبه ليشعر بصدق حبها العميق له، نظر لها في ضيقٍ وهو يغمغم متسائلاً:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، بتعيطي ليه دلوقتي يا بنت الناس؟

أجابته بنهنهة وهي تحاول استعادة هدوئها بعد أن سيطرة عليها نوبة المشاعر المتأثرة:
-صعبان عليا نفسي.
تعقدت تعابيره متابعًا رجائه حتى تغفر له زلة لسانه وهو يتراجع عنها خطوة للخلف:
-يا ستي أنا غلطان ومحقوقلك، كلامي دبش ومبعرفش أعبر، ها مبسوطة؟
حملقت فيه من جديد مكفكفة دمعاتها بظهر كفها، وشردت متأملة نظراته التي تهواها حينما تكون مرتكزة عليها فقط، ومع ذلك لا تزال تشعر بالرهبة والقلق، لذا عبرت بصراحةٍ عن مخاوفها التي تنتابها منذ لحظة لقائه بها:
-أنا مش حابة أحس إني مفروضة عليك، أنا أقل حاجة منك بترضيني، وبرضوه أقل كلمة بتجرحني، متخلنيش في يوم أحس إني عبء عليك.

نفخ مطولاً كتعبير عن ضيقه من لومها المبرر، كيف يقنعها أنه لم يكن ينعم بحياة الرخاء في محبسٍ عفن الرائحة مع عتاة الإجرام؟ يقضي نهاره الطويل بصحبة لا تدعو للخير، أما ليله فكان ثقيلاً مليئًا بالأوجاع والحنين .. حاول أن يرد عليها بتمهلٍ عقلاني علها تزيح أفكارها السوداوية عن مخيلتها فتفكر بصفاءٍ وحكمة:
-يا "خلود" ما أنا مفهمك على الوضع، لسه مبقاليش كتير طالع من المخروب السجن، وطبيعي تلاقيني مدب معاكي، إنتي وشطارتك بقى تنسيني الغم ده كله.
سألته بقلبٍ مرتعش من تأثير كلماته الأخيرة التي لامست كيانها وداعبت مشاعرها المرهفة:
-يعني إنت لسه بتحبني وعاوز تتجوزني؟

أجابها بابتسامةٍ صغيرة وهو يومئ:
-أيوه يا ستي، وهتنيل على عيني أتجوزك.
عبست تعاتبه من جديد:
-شوف بتكلم إزاي؟!!!
ضرب "تميم" كفًا بالآخر في استنكارٍ مزعوج من تصيدها الدائم لأخطائه وإن كان يتحدث عفويًا، لوح لها بيده وقد تراجع هابطًا على الدرج خطوتين:
-لا إله إلا الله! اطلعي فوق عند أمك الله يرضى عليكي!

ساد بينهما جوًا من المرح اللطيف الذي أذاب ما كان في القلب من أحزانٍ وأعاد البسمة والضحكة الصافية للوجدان، لم ينتبه كلاهما ذاك الذي يتابعهما خلسة من الدور العلوي .. كان "هيثم" في طريقه للخروج لقضاء سهرة متأخرة كعادته يعود منها قبيل الفجر بقليل، لمحهما وهما يتبادلان عتاب المحبين، فوسوس له شيطان رأسه بفكرة جهنمية مدهشة لكنها في نفس الوقت هشة إن لم يوظفها بالطريقة التي تؤتي بنتائجها الوهمية، تحفز وشحن حواسه مستدعيًا انفعالات هائجة وهمية تعبر عن رفضه الناقم لاختلاء أخته مع ابن خالته في تلك البقعة المعتمة على السلم، هدر صائحًا بصوتٍ أجش وخشن:
-بتعمل إيه عندك يا "تميم"، ومع أختي يا ابن الأصول؟!!!!

لطمت "خلود" على خديها كردة فعلٍ طبيعية لظنه السوء بها، ارتعدت وتلبك بدنها وهي تهتف شاهقة:
-يا نصيبتي!
زوى "تميم" ما بين حاجبيه في دهشة مستنكرة متلفظًا باسمه بسخرية مقصودة:
-"هيثم"!
هبط الأخير الدرجات ركضًا وأوداجه منتفخة جدًا، وقف قبالة ابن خالته يرمقها بنظرات شريرة، ثم سأله بكلمات موحية تحمل إهانة جمة:
-حد قالك عني إني مركب قرون؟ ولا رافع الإريال؟!

اِربد وجه "تميم" بالغضب من أسلوبه المرفوض شكلاً وموضوعًا لإتهامه بالتجاوز في علاقته العفيفة ب "خلود"، استشاط حنقًا وهو ينهره بلهجته الخشنة:
-اتكلم عدل يا "هيثم"، مافيش حاجة من اللي في دماغك دي، احنا أنضف من تفكيرك الوسخ ده!!!
تجاهله عن عمدٍ موجهًا حديثه المسيء إلى أخته وذراعه ترتفع عاليًا في الهواء مهددة بصفعها:
-ليكي حساب معايا يا بنت ال ...... !!

وقبل أن تحط على وجهها كانت قبضة "تميم" ممسكة به من معصمه، شده ناحيته في شراسةٍ وعيناه تطقان شررًا، ثم استطردت ينذره بقساوة عدوانية:
-قسمًا عظمًا لو إيدك اتمدت عليها لأقطعهالك!
ثم أشار ل "خلود" بعينيه لتهرب صاعدة للأعلى قبل أن يتطاول عليها أخيها باليد وتثور ثائرته دون داعٍ، احتقن وجه "هيثم" بشدة، وبدا وكأن ما رسمه من خطة ماكرة قد ضاع هباءً، والأسوأ من ذلك أنه استصغره أمام شقيقته فربما تتمرد عليه .. انتزع يده من قبضته ونظر له شزرًا يصيح فيه:
-إنت هتعرفني ألم أهل بيتي إزاي؟

عاجله بنظرة مستهجنة كادت تجمده في مكانه، ثم رد عليه بصوته القوي الذي ينم عن شخصية مليئة بالبَأْس:
-هي مغلطتش...
وما لبث أن تحولت نبرته للتحذير الشديد حينما أكلم:
-وبلاش أحسنلك تعمل نَمرة عليا، عشان الكلام ده مايكولش معايا.
كز "هيثم" على أسنانه في غيظٍ وقال:
-إنت ب ...

أطبق "تميم" على فكه بغتةً ضاغطًا بكل قوته عليه حتى كاد أن يحطمه ليجبره على ابتلاع تهديداته الفارغة متابعًا إنذاره شديد اللهجة:
-"تميم سلطان" مش عيل كَوِرك يتاكل على قفاه، فخد بالك مني!
تلبك من أسلوبه العدائي ونظراته المليئة بالشر فبدا كما لو كان قد تراجع عن موقفه الرجولي المصطنع، فضحته نظراته المهتزة وإيماءاته المذعورة. أرخى "تميم" يده عنه ليقف مزهوًا بنفسه، منتصبًا بشموخٍ يُحسد عليه، تنحنح "هيثم" متسائلاً بحدةٍ أخف:
-أنا .. خايف على أختي، إيه مش من حقي؟

قال له بحزمٍ دون أن يرتد له جفن:
-وأختك على عيني وراسي ومتصانة، وكلها كام يوم وهتبقى مراتي!
رد عليه بوجهٍ متجهمٍ للغاية عله بذلك يظهر حرصه الزائف على سمعتها:
-ماشي .. بس لحد ما تبقى في بيتك هي رجلها مش هتخطي الشارع ولا هتخرج معاك، مفهوم؟!
أطلق "تميم" ضحكة عالية مستهزأة بكلماته تلك مما استفز ابن خالته، هدأ قليلاً وربت على كتفه يسخر منه:
-لأ حِمش يا "هيثم"! شنبك على راجل بصحيح!
احتقنت نظراته من أسلوبه التهكمي المتحقر فصاح يسأله بانفعالٍ:
-إنت بتتريق عليا؟

ابتسامة جانبية مقتضبة على زاوية فم "تميم" لاحت بشكل استثار أعصابه، أولاه ظهره قائلاً له بما يحمل في مضمونه الازدراء لشخصه التافه:
-سلامي لأمك!
تكورت قبضة "هيثم" من غيظه المحتدم وضرب بها على الحائط كطريقة سريعة للتنفيس عن غضبه المحموم، تهدجت أنفاسه وهو يتوعده بقلبٍ يضمر الشر:
-ماشي يا "تميم"، بكرة "هيثم" اللي مش عاجبك ده يوريك مقامك ويرجع البُرش تاني!

يومًا بأكمله قضته باكية معتكفة في غرفتها رافضة تناول الطعام أو حتى الجلوس مع أسرتها، لم يكن من السهل عليها أن ترى حلمها مُحطم، عادت المشاهد المستفزة لوجه خالها بقوة إلى مخيلتها فزادت من حالتها سوءًا، بكت بقلبٍ مفطور مرة أخرى، فكرت في إعادة إصلاح العربة وتجهيزها من جديد، لكن سيكلفها ذلك مبلغًا من المال، وهي لا تملكه من الأساس.. بالكاد استطاعت أن تدخر ما أعانها على شراء العربة، وتدبرت الباقي من تلك الجمعية التي اشتركت فيها مع رفاقها.

وجدت "فيروزة" نفسها واقعة في ضائقة مالية؛ فمن ناحية عليها سداد الاشتراك الشهري للجميع، ومن ناحية أخرى تحتاج لتشغيل العربة .. تجدد إحساسها بالقهر العاجز وازداد احتراقها خاصة مع سطوع طيف ابتسامة خالها المقيتة في عقلها، لم تستمع إلى دقات الباب ودفنت رأسها في الوسادة ضاربة بيدها في عصبية عليها، استطاعت أن تلمح توأمتها من بين رؤيتها الضبابية وهي تطل عليها، تقلبت على جانبها لتتجنب نظرات الشفقة منها، وإن كانت شريكتها فهي لم تكن متعلقة مثلها بذلك الحلم الضائع.

حاولت "همسة" مواساتها فجلست إلى جوارها على الفراش تربت على ذراعها برفقٍ، ثم قالت لها بما يبعث على النفس الملتاعة القليل من التفاؤل:
-إن شاء الله كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن.
كانت فاقدة لرغبتها في تقبل مثل تلك النوعية من المواساة، أدارت رأسها قليلاً نحوها وقالت لها بصوتها المتشنج بنبرة عبرت عن يأسها الشديد:
-إزاي؟ مافيش حاجة بترجع يا "همسة"، كل حاجة ضاعت!

كانت متفهمة لانفعالها والإحباط المسيطر عليها، حاولت أن تبدو متماسكة أمامها، فادعت زيفًا:
-متقوليش كده، مشكلة وهتعدي.
-فوقي من الوهم ده!

قالتها "فيروزة" بنبرة أقرب للصراخ وهي تعتدل في رقدتها قبل أن تبدأ من جديد بفاصلٍ من العويل والنواح الممتزج بالندب، أشفقت عليها "همسة" وضمتها إلى صدرها لتبكي على كتفها دون أن تطلب منها ذلك، تأثرت أيضًا بحالها الملكوم وشاركتها حزنها بقلبٍ مفطورٍ .. على أعتاب الغرفة تطلعت إليهما "آمنة" بحرقة واضحة في نظراتها لهما، تضرج وجهها وتقلصت تعابيرها بما يعبر عن حنقها الرافض لما فعله أخيها، أيحق له تدمير أحلامهما لمجرد نزعة رجولية فارغة؟ فإن كان لا يقبل أن يمس أبنائه بسوءٍ فهي مثله، أم أنه مباحٌ له فعل ما يريد دون مراجعة أو اعتراض؟

لن تسمح له بفعل ذلك بهما، لن تقف مكتوفة الأيدي تشاهد تدمير ابنتيها دون أن تتخذ موقفًا مغايرًا له ينصفهما، هكذا قررت في قرارة نفسها، وبكل ثباتٍ اقتربت منهما تقول بصوتٍ اكتسب إيقاعًا مختلفًا لا ينم أبدًا عن الانهزام أو الكَسرة:
-ما تعيطيش يا "فيروزة"، لا عاش ولا كان اللي يقهر بناتي وأنا لسه حية وعلى وش الأرض!
نظرت الاثنتان إلى أمهما في حيرة، بينما تابعت "آمنة" مرددة بنفس النبرة العازمة:
-بكرة الصبح مشكلتك هتتحل..

تساءلت "فيروزة" في تلهفٍ وكأنها تبحث عن طوقٍ للنجاة:
-إزاي يا ماما؟
وضعت والدتها يدها على الأساور الذهبية التي تزين معصمها، انتزعت بقليلٍ من الجهد تلك التي تشبه الثعبان من رسغها لترفعها نصب عينيهما وهي تضيف:
-بكرة هنروح محل الصاغة نبيعها، وبفلوسها يا بنات هترجعوا عربيتكم زي ما كانت وأحسن.
انفرجت شفتا "فيروزة" عن تعبيرٍ مذهول، ثم ازدردت ريقها ولعقت شفتيها متسائلة في عدم تصديق:
-هتبيعيها يا ماما؟!

أجابتها بكلمة واحدة ناهية لأي نقاش:
-أيوه.
تساءلت "همسة" في استغرابٍ حائر:
-بس يا ماما دول دهبك اللي طلعتي بيه، وإنتي سيباهم عشان لا قدر الله لو حصل حاجة، هتفرطي فيهم كده بسهولة؟
ثبتت عينيها عليها وأجابتها مبتسمة في حنوٍ:
-مافيش حاجة تغلى على بناتي، إنتو عندي أغلى من أي دهب!
انتفضت "فيروزة" ناهضة من على الفراش لتركض نحو والدتها، ارتمت في أحضانها تضمها بقوةٍ، حاوطتها "آمنة" بذراعها ومسحت برفقٍ على رأسها، ثم تابعت حديثها الدافئ فقالت لها:
-مش عاوزة أشوفك مكسورة تاني.

ردت عليها بصوت متقطعٍ وقد امتزجت عبراتها بامتنانها لها:
-ربنا يخليكي ليا يا ماما.
انضمت إليهما "همسة" وقد فاض الدمع من عينيها تأثرًا بذلك المشهد العاطفي الملامس للقلوب، ثم جلست "آمنة" على الفراش أولاً، وعلى جانبيها استقرت الفتاتان يتحدثن في مرحٍ وتفاؤل عن مخططات المستقبل الناجحة .. لكن عاد الخوف يتسلل إلى "همسة" فتساءلت وكأنها تفكر بصوتٍ مسموع:
-طب افرضي خالنا بوظ العربية تاني، هنتصرف ساعتها إزاي؟

التفتت والدتها نحوها وأجابتها على مهلٍ وبثقة واضحة تحمل الغموض في نبرتها:
-ماتشيلوش هم، أنا فكرت في حل للحكاية دي..
سألتها "فيروزة" بتلهفٍ أكبر وقد تلاشى الكدر من ملامحها تدريجيًا:
-حل إيه ده؟
تابعت موضحة بعد أن أخرجت تنهيدة بطيئة من صدرها:
-عارفين أوضة البدروم المقفولة اللي جمب السلم؟
رددت الاثنتان معًا:
-أيوه.

أكملت توضيحها بابتسامة مشرقة:
-احنا بقى هنضفها ونوضبها ونخليها زي الفل عشان نعملها مخزن تحطوا العربية فيه، ده غير الأدوات والحاجة اللي بتستخدموها، وهنقفلها بالمفتاح وقفل نحطه على الباب من برا، وبكده خالكم مش هايقدر يقرب منها.
كانت فكرة عظيمة أشعلت الحماس في نفس كلتيهما، عفويًا احتضنت كلتاهما "آمنة" وهما تنهالان على وجهها بالقبلات الممتنة، أحس ثلاثتهن بدبيب السعادة يطرق بابهن من جديد ليعلن عن بدء مرحلة استقلالية مليئة بالإنجازات .. ربما لن تخلو من بعض الصعوبات والمشاكل، لكن معًا سيتخطونها.

اهتزت ساقه بعصبيةٍ واضحة والدخان الكثيف يخرج من جوفه ليشكل غمامة خانقة أعلى رأسه، ومع ذلك لم يكن راضيًا، ألقى بخرطوم نارجيلته على طاولة القهوة المعدنية الرفيعة لتصدر جلبة مزعجة، تبعها مغمغمًا بسبة نابية .. تلفت "هيثم" حوله باحثًا عمن يفرغ فيه غضبه المكبوت، لم يكن أمامه سوى عامل المقهى البائس لينال النصيب الأكبر من توبيخه اللاذع بالرغم من كونه لم يخطئ في شيء، بل على العكس كان ملبيًا لكافة أوامر زبونه الدائم، وتلك الليلة كان متقلب المزاج بشكلٍ لا يحتمل، تطلع إليه "نوح" في تعجبٍ وقد بدا إلى جواره باردًا كلوح الثلج، تنحنح بصوتٍ متحشرجٍ ثم سأله مستفسرًا:
-مالك؟ مزاجك متعكر ليه؟

أجابه بحشرجة واضحة في أحبال صوته جراء سعاله المتصل:
-هباب البرك جايبلي تعميرة أي كلام، مش عارف أظبط دماغي.
بدا غير مقتنع بإجابته فغمز له كتعبيرٍ عن رفضه تصديق تلك الحجة الفارغة، واستطرد متسائلاً في مكرٍ:
-لأ التعميرة زي الفل، إنت اللي مش طبيعي من أول ما أعدنا على القهوة، هو أنا مش حافظك، في حاجة حصلت؟
قال مقتضبًا وعبوسًا مريبًا يغطي وجهه:
-مافيش.

عمق من نظراته المستريبة وهو يلح عليه بإصرارٍ ماكر مستدرجًا إياه في الحديث:
-شكلك بيقول غير كده، إيه الحاج "بدير سلطان" سمعك كلمتين مالهومش لازمة زي تملي؟ ما هو إنت ميقلبش البونديرة معاك غير هو!
هتف محتجًا بوجهٍ اربد غضبًا:
-ولا يقدر يبُخ معايا، ده أنا أقفله هو وابنه اللي عامل فيها دكر!
غمزة أخرى لئيمة صدرت من عينه اليمنى معلقًا عليه:
-"تميم"، شكلك ملبخ معاه!
صاح فيه بعصبيةٍ مرئية للعيان:
-بأقولك إيه قفل على سيرة العكننة دي، أنا مش ناقص حرقة دم.

تدارك الأمر وسحب ناعمًا معه حتى يمتص ثورته المتأججة، فقال ملطفًا:
-يا سيدي بكرة تحلو معاك وتعرف تعلم عليهم بطريقتك.
لاذ "هيثم" بالصمت، بينما استمر "تميم" في وسوسته مضيفًا بنبرة أقرب لفحيح الأفعى:
-ما هو اللي زي دول يجوز فيهم أي حاجة، وخصوصًا فلوسهم اللي زي الرز دي، وكل مدى عمالة بتزيد..
نجح بأسلوبه الملتوي في الحديث في استسقاء المعلومات منه، فنطق بغموضٍ وعيناه تبرقان بوهجٍ متحمسٍ:
-أنا في دماغي فوكيرة (فكرة) إنما إيه، لو ظبطت هتروق على الآخر!

سأله في فضولٍ وتلك النظرة المتشككة تعلو تعابيره:
-قولي اللي بيدور في دماغك.
رد بابتسامة تهكمية مقتضبة على جانب شفتيه:
-بعدين، أنا بس سايبها تخمر شويتين تلاتة
صفق "نوح" بيديه ليستدعي عامل المقهى وهو يضيف بانتشاءٍ مريب:
-وأنا دايس معاك في أي مصلحة!
ابتسم له "هيثم" دون أن يضيف المزيد، لكن خياله جسد له مشاهدًا مُركبة لخطته التي ستصير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع عما قريب.

سارت والفرحة تملأ صدرها في الطريق مع والدتها لتتجه كلتاهما نحو امتداد منطقتهما الشعبية القريبة من منزلهما المنعزل عمن حوله، حيث تتزاحم البيوت وتتلاصق جدرانها، بالإضافة إلى الحركة اليومية الروتينية في الشوارع والطرقات الضيقة .. جلبة صاخبة سيطرت على الأجواء في ساعة الظهيرة، خاصة أن الطقس كان إلى حد ما يميل للاعتدال مما شجع الناس على الخروج. حانت من "فيروزة" نظرة عابرة على الوجوه الكادحة المنهمكة إما في البيع أو الشراء أمام المحال التجارية المجاورة لبعضها البعض، كم لوحت والدتها معتذرة بيدها تارة وبلسانها تارة أخرى لأكثر من بائع يعرض عليها الدخول لآخذ نظرة سريعة على معروضاته فربما تشتري منه! انتبهت لها وهي تقول بصوتٍ أقرب للهاث من المجهود المبذول لتسير على عجالةٍ حتى تستثمر الوقت ولا تضيعه هباءً:
-محل الصاغة آخر الشارع ده، إن شاء يكون فاتح دلوقتي.

ردت بهدوءٍ ونظراتها تجول حولها:
-إن شاء الله، ويا رب الفلوس تكفي!
قالت لها:
-هتكفي بإذن الله، ولو نقص حاجة ربك هيدبرها.
تأبطت في ذراع والدتها لتميل عليها تهمسها في امتنانٍ:
-ربنا ما يحرمني منك أبدًا
اكتفت "آمنة" بالابتسام لابنتها وتابعت السير نحو وجهتها المحددة، لكن استوقفهما شخصًا مهيب الطلة تبدو من هيئته الوقار والاحترام. تحولت عينا "فيروزة" ناحيته حيث حركته المتهادية التي تنم عن ثقة غريبة، كان وجهه مألوفًا رغم عدم تذكرها له، وجدت نفسها تطالع والدتها حينما بادرت مرحبة به بودٍ وألفة:
-إزيك يا حاج "بدير"؟

في البداية نظر لها بعينين ضيقتين وكأنه يعصر ذهنه ليتذكر هويتها، ما لبث أن ارتخت تعابيره ليقول بابتسامةٍ وقورة:
-يا أهلاً بيكي يا حاجة، فينك؟ مش بنشوفك خالص نواحينا؟!
أجابته متعللةٍ بنفس النبرة الودودة:
-مشاغل الحياة يا حاج، والحاج "سلطان" عامل إيه؟
أومأ برأسه يجيبها في رضا:
-نحمد ربنا .. في أحسن حال
-يدوم يا رب.

قالت له معتذرة وقد أطرق رأسها خجلاً منه:
-حمدلله على سلامة ابنك ولو إنها متأخرة، كان المفروض أروح أبارك للحاجة "ونيسة" لما عرفت بالأخبار الحلوة دي من حبايبنا في السوق، بس ملحوءة إن شاءالله!
حرك عكازه بيده القابضة على رأسه وهو يقول مجاملاً:
-كتر خيرك، اعتبري المباركة وصلت
أضافت في حرجٍ خجل:
-كلك ذوق يا حاج، ربنا ما يضركم فيه أبدًا ويفرحكم بيه عن قريب.

هز رأسه قائلاً:
-يا رب .. واحنا قريب هنجوزه، وأكيد هنتشرف بيكي إنتي والبنات
ردت على الفور دون أن تمنح نفسها فرصة للتفكير:
-طبعًا يا حاج "بدير"، هانكون أول الموجودين إن شاء الله.
اتسعت ابتسامته يُجاملها:
-تسلمي يا حاجة، دعواتك بقى.

قالت في تضرعٍ:
-والله بأدعيله وبأدعي لبناتي ربنا يجبر بخاطرهم ويراضيهم.
أطبقت "فيروزة" على شفتيها مكتفية بمتابعة حوارهما دون أن تعلق بكلمة واحدة وإن كانت مجاملة لتتخذ موقف المشاهد الصامت، انتظرت حتى استأذنت والدتها وهمت بالانصراف لتتحرك على خطوتها البطيئة وعيناها ترتكزان على لافتات المحال تبحث بينهم عن ضالتها المنشودة.

في تلك الأثناء، كانت إحدى الشاحنات الضخمة تسد الزقاق الجانبي المؤدي لمحل الصاغة بشكلٍ عرضي مما جعل الطريق ضيقًا للغاية ويتعذر السير فيه، كذلك وضعت عشرات الأقفاص المليئة بالخضراوات والفاكهة الطازجة في تلك المساحة المحدودة فأجبر السائرون على المشي بحذر لتفادي الاصطدام بهم .. بينما انقسم العاملون ما بين واقفًا أعلاها وأسفلها ينقلون الأقفاص الثقيلة فيما بينهم عن طريق إلقائها عاليًا بطريقة يدوية تنم عن خبرة مهارية واحترافية ليلتقطها الآخر بنفس البراعة والقدرة. ومن بين المتواجدين بالأعلى كان يقف "تميم" ليشرف بنفسه على سير العمل بدقةٍ وإتقان حتى ينتهي تجهيز الشحنة المطلوبة وتسليمها في أقرب وقت، صفق بيده محفزًا رجاله بصوته الجهوري:
-شهلوا يا رجالة، عاوزين نرص العدايات دي كلها.

رد عليه أحدهم بلهاثٍ:
-قربنا نقفل النقلة التانية يا معلم، ربعاية وكله هيكون خلصان
قال بتحمسٍ ظاهر على محياه:
-قول يا رب!

جالت عيناه عفويًا على السائرتين في مطلع الزقاق بحكم وقفته العالية، لاحظ انشغال الشابة المجاورة لوالدتها بالتطلع على ما حولها على عكس الأخيرة المنتبهة جيدًا لخطواتها، خُيل إليه أنها لو لم تحتط لربما فزعت من إلقاء القفص أعلى رأسها وتعثرت في مشيتها وانكفأت على الوحل المتراكم بسبب سقوط الأمطار وتلطخت ثيابها، لذا بكل مروءةٍ جلجل صوته يحذرها:
-خدي بالك يا أبلة وإنتي ماشية.

تحركت رأس "فيروزة" ونظراتها نحو مصدر الصوت الرجولي الأجش، تقلصت تعابيرها وضاقت عيناها مع رؤيتها لذلك الشاب ذو الملامح الجادة، تيقنت أنه يخاطبها من عينيه المثبتة عليها، قرأت فيهما صرامة ممتزجة بالقوة، عاد ليشير لها برأسه لتتجه عيناها تلقائيًا -وكأنها واقعة تحت تأثير تعويذة سحرية- نحو الأقفاص الطائرة، اشتدت قسماتها توترًا وتحفزت حواسها بالكامل وقد فطنت لمقصده، سارت على حذرٍ تام، ثم تطلعت إليه مجددًا وابتسامة صغير متكلفة تلوح على شفتيها مع نظرة أخيرة عابرة لتتجاوزه بصحبة والدتها وتختفي بداخل المحل وصوته المشجع لرجاله يتردد صداه بين جدران البيوت...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة السابعة بقلم منال سالم


بوجهٍ متورد، ونظراتٍ خجلة مرتبكة تطلعت إلى ما تحويه ضلفته الخاصة من ثياب جديدة مرصوصة على الرف السفلي تم فرزها مسبقًا لنقلها دون عناء، تلمستها برفقٍ ناعم وكأنها أشياء ثمينة هشة وقابلة للكسر لذا تحتاج لعناية من نوعٍ خاص .. لجأت "ونيسة" لطلب مساعدتها فقط لتمنحها الفرصة لخلق المزيد من الذكريات السعيدة واللحظات المميزة جزاءً لصبرها الطويل وانتظارها غير المشروط ليحصل على حريته من خلال قيامها شخصيًا بتوضيب ما يحتاج إليه "تميم" استعدادًا لنقله لاحقًا لمنزل الزوجية الكائن بعد بنايتين من هنا، لم تصدق "خلود" نفسها وهي تقف في غرفته تتأمل متعلقاته الخاصة.


 
صارت الآن تتحرك فيها بحريةٍ أكبر بعد أن كانت تختلس الدقائق وتختلق الحجج لتدخلها، لفتة خاطفة حانت منها في اتجاه خالتها والتي كانت منحنية قليلاً على الفراش وهي تطوي الثياب بشكلٍ منظم في حقيبة السفر الجلدية الكبيرة (ذات اللون البني الداكن) والموضوعة على الفراش، عادت لتحدق في ضلفته بنظراتٍ ساهمة والهة إلى أن أخرجتها "ونيسة" من حالة التأمل لتقول مسترسلة بسجيتها:
-عارفة يا بت يا "خلود"...


 
ردت الأخيرة متسائلة في اهتمامٍ:
-أيوه يا خالتي.
تابعت بابتسامة عريضة وقد تركزت عيناها على ابنة أختها:
-من يوم ما اتولدتي وشيلتك بين إيديا وإنتي في اللفة، وأنا ندراها في نفسي .. أجوزك لابني لما يكبر!
تضرج وجهها وتوهجت بحمرته الخجلة، أحست بالسخونة تنبعث من وجنتيها، بالحرج الشديد ينتابها، في حين ازدادت ابتسامة "ونيسة" اتساعًا بعد تلك الضحكة العفوية المرحة التي أطلقتها لتكمل بنفس الود المتحمس:
-عمري ما شوفت واحدة تانية غيرك تنفع مرات ابني، هو مايلقش عليه إلا إنتي، بتحبيه، وهتصوني العشرة، ودايمًا معاه على المُرة قبل الحلوة.


 
لم تعرف بماذا تعلق عليها، نطقت بارتباكٍ يشوبه الحياء:
-الله يخليكي يا خالتي.
اقتربت منها "ونيسة" لتقول بعبثية وهي تغمز له بطرف عينها:
-بس عجبتيني لما إديتي "تميم" التوكة بتاعك!
تطلعت إليها بعينين زائغتين، فجأة اكتسى تعبيراتها حيرة عجيبة وكأن صاعقة ضربت برأسها، حاولت أن تتماسك قبل أن تسألها بصوتها المندهش:
-توكة؟!!!


 
لم تلحظ خالتها التغيير الذي غطا ملامحها فاستفاضت تنصحها:
-أنا عاوزاكي تتلحلحي معاه يا "خلود"، الراجل يحب الست اللي تشاغله وتملى دماغه، خليه دايمًا يفكر فيكي.
وكأنها تُحادث الفراغ، شردت تفكر فيما قالته، هي لم تمنح "تميم" أي هدية مميزة، وما تبوح به خالتها يوحي بشدة أنه حدث قريبًا، إذًا عن أي شيء تتحدث؟ هل تعرف إلى إحداهن مؤخرًا ويخفي عنها تلك الحقيقة كي لا يصدمها؟ تخلل عقلها سؤالاً بعينه لم تكن لتسمح لنفسها أبدًا بتصديقه.


 
لكن شيطان رأسها قوى ذلك الهاجس بداخلها، أيخونها "تميم"؟ انقباضة مؤلمة اعتصرت قلبها وكادت تقبض على روحها، حاولت أن تخفي ضيقها الظاهر على قسماتها لترسم ابتسامة ثقيلة متكلفة وهي تطلب منها بنبرة جاهدت لتجعلها ثابتة حتى لا ترتاب في أمرها:
-هو.. "تميم" حاطط التوكة.. دي فين؟
-هناك!

أجابتها وهي تتجه نحو الكومود لتفتح الدرج العلوي وتخرج منها منديل الرأس والمشبك، فقد وضعتهما به بعد أن تركهما "تميم" عليه، في تلك اللحظة اشتعلت عينا "خلود" بشكلٍ حانق وقد تجمدت نظراتها عليهما، أحست بالدماء الثائرة تتدفق بقوة في عروقها لتندفع بلا توقف نحو عقلها فأصابها بصداعٍ غريب، لمن إذًا تلك الأشياء الأنثوية؟ ولماذا يحتفظ بها في درجه الخاص؟ بدأت نيران الغيرة تنهش فيها .. تأملتها "ونيسة" لوهلةٍ معتقدة أنها انزعجت لكشف ذلك، حاولت أن تهون الأمر عليها فقالت بلطافةٍ لتبرر موقفها قبل أن تسيء فهمه:
-اوعي تزعلي مني يا حبيبتي، أنا مش النوع ده من الحماوات اللي بتفتش ورا ولادها!


 
جفاف مرير كالعلقم اجتاح جوفها، قاومت باستماتة تلك الغصة التي أصابت صوتها، بدت متهدجة الأنفاس وهي ترد:
-لا يا خالتي، مافيش أي حاجة.
مسحت "ونيسة" بكف يدها على وجنتها الملتهبة دون أن ينتقص من ابتسامتها الصافية شيء، ثم أضافت بتنهيدة أشارت لتعبها:
-طيب يا قلب خالتك، أنا هاروح أشأر على الأكل اللي على النار ورجعالك، إنتي عارفة مافيش حاجة في البيت مش بتخلص.
غيم القهر على وجدانها فلم تعد تملك من القدرة ما يجعلها تظل راسخة هكذا، قالت فجأة بوجهٍ تحول للوح جليدي ونظراتٍ عكست مزيجًا من الغضب المكتوم والحسرة المؤلمة:
-أنا لازم أمشي.

تقطب جبينها متسائلة بدهشةٍ:
-الله، ده احنا متفقين تقضي النهار كله معايا! وأمك عارفة بده، يعني هنقعد براحتنا.
تعللت بإرهاقٍ مفاجئ ونبرتها قد تحولت للقتامة:
-معلش يا خالتي، حاسة إني دايخة شوية، ده غير أني وعدت أمي متأخرش، وهاجيلك تاني.
رضخت "ونيسة" أمام إصرارها فهتفت مستسلمة:
-ماشي يا حبيبتي، إنتي بردك مهدود حيلك في الفرش واللذي منه، خدي بالك من نفسك
حاولت أن تبتسم فظهرت ابتسامتها مبتورة منقوصة يشوبها عيبًا مريبًا للشك حينما ردت باقتضابٍ
-طيب، مع السلامة.

بيدٍ مرتعشة سحب حقيبة يدها وهي تكاد تسيطر على اتزانها، انتاب الفضول "ونيسة" وهي تتبعها نحو الخارج، ظلت دهشتها مرسومة على محياها، فقد اندفعت ابنة أختها كالطلقة وكأنها وضعت مكوكًا في قدميها لتخرج من المنزل، صفقت "خلود" الباب خلفها بعصبية ملحوظة، فقدت السيطرة على أعصابها بعد اكتشافها لما أسمته خيانة لعهد الحب الوفي، انسابت دمعاتها بحرقةٍ، شعرت بوخزات ألم الحب تفتك بقلبها، غلت الدماء في عروقها وزاد اضطراب أنفاسها، كانت كمن خرج من معركة قتالية مهزومًا هزيمة نكراء، رددت مع نفسها بحنق يتعاظم أضعافًا مضاعفة كلما هبطت درجة من درجات السلم:
-بتخوني يا "تميم"! طب ليه؟ وبعد الحب ده كله؟!

طاردتها الهواجس وسيطرت على ما تبقى مما تملكه من تفكير منطقي .. جُرحت أنوثتها، وطُعن حبها في مقتل بغدره الخائن لعهد الوفاء بينهما، قررت "خلود" أن تهاتفه لتنهي الأمر بينهما، فإن كان لا يريد حبها فليذهب للجحيم، لكنها لن تحيا كظلٍ مهمش في حياته تقتات على ما يمنحه لها من اهتمام حذر، ارتجفت يدها وهي تضغط على الأزرار باحثة عن اسمه، بدت الرؤية صعبة بسبب دمعاتها الفائضة، كانت خيانته لها مدمرة لكل أحلامها، استندت على الحائط حتى لا تسقط، فقدماها عجزتا عن حملها، اهتز صوتها بألم معنوي مميت وهي تستطرد منادية باسمه:

-"تميم"
بدا صوه جافًا جادًا مكتسبًا طابعه الرسمي وهو يرد:
-خير يا "خلود"؟
ارتفعت شهقتها التي استماتت لتكبحها فخرجت من بين شفتيها وهي تلومه بقلبٍ مفطور:
-ليه خنتني؟ ليه؟
لم يظهر التأثر على صوته، لكنه سألها بما يشبه الضيق:
-إيه الكلام الغريب ده يا "خلود"؟ هو إنتي طبيعية
ردت بحرقةٍ وعبراتها تزداد انهمارًا:
-إنت وجعتني أوي يا "تميم"، أنا محبتش حد إلا إنت، كنت قولي إنك مش عاوزني..

أتاها صوته المزعوج مرددًا:
-أنا مش فاهم حاجة!!
تابعت كالمغيبة وصوتها بات واهنًا موجوعًا:
-أنا عرفت الحقيقة، بس كرامتي فوق أي اعتبار.
صرخ بها في نفاذ صبر:
-إنتي مجنونة يا بت؟
تمالكت نفسها لترد ببقايا كبرياءٍ محطم:
-المرادي أنا اللي مش عاوزاك!

استطاعت أن تسمع صراخه يرن بقوة في أذنها:
-يا "خلود" استني آ....
لكنها أغلقت الخط لتنهي المكالمة وقد ذبحها ذلك الإحساس الفتاك بالغدر،
انفجرت باكية بمرارةٍ وحسرة، تهاوت جاثية على ركبتيها عند بداية السلم، حركت جسدها للجانبين وهي تنوح بشدةٍ ليظن من يتطلع إليها أنها فُجعت في أحدٍ عزيزٍ للغاية.

حمولة جديدة كان عليه تجهيزها قبل حلول المساء وفقا للعقد المبرم مع تلك السفينة السياحية، ولكن لانشغال أغلب العاملين في تعبئة ورص الأقفاص الخاصة بسفينة أخرى اضطر "تميم" للاستعانة برفيقه "ناجي" ومن هم على صلة به للذهاب إلى سوق الجملة الشهير لإحضار المطلوب. تلك المكالمة العجيبة التي تلقاها من خطيبته أزعجته قليلاً وانعكست على تعابيره المشدودة.

لم يفهم سبب توترها المفاجئ ورغبتها في إنهاء الزيجة دون تفسير مقنع، ثم تساءل في نفسه عن اتهامها له بالخيانة، عن أي خيانة تتحدث؟ هو لم يكن على صلة بأنثى غيرها، إذًا فكيف يخونها؟ حيرة في غير وقتها سيطرت على عقله مما جعله يرجئ التفكير مؤقتًا في الأمر ريثما ينهي أعماله التي تنتظره .. ترجل من الشاحنة وسار مهمومًا ونظراته إلى حد ما غائمة، لاحظ "ناجي" تبدل ملامحه للعبوس فتلكأ عن السير ليسأله:
-في إيه يا "تميم"؟

رد باقتضابٍ وهو ينظر له:
-مافيش.
فطن لكونه لا يحبذ الحديث عن أمر يخصه فأشار بيده يدعوه:
-طب بينا عشان نلحق نجمع البضاعة.

أومأ برأسه وخطا نحو البوابة المتسعة، كان السوق مزدحمًا مليئًا بالتجارِ من كل حدبٍ وصوب، الشاحنات من كافة الأحجام تدخل وتخرج معبأة بما تشتهيه الأنفس، الكل يبتاع ويُزايد ليحصل على الأفضل، ومهمته هنا تقتضي شراء الأجود من الخضراوات والفاكهة بسعر جيد لضمان تحقيق الربح في الأخير. سار بشموخٍ وعظمة بين المزاحمين في المكان، يلوح بيده تارة، ويلقي التحية مبتسمًا تارة أخرى، لكن ذلك الصوت الكئيب الساخر المنادي عاليًا استوقفه فجأة:
-محدش قالي إنك خرجت من السجن.

استدار "تميم" بجسده للخلف ليجد كائنًا لزجًا يطالعه بنظراته الحقودة، ما زال يحتفظ بملامحه السمجة وجسده المتهدل المتراخي في بعض أجزائه والذي يبرزه جلبابه المتسخ قليلاً، عرفه على الفور؛ إنه "سراج" أحد أهم تجار سوق الجملة حاليًا، وتحديدًا من أحدث به عاهة مستديمة وكاد ينحره لتجرأه قديمًا على والده ونعته بألفاظ قذرة نابية مست شرف العائلة.

حينها تناسى إنسانيته وأوشك على سفك دمائه لولا مشيئة القدر وتدخل الجميع لمنعه من مذبحة خطيرة، آنذاك أُلقي القبض عليه، ولم ينكر التهم الموجهة إليه وصدر الحكم ضده بالحبس، اعتبر "تميم" ما حدث وسامًا على صدره يدعو للتفاخر والزهو، وبات الكل يخشى اندلاع غضبه .. وبالرغم من مرور السنوات إلا أن غضبه يتجدد ويصل لذروته كلما تذكر جريرته، وها هو اليوم يقف أمامه يستفزه ليخرج الوحش الكامن بداخله، تكورت قبضة يده كنوع من كظم الغضب -مؤقتًا- خاصة حينما تابع "سراج" وصلته المتهكمة:
-ده أنا فكرتك هتعفن هناك.

بكل هيبةٍ وقوة رد عليه وعيناه تتوهجان بشكل مخيف:
-طلعك نأبك على شونة، ولسه زي ما أنا، وبعدين السجن للرجالة!
غمز له ساخرًا بنبرة تعمد أن تكون مسموعة للجميع:
-وللنسوان كمان، ولا إيه؟
انتصب "تميم" في وقفته فبدا أكثر مهابًا ورهبة، هدر يحذره بنبرة لا تبشر بأي خير:
-شكلك نسيت اللي حصلك زمان، كنت زي الدبيحة، مرمي تحت رجلي، وجزمتي فوق رقبتك، وكل اللي هنا شِهدوا على جُرستك!

امتلأ وجه "سراج" بتعابير حانقة، وتحول وجهه للقتامة عندما تابع غريمه إهانته القاسية له:
-ها قولي، لو عاوزني أمسح بيك أسفلت السوق من تاني، فأنا جاهز!
دس الأول يده في جيب جلبابه البيج ليخرج منه مدية يحتفظ بها دومًا لاستخدامها في قطع الثمار، أشهرها في وجهه وبدلها بين قبضتيه كنوعٍ من الاستعراض، ثم صاح يهدده علنًا:
-وإنت الصادق مطوتي جاهزة تسيب تذكار للمدام تشوفه ليلة دخلتها...

إنها تلك اللحظة التي لا يعود فيها للعقل أي وجود، كلمات كالقنابل الموقوتة أشعلت فتيل هياجه الجامح، اربد وجهه وأطلق الشرر من عينيه، لم يرتدع "سراج" وتجرأ متابعًا بما لا يمكن السكوت عليه دون عقاب مهلك:
-ألا بصحيح نويت تتجوز ولا عملوا عليك حفلة في السجن وخلوك تترهبن؟!!!
تهدج صدره بشكل مخيف وقد بات محملاً بمشاعر غاضبة، ناقمة، عدائية، ساخطة، جلجل صوت "تميم" متوعدًا بلهجة مرعبة:
-آه يا ابن ال .....، المرادي هاجيب أجلك!!

رد غير مبالٍ وابتسامة مستفزة تعلو ثغره، ويده تلوح بالمطواة عاليًا:
-وريني يا ابن "ونيسة"!
اندفع نحوه صارخًا به:
-أمي أشرف من إن اسمها يجي على لسان واحد "....." زيك!

كانت حركته المفاجئة ناحيته -بكامل غضبه- قد أذهلته، لكمة تعرف الطريق جيدًا إلى فك "سراج" أطاحت به وقذفت بعمامته التي تلتف حول رأسه بعيدًا، ترنح من شدتها وحاول التماسك، ثم ما لبث أن وجه واحدة مماثلة لها في القوة تلقاها "تميم" أسفل عينه اليسرى، لكن الأخير تغاضى عن ألمه ليشرع في الهجوم عليه، نزف الدماء فورًا من جرح عميق أحدثته المطواة في صدره، استشاط غضبًا واندفع كالثور الهائج مسددًا لكمة أخرى أشد قوة وأعظم شراسة في عنق "سراج" فأشعرته بأن أنفاسه قد قطعت مما جعله يفقد زمام الأمور في لحظة فمنحت الأسبقية للأول..

فرد "تميم" ذراعه ليكمل اعتدائه على كتلة اللحم الكائنة أمامه، طرحه أرضًا مستخدمًا كل قوته، ثم جثا فوقه يكيل له اللكمات يمينًا ويسارًا على وجهه الذي بات كالعجين .. أقام رجال "سراج" الدنيا ولم يقعدوها اندفعوا للتشاجر مع "تميم" وأتباعه، وتحولت ساحة السوق في ثوانٍ معدودة لساحة حرب مميتة، الكل يتراشق بالألفاظ وما تطاله الأيدي من أسلحة بيضاء، وسلاسل حديدية .. الأقفاص تطايرت في الهواء بشكلٍ مرعب واستخدمت في الضرب على الأجساد والإطاحة بالرؤوس، حالة من الفوضى الصاخبة عمت المكان واختلطت مع الصيحات المجلجلة.

نزف "سراج" الدماء من بين أسنانه، كذلك تحطمت سنتين من فكه السفلي جراء العنف المفرط ل "تميم"، أوشك الأخير على إزهاق روحه لولا تدخل كبار التجار للفصل بينهما، أبعدوه من فوقه وأحدهم يرجوه بشدة:
-اهدوا يا رجالة، مايصحش كده!
اخشوشن صوته المحتقن وتشنجد وهو يرد حاسمًا أمره:
-الكلب ده مالوش دية عندي، هايموت النهاردة!

تعلق الحاج "لطفي" أحد أهم كبار تجار السوق -ممن يمتازون بالسمعة والصيت والكلمة المسموعة عند الآخرين- بكتفه ليضمن بقائه في مكانه، ثبت وجهه عليه ونظر في عينيه يتوسط عنده بنبرة أقرب للرجاء:
-هو غلط في حقك، وكلنا شاهدين، بس إنت اهدى، واللي عاوزه هيتعمل!
زجره قائلاً بإصرارٍ مخيف:
-أنا مش هاسكت، رجالتي هيدبحوه، وكل اللي من طرفه هيتصفى النهاردة!

استند "سراج" على مرفقه ليعتدل في رقدته، حاول أحدهم مساعدته على النهوض لكن ثقل جسده الكبير لم يسعفه في شيء، ومع ذلك رد متحديًا دون خوفٍ أو ارتعاب:
-ده لو فضلت عايش يا ابن "ونيسة"!
على الفور استدار نحوه "لطفي" يحذره بصوته الأجش المرتفع قبل أن تتفاقم الأمور مجددًا ويحدث ما لا يُحمد عقباه:
-اتلم يا "سراج"، من امتى بنجيب سيرة الحريم؟ ولا إنت قلبت مَرَة وبقيت بتغلط زيهم؟ قولي عشان أبقى عارف لما أتعامل معاك بعد كده!

إهانة غير مقبولة، بل سَبَّة على الجبين، تلقاها من معلمه ذو الشأن الرفيع، تطايرت شرارات الحنق المختلطة بالحقد من عينيه ولم يجرؤ على التفوه ليدرأ إهانته، نكس رأسه في ضيقٍ وإن ظل غضبه مستعرًا، التفت "لطفي" لينظر إلى "تميم" موجهًا حديثه بشكلٍ عام:
-الكلام ده ماينفعش، كبارات السوق هيتلموا النهاردة ونشوف حل لده، مش هانستنى أما تحصل جناية قتل هنا!
كان كلامه نافذًا لا يجوز مناقشته، سحب نفسًا سريعًا لفظه وهو يكمل بصرامةٍ:
-ارجع يا "تميم" عند الحاج "بدير"، وطلباتك هتوصل لحد عندك.

عانده بوجهه المتجهم رافضًا الإصغاء له:
-مش ماشي من هنا!
ضاقت عينا "لطفي" وهو يعنفه بحذرٍ:
-هو أنا ماليش كلمة عندك ولا إيه؟
تنحنح قائلاً بتذمرٍ:
-إنت على عيني وراسي، بس ...
قاطعه منهيًا الأمر:
-خلاص يبقى تسمع الكلام، اتوكل على الله وبضاعتك هتوصلك!

نظرة نارية تركزت من "تميم" على وجه "سراج" وهو يرد بنبرته التي اكتسبت قوة:
-ماشي كلامك!
شكره بامتنانٍ عظيم:
-أهوو ده كلام الرجالة!
استبد الغيظ ب "سراج" الذي لم ينل نفس القدر من الاحترام والتبجيل وكأنه نكرة بالرغم من مكانته المرتفعة بين باقي التجار، اضطر أن يكظمه حتى تحين اللحظة المناسبة، حينئذ سيدعسه تحت قدميه ويظفر بانتقامه الدامي منه.

ندبٌ وعتابٌ لا بأس به ناله منها بعد أن رأت بأم عينيها ما أصاب وجهه من كدمات وجرحٍ قطعي في يده، حاول إخبارها بأن ما حدث له أمر معتاد نتيجة بعد الشجارات المفتعلة في تلك الأسواق المزدحمة بأربابها، تركها تعاتبه حتى أفرغت ما في جعبتها، ثم دخل إلى الحمام ليغتسل ويبدل ثيابه، فلديه زياؤة طارئة لخطيبته ليفهم منها ما الذي حدث بعد أن تجاهلت طوال النهار رسائله واتصالاته المتكررة بها..

وقف "تميم" أمام المرآة يمشط شعره، لم يستغرب بقاء والدته بالغرفة، فدومًا حينما يتسبب في المشاكل تجلس على طرف فراشه تلومه، وتوبخه، وتحذره من عواقب طيشه. التقت عيناه بانعكاس وجهها في المرآة راقبته عندما سألته كأنها تحقق معه:
-هاتروح فين تاني يا "تميم"؟ ناوي تضارب مع اللي ما يتسمى؟

لف الشال حول عنقه ثم استدار ناحيتها ليجيب بهدوء ضاعف من ريبتها:
-لأ يامه، مش ناوي أتخانق النهاردة..
قطبت جبينها متسائلة بتوجسٍ ونظراتها القلقة مرتكزة على ملامحه الباردة:
-أومال رايح فين؟
أخرج زفيرًا بطيئًا قبل أن يجيبها على مضضٍ:
-لبنت أختك، قالبة عليا من الصبح وأنا مش عارف ليه!
رددت عفويًا وقد بدت مندهشة:
-"خلود"!

-أيوه
سألته مستوضحة:
-مالها؟ ما هي كانت زي الفل من الصبح..
رد بنفس النبرة الممتعضة:
-معرفش، اسأليها، ده لو ردت عليكي أصلاً!
لطمت على صدرها بشكلٍ عفوي قبل أن تلومه:
-اوعى تكون زعلتها؟ أنا عارفاك لما مخك يقفل و...
قاطعها مدافعًا عن نفسه:
-هو أنا لحقت أصلاً أكلمها؟! ده أنا في هم كبير من طلعة النهار.

زمت شفتيها بطريقة مستنكرة، وشردت تستعيد مشاهد ما دار ظهيرة اليوم في المنزل، أخرجها "تميم" من سرحانها السريع بسؤالها:
-قوليلي هي مكانش باين عليها حاجة؟
نفت قائلة:
-لأ يا ابني، كانت تمام.
عاد ليسألها بإلحاح أكبر علها تعتصر ذهنها وتتذكر تفصيلة ما ربما تكون قد غابت عنها:
-يعني مشيت من هنا مبسوطة؟ ماشتكتش من حاجة؟ أومال القلبة السودة دي جت منين؟!
تطلعت إليه متسائلة:
-هي قالتلك إيه؟

أجابها باستنكارٍ كبير وتعبيرات ناقمة:
-مفكرة إني عارف عليها واحدة!
شهقت "ونيسة" بصوتٍ مرتفع قبل أن تؤيده:
-وده كلام يتصدق بردك؟
قال في تهكمٍ:
-قوليلها، الواحد أصله مش فاضي للهري ده، وهي عاملة حوارات
-كبدي يا ضنايا
ران الصمت بينهما لعدة لحظات انشغل فيها "تميم" بارتداء حذائه، لاح في باله سؤال بعينه فنطق به:
-طب هي "هاجر" جت النهاردة وهزرت معاها بكلام بايخ ولا حاجة؟

أجابته والدته مؤكدة:
-لأ مجاتش، بس أختك بتحبها أكتر من روحها ..
أطبق على شفتيه مانعًا سبة تعبر عن استياءه من الخروج من جوفه، ولكن تبدلت تعابيره فجأة للاندهاش الحائر حينما رددت أمه عفويًا:
-لا يكونش ده حصل بسبب التوكة؟!
تعابير واجمة غطت كامل وجهه وهو يسألها:
-توكة إيه؟
أشارت بيدها وهي تجاوبه:
-اللي كانت في درج الكومودينو..

على الفور تحرك في اتجاه الكومود وفتح الدرج العلوي ليجد منديل الرأس والمشبك به، أخرجهما منه ورفعهما نصب عينيه للحظة قبل أن يتركهما من أصابعه ليسقطا بالداخل، التفت ناحيتها متسائلاً بانزعاجٍ كبير:
-هو إنتي قولتلها إيه بالظبط؟
قصت عليه ما دار بالتفصيل لتتضح الصورة كاملة في ذهنه، وضع يده أعلى رأسه في حركة مستاءة من تصرف والدته الأحمق الذي فتح عليه بابًا من المشاكل بدون داعٍ، زمجر قائلاً في غضب:
-دول مش بتوعها يامه، ليها حق تفكر إني بأخونها!
سألته في فضولٍ:
-أومال بتوع مين طيب؟

هتف بعصبيةٍ اتضحت في صوته وحركته بداخل الغرفة:
-أنا لاقيتهم في الشارع وأنا ماشي، يا ريتني كنت رميتهم بدل وجع القلب ده!
شعرت "ونيسة" بالذنب وسوء تصرفها بالإيحاء ل "خلود" بأنها تشجعها على التودد من ابنها لتخلق نوع من الألفة بين الثنائي المقبل على الزواج بعد بضعة أيامٍ، ومع ذلك ألقت باللوم عليه، فقالت:
-وأنا هاعرف منين يا ابني؟ ما إنت مابتقولش حاجة!
استمر على عتابه لها قائلاً:
-حتى لو كده، برضوه مكانش ليه لازمة البؤين بتوعك دول!

تنهدت معقبة بقلة حيلة:
-أهوو اللي حصل بقى.
سألها وكأن عقله قد توقف عن إيجاد الحلول المنطقية:
-وهنحلها إزاي دي؟ يعني كنت ناقص خوتة!
اقترحت على استحياءٍ:
-حاول كده تضحك عليها بكلمتين، جايز ربنا يهديها وتعدي الحكاية على خير.
كان غير مقتنع بما تفوهت به، وقال موجزًا كتعبيرٍ عن عدم رضائه:
-ربنا يسهل.

همَّ بالخروج من الغرفة لكن استبقته والدته بالصياح عاليًا وكأن عقلها قد أضاء بفكرة ما:
-استنى يا "تميم"...
استدار ناحيتها فتابعت:
-إنت تقولها إنهم بتوع "هاجر"، وكانت نسياهم عندنا، فإنت خدتهم منها وعنتهم معاك لحد ما تشوفها
بدا حلاً جيدًا، لكن شكوكه جعلته يتساءل:
-وده هايخيل عليها؟

رد مبتسمة ابتسامة عريضة لتشير إلى استعادتها لضوابط الأمور:
-ملكش دعوة، أنا هأكد على "هاجر" تقول نفس الكلام، وإن شاء الله تصدق، وأمك مش هينة بردك
بادلها ابتسامة صغيرة على محياه أضاف بعدها:
-خلاص هاجرب..
نظرت لها بعينين متفائلتين ثم هتفت متضرعة:
-ربنا يهدي سركم يا ابني.
-يارب.

تبعته في سيره إلى الخارج وهي تكمل على سجيتها الفطرية:
-وربنا احنا اتحسدنا، ده شيطان ودخل بينكم..
غمغم "تمتم" ساخرًا في نفسه وهو يمسك بمقبض باب المنزل ليديره:
-هو أنا لحقت أعمل حاجة عشان الشيطان يدخل، ولا هو بيتلكك!

فتح الورقة المطوية التي تشربت الكثير من الزيت والبخار المنبعث من الطعام الساخن، ثم فردها على الطاولة القصيرة المستديرة لتظهر وجبة شهية من (الكباب والكفتة)، هبط "حمص" من على مصطبته القديمة ليجلس على الأرضية فور أن اقتحمت الرائحة الزكية أنفه، وبيده المتسخة اختطف قطعة كبيرة دسها في فمه، وتلذذ بمذاقها الذي اشتهاه للغاية، ظهرت علامات الاستمتاع واضحة على تعابيره، نظر له "شيكاغو" بتأملٍ ثم سحب قطعة يلكوها في فمه، تملكه نفس الإحساس الرائع بتناول أحد أشهر الوجبات وأغلاها على المعدمين من أمثالهم .. تناثرت البقايا من جوف "حمص" وهو يستطرد:
-بس تصدق الشغل مع المعلم "تميم" حاجة تانية.

رد عليه "شيكاغو" يؤيده في كلامه:
-ده حاجة أخر نغنغة، مصلحتين تلاتة معاه وهنبطل سرقة!
رمقه بنظرة نارية رافضة قبل أن يوبخه بحدةٍ:
-نبطل، إنت عبيط، حد يقول للرزق لأ؟!
سأله بفمٍ ممتلئ على آخره:
-ليه في حاجة جديدة؟

أجابه بعد أن تجرع رشفة كبيرة من مشروبه المسكر الذي أحضره:
-وقعتلك على حتة ألماني إنما إيه، هتريحنا بتاع شهرين تلاتة.
تساءل في اهتمامٍ:
-دي فين دي؟
تجشأ موضحًا:
-عند الفلل القديمة، مدير أمن سابق، على المعاش دلوقتي وعايش لوحده.
توقف "شيكاغو" عن ابتلاع الطعام ليحدق فيه مصدومًا، ثم صاح محتجًا:
-إنت جاي تودينا عش الدبابير؟!!!!

قال غير مكترثٍ وقد بدا متحمسًا لتلك السرقة:
-يا عم ده راجل مكحكح، مش هيستحمل زقة مننا، وبعدين أغلب الوقت مش موجود في فيلته.
حذره بلهجة جادة ربما يتراجع عن فكرته المتهورة تلك:
-بلاش منها.
أصر على رأيه قائلاً:
-صدقني هنسترزق، وزبونها جاهز هيدفع على طول.

وضع قطعة أخرى من اللحم الشهي في جوفه، ابتلعها ورد عليه بعبوسٍ:
-مش مرتاح
ظهرت على تعابير "حمص" علامات الارتياح، استرخى في جلسته وأمسك بزجاجة مشروبه يرفعها نحو فمه، ثم قال عن ثقة تامة وقد عكست نظراته قتامة مريبة:
-يا عم حط في بطنك بطيخة صيفي، هتعدي زي اللي قبلهم!

-تسلم إيدكم يا بنات، رجعت زي الأول وأحسن.
قالتها "آمنة" بابتسامة بشوشة على تعبيراتها الهادئة وهي تتأمل بعينين مشرقتين العربة بعد تجديدها بالأموال التي حصلت عليها جراء بيع أسورتها الذهبية، لم يذهب مالها سدى، هكذا رددت في نفسها! كنت ابنتاها قد توليتا نقل العربة إلى تلك الغرفة بعد تنظيفها لتصبح مكانًا آمنًا للاحتفاظ بها دون الخوف من تكرار تخريبها، التفتت "همسة" ناحية والدتها لتأخذ منها صينية السندوتشات التي أعدتها لهما، بينما احتضنتها "فيروزة" وشددت من ضمها لها وهي تشكرها معترفة بجميلها الكبير:
-الحمدلله يا ماما، كله بفضل ربنا ومساعدتك لينا، لولاكي كان زمانا حاطين إيدنا على خدنا.

ردت بحنوٍ:
-ربنا يفرحكم دايمًا..
ثم أشارت بعينيها للأعلى مكملة جملتها:
-هاطلع أنا فوق ولو عوزتم حاجة نادوا عليا.
هزت "همسة" رأسها ترد عليها:
-ماشي يا ماما
تابعتها الاثنتان بعينيهما إلى أن صعدت على الدرج واختفت بالأعلى، ثم تحركت "همسة" نحو أحد الصناديق الخشبية الموضوعة جانب الحائط لتسند الصينية عليها، حملقت في العربة قائلة:
-تعرفي كده شكلها بقى أحلى.

تنهدت "فيروزة" قائلة في سعادة ممتزجة بالارتياح:
-الحمدلله، أنا كنت هاموت بحسرتي لو المشروع ده باظ.
-ربنا كريم، والتوسيعات اللي اتعملت من جواها بقت أحسن
-مظبوط، هنعرف نقف براحتنا، وكمان عندنا مخزن نعين فيه حاجتنا
-صح كلامك.

لفتة عادية برأسها نحو جانب العربة جعلتها تلمح "حمدية" وهي تتلصص عليهما من الخارج من خلال انعكاس صورتها في المعدن، انقبض قلبها وشعرت بإحساس مزعج يتخللها، لذا مالت "همسة" نحو أختها تقول لها بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا:
-الحقي مرات خالك بتبص علينا!
امتقع وجه "فيروزة" وتغيرات نظراتها للضيق، كزت على أسنانها هامسة في توعدٍ صريح ينم عن بغضها لها:
-بجد، ليها نصيب تتهزأ!!

اقتربت من الباب مدعية حديثها مع أختها، فقالت بنبرة عالية متعمدة أن تصل إليها:
-الجو جايب هوا بارد، بارد أوي، مش كده يا "همسة"؟
في البداية لم يتفقه ذهن "همسة" إلى ما تفعله، وبالتالي لم تستطع مجاراتها فتساءلت بقليل من الحيرة:
-فين ده؟
أجابتها بنبرة موحية ونظرات ذات مغزى:
-من برا، مش حاسة ولا إيه؟

انتبهت "حمدية" المرابطة بالخارج لكونها المعنية بذلك الحديث غير المباشر، استرقت السمع وتحفزت للرد لكنها منعت نفسها قبل أن تتهور حتى لا تكشف أمرها، في حين وضعت "فيروزة" إصبعيها على أنفها لتسده مكملة استخفافها بها بشكلٍ مهين:
-لأ ومليان ريحة زفرة، يا ساتر، هانتخنق من الريحة المعفنة دي، في إيه كده برا، فسيخ ولا تنضيف سمك؟!

كادت "حمدية" أن تخرج عن طور سكونها المضطر لترد عليها، بدت كمن تتصاعد ينفث دخانًا من أذنيه حينما تابعت "فيروزة" تمثيليتها المتهكمة عليها:
-أحسن حاجة أعملها أقفل الباب، خلي القذارة تفضل بعيد عننا!
وبكل قوة صفقت الباب في وجه "حمدية" التي انتفض جسدها تلقائيًا من الصوت المرتفع، استشاطت غضبًا من إهانتها القاسية لها، احمر وجهها غيظًا واشتعلت نظراتها في حنق، ثم تمتمت من بين أسنانها المضغوطة بنبرة مغلولة:
-يا بنت ال .....! بقى أنا تلأحي عليا بالكلام؟

كورت قبضة يدها وضربت بها على الدرابزين، ثم ما لبثت أن أمسكت بخصلة من شعرها لفتها حول إصبعها متوعدة "فيروزة" بحقدٍ مضاعف عكس قدرًا محدودًا من نواياها الخبيثة:
ماشي يا بنت "آمنة"، وحياة مقاصيصي دول لهفرجك ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثامنة بقلم منال سالم


كوعاءٍ موضوعٍ على موقد مشتعل ويحوي مياه تغلي حتى تقطعت اندفعت صاعدة إلى منزلها وكلماتها الحانقة تخرج من بين شفتيها، احتقنت نظراتها أكثر، واِربد وجهها بعلامات الغضب المحموم، وقفت "حمدية" أمام باب منزلها تفتش عن مفتاحها في محفظة يدها، تصاعد غضبها أكثر مع تذكر إهانة تلك المستفزة لها، همست قائلة وهي تكز على أسنانها.


 
-والله لأولعها حريقة، وهانشوف مين هايضحك في الآخر يا بنات "آمنة"!
جال ببالها أن تشوه الحقائق وتختلق الأكاذيب، برقت عيناها بوهجٍ شيطاني لئيم، تحولت في لحظة لأفعى ماكرة تحيك المؤامرات لتوغر الصدور وتزرع الفتن، حاولت أن تستعيد أي ذكريات حزينة في رأسها لتساعدها على استدعاء عبراتها، ثم بدأت في النواح وهي تدس المفتاح في قفله، انفتح الباب فرفعت صوتها المنتحب قائلة بنبرة أقرب للتحسر:
-بقى دي آخرتها، أه ياني يامه، مكنش العشم!


 
رفع "خليل" أنظاره عن الأوراق المفرودة على الطاولة أمامه والتي بدا منهمكًا في دراستها ليتطلع إليها باستغرابٍ، ضاقت نظراته متسائلاً بفتورٍ محسوس:
-مالك يا "حمدية"؟
ألقت بجسدها على الأريكة ثم أحنت رأسها على صدرها لتخبئ وجهها خلف يدها، وواصلت نحيبها بنبرة كانت إلى حد ما مفتعلة، ضجر زوجها من مماطلتها فصاح بها بنفاذ صبرٍ:
-يا ولية في إيه؟


 
ادعت مسحها لدموع التماسيح الزائفة، وقالت له بندمٍ أثار حفيظته:
-شايف يا أخويا بنات أختك عملوا فيا إيه؟ كله بسبب طيبتي وحنية قلبي!
مل من ثرثرتها الزائدة عن الحد والتفافها حول أساس المشكلة، لذا هدر بها بتذمرٍ:
-ما تنطقي عملوا إيه الطواعين دول؟

جاوبت ما طرحه بمزيد من الغموض المستفز له:
-لأ وأنا اللي زي الهبلة نزلت أخد بخاطرهم وأقولهم يطلعوا يصالحوك والمياه ترجع لمجاريها
نفخ في استياءٍ من طريقتها الملتوية في الإشارة للأمور، حاول السيطرة على أعصابه ليسألها من جديد:
-أنا مش فاهم حاجة، وضحي كلامك.
تنحنحت قائلة بنبرة متقطعة متوسلة إياه:
-هاقولك يا "خليل"، بس بالله عليك ما تعملهم حاجة، هي غلطتي من الأول.
-ماشي.


 
تركزت عيناه عليها وهي تسرد أكذوبتها المقنعة بما يجعلها في موضع المجني عليها وليس المتطفلة الخبيثة، حيث ادعت كذبًا أنها ذهبت للحديث مع ابنتي أخته لإعادة روابط الود بينهما وبين خالهما، لكن عاملت الاثنتان إياها بأسلوب فظٍ ووقح وتتطاولتا عليها بكلماتٍ مهينة مما أحرجها للغاية، استشاطت نظراته حنقًا مما سمعه، ببساطةٍ شديدة نجحت في استفزازه واستثارة أعصابه المتوترة .. ضرب بيده بعصبيةٍ على الطاولة لتهتز بما عليها صائحًا وقد هب واقفًا:
-أما بنات قليلة الأدب بصحيح متربوش ولا عرفوا تربية، عاوزين قطم رقبتهم..

أخفت عينيها الماكرتين وهي تكمل:
-ما هو لو كانوا بيعملولك حساب، كانوا احترموك وقدروا نزلة مراتك ليهم
حقًا كانت ماهرة في انتقاء الأسوأ من التعبيرات لتنشر الحقد والكراهية بين النفوس، تقدم نحوها "خليل" ليربت على كتفها وكأنه يهدئها، بدا صوته متهدجًا منفعلاً وهو يقول لها:
-معلش يا "حمدية"، حقك عليا..


 
أغاظتها تلك الكلمات التي أوحت لها بسلبيته تجاه الموقف، تضاعف إحساسها بالضيق منه، خشيت أن يخذلها ويقف كالمشاهد تاركًا إياها تحترق بغيرتها وحقدها، لهذا عمدتٍ إلى زيادة الطين بلة بالاسترسال قائلة:
-كله من أختك، لو كانت وقفتلهم ومنعتهم من المسخرة دي كانوا اتلموا، بس نقول إيه؟ هي اللي مشجعاهم على الفُجر ده، أل وعملالي متمسكنة وغلبانة، ياما تحت السواهي دواهي!!

عكست نظراته نحوها كراهية بائنة بعد أن تلفظت بتلك الجمل المليئة بالبغضاء، وجهه المشبع بغضبه ازداد تقلصًا، حملق فيها قائلاً:
-اصبري عليا بس أخلص مراجعة الجرد السنوي للمخازن وحسابات الموظفين وأفوقلهم...
التقط أنفاسه ليضيف بقسوةٍ متوعدة:
-وساعتها هاجيبهم تحت رجليكي يعتذرولك!
زمت شفتيها لتقول في عدم اقتناعٍ ونظرة ساخطة تظهر على تعبيراتها بوضوحٍ جلي:
-أما أشوف...


 
نفخ الهواء الذي استنشقه دفعة واحدة حينما وقف أمام أعتاب المنزل ليستعد نفسيًا لتلك المواجهة مع "خلود"، خطيبته التي تعشقه بكل جوارحها، تمنى أن تكون والدته قد عالجت الموقف الذي لا ناقة له فيه أو جمل سوى أنه وجد تلك الأشياء واحتفظ بها دون أن يعرف صاحبتها .. رفع "تميم" يده للأعلى ليقرع الجرس، تنفس بعمقٍ ورسم تلك البسمة الثقيلة الباردة على محياه ليبدو لطيفًا حينما ينفتح الباب، تأهبت حواسه وقد أطلت خالته منه ترمقه بنظرة عبرت عن امتعاضها، لاحظ تجمد نظراتها على الكدمة التي تزين وجهه، بدت كما لو كانت سعيدة لذلك، وبتكشيرة ظاهرة على جانب شفتيها سألته:
-إزيك يا ابن أختي؟

رد مرحبًا بها:
-الحمدلله، أخبارك إيه يا خالتي؟
تنهيدة بطيئة خرجت من جوفها قبل أن تقول:
-نحمده على كل حال..
سألها في لباقةٍ بعد أن لاحظ أنها تسد الطريق عليه لتمنعه من الدخول للمنزل بشكلٍ غير مباشر:
-مش هاتقوليلي اتفضل؟
تنحت ببطءٍ للجانب ليمر بجوارها ووجهها ما زال محتفظًا بتعابيره المزعوجة، التفت برأسه نحوها يسألها:
-"خلود" صاحية؟
أجابت في سخط:
-وهي من امتى بتنام الميعاد ده؟!

تصنع "تميم" الابتسام كبديلٍ عن الرد عليها، اتجه تلقائيًا للصالون حيث اعتاد الجلوس به حينما يلتقي بها، تبعته وكأنها ظله ثم جلست في مواجهته مسلطة عينيها عليه وهي تسأله مباشرة:
-قولي بقى، إنت ورا لوية بوزها؟
انزعج منها، ومع ذلك رد عليها متسائلاً بما يشبه المراوغة حتى لا يُشبع فضولها:
-هي قالتلك كده؟
هزت رأسها بالنفي وهي تجاوبه:
-لأ .. بس أنا خمنت.

استقام في جلسته واشتد كتفاه معقبًا عليها:
-طالما مقالتش يبقى متصدقيش كل حاجة تشوفيها يا خالتي!
اختلج وجهها من جملته تلك فحذرته بلهجةٍ شديدة:
-شوف يا ابن "بدير"...

ظهر الضيق عليه لمناداته هكذا، بذل مجهودًا مضاعفًا ليبدو ثابت الملامح أمامها حتى لا يمنحها فرصة الاستمتاع بإزعاجه، في حين تابعت "بثينة" تهديدها الضمني بلهجة صريحة:
-اللي هيقرب من ولادي ولا يفكر يأذيهم هاقرقشه بسناني وأكل لحمه ني، واللي بس يمس شعرة منهم هيلاقيني واقفة في وشه، كفاية أوي خسارتي في أبوهم زمان بسببكم!

ظل كعادته رابط الجأش قبالتها حينما تشرع في الحديث عن الماضي وإلقاء التهم على الآخرين متغافلة عن قصدٍ عن حقائق الأمور، ثم رد عليها ببرودٍ وكامل عيناه مثبتة عليها:
-بلاش نفتح لبعض الدفاتر القديمة!
نهضت من أمامه تقول:
-أديني بأعرفك، زعل "خلود" مش هاسكت عليه!
رمقها بنظرة جافة وهو يؤكد لها:
-اطمني .. أنا مش من النوع ده، بس شكلك نسيتي مين ابن الحاج "بدير"!

تطلعت إليه بعينين حادتين، ما زال قادرًا على الاحتفاظ بكرامته دون مساس، بدا وكأنه قد سيطر على الموقف واستعاد قدرته على التحكم بمجريات الأمور مع كلماته الأخيرة تلك، اكتست خلجاتها بقليلٍ من الضيق وهو يضيف بوقاحةٍ:
-ومعلش ناديهالي، أصلي مش فاضي!

انصرفت منه أمامه لتستدعي ابنتها التي كانت مشغولة بإجراء مكالمة هاتفية مع ابنة خالتها، لوحت "خلود" بيدها لأمها كتعبير عن فهمها لإشارتها، تغيرت كليًا عن الصباح، كانت أكثر ارتياحًا وهدوئًا، حتى بكائها غير المفهوم قد تلاشى وكأن شيئًا لم يحدث .. وبيدها المتحررة ضبطت حجاب رأسها، وشدت فستانها على جسدها ليبدو مفرودًا، ثم دنت من "تميم" راسمة ابتسامة رقيقة على محياها وهي تنهي اتصالها بمرحٍ لطيف:
-ماشي يا "هاجر"، هنتكلم تاني، سلام يا حبيبتي.

كانت على وشك الترحيب بخطيبها الذي هب واقفًا ليسألها بخشونةٍ:
-ممكن أفهم في إيه؟
أطرقت رأسها معتذرة كطفلة صغيرة أخطأ التصرف:
-أنا أسفة.
رد متسائلاً بوجهٍ جاد للغاية في تعبيراته:
-ده على إيه بالظبط؟

رفعت عينيها لتتطلع إلى في ندمٍ آسف، لكن ما لبث أن تحولت نظراتها للخوف وتعابيرها للقلق حينما رأت ما حل بوجهه، جُزع قلبها وهتفت تسأله في لوعةٍ وتلهفٍ:
-إنت مال وشك، حصلك إيه..
ضغط على شفتيه رافضًا الإجابة عليها، انخفضت عيناها لتنظر إلى كفه الملفوف بشاشٍ طبي، وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها المذعورة، نظرت له مرددة بارتعابٍ:
-الله وإيدك كمان؟ طمني عليك يا حبيبي إنت كويس؟
-أيوه
-طب ده من إيه؟!

تجاهل الإجابة عن أسئلتها ليرد بضيقٍ:
-مش موضوعنا، احكيلي اللي حصل
أدركت "خلود" تفاقم المشكلة التي تسببت فيها دون داعٍ من خشونته معها، أطرقت رأسها من جديد في حرجٍ، واستطردت بربكةٍ ظاهرة في نبرتها:
-ده.. كان سوء تفاهم.. وخلاص اتحل..
شعر "تميم" بالارتياح يتخلله بعد أن فطن لنجاح خطة والدته في خداعها، لم يحبذ استخدام تلك الطريقة معها، فهي مناقضة لطبيعته، لكنها كانت الأمثل لتلافي تطور المشكلة، ومع ذلك حافظ على رسمية ملامحه متسائلاً ليبدو أكثر إقناعًا:
-قصدك على توكة "هاجر"؟

أومأت برأسها إيجابًا بدلاً من الرد عليه، ثم أضافت:
-أنا افتكرت إنها ...
لم يحبذ "تميم" التطرق أكثر في تلك المسألة السخيفة وإعطاها أكبر من حجمها، لذا قال بحسمٍ ومنهيًا الخلاف بينهما:
-"خلود"، أنا يوم ما أحب أعمل حاجة هاعملها في النور، مش أنا اللي أوعد واحدة بالجواز، وأمشي مع واحدة تانية!

ظهر الندم في عينيها جليًا خاصة حينما استفاض موضحًا:
-ولو مكونتش عاوزك يا بنت الحلال مكونتش كملت معاكي حتى لو مين أجبرني على ده، بس إنتي برضوه مش قادرة تفهميني..
كلمات كالسياط هبطت عليها فأوجعتها بشدة، أحست بغصة مريرة تؤلم حلقها وهي تبرر له تصرفها:
-قدر موقفي يا "تميم"..

غص صدرها بالبكاء مستعيدة ذلك المشهد في رأسها، أعادت وصفه قائلة:
-أنا.. لاقيت خالتي بتحكي عن حاجات واحدة تانية، وكأنها مني، وأنا معرفش عنها حاجة، تفتكر إيه اللي هايجي في بالي؟
رد عليها يسألها بما يشبه العتاب:
-طالما مش واثقة فيا، يبقى إزاي هنتجوز يا بنت الناس؟
اختنق نبرتها أكثر وتحولت للبكاء، كما تجمعت العبرات في عينيها بكثافةٍ وشكلت سحابة ضبابية حينما همست بما يشبه الاستجداء:
-"تميم" أنا بأحبك! مقدرش أتصور إنك بتفكر في غيري، أو حتى أقدر أعيش من غيرك ..

أوجعته صراحتها الصادقة، هي تعشقه حتى النخاع، متيمة به بجنون، لا ترى في حياتها سواه، ولا يوجد حدًا لعواطفها الجياشة نحوه، بينما مشاعره ناحيتها عادية لن تصل مطلقًا للهيام، لكن القليل من الاهتمام يرضيها، حدق فيها بشرودٍ حائر، فماذا إن استحالت الحياة بينهما بعد الزواج؟ استغلت صمته لتضغط عليه ورجته بنبرتها المستعطفة وعينيها الدامعة:
-حقك عليا، عشان خاطري سامحني، أنا عرفت غلطي.

ظلت تعابيره جامدة وهو يتطلع إليها، ثم استطرد ينصحها:
-عمومًا ابقي حكمي عقلك يا "خلود" قبل ما تحكمي عليا، ده لو عاوزة عيشتنا تمشي سوا!
ازدردت ريقها وهزت رأسها بإيماءات متكررة مؤكدة له:
-حاضر، مش هايحصل تاني
اكتفى بحركة بسيطة من رأسه وقال بعدها بجديةٍ:
-أنا ماشي
انتفضت من رحيله المفاجئ فهتفت مصدومة:
-إيه ده؟ مش هاتقعد معايا شوية؟

حرك رأسه نافيًا، اعترضت طريقه قائلة بإصرارٍ حينما همَّ بالرحيل:
-طب استنى أعملك حاجة سخنة تشربها
زفير مرهق خرج من جوفه قبل أن يعتذر:
-مرة تانية يا "خلود"، تعبان من الصبح، وإنتي شايفة شكلي عامل إزاي، ده غير إن لسه عندي شغل أد كده عاوز أخلصه.
قالت في رقة وقد استعادت حيويتها:
-ربنا يقويك يا حبيبي، لسه زعلان مني؟
تقوست شفتاه لتظهر ابتسامة صغيرة وهو يرد:
-لأ.

تضرج وجهها بحمرة باهتة وقد تدللت لتقول له في نعومة:
-هتوحشني لحد ما أشوفك تاني، خد بالك من نفسك.
اكتسب صوته إيقاعًا هادئًا وهو يرد:
-إن شاء الله، عاوزة حاجة مني؟
-لأ يا حبيبي.

قالتها بنعومة أكبر قبل أن تصحبه نحو باب المنزل، لوحت بيدها تودعه، وانتظرت للحظات حتى هبط الدرجات، أغلقت الباب بهدوءٍ، ثم استدارت بجسدها وعلى وجهها ابتسامة بشوشة، سريعًا ما اختفت وحل الانزعاج كبديل عنها وقد بدأت والدتها في تعنيفها، فقالت لها:
-أنا مش عارفة إنتي مدلوقة عليه كده ليه؟

ردت بعبوسٍ:
-عشان بأحبه
نظرت لها شزرًا وهي تكمل:
-يا بت اجمدي كده واتقلي عليه بدل ما يبيع ويشتري فيكي،!
اتخذت الصمت سبيلاً أمام كلامها الذي لا تعتد به حينما يخص حبيب قلبها، سارت في اتجاه غرفتها ووالدتها تتبعها مكملة تحذيراتها الجادة:
-اللي زي "تميم" ده نمرود، مش هايقدر اللي بتعمليه عشانه، بكرة يتفرعن عليكي
التفتت ترد بعنادٍ:
-برضوه هاحبه، القلب وما يريد يامه، وأنا مش عاوزة إلا هو!
علقت عليها في استنكارٍ:
-بكرة يوريكي النجوم في عز الضهر.
-مش هايحصل.

-خلاص اسمعي كلامي وإنتي تكسبي
عضت على شفتها السفلى وتطلعت إلى والدتها بنظرات ساهمة، ثم عقبت عليها:
-أنا عاوزة أسمع كلامه هو وبس
حدجتها "بثينة" بنظرة نارية حادة مستاءة من سذاجتها، ثم وبختها بانفعالٍ ظهر في صوتها وتعبيراتها:
-خايبة زي اللي خلفتك، بكرة تجيلي تعيطي، وساعتها هتعرفي إن الله هحق!

ألقت حديثها وراء ظهرها واكتفت بالسعادة التي احتلت روحها بعد تصالحها مع "تميم"، لم يتبقِ سوى القليل لتكون في عصمته، بضعة أيام وتصبح حرمه المصون، لكنها لم تكن تعلم أن بداية معاناتها الحقيقية ستبدأ بمجرد أن يصيرا زوجين.

لاحقًا، وبعد بضعة أيامٍ .. سدد نظرة عميقة متأملة لهيئته التي بدت غير مألوفة بالنسبة له في انعكاس وجهه بالمرآة بعد أن ارتدى بدلة عرسه، عدَّل من وضعية البابيون الذي يمزج بين اللونين الأبيض والأسود ليصبح في المنتصف، شعر بالغرابة والتوتر، وبالرغم من كونه على دراية بميعاد زواجه إلا أن حدوثه فعليًا كان مدعاة للقلق، لا يعرف كيف مرت الأيام سريعًا ليصل لليلة المنشودة، علل ذلك بكونه مشغولاً للأغلب الوقت فالتهى عن التفكير في تبعات الزواج.. زفرة طويلة بطيئة خرجت من صدره مستديرًا نحو المصفف ليكمل باقي عمله، ظهر "تميم" وسيمًا نوعًا ما بعد نجاح الأخير في العناية به وإظهاره بشكلٍ يليق بتلك الليلة المميزة؛ فحلق ذقنه النابتة، ورطب بشرته المتيبسة ببعض الكريمات المرطبة فأكسبها اللين، كذلك هذب خصلات شعره المتناثرة بأحد مستحضرات العناية بالشعر ليظل ثابتًا لأطول فترة ممكنة.. تساءل الأخير بابتسامة عملية قاصدًا مدح زبونه السخي:
-تمام كده يا ريس؟

هز "تميم" رأسه في استحسانٍ، وأجابه:
-زي الفل.
نثر المصفف مادة لامعة على طرفي ياقة بدلته السوداء كنوعٍ من منحة لمسة إضافية مختلفة ليبدو أكثر أناقة عن ذي قبل مع إفراطه في استخدام العطر الخاص ليزكم أنف عروسه برائحته الطيبة، أشار له "تميم" بيده ليتوقف فامتثل له، ثم دس يده في جيب بنطاله القماشي وأخرج منه حفنة من النقود وطواها في راحته، مد بها كفه نحوه يشكره:
-تعبتك معايا.

رد المصفف مهللاً بعد أن لمح المبلغ الكبير الذي أعطاه له:
-يا باشا ده إنت تؤمر.
ثم أفسح له المجال ليمر ويخرج من صالون الحلاقة حيث ينتظره "محرز" بجوار سيارة العائلة السوداء ذات الطراز القديم نسبيًا -بالرغم من كونها ماركة مرسيدس- والتي تستخدم في تنقلات أفراد الأسرة، ألقى عليه نظرة إعجاب يمتدحه بها وهو يصيح عاليًا:
-مبروك يا عريس.

اقترب منه "تميم" ليصافحه وعينيه تجوب على شرائط الزينة البيضاء التي تغطي جانبًا لا بأس به من زجاج السيارة الأمامي، لكن "محرز" جذبه من كفه نحوه ليحتضنه وربت على ظهره بخشونةٍ، ثم مازحه بسخافةٍ عكست تلميحًا خارجًا:
-عاوزينك ترفع راسنا النهاردة، ولا تحب أقولك تعمل إيه؟
رمقه "تميم" بنظرة قاتمة لا تقبل الهزل في مثل تلك الأمور الخاصة جدًا، وإن كانت على سبيل الدعابة والمزاح، لذا أحرجه قائلاً:
-مايخصكش.

تجاوز "محرز" عن رده الجاف ليقول بابتسامته اللزجة:
-طول عمرك جامد يا "تميم"
رد عليه بانزعاجٍ:
-إنت هتؤر عليا ولا إيه؟
افتعل الضحك معلقًا عليه:
-على رأيك، ما يحسد المال إلا أصحابه، وإنت مال وحسب ونسب وهيبة و...
قاطعه منهيًا الحوار:
-ارحمني، أنا مش ناقص
قال ببرودٍ سمج:
-ماشي يا عريس، كلنا كنا زيك كده، وكله بيعدي في الآخر.

حاول "تميم" أن يتمالك أعصابه حتى لا تنفلت، اتجه إلى السيارة ليجلس كعادته في الأمام لكن استوقفه "محرز" صائحًا:
-عندك يا عريس، ده أنا اللي هاوصلك بنفسي
أشار بيده معترضًا:
-البيت هنا، مش حكاية هي!
حاول احتلال المقعد الأمامي ليقول بضحكة مصطنعة:
-والله ما يحصل، ده أنا نادرها.
غمغم "تميم" مع نفسه مرددًا في تأفف ممتعض وهو يطالعه بنظراته المزعوجة:
-ربنا يخلصني من الشبكة السودة دي على خير، هو أنا كنت ناقصه.

تصفيقات مصحوبة بالزغاريد العالية والضحكات المرتفعة الخليعة تخللت تلك الجلسة النسائية البحتة في غرفة نوم العروس بمنزل عائلتها كتعبير عن فرحة قريباتها وصديقاتها بتزويجها، بضعة نصائح هامسة عن أسرار السعادة الزوجية تناقلتها الألسن لتشجع تلك الفتاة الخجول على التعامل بجرأة ممزوجة بالحب والدلال مع زوجها حتى تضمن بقائه أسيرًا لرحيق عشقها، تلون وجهها بألوان الحياء وأشاحت ببصرها بعيدًا في خجلٍ أكبر مع كل تلميحٍ ذو دلالة.

عجزت عن الرد أمام جراءتهن الوقحة، وطلبت منهن التوقف، لكنهن أبين الإصغاء واستمتعن فيما يفعلن .. وضعت خبيرة التجميل ذائعة الصيت اللمسة الأخيرة على وجهها بعد أن أصرت الأخيرة على تجميلها في المنزل، أتقنت الأولى تضخيم شفتي العروس بأحمر الشفاه لتبدو جذابة ولافتة، كذلك استخدمت فرشاتها لتضيف القليل من الحُمرة على وجنتيها فتخفي ذلك الشحوب والإرهاق فتظهر فاتنة، خاطفة للقلوب.

اشتعلت الأجواء حماسًا مع قيام أحداهن بالرقص والتمايل بميوعة واحترافية وكأنها ولدت هكذا، صفقت المتواجدات لها بحماسٍ لتزيد في رقصها، ثم جذبت أخرى لتشاركها تلك الوصلة المرحة، انتبهت "خلود" وسط ذلك الصخب الدائر لأصوات أبواق السيارات، قفز قلبها بين ضلوعها رهبةً وسعادة، استدارت تبحث بعينيها عن والدتها بين الجالسات، ثم أشارت لها بنظراتها لتأتي إليها، مالت "بثينة" ناحيتها فاشرأبت ابنتها بعنقها تسألها في تلهفٍ وصدرها يعلو ويهبط بشكلٍ ملحوظ
-هو "تميم" جه يا ماما؟

أجابتها مبتسمة:
-واقف تحت يا حبيبتي.
وضعت "خلود" يدها على صدرها النابض بقوةٍ تتحسسه، أحست بربكة عظيمة تجتاح كيانها، برقت عيناها وتصلب جسدها حينما أردفت أمها تسألها:
-ها أشاورله يطلع؟
ردت على الفور:
-أيوه...
لكن ما لبث أن سيطر عليها التردد الخائف فتراجعت قائلة:
-ولا أقولك استني.

نظرت لها "بثينة" في استغرابٍ، في حين ألقت "خلود" نظرة مدققة على هيئتها المختلفة في ثوب العروس تتأمل كل تفصيلة فيها، بدءًا بوجهها ومساحيق التجميل التي تغطيه، ومرورًا على حجابها الأبيض الذي يزين رأسها، وانتهاءً بثوبها البراق المرصع بالقطع الكبيرة اللامعة عند صدره فقط لينسدل على جسدها بانتفاخٍ ملحوظ بسبب طبقات القماش المتراكمة فوق بعضها البعض، شعرت بالرضا عن حالها، ومع ذلك سألت والدتها لتمنحها ثقة أكبر:
-ها كده شكلي حلو؟

طمأنتها والدتها بتفاخرٍ وزهو:
-زي البدر في تمامه.
عادت لتتساءل بارتباكٍ وقد زاغت أنظارها:
-تفتكري هاعجبه ولا ...؟
وضعت "بثينة" قبضتيها على كتفي ابنتها، شددت من ضغطها عليهما وهي تقول لها بجدية بعد أن اكتسب وجهها تلك اللمحة الصارمة:
-خليكي واثقة في نفسك، إنتي زي القمر، هو كان يطول يتجوز واحدة زيك أصلاً؟

أطرقت رأسها وهي تصغي لباقي حديث والدتها الجاف:
-ده إنتي ضيعتي مستقبلك عشانه! يعني المفروض يحمد ربنا..
حملقت "خلود" بنظرة مستنكرة مندهشة وقد باحت والدتها علنًا وعن قصدٍ:
-وفي الآخر هيتقال اتجوزت واحد سوابق وخريج اللومان! فخليني ساكتة أحسن!
عاجلتها ابنتها قائلة باستهجانٍ حتى لا تتمادى معها:
-بلاش يا ماما تنكدي عليا في اليوم ده!

ردت بوجهٍ امتلأ بالوجوم:
-إنتي اللي بتخليني أتكلم، وأنا مش ناقصة أصلاً.
قالت لها معتذرة:
-أنا غلطانة، حقك عليا، ممكن يامه مانفتحش السيرة دي تاني
أومأت برأسها مرددة على مضضٍ:
-طيب
تضرعت "خلود" في نفسها وقد بدأت الهواجس تطاردها بعد ذلك الانزعاج الرافض الذي لامسته في حديث والدتها:
-يا رب عدي اليوم على خير، أنا مش مصدقة فعلاً إني هاتجوزه!

انتفضت، وتوترت، وارتعشت كل أطرافها مع سماعها لصوته الذي تعشقه يصدح خرج غرفتها، تجمدت في مكانها مستشعرة تلك الرجفة اللذيذة الفرحة التي أصابت حواسها، حاولت أن تضبط إيقاع قلبها السريع لكنها فشلت، فكل ذرة فيها تتمناه وتريده بالأمسِ قبل اليوم، خلت الضوضاء المحيطة بها إلا من نبرته المميزة، أسرتها فبدت كالمسحورة وهي تحت تأثيرها القوي، جذبتها والدتها من ذراعها برفقٍ لتحثها على الخروج من غرفتها وهي تصيح عاليًا:
-طلي على عريسك يا عروسة، ماتسمعونا زغرودة يا حبايب!

انطلقت الزغاريد من الخلف وقد خطت "خلود" في الردهة لتتقدم نحو الصالة حيث يتواجد "تميم"، نظرة خاطفة اقتنصتها نحو وجهه لتجده محدقًا بها بنظرات مطولة، سؤسعًا أخفضت عينيها ولم تجرؤ على النظر إليه مجددًا من فرط خجلها المختلط بحماسها؛ إنها ليلة زفافها الحالمة. توقفت عن السير حينما أصبحت قبالته، رفعت عينيها لتطالعه بنظراتها الهائمة الناعسة، بادلها نظرات لطيفة تعكس إعجابه بها، تنحنح في خفوت قبل أن يهنئها:
-مبروك.

ردت بخجلٍ كبير وهي تتحاشى النظر إليه:
-الله يبارك فيك.
وقف إلى جوارها حتى تتأبط ذراعه، شعر برجفتها وهي تستند عليه، ابتسم في هدوءٍ ولاذ بالصمت مكتفيًا بالإيماء برأسه وهو يتلقى التهنئات ممن حوله. توترت "خلود" من سكوته فاعتقدت في وجود خطب ما ربما لم يعجبه يخص ثوبها أو زينتها، لذا استدرجته في الحديث تسأله قبل أن يتجها لخارج المنزل:
-مقولتليش الفستان عجبك؟

رد باقتضابٍ وقد كان وجهه غير مقروء التعبيرات:
-أه حلو.
تلك التعابير الغامضة أزعجتها، فعبرت عما تشعر به قائلة:
-حساك مش مبسوط يا "تميم"
التفت ناحيتها يجيبها:
-مين قال كده؟
-مش باين عليك!

قال وهو يصطنع الابتسام ليخفي عدم ارتياحه:
-أنا بس ما بأعرفش اتكلم قصاد حد.
بدت غير راضية عن رده الأخير فأوجزت معه وقالت:
-طيب.
حاول ألا يفسد الأجواء بينهما فبادر يمدحها:
-بس إنتي طالعة حلوة أوي، متوقعتش كده!

وكأنه أعاد لها بهجة الحياة وسرورها فأشرقت تعبيراتها لتستفيض موضحة له:
-حبيبي، تعرف أنا مردتش أخلي الكوافيرة تحطلي حاجات أوفر، يعني كل اللي إنت شايفة طبيعي
هز رأسه في استحسانٍ وهو يعقب عليها:
-كده كويس
همست له ببسمتها الناعمة:
-أنا حاسة إني بأحلم، ياه .. أخيرًا اليوم ده جه ..
-الحمدلله.
-لحد دلوقتي مش مصدقة!

نظر لها متأملاً فرحتها الجلية عليها، بينما تابعت معبرة بتلقائية عن مشاعرها الجياشة:
-تعرف، أنا قلبي بيدق جامد، حاسة إني في حلم جميل مش عاوزة أفوق منه أبدًا!
حذرها بلطافة وابتسامة بسيطة تزين شفتاه، ولكن اكتسب وجهه تعبيرًا جادًا:
-لأ اهدي شوية، الليلة لسه في أولها.
أسبلت عينيها نحوه وأردفت قائلة بتنهيدة عميقة غير عابئة بمن حولها:
-أنا بأحبك أوي يا "تميم".

ضاقت نظراته قائلاً بجدية:
-ماينفعش الكلام ده كده قصاد الناس يا "خلود"...
قاطعته بشغف بائن في مقلتيها:
-مش فارق معايا أي حد، إنت وبس اللي تهمني!
هز رأسه بطريقة آلية مجاملاً:
-حبيبتي، ربنا يخليكي ليا.
-ومايحرمنيش منك يا عمري كله.

شدد "تميم" من ضمه لذراعها ليسحبها بتؤدة نحو (بَسطة) السلم حتى لا تتعثر في ثوبها الثقيل، كفت "خلود" عن حديثها الهامس معه رغمًا عنها إلى أن تختلي به، حينها فقط ستستفيض في إظهار مشاعرها المدفونة، ومع ذلك نطقت نظراتها بما عجز اللسان عن البوح به. توقف كلاهما عند أعتاب باب المنزل تمهيدًا لصعود قائد الزفة الشعبية التي أتت قبل قليل، بدأ بتحية العروسين والمباركة لهما كتمهيدٍ متبع قبل أن يبدأ فقراته الغنائية، دس "تميم" يده في جيب بنطال بدلته وأعطاه نفحة إضافية من النقود ليتحمس الرجل كثيرًا، استدار بجسده للخلف ليشير بذراعه لأفراد فرقته بيده فصدح صوت المزمار عاليًا وجلجل بقوة وهز جدران المنزل..

انتفضت أجساد الحاضرون في طربٍ على دق الطبول المختلفة في أحجامها، وبدأوا في التصفيق بحرارة، كما انطلقت الزغاريد من حول العروسين فضاعفت من تحفيز المتواجدين للمشاركة، وما هي إلا لحظات واندمجوا جميعًا مع ذلك الإيقاع الراقص المصحوب بأصوات المزامير العالية لتلك الزفة الشعبية التي احتلت المدخل والطوابق الأولى للاحتفال بالعروسين على الطريقة التقليدية السائدة من خلال ترديد الأغاني الشهيرة الخاصة بالأفراح لتزداد الأجواء بهجةً وحماسة...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة التاسعة بقلم منال سالم


تأنقت كلتاهما بثيابٍ أنيقة شبه رسمية مع احتفاظها بالذوق الشبابي لكنها ليست كأثواب الأفراح، فهناك عمل ينتظرهما عند الكورنيش، حيث تتواجد عربة الطعام والتي وضعت هناك قبل وقت سابق، وبمجرد إنهاء تلك الزيارة غير الضرورية ستتوجهان إليها، ذهابهما فقط جاء بناءً على رغبة والدتهما. وقفت "همسة" أمام توأمتها تعقد لها أنشوطة بلوزتها النبيذية اللون والمصنوعة من قماش الستان التي ارتدتها أسفل الجاكيت الثقيل، تأكدت من إحكامها حتى لا تنحل عقدتها، في حين تذمرت "فيروزة" من ذهابها لذلك العرس قائلة:
-مش فاهمة لازمتها إيه نروح؟ عندنا شغل والنهاردة الويك إند، ده غير إن في حاجات كتير لازم تتعمل.


 
تنهدت مبررة ذهاب ثلاثتهن:
-ما إنتي عارفة ماما محكمة رأيها، بتقولك جيرانها وعِشرة زمان و...
توقفت للحظة عن متابعة جملتها لتقلد نبرتها، ثم استطردت قائلة محاكية إياها في حركة جسدها وإشارات حاجبها:
-لازمًا وحتمًا نعمل الواجب، إنتو عاوزين الناس تاكل وشي؟
ضحكة صغيرة ارتسمت على شفتي "فيروزة" من طرفة أختها .. التفتت الاثنتان نحو والدتهما حينما صاحت من الخارج:
-أنا جهزت خلاص يا بنات، إنتو خلصتوا؟


 
-أيوه يا ماما
قالتها "همسة" أولا وهي تتحرك إلى الخارج بعد أن نفضت شعرها خلف ظهرها لينسدل عليه كنوع من تغيير مظهرها، في حين عقصته فيروزة كعكة وزينته بمنديل رأس قرمزي اللون غير ذاك الذي فقدته لكنه يحمل ذات النقوش مما منحها رونقًا آخاذًا، تبعتهما في هدوءٍ .. أدارت "آمنة" رأسها نحو ابنتيها تسألهما:
-قفلتوا الشبابيك كويس؟ ومحبس الغاز فصلتوه و....


 
قاطعتها "همسة" مؤكدة:
-عملنا كل حاجة يا ماما، متقلقيش
ردت مبتسمة:
-خير .. يالا بينا، توكلنا عليك يا رب
جلست "فيروزة" على المقعد المجاور لباب المنزل لترتدي حذائها ذو الرقبة العالية، رفعت رأسها نحو والدتها تسألها في فضولٍ وعيناها مرتكزتان عليها:
-هو خالي جاي؟
أجابت "آمنة" بوجه به مسحة ضيق:
-معرفش، ومسألتوش.


 
عقبت عليها بنظرات متنمرة:
-يا رب ما يجي، مش ناقصين عكننة..
وما لبث أن انخفض صوتها وهي تكمل:
-وخصوصًا الحرباية مراته!
ردت عليها "همسة" تؤيدها:
-معاكي في ده!
حدجتهما "آمنة" بنظرات محذرة وهي تعاتبهما:
-عيب يا بنات، مايصحش تتكلموا عنها وحش، مهما كان دي بردك مرات خالكم.


 
انزعجت "فيروزة" من طيبتها العفوية نحوها، فنعتتها قائلة بنبرة غاضبة:
-دي كتلة شر ماشية على الأرض!
ردت غير مبالية:
-هي حرة، واحنا مالناش دعوة بيها، ربنا وحده قادر يهديها.
أطبقت على شفتيها غيظًا وحاولت ألا تنفعل حتى لا تعكر الأجواء بسبب تلك المرأة الحقود، انتظرت حتى خرجت والدتها من البيت ومالت على أختها تهمس لها:
-أمك دي سهل أي حد ياكل بعقلها حلاوة، مصدقة إن الحرباية دي ملاك! دي شيطان اقسم بالله.


 
ردت "همسة" بصوت خفيض:
-أنا مصدقاكي، بس هنعمل إيه، خلينا بعيد عنها أحسن.
-وتفتكري هي هتسيبنا في حالنا؟ ماتبقاش العقربة "حمدية"!
توقفت كلتاهما عن الهمس حينما صاحت والدتهما متسائلة:
-بترغوا في إيه يا بنات؟ هنتأخر.
ردت عليها "همسة" بارتباكٍ طفيف:
-ولا حاجة يا ماما، احنا نازلين وراكي أهوو.

تأكدت "فيروزة" من غلق باب المنزل بالمفتاح وخطت نحو الدرج ونظراتها تتجول على الطابق العلوي، حدسها ينبئها أن تلك الأفعى تحيك أمرًا في الخفاء، فكما عاهدتها هي ليست من أولئك الذين يتنازلون بسهولة عن الانتقام، ولكونها قد فازت عليها بالجولة الأولى في معركتها معها، لذا لن تتوانى "حمدية" عن الرد وبقسوة، تنهدت محدثة نفسها بنبرة عازمة:
-هتلاقيني وقفالك بالمرصاد!

اقتطع جزء من الشارع الرئيسي ليُقام فيه العرس الكبير، وتولى أحد محال (الفِراشة) تجهيز المكان ليصلح لتلك المناسبة في مثل ذلك الطقس البارد، حيث وُضعت السجاجيد بالطرقات ورُصت فوقها المقاعد الخشبية وبعض الطاولات الدائرية، وأقيم عند المقدمة مسرحًا صغيرًا لتجلس عليه الفرقة الموسيقية التي ستشدوا بالأغاني الطربية والشعبية، كما تم تجهيز (كوشة) لافتة للأنظار مُزدانة بالإنارات البراقة عند أقصى يمين المسرح، ولم يغفل منظمو الحفل عن الاستعانة بمتخصصين في خدمة الضيوف وتوزيع الطعام والمشروبات عليهم.

ومع حلول المساء بدأ المدعوون في الحضور واتخاذ مقاعدهم في الصفوف الأولى إلى أن امتلأ المكان تقريبًا، والموسيقى الصاخبة تشدو حولهم .. بعد برهة ارتفعت أصوات الزغاريد والتهليلات الذكورية كإعلان عن اعتلاء العروسين للكوشة واستقرارهما به، وبحركة مجاملة لوح "تميم" بيده لضيوفه يشكرهم على حضورهم، بينما وزعت "خلود" ابتسامات سعيدة مشرقة على من تعرفهم، لا تصدق أنها اليوم ترتدي ثوب عرسها وستزف إلى فارس أحلامها الوحيد، بدأت الفقرات الغنائية، والكل يتسابق في إظهار فرحته، بدا وكأن كل شيء يسير على ما يرامٍ إلى أن ظهر "محرز" ومعه ضيفٍ غير مرحب به، هنا تبدلت ملامح "تميم" للوجوم، كان كمن أُجبر على ابتلاع شيئًا يمقته بشدة، تقدم الأول نحوه وابتسامته اللزجة تعلو محياه مهللاً وكأنه أحرز انتصارًا لا مثيل له:
-إيه رأيك في المفاجأة دي؟

رمقه بنظرة عبرت عن انزعاجه -بالإضافة لرفضه- لتصرفه غير المقبول تحت أي ظرف، كانت قسمات وجهه تنطق عنه، بذل الكثير من الجهد ليسيطر على انفعالاته وهدوئه بالرغم من عروقه المشدودة ونظراته القاتلة، خاصة وأن "سراج" الذي أتى بصحبة "محرز" كان يبدو متحفزًا، مستعدًا لافتعال أي مشاجرة، أخرجه من تحديقه الناري به صوت الحاج "لطفي" القائل:
-السلامو عليكم يا حاج "بدير".

تحولت نظراته نحو والده الذي جاء ليرحب بالضيوف، بادله التحية وهو يصافحه بحرارةٍ:
-وعليكم السلام، إزيك يا حاج "لطفي"؟
أجابه ببسمة هادئة:
-في نعمة والحمدلله.
رد مجاملاً بودٍ زائد:
-شرفتنا النهاردة، المكان نور.
قال له بنبرة عميقة:
-بأصحابه يا حاج.

تقدم "محرز" خطوتين للأمام وهو يتصنع الضحك ليقف في المنتصف بينهما، ثم أضاف بعدها، وكأنه يفرض نفسه على المتواجدين:
-أنا قولت ماينفعش في الليلة الحلوة دي النفوس تكون شايلة من بعض، وإلا إيه معلم "سراج"؟
تنحنح الأخير معقبًا بخشونةٍ وبوجهٍ مقلوب:
-مظبوط.

احتدت نظرات "تميم" بشدة، كانت كراهيته ل "سراج" قد بلغت منتهاها، لكن الظرف لا يسمح لإتخاذ أي قرارٍ طارئ.. مد الحاج "لطفي" يده لمصافحة العريس الذي نهض لاستقباله يهنئه:
-مبروك يا "تميم"، بالرفاء والبنين إن شاءالله.
حاول أن يضبط إيقاع نبرته وهو يرد مبادلاً إياه المصافحة، لكن نظراته اتجهت ناحية غريمه:
-الله يبارك فيك يا حاج.

استطرد الحاج "لطفي" ممهدًا بأسلوبه الجاد الذي يمزج بين الوقار والاحترام:
-احنا كلنا أخوات، ومش عاوزين المشاكل ترجع تفرق بينا، مصالحنا كلنا واحدة، ولا إيه؟
رد عليه "تميم" بضيقٍ بائن وعيناه لا تحيدان عن "سراج":
-كلامك على عيني وراسي، بس ...
تدخل "محرز" في الحوار مقاطعًا بسماجة ثقيلة:
-خلاص بقى يا "تميم"، ده الرجالة جايين لحد عندك، هاتكسفهم ولا إيه؟

رمقه بنظرة ضيقة تعبر عن رفضه القاطع لفرض الأمور عليه هكذا، علق والده ليقول بدبلوماسية محنكة راجعة لسنوات خبرته الطويلة حتى ينهي ذلك النزاع:
-جيتكم فوق دماغنا، وأكيد كلنا بنسعى للخير، بس لا ده وقته ولا ده مكانه، وبعدين مايصحش الحاج "سلطان" يبقى موجود ومحدش يسلم عليه، ولا إيه؟
هتف "محرز" قائلاً وضحكته السمجة تلازمه:
-ده أبونا كلنا قبل ما يكون كبير السوق كله، بينا يا رجالة تاخدوا واجبكم هناك.

تطلع إليه "تميم" بنظرات مطولة مغتاظة، فقد استفزته طريقته المهترئة لإظهار أنه صاحب القول الأخير، إنه ينتمي لذلك النوع من البشر الذي يحاول تسلق الآخرين ليظهر وجوده، تحامل على نفسه كي يتغاضى عن الأمر ويتجاوزه، احترامًا فقط لرجاء والده الذي ظهر من خلال نظراته وإيماءات وجهه فاعتبرها إشارة ضمنية لإنهاء الجدل، ولولا ذلك لفعل ما يستوجب لإيقاف كل شخص عند حده، خاصة السمج "محرز".

مررت "فيروزة" عينيها على المكان باحثة بتمعنٍ ودقة عن مقاعد شاغرة لتجلس عليها مع أختها ووالدتها بعد أن ازدحم المكان بمئات البشر، وقعت نظراتها على تلك المقاعد الموجودة بالزاوية المنزوية والتي تبدو إلى حد ما مترامية الأطراف عن الصخب الدائر، اعتقدت أنها بقعة جيدة للجلوس فيها لتكون ثلاثتهن بُعاد عن الزحام والأعين الفضولية المتلصصة، أشارت لهما لتتبعاها، وبتأنٍ وتؤدة اجتزن أجساد البشر المتمايلة ليصلن إلى وجهتهن، وقبل أن تجلس "آمنة" انحنت على ابنتيها تخبرهما:
-هاروح أسلم على الحاجة "ونيسة" والجماعة قدام ورجعالكم!

هزت "همسة" رأسها ترد عليها:
-خدي راحتك يا ماما.
ابتعدت عنهما لتتجه صوب الطاولات الأمامية حتى تلقي التحية على أهل العريس، في حين حركت "فيروزة" جسدها نحو أختها لتبدو قريبة منها وهي تتحدث إليها .. كانت الرؤية محجوبة عنهما لينظرا إلى العروسين بسبب تكتل الأجساد أمامهما، تساءلت بفضولٍ وهي ترى مظاهر الثراء والبذخ من خلال الإعلان عن أسماء مانحي (النقوط) عبر الميكروفون:
-الصرف باين يا أختي.

ردت عليها "همسة" مبتسمة:
-كلها مجاملات، الفرح النهاردة عندي، بكرة عندك، والفلوس رايحة جاية بينهم.
-تحسي إنها تجارة مش جوازة!
-أكيد
-بس يا ترى النوع ده من الجوازات بيستمر؟!
-الله أعلم
خف الزحام قليلاً فأصبحت الرؤية متاحة، اشرأبت "فيروزة" بعنقها لتتطلع إلى وجه العريس، تعقد حاجباها بشكلٍ ملحوظ، لم تكن ملامحه بالغريبة عليها، خُيل إليها أنها رأته من قبل، لكنها لا تذكر أين ومتى، تابعت قائلة ونظراتها مرتكزة على وجهه:
-حاسة إن العريس وشه مش غريب عليا، زي ما يكون شوفته قبل كده أو اتكلمت معاه!

ما لبثت أن تحولت عيناها نحو العروس لتضيف:
-والعروسة كمان، برضوه مش غريبة.
لم تكن زاوية الرؤية واضحة من جهة "همسة"، فقالت غير مبالية وهي تحيد بنظراتها عنهما لتتطلع إلى عموم المدعوين:
-طبيعي يكونوا معروفين، ما إحنا كلنا عايشين في منطقة واحدة وبنتقابل مع أغلب الناس كل يوم حتى لو مش بنتكلم.
عادت "فيروزة" لتسألها بابتسامة سطحية فاترة:
-بس إيه رأيك في الفستان؟

أجابت بتلقائية:
-حلو وبسيط، وحتى الميك آب بتاعها رقيق وهادي.
وافقتها الرأي قائلة:
-على رأيك.. أول مرة نلاقي عروسة مش حاطة طن بوهية على وشها
علقت ساخرة:
-تتحسد والله، لازم تبخر نفسها.
-أنا هاعمل كده في فرحي، مش هاحط ميك آب أوفر.
-وأنا زيك يا "فيروزة".
استمرت كلتاهما في ثرثرتهما عما يحدث في الفرح، خاصة بعد أن أشعل أحد المطربين الشعبيين الحفل بأغانيه الصاخبة فهلل عليها الحاضرون ورددوا بسعادة ما يحفظونه من كلماتٍ عن ظهر قلب ..

هب "حمص" واقفًا من مكانه، ثم صعد على المسرح ممسكًا بعصاه الخشبية ليرقص باحترافية مُزيدًا من حماس المتواجدين كنوع من مجاملة سيده الجديد الذي كان كريمًا معه مؤخرًا، شاركه رفيقه "شيكاغو" التمايل بالطريقة الذكورية المستعرضة في رقص المهرجانات ليعلو التصفيق أكثر، نجح كلاهما في لفت الأنظار بالصياح العالي:
-مبرووووك يا كبيرنا، عقبال البكاري يا ريس.

نالا نظرات الرضا من "تميم" الذي أشار بعينيه لأحد أتباعه ليهتم بهما بعد أن ينهيا حركاتهما الراقصة فابتهجا على الأخير .. في تلك الأثناء كان "هيثم" يجلس بهدوءٍ لا يتفق مع شخصيته الهوجاء يميل بين الحين والآخر بجسده نحو رفيقه "نوح" الجالس في المقعد الخشبي الملاصق له، لم يتواقفا عن الحديث الهامس وكأن هناك خطب ما، حتى أنه لم يشارك في أي فقرة تضم الشباب المتحمس، بدت ملامحه جادة للغاية، ونظراته قلقة مُرتابة، حتى صوته كان أقرب للفحيح حينما همس يحث صديقه:
-عاوزك تراقبلي الجو كويس وتفتح عينيك.

أومأ "نوح" برأسه معلقًا عليه ودخان سيجارته المشتعلة يتطاير في الهواء:
-ماشي هاقفلك ناضورجي ...
ثم غمز له بطرف عينه يؤكد عليه بنبرة ذات مغزى حتى لا يغفل عنه لاحقًا:
-بس ماتنسانيش لما الدنيا تزهزه معاك.
رد عليه بامتعاضٍ:
-ماتقلقش، المهم تركز
-عينيا.

مرر "هيثم" نظراته على الأوجه لمرة أخيرة، وخاصة على زوج خالته المشغول مع ضيوفه، قبل أن يتسلل خلسة منسحبًا من الحفل للقيام بما خطط له؛ فالفرصة مواتية للإقدام على السرقة دون أن تحوم الشكوك حوله اعتقادًا منه أنه يفعل ذلك ليأخذ حقه المسلوب والذي ضاع بمقتل والده في ذاك الحادث المشؤوم، حيث تُرك يتيمًا يعاني من مرارة البؤس ،وألم الحرمان، والعوزة والشقاء.

تصبب عرقًا غزيرًا باردًا وهو يدور بتوترٍ حول البناية ليضمن عدم اكتشاف أمره حينما يصعد للأعلى لينفذ سرقته، رفع عينيه للأعلى يجوب ببطءٍ على الشرفات، كانت أغلب النوافذ مغلقة، والإضاءة معتمة، مما بعث القليل من الطمأنينة على نفسه المتوترة، سحب نفسًا عميقًا يثبط به الأدرينالين المتدفق بقوةٍ في عروقه، كان كل شيءٍ هادئًا ومشجعًا للقيام بالأمر، اتجه "هيثم" إلى مدخل البناية وهو يتلفت حوله، صعد الدرجات عدوًا لكنه تجمد في مكانه حينما سمع تلك الخرفشات الخافتة، أحس بالدماء تهرب من عروقه، انزوى في بقعة معتمة ملصقًا جسده بالحائط.

حبس أنفاسه مترقبًا وقد ظن أن أحدهم سيراه، عاد السكون ليغلف المكان فهدأت دقاته المتلاحقة كقرع الطبول، وبحذرٍ شديد تقدم خطوة للأمام رافعًا رأسه للأعلى، أحس بالهدوء يتسرب إلى صدره الناهج مع استمرار السكون، انخفضت عيناه تدور على نوافذ المنور الجانبية، نظر مليًا بتمعنٍ مسلطًا نظراته على شرفات المطبخ الصغيرة قليلة الاستخدام التي تطل على ذلك المنور تحديدًا، فتلك الموجودة بالطابق الأول ستسهل عليه المسألة كثيرًا لكونها الأقرب لوجهته، حيث ستساعده على الصعود للأعلى، ومن ثَمَ الولوج للشقة من خلال دفع باب الشرفة بقليلٍ من الجهد فيصبح فعليًا بالداخل.

سار كل شيءٍ بسلاسة وفق خطته الجهنمية وكما رسم في عقله الشيطاني، تحرك بخفة ودقة على حافة الشرفة الخاصة بالطابق الأول، ثم شحذ كامل قواه ليدفع جسده للأعلى ممسكًا ب (منشر) الغسيل، تمايل جسده في الهواء ووجد صعوبة في الاحتفاظ بتوازنه، كادت أصابعه تنزلق لولا تلك الدفعة الأخيرة التي استنزف معها ما تبقى من قوته فمكنته من الصعود .. أصبح "هيثم" بداخل الشرفة الضيقة.

كانت مزدحمة بالكراكيب القديمة وأدوات الطهي غير المستخدمة، وضع يديه أمام عينيه ليحصل على قليلٍ من الظلمة حتى تتمكن نظراته من اختراق المكان بالتطلع عبر الزجاج المغبر بالأتربة وبواقي زيت الطهي، شعر بالانتشاء لكون المكان ساكنًا، تحرك في اتجاه الباب الجانبي، وبدفعة قوية نسبيًا من كتفه تمكن من فتح الباب الصدئ في مفاصله واقتحم المنزل.

رغبة عارمة بالسعادة المنتشية سيطرت على أوصاله، حلمه بالثراء السريع على وشك التحقق، خطا "هيثم" على أطراف أصابعه نحو الردهة، كان يحفظ المكان جيدًا، وبالتالي لم يشعر بالتخبط وهو يتجول في أرجاء المنزل الخالي من قاطنيه .. انتفض فزعًا واتسعت عيناه في ذعر حينما رن هاتفه فجأة، شعر بأن قلبه على وشك التوقف من فرط الارتعاد، التقط أنفاسه اللاهثة، ثم نظر إلى المتصل وسباب نابي يتردد بين شفتيه، وضع الهاتف على أذنه بعد أن ضغط على زر الإيجاب هامسًا بنبرةٍ تحولت للحنق:
-في إيه؟ في حاجة جدت؟

أجابه رفيقه ببرود:
-لأ!!
صاح به بغضبٍ رغم همسه:
-أومال بتتصل ليه دلوقت؟
رد عليه "نوح":
-بأطمن عليك.
كز "هيثم" على أسنانه يوبخه:
-مش أنا قايلك ما تكلمنيش إلا لو حاجة حصلت؟ هو إنت مابتفهمش؟!
حذره الأخير:
-بلاش الغلط يا عمنا!
برر حنقه بعد أن تنفس بعمق ليكبح غضبه:
-ما هو مش وقته بصراحة.

استطاع أن يسمع زفيره قبل أن يعقب عليه:
-ماشي يا سيدنا، على العموم كله في التمام..
قال موجزًا معه المكالمة:
-طيب.. كويس، وخليك مركز.. سلام
ثم ردد بوجهه الممتقع وقد أنهى اتصاله معه:
-هو أنا كنت ناقصك!

سحب شهيقًا عميقًا يهدئ به صدره المضطرب، لحظاتٍ واستعاد ثباته، ثم واصل سيره متجهًا إلى غرفة زوج خالته، فتحها ووطأ بقدميه داخلها مستخدمًا إضاءة هاتفه المحمول .. كانت عيناه تعرفان إلى أين تنظر تحديدًا، ابتسامة زهو وانتصار تشكلت على ثغره وقد بات قاب قوسين أو أدنى من الظفر بسرقته، على الفور تحرك في اتجاه (الشُوفنيرة) ينظر لها بعينين تبرقان بقوة، مد يده ليفتح الدرج لكنه كان موصدًا، غمغم بسبةٍ بذيئة محدثًا نفسه بحسمٍ:
-والعمل إيه دلوقتي؟ ما هو أنا مش هامشي من هنا إلا والفلوس معايا!

تلفت برأسه يبحث بالإضاءة الضعيفة للهاتف عما يمكن أن يستخدمه في فتح الدرج، سلط هاتفه على أرجاء الغرفة وهو يفكر في عجالة وبتوترٍ، فالثواني تشكل فارقًا كبيرًا معه، لمح المقص الموضوع على التسريحة فاعتقد أنها وسيلة مناسبة، لذا التقطه واستدار عائدًا إلى الشُوفنيرة، حاول بنصل المقص الحاد تحريك القفل، ونجح بعد عناءٍ عضلي في إزاحته من مكانه في ذلك، لهث هامسًا بصدر ينهج:
-أخيرًا..

قام "هيثم" بفتح الدرج، اتسعت نظراته في حبور عظيم وقد أبصر رزم النقود المرصوصة بعناية بداخله، هلل رغم همسه:
-يا دين النبي، كل دي فلوس!
توهجت عيناه على الأخير واكتست بلمعانها الجهنمي، وعلى الفور -ودون تراجعٍ أو ندم- سرق كل ما يحويه الدرج، ثم دسهم في جيوب سترته ومسح بكمه البصمات من على قفل الدرج والمقص، فإن فكر زوج خالته في اللجوء للشرطة لا يجد أفرادها من التحقيق الجنائي ما قد يدينه. ومثلما تسلل خلسة انسحب بخفة من المكان ومن حيث جاء مُعيدًا كل شيء لطبيعته، لكن تلك المرة جيوبه ممتلئة بما ليس له.

ضجرت "فيروزة" من إضاعة وقتها دون أدنى فائدة تعود عليها لمجرد الالتزام بما أسمته والدتها (واجب الجيرة) والجلوس للنهاية، أي حتى انتهاء مظاهر الاحتفال وانطفاء الأضواء، بل والبدء في جمع المقاعد، أرادت أن تنهض وتعود إلى عملها لتستفيد بالحركة الرائجة للأهالي في منطقة الكورنيش وما حولها من محال قبل أن يسرقهم الوقت ويقل الزحام.

أرجأت مفاتحتها في الأمر لبضعة دقائق حتى تنتهي من حديثها مع إحدى المدعوات بالرغم من التوتر البادي على ملامحها، إلى أن لمحت "حمدية" وخالها وأطفالهما قادمون من على بعدٍ، هنا زادت تعابيرها انزعاجًا وظهرت تكشيرة صريحة عليها، رأت البغض جليًا في نظرات الأولى نحوها، حقدها يكاد يكون مرئيًا للعيان، حتى وجهها عكس مقتها، بادلتها نظرات كارهة لها عاقدة العزم في نفسها أنها لن تجلس في مكان يجمعها بها، حتى لو فيه إزهاق روحها، هكذا حدثت نفسها، لذا أحنت رأسها نحو والدتها تقول لها بنبرة عازمة وهي تلملم أشيائها:
-بيتهيألي كفاية كده، عاوزين نشوف اللي ورانا يا ماما.

زوت "آمنة" حاجبيها محتجة في اندهاش متعجب:
-ده لسه بدري، الحاجة "ونيسة" قالتلي في عشا و....
قاطعتها بإصرارٍ متذمر وقد تقلص وجهها:
-هو احنا ناقصين أكل يا ماما؟
طالعتها أمها باستغرابٍ، حاولت "فيروزة" أن تبدو هادئة فتصنعت الابتسام لتضيف ساخرة حتى لا تثير الريبة فيها:
-دي آخر حاجة نفكر فيها ولا إيه رأيك يا "همسة"؟
بدت "آمنة" غير راضية عن تصرفها فعاجلتها قائلة:
-بس يا "فيروزة" الناس هتزعل مني، وأنا محبش حد يشيل مني أو...

قاطعتها في تهكمٍ:
-صدقيني وجودنا مش هيفرق معاهم، هما ملبوخين بالبشر اللي مالي الفرح.
عفويًا أدارت والدتها عينيها في المكان وقد ظهر التردد عليها، في حين همَّت "همسة" بالنهوض وأيدت أختها في رغبتها قائلة بابتسامتها الرقيقة علها تقتنع بالأسباب:
-خلاص يا ماما، برضوه عشان مانضيعش وقتنا، والحاجة اللي معمولة ماتبوظش، وكمان مانتأخرش.
أضافت "فيروزة" مُمازحة لتبدو مرحة معها:
-ودي ساعة رزق كمان!

علقت عليها والدتها بجدية:
-بقيتي بتتكلمي زي بتوع السوق!!
قالت لها مبتسمة وكأن ما تفعله وسام يزين صدرها:
-ما احنا بقينا منهم، والشغل مش عيب.
تحركت "آمنة" ببطءٍ وقد استسلمت أمام إلحاح ابنتيها، لكنها اشترطت عليها بتنهيدة مرهقة:
-أمري لله، بس هانروح نسلم على الجماعة قدام!
استاءت من ذاك الاهتمام الزائد بجيرانها الذين لا تعرف عنهم شيئًا، ضغطت على شفتيها متسائلة بتذمرٍ:
-هو لازم يعني؟

ردت عليها بحسمٍ ونظراتها الجادة تملأ وجهها:
-اللي يعمل حاجة بيكملها للآخر، وبعدين ماضمنش الحاجة "ونيسة" ولا جوزها الحاج "بدير" يسألوا عليا، مش هاسيبهم يشغلوا بالهم بيا.
نفذت كل محاولاتها للتملص من تلك المجاملة المبالغ فيها والتي تعدها أقرب للنفاق عن أداء الواجب، حاولت "فيروزة" أن تبدو هادئة لتقلل من أمارات الاعتراض البائنة على خلجاتها، تلمست منديل رأسها بلزمة لا إرادية لتتأكد من وجوده في مكانه، نفخت أولاً، ثم تهدل كتفاها في يأس لتقول لها بعدها في ضيقٍ عبر عن كون الفكرة غير مستساغة بالنسبة لها:
-حاضر، اللي يريحك ....!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة العاشرة بقلم منال سالم


بخطوات عادية اخترقن الصفوف بين المدعوين ليصلن إلى مقدمة المسرح حيث يتواجد أهل العروسين ممن يتلقون التهنئة من المحبين لهم، بالطبع تقدمت الأم في خطواتها لتسبق ابنتيها وكأنها تلبي نداء الوطن، وبكل ودٍ ومحبةٍ صافية احتضنت "آمنة" جارتها القديمة "ونيسة" تُهنئها بابتسامتها الودودة قائلة لها:
-مبرووك يا حاجة "ونيسة"، ربنا يتمم بخير.


 
سألتها الأخيرة بتلقائية وقد انعقد حاجباها بقوةٍ ليظهر جديتها:
-هو إنتي ماشية ولا إيه؟
أجابتها دون أن تفتر ابتسامتها:
-يدوب يا حاجة..
ردت معترضة في لباقة ووجهها ما زال محتفظً بضيقه:
-ما لسه بدري يا "آمنة"، ده الليلة في أولها، وفي مغنيين جايين وطبل وزمر.
رمشت بعينيها معللة سبب انصرافها:
-ربنا يكتر من أفراحكم وأيامكم الحلوة، بس إنتي عارفة أنا ماليش في السهر.
قالت مبتسمة لها وكأنها تشاركها في المزاح:
-والله كلنا زيك.


 
أضافت "آمنة" بحماس:
-بس اليوم كان عسل، وربنا يجعل ليلتهم خير، ويرزقهم بالذرية الصالحة.
هزت رأسها ترد مجاملة:
-أمين يا رب ، وعقبال ما تفرحي ببناتك.
-يا رب إن شاءالله الله، هاروح أسلم على الحاجة "بثينة" والعريس وعروسته القمراية
-كلك ذوقك يا غالية.
-تسلمي يا رب.


 
قالت كلماتها الأخيرة وهي تهم بالصعود على درجات المسرح لتتجه إلى الكوشة لتؤدي واجبها كاملاً.. بينما في تلك الأثناء، كانت أنظار كلاً من "فيروزة" و"همسة" مرتكزة على وجه العريس تحديدَا .. بدا مألوفًا لهما .. ملامحه لم تكن بالغريبة عليهما .. كلتاهما تعرفتا إليه بشكلٍ أو بآخر. مالت
"همسة" على أختها تقول لها بصوتٍ خفيض ومتعمدة أن تضع يدها أمام شفتيها حتى لا يُقرأ كلامها:
-"فيروزة"! أنا عاوزة أقولك على حاجة مهمة!!!

ضاقت عيناها وهي ترد عليها مستشعرة وجود توارد خواطر بينهما:
-قولي.. في إيه؟
همست بصوتٍ يشوبه الربكة مستعيدة ذكرى صدامه الحاد معها عند عربة الطعام:
-العريس ده أنا عارفاه!
علقت عليها بنبرة تميل إلى التهكم:
-طب وإيه الجديد؟ ما أنا بأشبه عليه!
هزت رأسها بالنفي مكملة توضيحها المتوتر:
-الحكاية مش كده، أصل.. في حاجة حصلت من فترة تخصه ..


 
بدا حديثها غامضًا ومثيرًا للشكوك، ثبتت "فيروزة" نظراتها عليها تسألها:
-إيه اللي حصل؟
وكأن "تميم" قد قرأ أفكارها التي تتخبط في رأسها فارتعدت فرائص "همسة" من نظراته التي أمسكت بها تحملق به خلسة في ريبة محسوسة، شعرت بجفافٍ عجيب يجتاح جوفها، أشاحت بعينيها القلقتين بعيدًا عنه وردت بارتباكٍ أكبر:
-بعدين.. بعدين هاقولك عشان ..آ... ماما جاية علينا!
كانت "فيروزة" غير مقتنة بحجتها الضعيفة، تجاوزت عن الأمر مؤقتًا وجابت بنظرات هائمة على أفراد الفرقة الغنائية الذين أشعلوا المسرح حماسةً بأغانيهم الشعبية الصاخبة.

انتهى "تميم" من مصافحة الضيفة التي تمنت له حياة أسرية سعيدة وهانئة مع زوجته الجميلة لينظر بتمعن لتلك الشابتين اللاتين تتطلعان إليه بغرابةٍ، في البداية لم يعرهما الاهتمام إلى أن لاحظ نظرات التفحص المصحوبة بالهمس من الفتاة الأولى، حينها جالت عيناه على وجهها تدرسان تفاصيله المألوفة، استغرقه الأمر بضعة لحظات لتتنشط ذاكرته، عرفها على الفور؛ إنها فتاة العربة التي تبيع الطعام على الكورنيش للمارة .. تأهب في جلسته وتحفزت نظراته نحوها.


 
بدا وجودها مستفزًا بالنسبة له، يحمل تحديًا جريئًا لا يمكنه القبول به، ولكن الظرف غير مناسب بالمرة لاتخاذ اللازم وفق مفاهيمه الخاصة .. لاحظ ارتباكها والاضطراب الذي كسا ملامحها، إخفائها لوجهها عنه أكد له أنها أيضًا عرفته، حرك رأسه بتلقائية في اتجاه الفتاة الملاصقة لها، لفت أنظاره منديل الرأس الذي ترتديه، تجمدت حدقتاه عليه، كان مُطابقًا لذاك الذي بحوزته فيما عدا اللون، ردد لنفسه مذهولاً:
-مش معقول الشبه ده، استحالة!

شعر "تميم" بخفقة قوية تضرب صدره، برجفة أصابت حواسه، نظرة خاطفة نحو عروسه التي تبتسم في سعادة أشعرته بالتوتر، عاد ليحدق به وقد انخفضت عيناه لتتأمل وجه صاحبته لكنها أدارته قبل أن يبصره جيدًا، وقبل أن يستمر في فحصه الفضولي المدقق انتشلته "خلود" من سرحانه متسائلة:
-بتفكر في إيه يا حبيبي؟
في البداية تطلع إليها بوجومٍ، ثم بثبات انفعالي واضح أجابها وابتسامة باهتة انعكست على شفتيه:
-ولا حاجة يا "خلود"، المهم إنتي مبسوطة؟ في حاجة نقصاكي؟


 
ردت بتنهيدة عبرت عن عشقها له وقلبها يقفز بين ضلوعها في سعادة غامرة:
-كله تمام يا حبيبي، أنا والله ما مصدقة إننا بقينا لبعض.
اكتفى بالابتسام لها فتابعت بغنجٍ رقيق وقد أسبلت عيناها:
-ربنا يقدرني وأسعدك يا "تميم"، وأنا أوعدك إني هاعيشك في الجنة.

أومأ برأسه في استحسان ومد يده ليربت على كفها المسنود في حجرها بخفةٍ قبل أن يسحبها إليه، ثم رفع عينيه من جديد نحو الزاوية حيث تقف الشابتان لكنه لم يجدهما، انزعجت تعابيره ونفخ في ضيق، فقد أراد التحقق مما رأه وأثار فيه الفضول والاهتمام بشكلٍ غير متوقع، حاول أن يلهي عقله عن التفكير في تلك المسألة المحيرة محدثًا نفسه:
-ده بيتباع في محلات كتير، جايز تكون صدفة!
ابتسم لنفسه في سخريةٍ وقد بدت الفكرة مقنعة، ربما لأنها تريحه من إحساسه بتأنيب الضمير.

-ها؟ كله تمام يا عمنا؟!!
تساءل "نوح" باهتمامٍ مبالغ فيه بعد أن عاد "هيثم" للفرح وهو يتصبب عرقًا غزيرًا لا يليق بالأجواء الشتوية الباردة، حدجه الأخير بنظرة نارية تحمل مزيجًا من اللوم والحنق، تلفت حوله بطريقة تدعو للاسترابة قبل أن يسحبه من ذراعه ليسير به نحو الجانب وهو يوبخه:
-إيه يابا؟ إنت ناوي تفضحني؟
رد صديقه معاتبًا بوجهٍ متقلص:
-فضيحة إيه بس يا جدع..

ثم غمز له وتلك الابتسامة اللزجة تتجسد على شفتيه مكملاً عبارته:
-شكل العملية مشيت معاك آخر حلاوة، زي السكينة في الجاتوه
كز "هيثم" على أسنانه قائلاً له في غيظٍ:
-اكفي على الخبر ماجور، الحكاية مش ناقصة أر.
تصنع العبوس معقبًا عليه:
-هو أنا هاحسدك بردك؟ ده أنا سترك وغطاك!!

زجره قائلاً بعصبية بائنة حتى في نظراته:
-يا عم ابلع ريقك! أنا مش ناقصك!
وفجأة انتفض فزعًا حينما سمع زوج خالته يسأله مباشرة من خلفه، وكأنه كشف أمره:
-كنت فين يا "هيثم"؟
التفت كالملسوع نحوه يطالعه بعينين جاحظتين مليئة بنظرات الرعب والخوف، تقدم "بدير" نحوه حتى بات في مواجهته، تأمله في دقةٍ متسائلاً:
-مش باين في الفرح ليه؟

ارتجف قلب "هيثم"، وشحب لون بشرته، كما زادت ربكته وتلبكه، وبدت علامات الارتعاد مقروءة على قسماته، خرج صوته مهزوزًا متلعثمًا حينما أجابه:
-ده .. أنا .. كنت واقف.. هنا .. قصدي ورا.. مع ناس صحابي و....
رفع الحاج "بدير" سبابته محذرًا دون أن يمهله الفرصة لإكمال كذبه المختلق:
-مش عايز لَبش هنا يا ابن "بثينة"!!!

مجرد نعته باسم والدته أنساه خوفه من اكتشاف مسألة السرقة، بل وكاد أن يصيبه بالجنون، احتقنت نظراته واِربد وجهه بغضبٍ شديد، ثم تحفز في وقفته وانتصب كتفاه قائلاً بخشونةٍ ومتعمدًا استخدام نفس طريقته المستخفة:
-ما تنادنيش تاني باسم أمي يا جوز خالتي!
ثم ما لبث أن قست نظراته أكثر وهو يتابع:
-أنا ابن أبويا الحاج "غريب"، اللي ضحى بنفسه فداكم.
قال "بدير" ساخرًا منه ونظرات الازدراء واضحة عليه:
-هي أمك لسه بتملى راسك بالكلام الفارغ ده؟!

هاجت الدماء في عروقه واستثارت من تحقيره الصريح، فانفجر صائحًا بتشنجٍ وعروقه تنتفض بقوةٍ:
-أنا أمي مش كدابة، ولا اللي حصل لأبويا كلام فارغ، إنتو بس اللي بتتعمدوا تنسوا عشان متحسوش بالذنب، بس حق أبويا أنا عارف إزاي وامتى هاجيبه!
حدجه "بدير" بنظرة خالية من التعاطف وهو يرد عليه في تحدٍ ينم عن قوة وسلطة:
-حقكم خدتوه زمان، واللي حصل كان برضا أبوك، فبلاش تهري في المنهي!

وقبل أن تزداد الأمور سوءًا تدخل "نوح" بجسده ليفصل بينهما، وأبعد رفيقه الغاضب عن زوج خالته مستخدمًا قوته الجسمانية كما كان يرجوه بشدةٍ:
-خلاص يا "هيثم"، ده لا وقته ولا مكانه، احنا في فرح أختك يا جدع
رد عليه بعصبيةٍ وهو يقاوم إمساكه له:
-سيبني يا عم، ماتزوءنيش!

رجاه أكثر وقد نجح في إزاحته من أمام زوج خالته قبل أن يتصرف معه بأسلوبٍ لن يعجبه على الإطلاق:
-بالله عليك تلم الدور، ده الحاج "بدير" كبير العيلة، وفي مقام أبوك..
صاح عاليًا مقاطعًا إياه وقاصدًا أن يصل إليه صوته:
-أنا أبويا مات، مافيش حد يملى مكانه
رد في توترٍ قلق:
-طيب.. طيب ... بينا من هنا!

دفعه "هيثم" بقسوةٍ في صدره ليتحرر من قبضتيه واستدار خارجًا من المكان وهو يغمغم بكلمات جمعت بين السباب واللعن، في حين تابعه "بدير" بنظراته النارية المستنكرة فساد أخلاقه، وانعدام تربيته، تغاضى مرغمًا عن تصرفه الأهوج حتى لا يفسد أجواء الحفل بالرغم من تعكر مزاجه وتكدرها .. همَّ بالتحرك عائدًا للمدعوين وهو يهز رأسه في ضيقٍ وانزعاج جاهد لإخفائه، لكن لحدس قوي أصاب داخله قرر فجأة أن يتبعه ...

في ذلك التوقيت، كانت "آمنة" تسير على تمهلٍ وهي تحكي عن ذكريات طفولتها مع جيرانها خلال تلك النوعية من الأعراس الشعبية التي قد تمتد لأيامٍ متصلة تبعًا لثراء العائلة ومدى شهرتها، أنصتت ابنتاها إليها في مللٍ لتكرار نفس الحديث للمرة المائة مما باتا يحفظاه عن ظهر قلب، تبادلت "فيروزة" مع أختها نظراتٍ مفهومة، ثم أدارت رأسها نحو والدتها مدعية السعال لتقاطعها قائلة:
-حلو الكلام ده كله يا ماما، نركز في شغلنا بقى!

رمقتها "آمنة" بنظرة حادة، وقالت لها:
-إنتي بايخة! يعني أقولك زمان كنا بنعمل هيصة و....
وقبل أن تكمل جملتها للنهاية خرج من جوفها شهقة مفزوعة وقد اندفع جسدها بالكامل ككتلة ثقيلة للأمام لتنكفئ على ركبتيها في ألم موجع، استندت "آمنة" على كفيها كي لا ترتطم رأسها بالأرض الصلبة، تهدج صدرها ولهثت وهي بالكاد تحاول استيعاب ما حدث لها في لمح البصر.

بالطبع كان الأمر مفسرًا حينما رأت ذلك الشاب الأرعن يتحرك بخطواتٍ عصبية غير عابئ بمن يصطدم، صاحت فيه "فيروزة" وقد رأت وقاحة ما فعله مع والدتها وهي تنحني لتساعدها على الوقوف مع "همسة":
-إنت غبي يا جدع إنت؟ مش شايف اللي قدامك يا أعمى!
استوقفته جملتها المهينة فالتفت "هيثم" نحوها يرمقها بعينين تطقان شررًا، عاد إليها يزأر بها في انفعالٍ شديد:
-إنتي اتهبلتي يا بت إنتي؟

خشيت "آمنة" من إقحام ابنتها في أمر لا يحمد عقباه فتوسلتها:
-خلاص يا بنتي.. محصلش حاجة.
ردت بوجه مكفهر الملامح:
-لأ .. حصل!
تركت "فيروزة" والدتها لتقف في مواجهة ذلك الفظ الوقح الذي لم يظهر الندم على خطئه، تحولت ملامحها للشراسة ونظراتها للعدائية، وردت عليه بقوة وجراءة منقطعة النظير غير مبالية بهيئته المهددة:
-احترم نفسك! إنت غلطان وبجح، لأ وبتكلم كمان؟!

صاح يهددها ملوحًا بذراعه:
-ما تخلنيش أمد إيدي عليكي!
استشاطت عيناها من عدائيته الفجة، ومع هذا ردت بشجاعةٍ دون أن تهابه:
-طب جرب كده وأنا هاعرفك مقامك وأوديك في داهية..
قال لها بوقاحةٍ أجفلتها:
-داهية تاخدك إنتي واللي معاكي!
لم تستطع كظم غضبها بل ناطحته الند فقالت:
-اهوو إنت، ما أنا لو بأتكلم مع راجل بيعرف في الأصول مكانش غلط من الأول.

صاح بها بوجهٍ قاسٍ وقد أصبح على وشك إفراغ شحنة غضبه بها:
-أنا راجل غصب عن عين اللي خلفوكي.
كاد أن يتفاقم الوضع ويتعقد كثيرًا لولا أن تدخل الحاج "بدير" الذي تابع المشهد في نهايته فهدر يعنفه محذرًا بلهجةٍ شديدة:
-"هيثم"، لِم الدور هنا! سامعني؟
ثم تقدم نحو "آمنة" التي تمزقت عباءتها من عند ركبتيها جراء سقطتها العنيفة معتذرًا لها:
-حقك عليا أنا، امسحيها فيا يا حاجة.

وقبل أن تنطق والدتها بكلمة هتفت "فيروزة" محتجة:
-لأ معلش يا حاج، كلامك فوق راسنا ...
ثم أشارت بعينيها -في احتقارٍ صريح- نحو "هيثم" متابعة كلامها:
-بس احنا مش هنقبل بقلة الأدب دي وطولة اللسان، الحيوان ده هو اللي غلطان مش إنت يا حاج، وهو اللي لازم يتأسف لأمي.

أوشك "هيثم" على نعتها بلفظة نابية -وخادشة للحياء- جراء عبارتها الأخيرة، لكن تلك النظرة الصارمة من عيني زوج خالته كانت كفيلة بإخراسه، كتم غضبه المستعر مجبرًا، وبدا صوت أنفاسه الهادرة مسموعًا .. تحرك "بدير" في اتجاه "فيروزة" والذي حال بجسده بينها وبين ذاك الفظ ليقول:
-خلاص يا بنتي، حقكم عندي.
هنا صاحت "آمنة" بنبرة عبرت عن خوفها وهي تجاهد للسير بصورة طبيعية محاولة إخفاء ألم ركبتيها:
-مافيش بعد قولك كلام يا حاج، وأنا .. مسامحة في حقي.

كان كمن يُشارك في سباقٍ للعدو، يسير بخطواتٍ سريعة غير مكترثٍ لزوجته التي تبذل مجهودًا أكبر منه لتلحق به، رفع معصمه نحو عينيه لينظر إلى ساعة يده الثمينة -من وجهة نظره- حيث اشتراها من إحدى المزادات التي حضرها مصادفة، ومن وقتها كان يتباهي باقتنائه لشيء باهظ الثمن، لاحظ تأخر الوقت فامتعضت قسماته والتفت على يساره يُحادث زوجته بما يشبه الأوامر:
-مدي يا "حمدية" شوية، احنا كده اتأخرنا.

نظرت له شزرًا وردت في تأفف وكأنها تضع حبة حبهان بين ضرسيها:
-هو يعني كان بمزاجي؟ مش عقبال ما أكلت العيال، وخلصنا مذاكرة، ونيمتهم.
علق عليها بما يشير إلى بخله:
-ما كنا خدناهم معانا، وأهي كانت اتحسبت عليهم خروجة واستفدنا من الأكل والشرب الزيادة
قالت غير مبالية بعد أن زمت شفتيها:
-لأ يا خويا، أنا مش ناقصة نهيان قلب وبس وهس!

رمقها "خليل" بنظرة مستاءة قبل أن يتطلع أمامه متابعًا مشيه المتعجل وقد غفل عن التجمع القريب منه، والذي بالطبع كان محط أنظار واهتمام "حمدية"، انعقد حاجباها بشكلٍ ملفت، ورددت عاليًا لتجذب انتباه زوجها:
-إيه ده .. مش دي المعدولة بنت أختك؟
تلقائيًا تحولت أنظاره نحو زوجته متسائلاً
-مين؟ وفين؟

أشارت له بعينيها فحرك رأسه في الاتجاه المعاكس ليجد "فيروزة" تتحدث إلى أحدهم وتعبيراتها مشدودة على الأخير، استطاع كذلك أن يرى "آمنة" وابنتها الأخرى تقفان على مقربة من ذاك الرجل المهيب .. تساءلت "حمدية" في فضولٍ غريزي بها:
-هي المحروسة بتتخانق ولا إيه؟
أجابها في حيرة وتعابيره تجهمت نسبيًا:
-مش عارف.

زمت شفتيها في اعتراضٍ قبل أن تضيف بأسلوبها التهكمي:
-داهية لا تكون عملت نصيبة زي عوايدها؟!
حينما اقترب "خليل" منهم استطاع أن يلمح وجه ذلك الرجل، ردد عفويًا وتلك الخفقة القلقة تضرب صدره:
-ده الحاج "بدير" واقف كمان، سترك يا رب!
هنا أسرعت "حمدية" في خطواتها لتقول بخبثٍ بائن في نبرتها وأيضًا نظراتها:
-تعالى أما نشوف في إيه.

كان وجهه انعكاسًا لقلقٍ حقيقي في البداية وهو يقترب من شقيقته وابنتيها، مرر نظراته عليهن قبل أن تتوقف حدقتاه عند الحاج "بدير"، تطلع إليه في توترٍ، خاف من أن يكون الصدام مع صاحب الهيبة والوقار، وقف قبالته مهزوز القامة يسأله في حيرة ويكاد يشعر بتلاحق دقات قلبه:
-سلامو عليكم يا حاج "بدير"، خير في حاجة حصلت؟

التفتت نحوه الأخير مدققًا النظر فيه، عرفته بالطبع، وابتسم له يجيبه:
-وعليكم السلام يا "خليل"، مافيش حاجة مهمة، ده مجرد سوء تفاهم.
وبالرغم من توقعها لرؤية خالها إلا أن قدومه للاستفسار عن سبب ما حدث كان غير متوقعٍ بالنسبه لها، ومع ذلك اعترضت "فيروزة" كالعادة على تفسير الموقف والاستهانة بإيذاء والدتها فصاحت بنبرتها الحانقة:
-لأ مش كده خالص..

ثم سلطت عينيها المشتعلتين على طيف "هيثم" الذي انصرف قبل لحظاتٍ تهينه من جديد، فنارها لم تبرد بعد:
-ما هو الحيوان قريبه وقع أمي على الأرض وبهدلها زي ما إنت شايف.
بدا الوجوم المختلط بالتردد ظاهرًا على تعابير خالها، لم يحبذ أبدًا ان يكون طرفًا في أي جدالٍ أو مناوشة مع الحاج "بدير" وأقربائه، فالنتيجة ستكون محسومة من البداية لصالحهم، تنحنح متسائلاً في رهبةٍ وهو يخشى النظر إليه:
-قصدك مين؟

هنا أجابه "بدير" موضحًا ومبادرًا في لفتة طيبة منه:
-"هيثم" ابن أخت الحاجة يا "خليل"، وأنا قولتلها حق أمها على راسي، فمافيش داعي نكبر الحكاية!
حملق فيه في شرودٍ غير مصدق لما تلفظ به، للحظة طرأ في باله أن يستغل تلك الفرصة الجهنمية في الاستفادة من ذلك الرجل السخي والحصول على مصلحة ما يجني من ورائها أي أموال أو منفعة تعود عليه بالنقود، وفي سرعة خاطفة اتجه نحو أخته يضمها من كتفيها في حنوٍ زائف، ادعى تفحصه لساقيها وهو يسألها:
-إنتي كويسة ياختي؟

تقوس فم "حمدية" في تأفف وهي ترى ما يفعله مغمغمة مع نفسها:
-هو الراجل اتهبل ولا ايه؟
تابع "خليل" اهتمامه بأخته متسائلاً:
-حاسة بإيه؟ في حاجة بتوجعك؟ قوليلي، ومتخافيش من حاجة
ردت "آمنة" بنبرة مهتزة وهي تحاول استيعاب خوفه عليها:
-يعني .. شوية!

تقلص وجه "حمدية" في امتعاضٍ من تصرفه، فكيف له أن يتصالح معها هكذا بعد أن تعقد العلاقة بينهما؟ رددت مع نفسها وهي تنفخ بصوتٍ مسموع:
-دي إيه الحنية اللي هبطت عليك فجأة دي؟!!!

إشارة خفية من حاجب "خليل" لزوجته استطاعت أن تلمحها جعلها تعيد التفكير مليًا، فقد تفقه ذهن "حمدية" الداهية إلى تلك الحركة اللئيمة الصادرة من زوجها، فمن المستحيل أن يعفو عن أخته بعد المشادة التي دارت بينهما هكذا بسهولة، ولكونها قادرة على تفسير تصرفاته دون مجهود يذكر فأدركت أنه يحاول تصيد هذه الفرصة، ولهذا ودون استئذانٍ أو توجيه، خطت نحو "آمنة" تسألها أيضًا في خوف مفتعل وحسرة آسفة بعد أن انحنت قليلاً نحوها لتنفض التراب العالق بعباءتها:
-مالك يا حبيبتي؟ هو إنتي كنتي ناقصة وقعة، ده كفاية هدة الحيل اللي إنتي فيها ليل نهار!

تدلى الفك السفلي ل "همسة" في اندهاش متعجب، حتمًا ليست تلك زوجة خالها المتسلطة التي تزعجهن دومًا بكلامها الوقح وأسلوبها الفظ! كانت صافية النية لتفطن للحيلة التي تُحاك على والدتها، بينما على النقيض فهمت "فيروزة" التمثيلية الساذجة التي يحاول الاثنان تأديتها، لكنها كانت هزلية، مفتعلة، خالية من العاطفة والمحبة الصادقة .. استشاطت نظراتها حينما اصطحب خالها الحاج "بدير" ليتحدث معه بعيدًا عن أسماعها، بدا كما لو كان يخطط لشيءٍ ما، نظرت له باسترابةٍ وهي تحاول ضبط انفعالاتها حتى لا تنفلت وتتصرف بعصبية فتخسر ما لا تملكه بعد.

وبكل تملقٍ وابتساماتٍ زائفة بادر "خليل" مقترحًا، وكأنه يصنع جميلاً مع صاحب الشأن:
-اعتبر الموضوع منهي يا حاج "بدير"، العيال ياما بتغلط، ولازمهم قرصة ودن صغيرة، ما احنا كنا زيهم...
ثم أطلق ضحكة سخيفة مفتعلة قبل أن يقطعها ليكمل بخبثٍ:
-وأنا تحت أمرك لو احتجت أي حاجة.. إنت عارفني أنا بأحب أخدم الحبايب الغاليين اللي زيك برموش عينيا، وبدون مقابل، ده احنا بينا عِشرة وجيرة.

رد عليه بهدوءٍ وقد كان وجهه غير مقروء التعبيرات بالنسبة له:
-ربنا يعمل اللي فيه الخير، ما أنا بردك شايلك لوقت عوزة
سأله "خليل" في إلحاح:
-طب مش عايز مني حاجة؟
رد نافيًا وشفتاه تقوستا قليلاً لتظهر ابتسامة صغيرة:
-لأ .. تسلم.

مد يده لمصافحته قائلاً:
-يدوم المعروف يا حاج، هاروح أسلم على عريسنا نوارة الحتة، وربنا اللي عالم ده غلاوته من غلاوة عيالي
انتهى من مصافحته وربت على كتفه يشكره على كلماته المجاملة:
-الله يباركلك ..
تأكد "خليل" في قرارة نفسه أنه نجح في خلق فرصة له من العدم معه، وأنبئه حدسه أن ما يصبو إليه سيتحقق خلال أيام .. ما عليه إلا الصبر والانتظار ...

-ليه يا ماما خلتيني أسكت؟
دمدمت "فيروزة" بتلك العبارة التي عكست نقمها على رضوخ والدتها وتنازلها عن حقها ارضاءً لأخيها، وكأنها قد تحولت للتابع المطيع لسيده، وكل هذا فقط من أجل استعادة ودّه مرة أخرى، نفخت "آمنة" في استياءٍ من تزمت ابنتها، وقالت لها بحدة طفيفة مبررة أسبابها وهي تسير بتعرجٍ خفيف:
-خلاص بقى يا "فيروزة"، أنا مصدقت خالك رجع يتكلم معانا!

ردت باستنكارٍ وقد ارتفعت نبرتها قليلاً:
-وهو عملنا حاجة؟ بالعكس ده طلع بمصلحة على قفانا!
ضغطت على شفتيها قائلة:
-عفا الله عما سلف.
احتجت عليها ابنتها هاتفة:
-بلاش الطيبة دي الله يكرمك يا ماما، هي اللي مضيعة حقك..

نظرت لها أمها من طرف عينها قبل أن تشيح برأسها لتقول لها:
-أنا كده ومش هاتغير، مابعرفش أشيل من حد، والدم عمره ما يبقى مياه!
كزت على أسنانها مبدية اعتراضها على ذلك الأسلوب المستسلم المسامح لأخطاء الآخرين:
-يا ماما ...

قاطعتها "همسة" بلطفٍ حتى لا تضغط على والدتها وتزيد من إرهاقها بتشددها:
-كفاية يا "فيروزة"، ماتتعبيش ماما.
التفتت نحوها قائلة في اعتراضٍ ووجهها يكسوه تعابير قاسية:
-دلوقتي كلامي اللي بقى بيقف في الزور؟
هنا أضافت والدتها في نفاذ صبرٍ بعد أن ضجرت من عنادها معها:
-هو إنتي لازم تعكنني علينا؟
ردت بحدة وانفعال:
-الله، كمان أنا اللي بقيت سبب النكد؟

تأبطت "همسة" ذراع أختها وأجبرتها على السير بتباطؤ ترجوها:
-اهدي يا "فيرو"، لو سمحتي..
نفضت ذراعها عنها تقول:
-أنا هاروح العربية
استدارت والدتها مرددة في حسمٍ:
-بلاش منها الليلادي، ماسمعتيش مرات خالك وهي بتقول هتعدي علينا.

عضت "همسة" على شفتها السفلى متذكرة عبارتها الأخيرة قبل أن ينفض التجمع، تساءلت في حيرة وقلق ونظراتها مركزة مع وجه أختها المتجهم:
-أه صح .. طب هنعمل إيه؟
ردت "فيروزة" بعصبيةٍ وقد فقدت آخر ذرات صبرها:
-والله احنا اللي بنجيب الهم لنفسنا، بقى "حمدية" دي يتعملها حساب؟
توقفت "آمنة" عن السير لتستدير كليًا ناحيتها، ثم تطلعت إلى ابنتها تقول في عتابٍ محسوس:
-نفسي في مرة تسمعي كلامي من غير ما تضايقيني..

كانت كراهيتها لتلك المرأة قد وصلت لمنتهاها، ومع ذلك سحبت نفسًا عميقًا تحاول به ضبط أعصابها المستثارة، تصنعت الابتسام لتبدو لطيفة وهي ترد على والدتها:
-حاضر يا ماما...
لكن ما لبث أن تحولت ملامحها للجدية وهي تكمل بصوتٍ أقرب للتحذير:
-بس افتكري إن العقربة دي هتعمل حريقة في بيتنا قريب.
علقت عليها والدتها في يأسٍ:
-برضوه يا "فيروزة"! مافيش منك أمل!!

كانت ابنتها صعبة المراس، غير قابلة للتفاوض، ولا تقبل بالحلول الوسطى. نفذت قدرتها على الجدال معها، لذا تركتها واتجهت لمدخل البناية مستندة على الجدران لتخفف من إحساس الألم الذي أصاب ركبتيها لتختفي بالداخل، في حين تلكأت "فيروزة" في خطواتها لتبدو قريبة من أختها التي بدت نوعًا ما شاردة، سألتها مباشرة، وكأنها قد تذكرت الأمر للتو:
-صحيح كنتي عاوزة تقوليلي إيه عن العريس ....؟!!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الحادية عشر بقلم منال سالم


رمشت بعينيها في بطءٍ وهي تتطلع إلى أختها التي باغتتها بسؤالها ذلك وقد اعتقدت أنها تناسته في خضم تلك المشادة الأخيرة، عقدت المفاجأة لسانها، أحست بجفاف شديد في حلقها، بخوفٍ ممتزج بالتوتر يتسلل تحت جلدها، بالعرق البارد يصيب أنحاء متفرقة من جسدها .. كانت حيرتها جلية على قسماتها؛ فإن تفوهت بما حدث مسبقًا لربما دفعت "فيروزة" للعودة إلى العرس والتشاجر من جديد معه، وهذا ما ترفضه قطعيًا، لأنه سيزج بها في مشاكل جمة لن تُحل بسهولة .. وإن أخفت الأمر عنها لربما غضبت منها إن شاءت الأقدار وتكرر الصدام معه أثناء عملهما بالعربة، أصاب "همسة" الوجوم الشديد، حتى أن ملامحها بهتت ونظراتها زاغت .. طال صمتها مما زاد من غريزة الفضول لدى أختها، استغرقت بلا وعيٍ في أفكارها المتخبطة حتى انتبهت على صوت "فيروزة" حينما ألحت عليها تسألها:
-إيه يا بنتي؟ إنتي نسيتي كنتي عاوزة تقولي إيه عنه؟


 
لعقت "همسة" شفتيها تجيبها في تلعثم:
-لأ.. ولا حاجة، كنت .. آآآ.....
جفاف أكبر أصاب جوفها مما زاد من طعم المرارة به، ازدردت ريقها الهارب وتابعت كذبًا:
-كنت مفكراه شبه .. ممثل كده، وحتى كنت .. هسألك لو تعرفيه.
ثم حملقت في "فيروزة" تراقب بأعصابٍ مشدودة ردة فعلها، ورغم سذاجة إجابتها إلا أنها كانت كافية لتمنحها فرصة للتفكير مليًا في حجةٍ أكثر إقناعًا إن استمرت في التحقيق معها وحاصرتها بأسئلتها، تنفست "همسة" الصعداء حينما ردت عليها بما يشبه التهكم:
-والله إنتي فايقة ورايقة، ممثل إيه بس!


 
خرجت ضحكة متكلفة من جوفها وكأنها تضحك على كلماتها فقط لتخفي الاضطراب الذي اعتلاها، تحركت "فيروزة" للداخل دون أن تتفوه بكلمة أخرى وقد بدأت زخات المطر في الهطول، أحست "همسة" بالارتياح لانصرافها، وتمتمت مع نفسها في تضرع:
-الحمدلله يا رب، عدت على خير.

تركت للمطر مهمة تبريد تلك السخونة التي انتشرت في بشرتها بفعل الأدرينالين والانفعال، أغمضت عينيها ورفعت رأسها للأعلى مستمتعة بذلك الإحساس المنعش، ثم تنفست بعمق حتى تتأكد من انتظام دقات قلبها، رفعت "همسة" يدها لتمسح المطر العالق بأهدابها، واشرأبت بعنقها لتنظر إلى ما تفعله "فيروزة" بجوار السلم، فوجدتها تفتح الحجرة المخصصة لتخزين العربة لتجمع صناديق الطعام الصغيرة، تبعتها في صمتٍ لتساعدها وهي تردد كلمات أغنية علقت في ذهنها مما جعل الأخيرة تضحك على صوتها المريع وهي تنظر لها من طرف عينها، ثم بدأت في مشاركتها الغناء بصوتٍ لا يقل عنها نشازًا.


 
تراصت السيارات أمام البناية المشابهة لأغلب عمارات المنطقة في ارتفاعها الذي لا يتجاوز الأربع طوابق -والمملوكة لعائلة "سلطان"- لتصدح بعدها أصوات الأبواق كإعلانٍ صريح عن وصول العروسين لمسكن الزوجية، وبالرغم من كون ذلك قد أحدث صخبًا وجلبة عالية إلا أنه لم يشكو أحدهم من هذا، فما زالت تلك هي الطريقة التقليدية المتبعة في الأفراح .. ترجل "تميم" أولاً من السيارة واستدار بجسده للخلف لينظر إلى والده الذي ترجل من سيارة أخرى.

تحرك الأول في اتجاهه وامتدت ذراعاه لتحتضنه وتشكره على مساندته طوال الساعات الماضية، ثم أطل برأسه من زجاج النافذة ليمسك بكف جده، رفعه إلى فمه وقبله احترامًا وتبجيلاً. اعتدل في وقفته ليجد والدته تربت على جانب ذراعه ووجهها البشوش يلمع بعبرات الفرح، مسحت بأناملها دمعاتها المنسابة وهي تدعو له:
-ربنا يرزقك يا ابني بالسعادة وراحة البال.. إنت تعبت واتظلمت كتير، وعروستك طيبة وتستاهلك
أحنى رأسه على جبينها يقبله في امتنانٍ يشكرها:
-ربنا يخليكي ليا يامه، أنا من غير دعواتك ولا حاجة.


 
نظرت له بحبٍ، وقالت:
-حبيبي يا ابني ....
ثم ابتسمت له قبل أن تستأنف جملتها:
-وبعدين يا ضنايا البت "خلود" طلعالي، وتربية إيدي، يعني هتريحك في كل حاجة
رد ممازحًا:
-يا ريت يامه تبقى شبهك، بس إنتي بردك مافيش زيك يا ست الكل.
علقت عليه بنبرة ذات مغزى وهي تشير بحاجبيها:
-روح لعروستك بقى، مايصحش تسيبها كده مستنياك..

التفت برأسه عفويًا في الاتجاه الذي أشارت إليه فوجد "خلود" قد ترجلت من السيارة، وتتبادل الحديث مع والدتها التي حتمًا كانت تُملي عليها الوصايا العشر لتفرض سيطرتها على المنزل، هكذا خمن في نفسه، خاصة وأنها كانت ملتصقة بها بطريقة غير طبيعية وزائدة عن الحد منذ بداية العرس وحتى نهايته، تقدم نحوهما متنحنحًا في خشونة، ثم هتف عاليًا لتنتبه "بثينة" له:
-ها يا حماتي، خلصتي مع مراتي ولا لسه قدامك شوية؟


 
نظرت له خالته في استهجانٍ قبل أن تجيبه بشفاه مقلوبة وبما يشبه التهكم:
-أديني واقفة معاها لحد ما تخلص إنت، ولا عاوزني أسيبها لواحدها لحد ما سيادتك تفضى؟
حدجها بنظرة حادة عكست ضيقه، واستطرد يحرجها بكلماته القوية:
-ما هو أنا واقف مع أهلي اللي هما برضوه أهلها، مش برده احنا بينا دم واحد؟ ولا الظاهر إنك بقيتي بتنسي كتير الأيام دي يا .. حماتي!
استشاطت غيظًا منه فصاحت تهاجمه في قسوة:
-أنا خالتك قبل ما أكون حماتك، يعني في مقام أمك!!!

رد مبتسمًا بغطرسة ليشعل غيظها أكثر:
-أنا ماليش إلا أم واحدة!
أطبقت "بثينة" على شفتيها في حنقٍ واضح للحظات، ثم هتفت تحذره بنبرة أقرب للتهديد:
-طيب أحسنلك تاخد بالك من "خلود"، وإياك تزعلها! هتلاقيني في ضهرها ووقفالك!
ظهر عرق نابض في جيبنه بسبب ضيقه من أسلوبها غير المستساغ في التوجيه، استنشق الهواء البارد ليثبط به دمائه التي زاد احتقانها، وزفره دفعة واحدة ليضيف بعدها ضاغطًا على كلمات جملته الأولى:
-اطمني يا .. حماتي، أنا عارف إزاي أعامل أهل بيتي، مش مستني حد ينصحني، و...


 
ثم سلط أنظاره على أبويه متابعًا في تفاخرٍ وغرور:
-وكفاية إني تربية الحاج "بدير"، ومن قبله جدي "سلطان"، ده غير أخلاق أمي اللي مغروسة فيا، فمتقلقيش...
وما لبث أن تحولت لهجته للقوة ونظراته للصرامة عندما تابع بنبرة خفيضة نسبيًا وقد مال نحوها برأسه:
-إنتي بس ريحي نفسك والدنيا هتمشي!

زمت "بثينة" شفتيها في امتعاضٍ مستنكر وهي ترمقه بنظرة نارية مغتاظة، ثم تقدم "تميم" خطوة للأمام ليتجاوزها ويقف قبالة عروسه التي تضرج وجهها بحمرة نضرة، ثني ذراعه وهو يبتسم لها، فمدت "خلود" يدها لتتأبطه وقد أسبلت عينيها بخجلٍ، التفتت للجانب برأسها قليلاً لتلوح بيدها الأخرى لعائلتها تودعهم، ثم تطلعت أمامها وأكملت سيرها بحذرٍ رافعة طرف ثوب عرسها وكذلك واضعة طرحتها الطويلة على مرفقها حتى لا تتسخ بفعل الأرض المبتلة بزخات المطر، اتجهت مع زوجها نحو مدخل العمارة الذي تم طلائه حديثًا باللونين الأبيض والرمادي الفاتح ليخفي التشققات الناتجة عن الرطوبة المستمرة والظاهرة على الجدران. دق قلبها في حماسٍ وخوف، كما تواترت مشاعرها في تلك اللحظات المصيرية، واضطرب وجدانها مع اقتراب تحقيق حلمها الوحيد.

تراقصت أحلامها الوردية بتمضية ليالٍ رومانسية ناعمة ودافئة في مخليتها وهي تزف إليه بعد صبر طويل وعزيمة قوية، لم تنسَ "خلود" لحظات اليأس التي كادت أن تتملك منها وتفقدها الأمل، ولكن في تلك الليلة تلاشت مخاوفها وتبددت أحزانها، وباتت تنتظر بشغفٍ تذوق رحيق الحب مع معشوق قلبها وفارس أحلامها الوحيد.

أخرجها "تميم" من سرحانها المُشوق بأن يجمعهما سقف واحد حينما استوقفها عند بداية الدرج ليحملها بغتةً بين ذراعيه، خفق قلبها بقوةٍ، وتلبكت من حركته التي هزت كيانها وحفزت مشاعر الحب بداخلها، أخفضت عينيها في استحياءٍ، لكن تأثير أحاسيس الحب عليها بدا ملموسًا، واضحًا، ولا حاجة به إلى برهان، واصل تسلق الدرجات بها في خفةٍ وكأنها لا تزن شيئًا حتى وصل إلى الطابق الثاني حيث تتواجد شقتهما.

أنزلها لتقف على قدميها، ثم دس يده في جيب سترته ليخرج المفتاح منه، دسه في مكان القفل وفتح الباب بدفعة خفيفة لينفتح على مصراعيه، عاد ليحملها من جديد ليزيد من مشاعر الشوق والرغبة بداخلها، وتلك المرة تجرأت على تطويق عنقه بذراعيها، واختلست النظرات نحو وجهه الذي كان قريبًا منها للغاية، كانت تشعر بحرارة أنفاسه اللاهثة، بالإيماءات الحذرة المتشكلة على جانبي شفتيه، انفصلت عن محيطها الواقعي لتبقى أسيرة تلك الهالة الساحرة التي تحاوطه.

وعلى عكسها كان "تميم" مشغولاً بالانتباه إلى خطواته بداخل الشقة التي كانت كبيرة في مساحتها، وبالتالي لم تكن هناك أي صعوبة في شراء الأثاث كبير الحجم أو حتى رصه، بل تبقت زوايا خالية تحتاج للمزيد من اللمسات الأنثوية لملئها، نظرة سريعة في البهو تبعتها أخرى نحو الردهة، ثم تقدم بها في اتجاه غرفة النوم، هناك أنزلها على قدميها بكل رقة ورمقها بابتسامة دافئة قبل أن يستهل حديثه مُبارِكًا:
-نورتي بيتك يا عروسة.

أسبلت عينيها في خجل رقيق، وعضت على شفتها السفلى وهي ترى نظراته المتأملة له، أولته ظهرها لتنظر إلى الفراش الذي تم ترتيبه بشكل منمق ليليق بليلة كتلك، جابت عيناها ثياب كليهما الموضوعة بانتظام على طرفي الفراش، استدارت لتتطلع إلى زوجها وهي تقول بأنفاسٍ شبه متهدجة من فرط فرحتها:
-أنا مش مصدقة نفسي لحد دلوقتي! أنا وإنت في بيت واحد..
رد مبتسمًا وقد دس يديه في جيبي بنطاله:
-لأ صدقي.

اقتربت بغنجٍ متدلل خطوة منه حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة للغاية، حركت كتفها بإغراء وعذوبة، ثم رفرفت بعينيها وهي تتمعن النظر فيه عن قرب، لاحت ابتسامة رقيقة مغرية على شفتيها الممتلئتين حينما همست بنعومة:
-أنا بأحبك أوي.
وكأي شخص طبيعي تتأثر مشاعره الأكثر صلابة بفعل المغريات اللذيذة المؤججة للمشاعر الذكورية الحميمة أحنى "تميم" رأسه على زوجته بعد أن احتضن وجهها براحتيه ليختطف منها أول قبلة مطولة انحبست فيها الأنفاس واهتز معها الوجدان.

استضافته بترحابٍ فرح للغاية بعد أن جاء إلى زيارتها تنفيذًا للوعد الذي قطعه علنًا أمام الحاج "بدير" قبيل انتهاء العرس، لم تبخل على شقيقها بشيء، تناست خصومتها معه فور أن وطأ أعتاب منزلها، وكأن شيئًا لم يكن، في قرارة نفسها كانت تتلهف لإعادة روابط الود بينهما، أعدت له الأصناف الشهية من الحلويات وملأت الكؤوس والفناجين بالمشروبات الباردة والدافئة، حتى أنها ضيفت زوجته بلطفٍ زائد لتنسيها أي خلاف مما استفز ابنتها الجالستين بالداخل، وخاصة "فيروزة" التي كانت ناقمة على الاثنين لكونهما مخادعين، تلصصت كلتاهما على الحوار الدائر في الصالة معلقتين بهمسات مزعوجة وساخطة، تردد أصداء صوت "خليل" الذي كان عاليًا عاليًا وهو يستطرد مبررًا:
-بردك ياختي أنا خايف عليكي، واللي عملته ده كان عشان مصلحة البنات، ما أنا زي أبوهم.

ردت عليه "آمنة" بإيماءة موافقة من رأسها:
-طبعًا يا "خليل".
في حين علقت "حمدية" بحماسٍ مريب مستخدمة يدها في الإشارة:
-ومهما كان اللي حصل الدم عمره ما يبقى مياه، ولا إيه يا "أبو العيال"؟
أيدها الرأي قائلاً:
-مظبوط .. ومسيرنا كنا هنتصالح.
تحفزت "حمدية" في جلستها، ومالت نحو أخت زوجها تؤكد بقوةٍ وكأنها صاحبة الفضل في فض الخصام بينهما:
-أيوه، هو إنتو ليكو إلا بعض ياختي؟ ربنا يبعد عنكم الشيطان.

ابتسمت لها في امتنانٍ، ثم أدارت رأسها في اتجاه شقيقها تشكره:
-ربنا يخليك ليا ياخويا، ومايحرمنيش منك أبدًا.
أضافت "حمدية" في خبثٍ وابتسامة سخيفة باردة متشكلة على شفتيها:
-وإن كانوا البنات غلطوا فيا، فأنا مسامحة في حقي، دول زي إخواتي الصغيرين، مش هاقول عيالي عشان أنا لسه صغيرة ..

ثم أطلقت ضحكة لزجة وكأنها قالت دعابة من المفترض أن يكركر عليها الجميع بهيسترية، لكن لم يضحك أحدهما، فأطبقت على شفتيها لاوية ثغرها قليلاً. تنهد "خليل" معلقًا بعد أن تنحنح:
-طول عمر قلبك طيب يا "آمنة"، زي أمنا الله يرحمها، كانت بتحب الناس كلها وعمرها ما شالت من حد.
لمعت عيناها نوعًا ما تأثرًا بذكراها العطرة، ورددت بخفوتٍ في تضرعٍ راجٍ:
-الله يرحمها ويجعلها في الفردوس الأعلى.

تناول "خليل" رشفة أخرى من فنجان قهوته، ثم تركه على الطاولة البيضاوية التي تنتصف الغرفة ليهب واقفًا وهو يختم تلك الزيارة اللطيفة الودية:
-لو عوزتي حاجة ياختي تعاليلي في أي وقت، بابي مفتوحلك
نهضت واقفة تحملق فيه بعينين مليئتين بالحنو والمحبة، وردت عليه قائلة:
-تعيشلي يا رب، ده إنت اللي باقي لي من الحبايب.

ربت على كتفها برفقٍ وهو يودعها بالمزيد من العبارات المستهلكة على الأذن، لكن لها مفعولها العجيب على النفس، شعر "خليل" بالانتشاء يغمره، وارتسمت ابتسامة انتصارٍ على محياه اللثيم، حيث أدت طريقته الجديدة لنتائج باهرة ونجح في استقطابها إلى جبهته لتغدو مرة أخرى طوع بنانه وتحت إمرته، حتى إن أمعن لاحقًا في الضغط عليها للموافقة على أحد الأمور لأظهرت استجابتها الفورية له ولم تقاوم رغباته الطامعة.

نوبة حب رائعة عاشتها خلال تلك اللحظات المحدودة انتقلت فيها لعالم مشبع بالمشاعر الدفينة التي تحتاج ليد الخبير لإظهارها على السطح، أرخى قبضتيه عن وجهها فتحررت من حصاره الحابس للأنفاس، لكن بقيت آثار أصابعه على وجنتيها اللاتين تضرجتا بحمرة ساخنة، أخفض "تميم" ذراعه ليمسك ب "خلود" من كفها، جذبها برفق نحو الفراش وأجلسها على طرفه، ثم جلس إلى جوارها، شهيق طويل سحبه إلى صدره ثم لفظه بتمهلٍ، وكأنه بذلك يستحضر ما سيقوله بعد ذلك. اكتسبت نبرته عمقًا عكس جدية ما قاله حينما استطرد:
-شوفي يا بنت خالتي، قبل ما نبدأ حياتنا سوا، عاوزين نتفق على كام حاجة عشان حياتنا تمشي من غير مشاكل.

هزت رأسها بالإيجاب وهي تنصت له باهتمامٍ، فتابع:
-أنا طول عمري دوغري في كل حاجة، لا بأحب اللف ولا الدوران، ولا كلام الضحك على الدقون، كلمتي زي السيف مع أي حد، وحتى مع أهل بيتي، اللي إنتي بقيتي دلوقتي منهم
-تمام.
شدد عليه بلهجته الجادة ودون أن يرف له جفن ليبدو صارمًا نوعًا ما فيما يقوله:
-أي حاجة تحصل بينا هنا، حلوة أو وحشة، مشاكل أو اتفاقات، يا ريت تفضل بينا ما تطلعش برا!
أجابت دون تفكير:
-حاضر يا حبيبي.

تابع في لهجة جمعت بين الصرامة والنصح:
-أنا عاوزك تكوني الأمان بالنسبالي، وزي ما أنا مش هاسمح لحاجة تضايقك، إنتي كمان بلاش تخلي حاجة تزعلني منك.
هتفت تعقب عليه دون ترددٍ:
-أنا مش هاعمل غير اللي يسعدك وبس.
ابتسم لها بعذوبة، ثم أكمل بنبرة عقلانية حتى تتضح الصورة كاملة:
-وارد يحصل بينا مشاكل، أتمنى ساعتها محدش يعرف بيها، وخصوصًا أمي وأمك.

كان شاغله الأكبر خالته الثرثارة، التي لا تتوانى أبدًا عن خلق المشكلات من توافه الأمور وتعظيمها، وخاصة أنها تقف الند بالند له ولعائلته بسبب هاجسها الخاطئ، خشي أن تنزعج "خلود" من طلبه، أو حتى تعارضه، لكنها خالفت توقعاته حينما أكدت عليه بصدرٍ رحب:
-حاضر، وعشان تبقى عارف أنا مش نقالة للكلام!

صحح لها جملته حتى لا تسيء فهمه:
-وأنا مقولتش كده، أنا بس مابحبش حد يتدخل في حياتي أو يفرض عليا رأيه، أو حتى أبرر تصرفاتي ليه.
هزت رأسها ترد:
-معاك حق، محدش كمان بيسيب حد في حاله يا حبيبي.
أوضح "تميم" أكثر وهو يومئ برأسه:
-بالظبط، والموضوع الصغير هايكبر ويبقى حكاية، واحنا في غنى عن ده كله.

ابتسامة رقيقة احتلت صفحة وجهها الناعم وهي تقول له عن طيب خاطر وبمحبة لا حدود لها:
-خلاص يا حبيبي، كل اللي إنت عاوزه أنا هاعمله وأنا مغمضة عينيا.
وضع "تميم" إصبعيه على طرف ذقنها يداعبه في رقة قائلاً لها بنبرة عميقة عبرت عن شخصيته الرجولية وشهامته الكبيرة:
-ربنا يخليكي يا حبيبتي، وليكي عليا أعاملك بما يرضي الله، لا هاقل أدبي، ولا هامد إيدي عليكي، بس إنتي راعي ربنا فيا.
مالت برأسها للجانب لتستند بوجنتها على راحة يده، ثم همست له بدلالٍ:
-ده إنت أغلى ما في حياتي.

ابتسم لها ممازحًا:
-أنا عاوزك كده على طول، رقيقة وهادية، بلاش تقفشي ولا أشوف جنان البنات
ردت بوجه مدعي العبوس:
-أنا مش مجنونة، أنا بأغير بس عليك
-ماشي يا ستي، وبالله عليكي ماتحاوليش تضايقني وأنا متعصب، سبيني أهدى وبعدين نتكلم
ردت وضحكة عابثة تتلاعب على شفتيها
-عندك حق في دي، لأحسن زعلك وحش أوي، وأنا مش أد
قال مؤكدًا:
-أيوه، ببقى غبي بجد!

انتهى "تميم" من فرض ما بدا أشبه بالتعليمات عليها قبل أن يهب واقفًا، تطلع إليها بنظرة مطولة تجوب على زينتها الرقيقة وجمال جسدها الممشوق في ثوب الزفاف، أشاح بوجهه قائلاً بنحنحة خفيفة:
-أنا هاغير هدومي برا وأسيبك هنا تلبسي براحتك.

شعرت "خلود" بتقلصات خفيفة تضرب معدتها بعد جملته تلك، لوهلةٍ أصابها الوجوم كما لو كانت قد تلقت صدمتها الأولى، لم يكن ذلك مثل ما خططت له في مخيلتها، أليس من المفترض أن يتلهف عليها ويحترق شوقًا لضمها إلى أحضانه وتأملها بما خف وقل من الثياب؟ أفاقت من دهشتها المؤقتة والمستنكرة حينما بادر مبررًا بابتسامة صغيرة قاصدًا أن يخفف من توترها الطبيعي في هذا الموقف الحرج وغير الاعتيادي:
-أنا عارف إن البنات بتتكسف في اليوم ده .. فعشان ماتتحرجيش مني وآ...

قاطعته بنبرة مختنقة نسبيًا وقد امتدت يدها لتقبض على معصمه حتى يظل واقفًا في مكانه:
-أنا عاوزاك معايا.. ماتسبنيش!
بدا صوتها أقرب للرجاء عن أي شيء آخر، تطلع إليها في اندهاش بعد أن تركزت أنظاره في البداية على كفها الممسك به، ثم تنهد قائلاً لها بهدوءٍ:
-لو ده اللي إنتي عاوزاه، فأنا معنديش مانع
عللت رغبتها في وجوده بعفويةٍ، وكأنها بذلك تزيح ثقلاً كئيبًا كان جاثمًا على صدرها:
-إنت مش متخيل أنا استنيت اليوم ده أد إيه، أكتر من 7 سنين يا "تميم" بأحلم إني أكون جمبك ومعاك، عيشت تفاصيل كل لحظة فيها بخيالي، وبقيت بأصبر نفسي إنك في النهاية هاتكون ليا.

مَسَّت كلماتها المفعمة بمشاعرها الصادقة قلبه، فرفع راحته ووضعها على وجنتها ليشعر بنعومتها المغرية على جلده، داعبها بإبهامه، وطالعها بنظرة ممتنة مليئة بالود والألفة، ثم دنا منها بشفتيه ليطبق على خاصتها وقبلها من جديد بقبلة أشد عمقًا ضاعفت من لهيب الشوق والرغبة، استسلمت لما يبثه فيها من مشاعر محفزة لتعيش معه أحد أهم أحلام يقظتها، ولكن على أرض الواقع!

أمسكت بفرشاة تنظيف الثياب الخشبية، ونفضت العالق من الأتربة والشوائب الصغيرة عن جلباب زوجها الذي ارتداه في تلك الليلة قبل أن تعلقه على الشماعة ليحصل على التهوية الجيدة ومن ثم تغسله حينما يتسنى لها الوقت لفعل ذلك لتعيده بعدها في مكانه بالدولاب. انحنت "ونيسة" بتمهلٍ لتمسك بالحذاء وتضعه في مكانه قائلة بفرحة صادقة وابتسامة عريضة تغزو صفحة وجهها الضاحك:
-أما كانت ليلة يا حاج، مافيش بعد كده! حاجة تِشرح القلب بصحيح!

هز "بدير" رأسه في استحسانٍ وهو يتمدد على الفراش ليريح جسده المنهك من عناء مجهود اليوم، ثنى ركبته اليمنى إلى صدره، وأراح ظهره للخلف، ثم قال لها:
-الحمدلله، المهم يكون الكل اتبسط ..
ردت بعبوسٍ زائف وقد وضعت يدها أعلى منتصف خاصرتها:
-هو حد يقدر يتكلم بعد اللي عملته يا حاج؟!
ثم ما لبث أن ارتخت ملامحها حينما أضافت بتفاخرٍ:
-ده ليلة "تميم" هيتحكى عنها لشهور قدام
رد باقتضابٍ:
-ربنا كريم.

لانت نبرتها أكثر وهي تضيف ونظراتها مرتفعة للسماء:
-الحمدلله إنك مديت في عمري يا رب عشان أشوف ابني وهو بيتزف لعروسته.
استطرد مضيفًا بابتسامةٍ صغيرة:
-ده أبويا كان فرحان بيه أوي، تحسي إن الدموية ردت في وشه لما شافه
قالت بنبرة مزهوة:
-لازمًا يفرح بيه، مش حفيده البكري، ربنا يديه الصحة
-يا رب.

التفتت "ونيسة" نحو الشفونيرة لترص ما طوته من ثياب نظيفة عليها، استرعى انتباهها الدرج العلوي المفتوح قليلاً، ضاقت نظراتها نحوه متفحصة إياه دون أن تلمسه، ورددت متسائلة في اندهاشٍ كبير، وكأنها تفكر بصوتٍ مسموع:
-هو إنت يا حاج نسيت الدرج ده مفتوح؟
استدار برأسه نحوها يسألها:
-أنهو درج؟
امتدت يدها لتشير إليه قائلة بتلقائية مما شد انتباهه بالكامل:
-الدرج ده يا حاج.
اعتدل "بدير" في جلسته المسترخية وأخفض ساقه ليقول نافيًا:
-محصلش.. وريني كده.

ثم هب واقفًا على قدميه واقترب من الشوفنيرة ليدقق النظر في الدرج بعد أن تنحت زوجته للجانب، اكتشف كسر القفل الخاص به، وهرع يفتحه ليجد مفاجأة صادمة في انتظاره، حيث كان خاليًا من الأموال التي احتفظ بها بداخله، حلت أمارات الحنق على تعابيره المجهدة، وغطى الغضب الجم نظراته كليًا، التفت كالمسلوع نحوها يسألها بحدةٍ:
-الفلوس اللي هنا راحت فين؟

على الفور هتفت "ونيسة" ترد لتدافع عن نفسها وتنفي تلك التهمة عنها:
-والله ما أعرف يا "بدير"! أنا مشوفتش حاجة، وإنت بنفسك اللي بترص فلوسك في الدرج.
صاح في عصبيةٍ شديدة وهو يعتصر ذهنه محاولاً التفكير فيما حدث لتلك النقود أو حتى أين أنفقها:
-أومال راحوا فين؟
هزت كتفيها تجيبه:
-معرفش.

حك "بدير" رأسه في ضيق متعاظم، ولكن ما لبث أن تذكر شيئًا، الأموال الأخرى الموضوعة في الدرج السفلي، ذاك المبلغ الضخم الذي ما زال محتفظًا به ريثما يرسله للبنك، امتدت يده عفويًا لتسحب الدرج، لكنه وجده موصدًا فأشعره ذلك بالارتياح، زفر قائلاً بصوتٍ خفيض خفف بنسبة قليلة من حنقه:
-الحمدلله.

التفت عائدًا للخلف ليمسك بمفاتيحه المسنودة على الكومود، وأسرع نحو الدرج وقام بفتحه، قليل من الارتياح تسرب إليه، ومع هذا هتف بصوته الأجش الحانق:
-الحرامي ابن ال ..... مخدش باله من الدرج ده، كان فيه يجي فوق ال 100 ألف جنية وأكتر محطوطين هنا.
شاركته التعليق:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب
ثم غلف الخوف نبرتها وهي تُعاود سؤاله:
-بس مين هيتجرأ ويسرقنا يا حاج؟
تطلع إليها في حيرة قبل أن يجيبها:
-مش عارف!
رددتت "ونيسة" في ذعرٍ وهي تتلفت حولها بنظرات مرتعدة:
-لأحسن يكون الحرامي لسه مستخبي هنا ولا هنا.

وكأنها بعفويتها قد نبهت زوجها إلى خطورة ذلك، تحرك على الفور إلى خارج الغرفة بعد أن جذب عكازه ليستخدمه في الدفاع عن نفسه وضرب السارق إن وجده، جاب "بدير" غرف المنزل يفتش في كل زاوية وركن وأي مكان يحتمل أن يختبئ به، لكن لا أثر له، العجيب في الأمر أنه لم يعرف بعد كيف اقتحم المنزل، وكيف قام بالسرقة مما ضاعف من فضوله وتساؤلاته، حاول كذلك خلال بحثه عنه ألا يزعج والده الكهل الذي استغرق في نومه بعد مشقة اليوم إلى أن يحل الصباح فيطلعه على الأمر، ومع هذا تأكد من خلو غرفته منه.

ظلت أطراف "ونيسة" ترتجف بالرغم من بحث زوجها المتأني عن اللص، وبقي إحساس الخوف متغلغلاً في أعماقها، لحقت ب "بدير" كظله ولازمته حتى توقف عن التفتيش، ابتلعت ريقها وقالت بصوت مهتز ينطق عن هلعها:
-أنا خايفة أوي يا حاج.. تفتكر ال .. الحرامي ممكن يرجع تاني؟
علق في استهجانٍ شديد، ونظراته امتلأت بالغيظ:
-ده يبقى غبي أوي، هو خلاص خد النهيبة وخلع!
سألته مستفهمة:
-طب هتبلغ البوليس ولا هنتصل ب "تميم" نعرفه؟

أجابها مستنكرًا آخر جملتها:
-وده كلام يا "ونيسة"؟ نتصل بابنك ليلة فرحه نقوله إلحق اتسرقنا؟ انسي الكلام ده خالص، "تميم" مش هايعرف دلوقتي، مفهوم
-طيب..
-خليني أفكر هاعمل إيه.
عادت لتسأله في إلحاحٍ:
-يعني هتكلم البوليس؟
رد نافيًا:
-لأ مش هاطلب أي حد!
اقترحت عليه بعفوية:
-طب وجوز بنتك؟
ردد بوجهٍ ممتعض:
-"محرز" ده لا بيحل ولا بيربط، هيعملي زيطة على الفاضي.

-أومال هتعمل إيه يا حاج؟
-لسه مش عارف.
قالت "ونيسة" بصوتها المرتجف:
-أديلنا زمن من يوم ما سكنا في الحتة ماحد عمره هوب ناحيتنا ولا فكر يسرقنا
أيدها الرأي قائلاً:
-معاكي حق.
-أول مرة تحصل الحكاية دي، الظاهر ولاد الحرام كانوا مراقبينا.
-الله أعلم.
انكمشت "ونيسة" على نفسها تقول له:
-بس أنا خايفة أوي يا حاج.
حاول طمأنتها فقال لها بهدوءٍ بالرغم من الثورة المستعرة بداخله جراء ما حدث:
-ماتخافيش يا "ونيسة"، أنا هتصرف..

أومأت برأسها عدة مراتٍ وتبعته أينما ذهب، ولم يعلق هو عليها، كان متفهمًا لخوفها الغريزي، إلا أنه كان عكسها يغلي من داخله، عاد ليفحص باب المنزل في دقةٍ عله يجد آثار الاقتحام، لكن لا شيء، انشغل تفكيره في اكتشاف طريقة دخول اللص للمنزل، امتلك "بدير" من الفراسة والخبرة الحياتية العريضة ما يجعله مؤهلاً لتحليل الأمور بشكلٍ منطقي، والوصول لنتائج واستنتاجات هامة. فرك طرف ذقنه في حركة ثابتة، وقال بصوتٍ خفيض:
-القفل مش مكسور، والباب زي ما هو.

علقت في سذاجة:
-يكونش الحرامي معاه مفتاح البيت؟
قال مستنكرًا محدودية تفكيرها:
-ليه كنت مديله نسخة وأنا مش دريان؟
زمت شفتيها معقبة عليه:
-أهوو اللي جه في بالي!
فكر "بدير" بعمقٍ مشاركًا زوجته ما يدور في رأسه:
-الحرامي ده عارف هيسرق إيه بالظبط، ولو كان دور كويس، كان شاف الفلوس التانية
-مظبوط.
-أنا حاسس كده إن الموضوع ده مخرجش برا حد نعرفه.
سألته مستوضحة:
-قصدك مين؟

نظر لها بغموضٍ وقد بدا وجهه صارم التعبيرات، التزم الصمت رافضًا البوح بما يراود عقله من هواجس وشكوك تدفعه للتفكير في شخصٍ بعينه...
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثانية عشر بقلم منال سالم


أخرجت تأويهة متألمة بعد أن نزعت حذائها الجديد عن قدميها بمجرد جلوسها على الأريكة، شعرت بوخزات حادة في أصابع قدميها التي بدت متورمة قليلاً جراء ارتدائها له لفترة طويلة، انحنت للأمام لتفركها في رفقٍ، ثم عادت بظهرها للخلف لتسترخي في جلستها. سمعت "بثينة" جلبةً تأتي من داخل غرفة ابنها فانتصب جسدها، أجبرت نفسها على النهوض واتجهت إليه بخطواتٍ متأنية..


 
وقفت عند أعتاب الغرفة تتأمل ما يفعله على عجالة، انخفضت نظراتها نحو الفراش لتجده واضعًا لحقيبة سفره عليه، حملقت فيه مجددًا فرأته يحشر ثيابه دون ترتيب فيها، ولجت للداخل وهي تعرج قليلاً، ثم سألته مباشرة ونظراتها موزعة بينه وبين حقيبة السفر الصغيرة:
-إنت بتعمل إيه؟


 
نظر لها في فتورٍ وكأن سؤالها لا يعنيه، ألحت عليه مكررة تساؤلها المستفهم:
-يا واد قولي بتعمل إيه؟ ولا رايح فين السعادي؟
رد بنبرة ساخطة تنم عن عزمه للأمر:
-بأوضب هدومي للسفر زي ما إنتي شايفة.
-يعني إنت مسافر؟
-أيوه، طالع أغير جو يومين كده مع أصحابي
هتفت مرددة في استغرابٍ مُبرر:
-في الجو ده يا "هيثم"؟ طب ليه؟
أجابها بزفيرٍ منزعج ووجهه مغطى بتعابير جامدة:
-مخنوق.


 
رفعت حاجبها للأعلى متسائلة:
-في حد ضايقك؟
أجابها بنظراته المتنمرة وتعابير أقرب للتزمت:
-هو في غيره
لم تكن بحاجة لامتلاك ذكاء خارق لتفطن إلى الإجابة الصحيحة لسؤاله، حيث علقت عليه بنظراتها الحادة:
-جوز خالتك "بدير"، صح؟
تابع معللاً سفره المفاجئ مستغلاً تلك الحجة الزائفة ليبدو جيدًا في إقناعه لها:
-ما هو لازم يسمم بدني بكلمتين بايخين من بتوعه، حتى لو كان ده فرح أختي
وقفت "بثينة" قبالته تقول له بتجهمٍ:
-معلش يا حبيبي، ولا تحرق دمك، هو كده غاوي ينكد على الناس، اطلع سافر وغير جو، وروق مزاجك، وأنا ليا لي كلام معاه و...


 
قاطعها في عصبيةٍ:
-يامه أنا مش عاوزك تتحشري في مشاكلي معاه كل مرة، بيمسكهالي ذلة ويعايرني بيكي
ردت بنبرة منفعلة:
-فشرت عينه، ده إنت راجل ابن راجل، هو نسى نفسه ولا إيه بتاع الجرجير ده؟!!
قال "هيثم" في عدم اكتراث وهو يجرجر حقيبة سفره خلفه بعد أن أنزلها من على الفراش:
-أديني هسيبهاله وهاغور من وشه، إياكش يرتاح
سارت خلفه محاولة تهدئته، فقالت:
-ولا تضايق نفسك، أنا هاعرف أجيبلك حقك منه.

لم يكلف نفسه عناء الرد عليها، تابع سيره المتعجل متجهًا نحو الصالة، سألته باهتمامٍ مدللة إياه:
-ناقصك فلوس يا نور عيني؟
للحظة تجمد في مكانه وكأن صاعقة أصابت جسده، التفت نحوها ينظر لها بعينين غائمتين متذكرًا سطوه على منزل خالته في ظلام الليل وحصوله على مبلغ لا بأس به، بدت تعابيره غريبة نسبيًا ووالدته تتأمله، تدارك شروده السريع ليقول بتلعثم وهو يهرب من نظرات والدته:
-م.. مستورة.


 
أصرت عليه قائلة:
-يا حبيبي ماتكسفش، هو إنت بتطلب من حد غريب، ده أنا أمك، وكل ما أملك ليك يا "هيثم"
استدار ناحيتها متصنعًا الابتسام، ثم شكرها وهو يحني رأسه نحو جبينها ليقبله:
-تعيشيلي يامه.
أوصته "بثينة" بنظراتها التي تبدلت للجدية:
-خد بالك من نفسك وكلمني كل شوية عشان أطمن، ماتسبنيش قلقانة
-طيب.

قالها وهو يدير مقبض الباب ليفتحه، اتجه للخارج في سرعة وهو يعد نفسه بسَفرةٍ ممتعة مع رفقاء السوء ينفق فيها ما حصل عليه من غنيمته الثمينة على شهواته دفعة واحدة، وكأنه بذلك يفرغ غضبه المكبوت في إضاعتها سدى مقنعًا نفسه بأن ما سرقه ليس إلا جزءًا ضئيلاً من حقه المسلوب.


 
رفعت رأسها لتستند على كتفه بعد أن ذاب الجليد بينهما وغابا في لحظات حميمية مميزة تأكد فيها من عفتها، وشعرت فيها بتأثير أنوثتها عليه، استلقى "تميم" على الفراش وشبك ذراعيه خلف رأسه تاركًا إياه تداعب صدره بأناملها الرقيقة، أغمض عينيه ليغفو مما حمسها لتأمله عن كثب بعينين تشعان بهجة، بدت أنفاسها دافئة وهي تلطم صدغه حينما همست له بنعومةٍ:
-مش عاوزة أفوق من الحلم الجميل اللي أنا عايشة فيه معاك، نفسي نفضل كده على طول، أنا في حضنك، وإنت معايا مابتفارقنيش.

رد عليها بصوت يميل للنعاس، ودون أن يفتح جفنيه:
-بكرة تزهقي مني.
اكتسى وجهها بتعبير مزعوج، وقالت محتجة:
-استحالة يحصل ده، أنا ماليش إلا إنت وبس!

شعر بتلك القبلة الناعمة التي انطبعت على جانب وجهه ففتح عينيه ليجد "خلود" تكاد تلتصق به، وتتطلع إليه بنظرات هائمة مليئة بالعشق، بسمة عذبة ظهرت على شفتيه قبل أن يرفع رأسه نحوها ليطبق على خاصتها مبادلاً إياها قبلة ناعمة جعلت بشرتها تتضرج بحمرتها النضرة، تثاءب في تعبٍ وربت على كتفها، ثم أزاحها ليتقلب على جانبه وهو يقول لها بإرهاقٍ:
-تصبحي على خير يا "خلود"
اكفهرت قسماتها وردت متسائلة بتذمرٍ:
-إنت هتنام دلوقت؟ مش هانقعد مع بعض شوية؟

أجابها في ثقلٍ وقد انطبق جفناه على بعضهما البعض:
-معلش يا حبيبتي، أنا مش قادر خالص، جسمي كله مكسر، ومش شايف قدامي!
أحست "خلود" بقليل من الإهانة والتجاهل من خلال جملته تلك، فمن المفترض أن يقضي ليلته الأولى معها حتى الصباح، انزعجت من عدم اكتراثه بما يجيش في صدرها من ضيقٍ، واعتدلت في رقدتها لتكتف ساعديها أمام صدرها، تعمدت أن تنفخ بصوتٍ مسموع ليعبر عن استيائها، ثم رددت عاليًا:
-يعني هاسهر لوحدي؟ بقى ده ينفع؟ ده أنا نفسي أحكي معاك ومانمش خالص.

أدرك "تميم" أنها لن تتوقف عن التذمر والشكوى حتى ينهض، نفض النعاس عن جفنيه متخليًا عن رغبته الشديدة في الحصول على قسطٍ وافر من النوم، والتفت نحوها متسائلاً بخلجاتٍ عابسة:
-عاوزة تحكي في إيه يا "خلود"؟

شعرت بالزهو لنجاحها في اجتذابه إليها، تطلعت إليه بنظراتها الوالهة، ثم صمتت لتفكر فيما تريد الحديث عنه، طرأ ببالها سؤاله عن الندوب التي تحتل الجانب الأيمن من كتفه، بدت لها كآثار حروق قديمة، لكنها لا تعرف سببها مما استرعى فضولها، استندت بطرف ذقنها على مرفقها المسنود على الوسادة متسائلة في نشوةٍ وبابتسامتها الفاتنة:
-هو اللي في ضهرك ده جالك من إيه؟

وأشارت بعينيها نحو جانب كتفه لتتحرك أنظاره عفويًا مع إيماءتها، ويا ليتها لم تتطرق إلى تلك الذكرى المؤلمة! فقد اشتدت تعابيره المسترخية قساوة واحتقنت نظراته، رمقها "تميم" بنظرة غريبة قاتمة هادرًا بها:
-ملكيش فيه!
انتفضت من صوته الأجش الذي جعلها تتخشب في مكانها وتحملق فيه في ذهول، تدلى فكها للأسفل وهو يتابع تحذيره القاسي:
-في حاجات مابحبش أحكي عنها ولا حتى أفتكرها، منها حروق ضهري! يا ريت تفهمي ده!

ارتجفت شفتاها، وشعرت بالاختناق يضرب صدرها من حدته معها، حاولت أن تتماسك حتى لا تبكي أمامه، ثم هتفت مبررة سؤالها البريء:
-أنا.. مقصدش يا "تميم"، إنت عارف إن أي حاجة تخصك تهمني، و.. معرفش إن سؤالي ده بالذات.. ه.. هيضايقك
رد بشراسةٍ وقد غامت عيناه:
-وأديكي عرفتي، يا ريت ماتكرريهاش
-بس .. كده آ....
قاطعها بحسم وبلهجة ذات طابع رسمي جليدي وهو يوليها ظهره:
-تصبحي على خير.

تطلعت له في قهرٍ وحسرة، دمعة حزينة فرت من طرف عينها تأثرًا بموقفه الصارم معها، مسحتها بيدٍ مرتعشة، واستدارت للجهة المعاكسة ملقية برأسها على الوسادة، ضغطت على شفتيها لتمنع شهقة باكية من الخروج من جوفها لتفضحها بعد أن أشعرها بالخذلان، لم تستطع السيطرة على الرجفة الخفيفة التي سيطرت على جسدها، نهنهة تكاد تكون مسموعة انفلتت منها حينما أحست بذراعه تحاوطها من الأعلى، حاولت الابتعاد عنه لكنه رفض إفلاتها، أطبقت على جفنيها في قوة مقاومة تيار المشاعر الحزينة الذي غزاها، تردد صوته الهامس في أذنها معتذرًا:
-حقك عليا يا "خلود".

عاتبته بنحيبٍ:
-ليه دايمًا بتكسر بخاطري يا "تميم"؟ وأنا اللي بأحبك!
ندم الأخير لسوء تصرفه وقساوته غير المفهومة معها، فقال لها موضحًا أسبابه:
-والله ماقصدش، متزعليش مني، وبعدين ده أنا لسه مفهمك إن في حاجات بتضايقني، وإني عاوزك تصبري عليا لما أتعصب.
ردت في غير اقتناعٍ:
-وسؤالي عمل كل العصبية دي؟

تنفس بعمقٍ ليثبط انفعالاته كليًا، ثم لفظ الهواء في زفير بطيء قبل أن يجيبها بهدوءٍ يناقض عصبيته قبل لحظات:
-أكيد لأ.
تابعت متصنعة اللا مبالاة:
-عمومًا حصل خير
مرر "تميم" ذراعه الآخر أسفل جسدها لتصبح أسيرة ذراعيه، ثم سألها بصوتٍ رخيم:
-لسه زعلانة مني؟
هزت كتفيها تُجاوبه:
-عادي .. مش هاتفرق، ما أنا لسه غريبة عنك!

زادت كلماتها الأخيرة من إحساسه بالذنب، أراد "تميم" أن يعوضها عن ذلك، فشدد من ضمه لها لتشعر بحرارة جسده عليها، ارتجفت من لمساته التي تُجيد اللعب على أحاسيسها المرهفة، وتشعرها باحتلاله لوجدانها، لهيب أنفاسه الساخنة وترها أكثر، خاصة حينما لامست جانب عنقها وهو يستأنف همسه المعتذر:
-حقك عليا.

ردت بصوتٍ لان بدرجة كبيرة وقد استجمعت نفسها:
-خلاص يا حبيبي.
وبكل ودٍ ولطف أدارها إليه ليجثم فوقها وتصبح أسيرة نظراته التي تفتنها، ابتسم لها بطريقة ساحرة أشعلت جذوة الحب في كيانها، مال عليها يقول بنبرة ذات مغزى، وتلك العبثية المغرية تتراقص في حدقتيه:
-سبيني أصالحك على طريقتي!
تورد وجهها بالكامل وقد فطنت إلى تلميحه المتواري بمنحها المزيد من اللحظات الشغوفة التي حتمًا ستمحو تعاستها.

ليلة طويلة باردة انقضت عليه حتى سطع النهار وهو جالس في الصالة بمفرده رابط الجأش يفكر مليًا وبعمقٍ فيما حدث، كان المكان غارقا في الهدوء مما ساعده كثيرًا ليصفو ذهنه وينشط ذاكرته، فقد تركته زوجته لتستسلم لسلطان النوم حينما تمكن منها التعب وغفت في غرفة ابنها بعد أن رفضت النوم في غرفة نومها كردة فعل طبيعية لتأثير الصدمة المرتعدة عليها. أطفأ "بدير" سيجارته العاشرة في منفضته التي امتلأت بأعقاب السجائر مُنشطًا ذاكرته بالأحداث التي يمكن أن تحفز ذلك اللص وتدفعه للتجرأ واقتحام منزله في غفلة منه، وكأنه يعرف جيدًا متى سيخلو البيت من ساكنيه لينفذ جريمته.

كل الشواهد حامت حول شخص بعينه، ولا ينكر "بدير" أنه استعان هاتفيًا بأحد أصدقائه القدامى ممن يعملون بالسلك الشرطي ويحتلون منصبًا متقدمًا فيه، أفادته تلميحاته الدقيقة، ونصائحه الخبيرة مع محترفي الإجرام في إرشاده لضالته وتأكيد شكوكه التي اتجهت نحو "هيثم" تحديدًا .. نعم إنه أول من فكر فيه ليقوم بتلك الفعلة النكراء، خاصة وأنه الوحيد الذي تواجد مؤخرًا في غرفة نومه، وربما لمح الأموال مصادفة في الدرج العلوي، تبقى له فقط أن يتأكد من معلومة واحدة إجابتها لدى زوجته، فإن أعطته المال حقًا دون علمه وعرف أين يتواجد، فستكتمل الصورة في ذهنه. ضغط "بدير" على أصابعه في غيظٍ حتى ابيضت مفاصله، ثم ردد مع نفسه يتوعده بوجه لا يبشر بالخير:
-أه لو طلعت إنت! هاعلقك وأعرفك مين أنا يا ابن "بثينة"!

ازدهرت الأعمال خلال الأيام التالية بعد أن تذوق معظم رواد منطقة الكورنيش السندوتشات الشهية، أصبح لديهما زبونهما الخاص ممن يفضلون الأطعمة المختلفة وذات المذاق المميز، وبدأت تتكون علاقات ودية وطيبة مع الكثير من العائلات التي تصادقت مع الشابتين وأمهما، تلك السيدة الوقورة صاحبة الملامح الوديعة، والقلب الحنون التي تعامل الجميع برحابة صدر ولطف محبب للجميع. وبالرغم من امتعاض "خليل" ورفضه لذلك العمل غير المجدي -من وجهة نظره- إلا أنه اتخذ موقفًا سلميًا وتابع بنفسه ما تقوم به الفتاتين، والحق يُقال أنهما كانتا مثالاً يحتذى به للأخلاق والجدية، التزمت كلتاهما في التعامل مع الجنس الآخر، وانشغلتا فقط بتأدية المطلوب منهما في سرعة ودقة..

إلى جواره، وعلى مقربة من العربة، جلست "حمدية" التي كانت أحشائها تحترق كمدًا من حيادية زوجها تتابع المشهد العبثي بنظراتها الناقمة؛ تارة تحدق في "خليل" شزرًا، وتارة أخرى تحملق في الاثنتين بسخطٍ متعاظم، نفخت متسائلة بنفاذ صبر وهي تهز ساقيها في عصبية:
-هو احنا هنفضل قاعدين الأعدة الهباب دي كده كتير؟
رد بفتورٍ دون أن يحيد بنظراته عن عربة الطعام:
-لو زهقتي روحي!

قالت بنبرة مستهجنة ووجهها متجهم الملامح:
-وأقعد لوحدي بوزي في بوز العيال؟
زفر ببطءٍ قبل أن يعلق بإيجازٍ:
-هانت يا "حمدية".
تابعت الأخيرة شكواها فأكملت وهي تحكم لف شالها السميك المصنوع من الصوف حول كتفيها لتحصل على الدفء:
-ده البرد نخر في عضمي، معنتش قادرة من كتافي.
رد على مضضٍ:
-اصبري.

أضافت بحقدٍ وعيناها تبرقان في غيظٍ:
-لأ وبنات أختك معندهومش دم! إن مافي واحدة عزمت علينا بسندوتش ولا حتة فطيرة سخنة تطري علينا، وهما مولعينها من بدري، آل يعني اللقمة دي هاتخسر معاهم!
زجرها مرددًا في تهكمٍ ساخر:
-بطلي طفاسة يا "حمدية"!
شقهت تعنفه مستخدمة يدها في الإشارة:
-طفاسة؟ لأ عندك! ده أنا جاية من بيت شبع يا "خليل"، أكل إيه اللي أبصله وعيني فيه؟! حاسب على كلامك معايا!
رد بضحكة مستهزأة من إنكارها الزائف:
-ما هو باين.

زمت شفتيها في حركة متأففة وهي تدور بعينيها على المارة مغمغة بعبارات ناقمة لم يفهم معظمها "خليل" إلى أن ضجرت من انتظارها الممل، لذا قالت مرة أخرى وقد نفذ صبرها:
-مش ناوي تقوم معايا؟
أجابها معاتبًا:
-وأسيب أختي وبناتها لواحدهم في الشارع؟
ردت عليه بازدراءٍ ونظراتها الاحتقارية تجوب أوجه ثلاثتهن:
-يعني هيجرالهم إيه، ما الناس حواليهم أد كده زي الرز، مش هياكلهم البعبع ياخويا!
أصر على بقائه مشددًا:
-بردك مايصحش، أنا هافضل معاهم.

أومأت بحاجبها تسأله بنبرتها المتنمرة:
-ده إيه الحنية اللي نزلت على قلبك دي؟ من إمتي الحب ده كله يا "خليل"؟
جاوبها بضيقٍ وقد غلف تعابيره الانزعاج:
-يعني عاوزة الناس تاكل وشي بعد ما اتعرف إن بنات "آمنة" فاتحين عربية أكل وأنا مش واقف جمبهم؟!!

لم تصدق بالطبع مبرراته الواهية التي يختلقها ليظهر اهتمامه الزائف بعائلته، فقالت ساخرة منه بحدية أكبر:
-وهما لما يشوفوك أعدلهم كده هيشجعوك؟ ده مش بعيد يقولوا عليك طرطور، أو آ.... ولا بلاش تسمع مني كلام يوجعك، لأحسن تزعل!
قال لها في نفاذ صبرٍ:
-انزلي عن دماغي يا "حمدية"، أنا مش ناقصك.
تمتمت ترد عليه وهي تزم شفتيها:
-حِكَم!

تابع "خليل" مضيفًا مشاركًا إياها ما يدور في عقله:
-أما أنا في مخي ترتيب حلو، لو مشى زي ما أنا عاوز هنطلعلنا بمصلحة!
سألته بفضول وقد توهجت نظراتها:
-ترتيب إيه ده؟ ما تقولي عليه!
رمقها بنظرة مزعوجة قبل أن يقول على مضض:
-ما أنا خايف لتبرمي فيها وتفسد!
زجرته بعصبية وقد هبت واقفة على قدميها:
-ليه؟ حد قالك إني بومة؟ خلاص يا إدلعدي مش عاوزة أعرف!

أمسك بها من معصمها ليستوقفها، ثم جذبها منه ليجلسها في مكانها وهو يقول مرغمًا:
-هاقولك وربنا يستر!
ادعت عدم اكتراثها، وأشاحت بوجهها للجانب لتظهر ضيقها، فأكمل بحذرٍ عارضًا عليها فكرته الخبيثة:
-دلوقتي الحاج "بدير" عليه دين في رقبته لينا، عشان اللي حصل من قريبه مع أختي، أنا عاوز أستغل ده بقى وأخد منه قرشين كده ندفعهم عربون لدكان محندق حاطط عيني عليه بقالي فترة، أل يعني بحجة إننا بنساعد البنات اليتامى بدل وقفتهم في الشارع
انتبهت له وسألته مستوضحة:
-أها، وبعدين؟

قال بإيجازٍ مليء بالغموض:
-ولا قبلين، هاجيب الدكان وأشغله لحسابي
رددت في قلقٍ:
-طب وبنات أختك، هتعمل معاهم إيه؟
أجاب ببساطة وكأنه قد أعد الرد مسبقًا:
-هخليهم يبيعوا العربية دي وأخد فلوسها واحطها في الدكان وتوضيبه.
-طب ما جايز يشبطوا فيه وتخسر المصلحة كلها!!
-مش هايحصل، ما أنا هاعمل الورق كله باسمي ويبقوا يقابلوني لو طالوا مني حاجة
حذرته من جديد بلهجة مغلفة بالجدية:
-إنت ضامن الحكاية دي؟ بنت أختك "فيروزة" مش عبيطة، ولا سهل يضحك عليها
استطرد محتقرًا قدراتها:
-دي جعجاعة على الفاضي، قطتها جمل، ومش هاتقدر تعمل حاجة.

كانت غير راضية عن استهانته بها، فعادت لتحذره:
-أنا بأنبهك بس، هي مش سهلة!
تقوست شفتاه قليلاً وأظهرت ابتسامة مغترة عليهما حينما قال عن ثقة كاملة:
-متقلقيش، جوزين أقلام مني على وشها هيربوها!
نظرة مطولة منها إلى وجهه الخبيث، بدت كما لو كانت تدرسه، ثم تنهدت قائلة:
-هانشوف.

بابتسامة عملية بحتة وإيماءة رأسٍ بسيطة مدت يدها بكيسٍ ورقي مليء بالسندوتشات من نافذة العربة نحو أحد الأشخاص المنتظرين ليحصل على طلبه، تلقت "فيروزة" النقود من شخص آخر ودونت في ورقة صغيرة ما يريد، ثم استدارت نحو أختها تسألها بتلهفٍ:
-أوردر 36 خلص؟
أجابتها "همسة" بلهاثٍ وهي تدور حول نفسها لتنجز عملها في أسرع وقت:
-بأقفله أهوو.

أشارت الأولى بالورقة الصغيرة التي في يدها متابعة حديثها:
-طيب في أوردر تاني مستعجل
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد عليها ويداها مشغولتان في تغليف السندوتشات بطريقة جذابة:
-ماشي.. هاعمله بعد ده على طول
-أوكي.

تطلعت "فيروزة" من النافذة مجددًا لتراقب وتقرأ ردات الفعل على أوجه الزبائن الذين لم يغادروا المكان بعد، وآثروا تناول السندوتشات على الكورنيش بجوارهم، رأت علامات التلذذ والاستحسان واضحة على محياهم، شعرت بالانتشاء والرضا لنجاحها في إرضاء جمهورها من الذواقة، استمرت في تحريك عينيها على باقي المنطقة إلى أن توقفت عند البقعة التي يجلس فيها خالها، لم تصدق بقائه حتى تلك الساعة، قالت في ذهول لاكزة أختها في جانب ذراعها لتنتبه لها:
-تصدقي يا "همسة" خالك لسه قاعد لحد دلوقتي!

رفعت الأخيرة عينيها لتنظر إلى الأمام باحثة عن مكانه وهي تقول:
-بتهزري!!
تابعت "فيروزة" جملتها بتأفف مشمئز:
-لأ والعقربة مراته لازقة فيه!
ردت عليها أختها تمازحها:
-تلاقيها مش رحمانا من كتر أرها علينا
أيدتها الرأي فاستطردت:
-ايوه، ربنا يستر من عينيها، ومن شر حاسد إذا حسد!
-يا رب، الأوردر جاهز للتسليم يا "فيرو".

قالتها وهي تناولها آخر ما أعدته من طعامٍ لتضعه في الكيس الورقي حتى يتسنى لها إعطائه لصاحبه، ولزمة معتادة منها مسحت كفيها في مريلة المطبخ التي تحاوط خصرها قبل أن تنظر مصادفة أمامها، وكأنها على موعد مع القدر، كانت أكثر إحساسًا بالتوتر والضياع، جحظت عيناها في ارتعابٍ منه حينما أبصرته أمامها يطالعها عن قصدٍ، جف حلقها وانتفضت عروقها خوفًا من قدومه المحمل حتمًا بالمشاكل، رددت مع نفسها في رجاءٍ كانت واثقة أنه لن يستجاب:
-شكل الليلة مش هاتعدي على خير، يا رب ما يجي هنا!

تراجعت تلقائيًا خطوة للخلف وقد بات بالفعل واقفًا أسفل نافذة العربة وكامل نظراته مرتكزة عليها أولاً قبل أن تتحول عيناها تلقائيًا وبشكلٍ آلي نحو "فيروزة" وقد هتف صائحًا بصوته الرجولي الأجش:
-سلامو عليكم...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثالثة عشر بقلم منال سالم


بخطواتٍ متهادية بطيئة وحذرة اتجهت "هاجر" إلى الأريكة لتستلقي عليها وقد بدا بطنها المنتفخ متدليًا بشكلٍ لافت للأنظار، وضعت صحن الفاكهة الذي قطعت ثماره إلى قطعٍ صغيرة في حجرها، وبدأت في تناوله واحدة تلو الأخرى، شعرت بعدم الراحة لجلوسها هكذا وساقيها تتدلى، لذا ثنيت ساقها اليسرى ووضعتها أسفل منها، وتطلعت إلى والدتها بنظرات عادية قبل أن تقول لها بلومٍ وفمها ممتلئ بالفاكهة التي تلوكها:
-إنتي غلطانة في الحكاية دي يامه، كان لازم تبلغوا البوليس!

زمت "ونيسة" شفتيها قائلة في حيرة وضاربة بظهر كفها على الآخر:
-وأنا كنت هاعمل إيه وأبوكي مصمم على اللي في دماغه؟!
قالت وبقايا الطعام تتناثر من جوفها:
-كنتي تقوليلنا واحنا نتصرف.
بدت أمها كما لو لسعتها حية فانتفضت بجزعٍ تقول:
-إنتي عاوزاه يغضب عليا؟
ثم التقطت أنفاسها لتهدئ من حالتها المرتاعة لتضيف في ندم:
-بقى دي جزاتي إني حكيتلك؟
-لأ يامه، بس احنا خايفين عليكي.


 
ردت بصوتٍ متهدج متذكرة إحساسها الشديد بالارتعاب لمعايشة تلك الذكرى من جديد، حتى وإن كانت متجسدة في مخيلتها:
-متفكرنيش يا "هاجر"، ده أنا حالتي كانت حالة، ولسه وحياتك لحد دلوقتي!
تجشأ "محرز" بصوت مزعج بعد أن انتهى من تجرع زجاجة المشروب الغازي على دفعتين وهو يستدير في اتجاه حماته ليعلق بسخافةٍ، وكأن الأمر يعنيه حقًا:
-يا حاجة كده احنا ادينا الحرامي ده فرصة يعلم علينا، والكلام لو اتنتور واتعرف في الحتة شكلنا مش هايبقى حلو.


 
أدارت رأسها في اتجاهه لترد عليه:
-عمك الحاج هيتصرف
استطرد متسائلاً وهو ينظف ما بين أسنانه بظافر إصبعه الصغير:
-و"تميم" يعرف على كده؟
اتسعت عيناها تحذره بلهجةٍ جادة:
-بالله عليك ما تقوله يا "محرز"! احنا مش عاوزين نعكنن عليه وهو لسه عريس جديد بيشم نفسه مع مراته، مش هايبقى محطوط في مشاكل من أولها!
رد على مضضٍ:
-ما هو هيضايق لما يسمع من برا، ويجي يعتب علينا!


 
قالت مؤكدة عليه في نبرة أقرب للرجاء حتى لا يتسبب في إحداث مشكلة دون داعٍ:
-ما أنا قولتلك محدش يعرف، وإنت ماتقولوش خالص، ولا كأن في حاجة حصلت، ماشي يا ابني؟
بينما هتفت "هاجر" توصيه هي الأخرى ومدعمة لوالدتها في رغبتها:
-خلاص يا "محرز"، هما أدرى بمصلحتهم.
هز رأسه بإيماءة مستسلمة يقول لهما:
-ماشي يا حماتي، اللي يريحك.


 
نظرت له "ونيسة" في امتنانٍ بالرغم من القلق الذي اعتراها بعد أن أطلعتهما على ما حدث في المنزل من سرقةٍ قبل بضعة أيام، دعت الله في نفسها ألا يتفوه أحدهما ولو مصادفة بشيء ل "تميم" أو والده فتتعرض هي للتوبيخ، أشاحت بعينيها بعيدًا عن وجه "محرز" لتنظر إلى ابنتها متسائلة في اهتمامٍ:
-هننزل امتى نشتري حاجات النونو؟

أجابها بتنهيدة متعبة:
-يومين كده ولا حاجة يامه، أكون بس شديت حيلتي شوية.
حركت رأسها في تفهم، وابتسمت تدعو لها:
-على خيرة الله، ربنا معاكي ويقويكي، ويرزقك بساعة سهلة من عنده.


 
مسحت بمنديل ورقي اللوح الرخامي الممتد أمامها حتى تزيح أي بقايا لزجة عالقة به فور أن عبأت السندوتشات في الكيس الورقي لتكتمل مهمتها في تجهيز الطلب وإعداده للاستلام قبل أن ترفع رأسها وتنظر إلى ذاك الشخص المرابط أسفل نافذة العربة، دققت "فيروزة" النظر في ملامحه المألوفة، عرفته دون عناءٍ في التفكير، إنه العريس الذي دُعيت والدتها لحضور حفل زيجته منذ أيام، وبابتسامةٍ روتينية بحتة سألته:
-أيوه .. أؤمر حضرتك، إيه طلباتك؟!

انتصب "تميم" في وقفته الرجولية المهيبة يجوب بنظراته شكل العربة من داخلها وخارجها وكأنه مفتش من الصحة يبحث عن النواقص والعيوب قبل أن يكتب تقريره النهائي، تأملته "همسة" في خوفٍ مبرر، فسكوته ونظراته المريبة تؤكد لها وجود خطب ما، ناهيك عن معرفتها الجيدة بحمية أختها وتعصبها الزائد لما يخصها، تضرعت بتوسلٍ للمولى أن يمر الأمر على خير، خاصة أن اللقاء السابق معه لم يبشر بخير. أطاح "تميم" برجاواتها حينما هتف متسائلاً بوقاحةٍ منقطعة النظير مستخدمًا يده في الإشارة:
-إنتو بقى اللي مدورين الليلة دي كلها؟


 
وضعت "همسة" يدها على جوفها لتمنع شهقة مصدومة من الخروج عقب جملته الموحية تلك والتي حتمًا ستشعل جذوة الشجار، كانت مرتعدة من ردة فعل أختها التي لن تقبل بتلميح صريحٍ ومسيء كهذا، التفتت نحو "فيروزة" لتجدها قد جحظت بعينيها في ذهولٍ مستنكر لتلاعبه بالألفاظ والإشارة لكون الاثنتين تفعلان ما يشين، احتدت نظراتها نحوه ورمقه بنظرة عدائية شرسة قبل أن تصيح في وجهه بصوته مرتفع وغاضب:
-ما تحترم نفسك يا جدع إنت! إيه الكلام ده؟ يعني إيه مدورينها؟

أجابها ببرودٍ وقد قست نظراته هو الآخر:
-يعني زي ما فهمتي يا أبلة!
استشاطت حنقًا من اتهامه الباطل الذي يمس سمعتها دون وجه حق، فتشنج صوتها، ولوحت بذراعها وهي تهاجمه وقد انحنت من النافذة نحوه:
-اخرس، قطع لسانك إنت واللي زيك، إنت جاي تقل أدبك علينا هنا؟
بدا فجًا للغاية وهو يتابع وكامل نظراته المزدرية تدور في المكان بشكل ينم عن نفوره:
-أومال تسمي اللمة اللي هنا دي؟ دي معجنة! حريم على رجالة، والسايب في السايب.

اشتعل وجهها واربد بغضبه المستعر، اعتقدت أنه واحدًا من المتسكعين اللزجين الذين يظهرون وقاحتهم مع الناس لترتعد، ردت تحذره بحديةٍ حتى توقفه عند حده، فلا يتمادى معها:
-لأ عندك، أنا مسمحلكش!
ثم اتجهت إلى باب العربة دافعة أختها للجانب لتتنحى عن طريقها، توسلت لها الأخيرة باستماتة والرعب يشع من عينيها المذعورتين:
-بلاش يا "فيروزة"، خليكي معايا، ده شكله بلطجي!
ردت حاسمة أمرها ودون أن تلتفت لها:
-مش سيباه برضوه!

هبطت عن العربة لتغدو في مواجهته، لم تكن بصاحبة القامة القصيرة لتخشاه، بدت أقرب طولا إليه، تطلعت إليه في عدائية بائنة، وهتفت مدافعة عن نفسها بقوةٍ وذراعها يلوح في الهواء:
-الكل واقف باحترامه هنا، محدش يجرؤ يعمل حاجة غلط، ولا حتى يقدر...
قست نظراتها أكثر نحوه حينما استأنفت جملتها قاصدة إهانته بشكلٍ فج يليق بتصرفه:
-بس في ناس تفكيرها قذر.. زيك كده .. مفكرة الكل مش مظبوطين!

نظر لها شزرًا وقد احتقنت عروقه بدمائه الثائرة، حدجها بنظرة احتقارية جابتها من رأسها لأخمص قدميها وهو يسألها بلهجةٍ ذات مغزى:
-وإنتي بقى اللي مظبوطة؟
صرخت فيه تهدده بسبابتها وعيناها تطقان شررًا:
-اخرس قطع لسانك، انسان مش محترم!
ثم ما لبث أن هددته بعدوانية يستحقها:
-اقسم بالله لو ما مشيت من هنا لأفرج عليك الناس وأمسح بكرامتك الكورنيش ده كله وألبسك مصيبة وقتي!
هتفت "همسة" لها من بعيد وقد تخلت عنها شجاعتها:
-سبيه يا "فيروزة".

لم تستدر نحوها وظلت تحملق فيه بقوة لا تعرف من أين أتتها، لكنها تخرج دومًا في الوقت الصحيح حينما يتم استفزازها، وبالرغم من استبسالها في الدفاع عن خاصتها إلا أنها كانت متوترة من ردة فعله المجهولة، وباتت هواجسها عن كونه أحد أولئك المتعاطين للمواد المخدرة كبيرة، فحينما يلعب المخدر برأس أحدهم يصبح في حالة جنونية وغير واعية، وبالتالي يفتعل المشاجرات مع الأبرياء من أجل مساومة حقيرة، أو فرض رسوم جباية لا حق لهم فيها ليحصل على الأموال التي يريدها بطريقة سريعة وغير شريفة. تحلت بشجاعتها وأخفت قلقها لتنظر له في تحدٍ وقوة، تقوست شفتا "تميم" قليلاً لتظهر بسمة تهكمية قبل أن يرد عليها عن ثقة مُربكة لها:
-هانشوف مين هايمشي، لأنك مش هاتفضلي هنا كتير.

لوحت بيدها في وجهه تصيح بنبرة مستهجنة:
-إنت مين أصلاً عشان تتكلم ولا تهددني؟
ثم أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تستهزأ به :
-أيوه صح، إنت عريس الغفلة!
هددها بسبابته وهو يكز على أسنانه:
-لمي نفسك معايا.
ردت غير مبالية:
-غلطان وبتبجح؟

لم تعبأ بمظهره الغاضب وتعابيره المحمومة ووقفت له الند بالند حتى لا يستضعفها، حانت منها نظرة سريعة خلف كتفه فرأت بعض الشباب مجتمع في الخلف، ربما إن تطور الأمر لرفعت نبرتها واستعانت بهم ليبعدوه، أشعرتها تلك الفكرة بالارتياح قليلاً، في حين أحس "تميم" بالمزيد من الغيظ يتعمق فيه مع كلماتها التي تنتقص من قدره، وتهينه بشكلٍ قاسٍ.

أمعن النظر فيها والحيرة تداعب عقله، وخاصة فيما هو متعلق بجراءتها الأنثوية التي تناقض كليًا طبيعة زوجته الساهمة المستكينة التي تكاد تفني عمرها لأجل الحصول على ابتسامة صغيرة منه. عاد من شروده السريع على صوتها المكمل وقد استبد بها حنقها:
-أنا ورقي كله قانوني، وماشية سليم! ولو مفكر بالشبورة اللي إنت عاملها دي هخاف تبقى غلطان، أنا أد عشرة من عينتك! ويا ريت تبطل الهباب اللي بتشربه ده
ابتسم لها في استخفافٍ بعد آخر ما تلفظت به، يا للسخرية! هي تظنه متعاطيًا لأحد السموم البيضاء، اندلع غضبها أكثر منه، ولم تعد تتحمل استهانته بها، لذا وجدت "فيروزة" نفسها تتلفت حولها باحثة عما يمكن أن تستخدمه لتضربه بها حتى تزيحه عن طريقها.

توقفت أنظارها عندما وجدت دلوًا مليئًا بمياه غسل أدوات الطهي، على الفور تحركت ناحيته لتحمله، ثم قذفته دون تفكير في وجهه لتغرقه به وهي تطرده:
-اتطرأ من هنا، السكة اللي تودي.
تفاجأ "تميم" بفعلتها غير المتوقعة تلك، وانتفض كليًا مع إغراق ثيابه بالمياه المتسخة، هدر بها في هياجٍ مبرر:
-إنتي اتجنني!!!!

لطمت "همسة" على صدغيها في هلع، وقد تفاجأت هي الأخرى بتصرفها، ارتدت خطوة للخلف تقول في نفسها أن حربًا ضروسًا اندلعت بينهما، ولن يوقفها أحد .. صاحت "فيروزة" وابتسامة انتصار ممتزجة بالشماتة تتراقص على محياها ودون أن يبدو عليها أدنى بادرة ضعفٍ أو تراجع:
-خلي المياه الوسخة تنضف الأشكال الضالة وتشيلها من هنا.

صعد معه الدرجات في تمهلٍ متبادلاً معه حديثًا مقتضبًا قبل أن يصل إلى الطابق الكائن به منزله، بدا ضيفه مشغولاً بدراسة المكان وفحص كل زاوية وركن بعناية فائقة، حتى أن هيئته كانت تعبر عن اشتغاله بوظيفة في جهاز حساس بالرغم من تقلده لبدلة عادية. دس "بدير" يده في جيبه ليخرج مفتاحه منه، ثم وضعه في القفل الخاص به ليديره وينفتح الباب، ثم تنحنح عاليًا بصوته المميز ليعلن عن وصوله قبل أن يبادر مرحبًا بضيفه:
-اتفضل يا باشا.

تأهبت حواس "ونيسة" مع سماعها لصوت زوجها، وعدلت من وضعية حجاب رأسها عليها، رسمت ابتسامة لبقة على شفتيها تقول في ودٍ وقد رأت اللواء "وفيق" يمرق للداخل:
-يا مرحب بالضيف الغالي، أديلنا زمن ماشوفنكش يا باشا
قال مجاملاً:
-إزيك يا حاجة، إنتي عارفة ورايا أشغال كتير، واللي زينا مالوش راحة.
دعت له بصدقٍ:
-ربنا يقويك وينصرك على مين يعاديك يا سعادت الباشا
تساءل "بدير" في اهتمامٍ وعيناه تمسحان المكان:
-أومال أبويا فين؟

جاوبته مسترسلة في ردها:
-صلى العشا ونام، و"هاجر" وجوزها كانوا هنا من شوية ونزلوا.
أومأ برأسه في تفهمٍ:
-طب تمام.
أضاف "وفيق" يطلب منها وهو يمسح على شاربه الكث ليهندمه بلزمة التصقت به:
-معلش يا حاجة هنتعبك شوية، عاوزين فنجانين قهوة كده مظبوطين!
ردت على الفور:
-عينيا، دقيقة ويكونوا عندكم في الصالون، اتفضل ارتاح.

هز رأسه في تهذيبٍ واستدار متجهًا إلى غرفة الصالون حيث قام زوجها بإضاءة أنوارها ليجلس فيها بصحبته، دقائق وعادت زوجته ومعها فنجانين من القهوة وضعتها على المائدة الرخامية المستديرة التي تنتصف الأرائك، ثم انصرفت في هدوء ليبدأ بعدها "وفيق" في تناول خاصته وهو يستأذن بهدوءٍ يعكس جديته:
-عاوزك يا حاج "بدير" توريني أوضة النوم، محتاج أشوف الدرج اللي اتكسر وأعاين المكان.
وافق دون نفاش مشيرًا بيده:
-اتفضل، اعتبر البيت بيتك.

تناول رشفة أخرى من فنجان قهوته، واستند على مرفقيه لينهض من جلسته الاسترخائية ليسير عبر الردهة متجهًا إلى غرفة النوم، قام بفحص الشفونيرة بتأنٍ وهو يسأل "بدير" بضعة أسئلة تحقيقية، وأجابه الأخير بكل ما يعرفه، وما إن فرغ منها حتى طلب الذهاب إلى المطبخ للنظر إليه، فكعادة أغلب اللصوص دومًا يقتحمون المنازل من نوافذ المطابخ أو الحمامات، لأن تلك الأماكن مهملة إلى حد كبير من قبل سكان البيت، وتعد بمثابة نقطة الضعف التي يستغلها السارق للولوج للداخل. تساءل "وفيق" بلهجة اكتسبت طابعًا رسميًا وأنظاره مرتكزة على بقعة ما بالأسفل:
-في حد بيستخدم البلكونة دي؟

أجابه نافيًا:
-لأ معتقدش
مط فمه يفكر في أمر ما، ثم عاد يسأله:
-مين غريب بيجي عندك يا "بدير"؟
استغرقه الأمر لحظة ليجيبه مستفهمًا:
-زي مين يعني؟
أجابه ببساطة:
-واحدة بتيجي تنضف مثلاً، عامل بتبعته بطلبات البيت، آ..
أجابه مستفيضًا في الرد.

-لأ مافيش، أنا اللي بأجيب الحاجة بنفسي، يا ابني "تميم" ببعته بالطلبات كل أسبوع، وحتى "أم علي" الست اللي بتيجي تساعد الحاجة "ونيسة" في تنضيف البيت كل فترة بتبقى الحاجَّة واقفة على إيدها لحد ما تخلص وتمشي.
هز رأسه معقبًا عليه:
-مفهوم.
سأله "بدير" ليطلع على ما يدور في رأسه من تفكير محلل للأحداث:
-رأيك ايه يا "وفيق" بيه؟

تنحنح مجيبًا إياه بعقلانية:
-واضح أوي من المعاينة يا "بدير" إن الحرامي دخل من هنا...
ثم أشار بيده نحو الزاوية المهمشة ليسير الاثنان نحوها بجوار الشرفة، تقدم "وفيق" أولاً ليقوم بفتحها بعد أن أزاح ما يعيقه، اعتلى ثغره ابتسامة ساخرة حينما رأى بقايا آثار أقدام موجودة في الأنحاء وتحدد بوضوح كيف جاء وانصرف اللص، وذلك بسبب تراكم الأتربة التي تحولت لطين بفعل الأمطار الغزيرة، أومأ بعينيه نحوها يقول:
-بيتهيألي إنت شايف اللي أنا شايفه، رجليه باينة إزاي هنا وهنا، وده معناه إنه طلع من المنور ونط لفوق عشان يوصل للبلكونة دي، ومنها دخل للشقة
علق في غيظٍ:
-ابن الأبلسة.

التفت نحوه متابعًا تفسيراته الشرطية وقد بدا على وجهه علامات التفكير العميق:
-هو أكيد عارف المنطقة كويس عشان يقدر ينط من هنا ويوصل للي عايزه بدون ما يعمل قلق، أو حتى حد يشك فيه لو شافه طبعًا، ده غير إنه عارف كمان إن مافيش حد فيكم كان موجود السعادي في البيت.
-مظبوط.

-قولتلي إن الحاجة كانت إيدت قريبك اللي شاكك فيه فلوس؟
-أيوه، ده الوحيد اللي دخل الأوضة، وبعدها حصلت السرقة
-عارف إنت لو كنت بلغت عنه كان اتقبض عليه
رد على مضض وقد اربد وجهه بتعبيراتٍ متأففة:
-مكانش ينفع، بس أنا عارف أربيه إزاي!

أوصاه "رفيق" بلهجة يشوبها الجدية:
-عمومًا لازم تاخد بالك عشان مايتكررش الموضوع ده تاني معاك، وأمن المكان كويس
رد دون جدال وعيناه تجولان على وجهه:
-هيحصل إن شاء الله!

دقائق غاب فيها من أجل شراء المثلجات لزوجته اللحوح حتى تكف عن تذمرها المستمر؛ والذي أصاب رأسه بالصداع. اصطحب معهما أخته كنوع من إظهار لطفه لها قبل أن يوصلهما للمنزل ليعود ويجد ذاك المشهد المتأزم نصب عينيه، سقط كوب المثلجات عن يده وتبعثرت محتوياته على الرصيف ليهرع بعدها نحو "فيروزة" التي على ما يبدو تتشاجر مع أحدهم، تساءل "خليل" بصوته العالي الذي سعى ليكون خشنًا متحشرجًا:
-في إيه بيحصل هنا؟

تسمرت قدماه وتصلب في مكانه مصدومًا وقد رأى وجه "تميم" الغاضب أمامه، كما تلاشى تفكيره لحظيًا، ابتلع "خليل" ريقه الذي جف وارتجفت أوصاله وقد جاء صوته مهددًا بقوةٍ:
-هتتحاسبي على ده.
انخفضت نظرات "خليل" نحو ثيابه المبتلة، أدرك أن ابنة أخته قد ارتكبت كارثة خطيرة، وعبثت مع من لا يجب المزاح معهم، اقترب منه محاولاً استرضائه وهو يعتذر منه لاعقًا شفتيه بصوته الذي كان يهتز توترًا منه:
-"تميم"، هو إنت؟ معلش يا ابن الكبير، حقك عليا أنا، ده اللي ما يعرفك يجهلك، وإنت سيد الناس.

اغتاظت "فيروزة" من وقوفه في صفه واعتذاره النادم منه دون أن يفهم حقيقة الأمر؛ وكأنها هي المخطئة، فهتفت تعاتبه بحدةٍ مشيرة بإصبعها في احتقار ل "تميم":
-إنت هتعمل لده قيمة يا خالي؟
برزت حدقتاه خوفًا من بشاعة هجومها الضاري عليه، رمقها بنظرة حانقة يصرخ بها والخوف زاده توحشًا معها:
-يا بت اسكتي وابلعي لسانك! احنا هنروح في داهية كده!
قالت في احتقارٍ أكبر، وتلك النظرة المستهزأة تعلو وجهها:
-مع ده؟ ولا يقدر يعمل حاجة!

بقيت أنظارها النارية عليه وهي تتابع:
-ده أنا هوديه في داهية وهاعمله محضر عشان يتربى.
تمالك "تميم" أعصابه المحتقنة حتى لا ينفجر فيها ويحرق الأرض بمن عليها ليخمد ثورته، لم يستطع وصف مشاعره التي جمعت بين الكثير من التناقضات في نفس الآن بسبب تهورها الأرعن؛ خليطٌ عجيب من الذهول، والغضب، والمهانة، والانتقام. كتم غضبه قائلاً لها بما لا يدع مجالاً للشك أنه سينتقم وبقساوة:
-اللي عندك اعمليه!

تدخل "خليل" يرجوه:
-امسحها فيا أنا، دي بت غبية مابتفهمش.
نظر له "تميم" بعينين غائمتين تنذران بشررٍ مستطر، ولكن صوت "فيروزة" المرتفع أفسد محاولته البائسة لتحجيمه عندما رددت غير مكترثة بتبعات جريرتها:
-ماتعتذرلوش يا خالي؟ ده واحد بجح وشارب، جاي يقول شكل للبيع ويخانقنا ويقول هتتحاسبي وكلام فارغ مالوش معنى!
ثم وضعت يدها أعلى منتصف خصرها متابعة تحديها له:
-طب وريني هتعمل إيه يا سبع البورمبة! البلد فيها قانون يفرف يلم اللي زيك ويحطهم في السجن!

بذل "تميم" مجهودًا خارقًا ليحجم من غضبه الذي خرج عن السيطرة وانعكست بوادره في نظراته القاتمة، زجرها قائلاً وقد همَّ بالانصراف:
-الأيام بينا، وهتشوفي!
تحرك بعدها مبتعدًا عن ساحة الكورنيش التي امتلأت بعشرات المتابعين ونظرات "خليل" المذعورة تتبعه، التفت نحوها قابضًا على ذراعها يهزها منه بعنف وهو يصرخ عاليًا:
-إيه يا بت اللي عملتيه ده، احنا كده وقعنا في مشاكل مع عيلة "سلطان"!!
ردت غير مبالية وهي تنفض ذراعها لتتخلص من قبضته:
-يوريني، وأعلى ما في خيله يركبه!
ازدرد "خليل" لعابه بصعوبة وغمغم مع نفسه في ضعفٍ واضح أزعج "فيروزة":
-استر يا اللي بتستر، كل حاجة كده ضاعت!

استطردت ترد عليه:
-متقلقش منه، أنا ....
هدر في عصبيةٍ:
-بس، اسكتي خالص، إنتي مش عارفة النصيبة اللي وقعتينا فيها.

-ايه اللي حصل هناك؟
تساءل "ناجي" في فضولٍ يأكله بعد أن رأى مقتطفات من المشاحنة التي دارت بين رفيقه وتلك الفتاة التي تعمل بالعربة دون أن تتضح الصورة لهن اتخذ موقفًا محايدًا حتى يعود إليه ويتقصى عن الأسباب، في البداية تجاهله "تميم" ولم يرد عليه واستمر في سيره المتعصب ليبتعد عن المنطقة قبل أن يستفزه أحدهم بتعليق مازح يجبره على الفتك به، وهو بالكاد قاب قوسين أو أدنى من التصرف برعونة ورد الصاع صاعين لمن يتجرأ على العبث معه. ألح عليه "ناجي" حتى يشبع رغبته في معرفة التفاصيل، لكن ثمة غمامة مخيفة بدت ظاهرة في صوت رفيقه وهو ينهره مقتضبًا في حديثه:
-قولتلك بعدين.

شعور مزعج راح يضرب كيانه فأصابه بالتخبط والانزعاج، لم يجد التفسير له، لكنه وضعه في حالة ذهنية غير تلك التي اعتاد عليها، ناهيك عن إحساسه المتقد بالغضب الأعمى. اقترح عليه صديقه بطيش حينما تأمل ما يجيش على وجهه من تعابير مخيفة:
-لو عاوزني أربي البت اللي قلت أدبها عليك دي، فأنا جاهز و....

توقف "تميم" عن المشي ليدير رأسه في اتجاهه، ثم قاطعه بصوته المائل للتشنج ونظراته الصارمة مثبتة عليه:
-وأنا من إمتى بأخد حقي من الحريم يا "ناجي"؟!
رد عليه غير مبالٍ بما هو متبع في عُرفه الملتزم بالأصول:
-خلاص، سيبني أنا أتعامل بطريقتي، وملكش دعوة.
حذره بحزمٍ صريح وقد اشتدت نظراته قتامةً وشراسة:
-متدخلش يا "ناجي"! مفهوم؟

هز رأسه بغير اقتناعٍ ليرضيه مؤقتًا، لكنه كان عازمًا في قرارة نفسه على الاقتصاص له، ومع هذا قال له ليريحه:
-ماشي يا صاحبي.
-سلام، هاكلمك تاني
-مستنيك يا كبير.
كالبركان الثائر قطع "تميم" طريقه عدوًا ليتجه إلى منزل عائلته حتى يبدل ثيابه، فإن ذهب إلى زوجته وهو في تلك الحالة المريبة حتمًا لن يسلم من تساؤلاتها التي ستجدد غضبه وبقوة، وربما يضطر لصبه فيها وتصبح هي ضحية إفراغ شحنته المكبوتة، لذا الأسلم لها وله أن يأخذ فاصلاً بعيدًا عنها حتى يستعيد زمام أمره...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الرابعة عشر بقلم منال سالم


ذهب إلى منزل أسرته ليبدل ثيابه بالقديم الموجود في دولابه حتى لا يعود إلى زوجته وهو بتلك الحالة الرثة فيثير فيها الشكوك والتساؤلات الكثيرة، وهو حاليًا في غنى عن تحقيقها المستفز الذي لن يجني منه سوى استثارة أعصابه من جديد وتذكيره بما يحاول تجاوزه. سحب "تميم" منشفة قطنية نظيفة مسح بها وجهه بعد أن غسله بالماء والصابون، ثم اتجه إلى غرفته لينزل ثيابه الخارجية، تبعته والدته تسأله بعد أن أعدت له مشروبًا دافئًا:
-حصلك ده من إيه يا ابني؟


 
أجابها في اقتضابٍ وتلك الملامح المتجهمة ما تزال مرسومة على وجهه:
-ولا حاجة يامه.
أسندت الصينية الصغيرة على طرف التسريحة، وسارت في اتجاه الفراش لتجلس على طرفه، رفعت رأسها تتطلع إليه وهي تسألها بفضولها الأمومي القلق على أحوال فلذة كبدها:
-اتخانقت مع "خلود"؟
جاوبها بما يشبه التهكم:
-يامه دي غلبانة ولا تقدر تهش دبانة!


 
صمتت لحظة تفكر مليًا في حيرة، فابنها عاد متأخرًا في تلك الساعة وثيابه في حالة يرثى لها، وعلى وجهه تعبيرات غاضبة، لم يتشاجر مع زوجته، إذًا الدافع شيء آخر تخشاه، وبكل عفوية ونزق هتفت ونظرات الخوف متشكلة في عينيها:
-بس! يبقى إنت اتخانقت تاني مع حد من بلطجية السوق! ده اللي حصل ومش عاوز تقولي
استدار نافيًا:
-لأ
ألحت عليه بإصرارٍ ونظراتها بالكامل مرتكزة عليه:
-أومال إيه اللي بهدلك كده؟ قولي يا "تميم" وطمني!


 
جلس إلى جوارها على طرف الفراش، انتصب بكتفيه وأجابها بابتسامة لطيفة:
-دي حاجة بسيطة يا أمي، ما تحطيش في دماغك.
ردت بغير اقتناعٍ وقد وضعت يدها على صدغه تتحسه:
-شكلك رجعت لشغل اللبش تاني والخناقات ومش عاوز تقولي.
أكد لها بصدقٍ:
-أبدًا والله.
سألته في عتابٍ:
-أومال ليه عاوزني تتعبني معاك ومش مريح قلبي؟ شكل في نصيبة حصلت وإنت مخبي عليا! ده أنا أمك وقلبي عليك، متزعلنيش يا ضنايا!


 
أدرك "تميم" أنها لن تكف عن ملاحقته بأسئلتها إلى أن يجاوبها بما يثلج صدره، تنفس ببطءٍ ثم أوضح لها بسلاسة ودون أن يتعمق في التفاصيل:
-يا ستي والله أنا كنت مع "ناجي" صاحبي، سهرانين شوية، بس مشكلة كده بسيطة حصلت، وخلاص اتحلت وكله تمام
تنهدت "ونيسة" في ارتياحٍ، ثم قالت له وهي تربت على فخذه:
-كملها بالستر معانا يا رب، ده أنا مصدقت إنك رجعت تاني لحضني وبقيت جمبي وسندي، مش هاستحمل حاجة تجرالك.

انحنى ابنها ليمسك بكف يدها المجعد، رفعه إلى فمه ليقبله، ونظر إليها يقول لها ببسمة صغيرة:
-اطمني يامه، مافيش أي حاجة تخوف.
ثم نهض من جوارها ليمسك بالمشروب الدافئ ليرتشفه، تجرعه على مرتين، وتركه في مكانه بالصينية ملتفتًا نحو والدته، سألها في اهتمامٍ:
-قوليلي يامه فين أبويا؟
أجابته بتلقائيةٍ:
-جه أعد شوية مع اللواء "وفيق"، وبعد كده لفوا في البيت ونزلوا.


 
استغرب كثيرًا من حضور ذلك الضيف الذي لا يأتي دومًا إلا عند حدوث مشكلة خطيرة، مثل قضيته قديمًا، كذلك كانت كلماتها الأخيرة مُدعاة للتساؤل والحيرة، فماذا تعني بقولها أخذ جولة بأنحاء المنزل؟ دقق النظر فيها متسائلاً:
-ليه؟
شهقة خافتة خرجت من جوفها بعد أن انتبهت لما تفوهت به، حاولت الهروب من أنظار ابنها المسلطة عليها، وأدارت وجهها للجانب الآخر لتدمدم بتلعثمٍ ملحوظ:
-هه! م.. مافيش .. حاجة.

ساورته الريبة من طريقتها المكشوفة لتخفي عنه الأمور، سألها بجديةٍ وهو يدنو منها:
-إنتي مخبية عليا حاجة يامه؟
لعقت شفتيها مدعية كذبًا وقد شحب لون بشرتها:
-لا يا ابني.
تفحص وجهها المرتاب قائلاً لها بلهجته التي غلفها الجدية:
-شكلك بيقول غير كده، في إيه؟
لم تستطع النجاة من حصاره، فقالت في استسلام وهي توصيه بتلهفٍ خائف:
-أصل.. يعني .. بس بالله عليك ما تجيب سيرة لأبوك ولا تقوله إني عرفتك، أنا مش عاوزاه يضايقك
علق بنفاذِ صبرٍ:
-قولي يامه حصل إيه!


 
زاغت نظراتها قليلاً، حاولت أن تبدو جلدة، متماسكة، لكنها فشلت، فخوفها الغريزي ما زال موجودًا بها، لهذا أجابته بتردد وهي تزدري ريقها:
-يعني.. آ... من كام يوم كده واد ابن حرام .. سرقنا.
هتف في ذهولٍ غير مصدق ما تلفظت به:
-نعم، اتسرقتوا؟!
بررت له بصوتها المهتز:
-أيوه، بس أبوك مسكتش وتقريبًا عرف هو مين، بس مش عاوز يقول و...

اربد وجهه بحنقٍ شديد لإخفاء الأمر عليه، شعر بدمائه تثور عما كانت قبل قليل لمجرد تخيل اقتحام أحدهم للمنزل، وربما اعتدائه على من فيه بالقتل أو ما شابه، ثارت ثائرته، وقاطعها منفعلاً:
-وأنا كنت فين؟ وإزاي محدش قالي؟
نهضت من جلستها لتقف قبالته، طالعته بعينيها المتوترتين، وقالت له في يأس عل ثورته تخبو:
-بسيطة يا "تميم"، عدت على خير.
صرخ بها في هياجٍ مبررٍ له أسبابه:
-تتسرقوا وأنا ولا دريان وتقوليلي بسيطة يامه؟؟!!

نظرت له في صمتٍ عاجز، فله كامل الحق في أن يغضب ويعاتبها، نكست "ونيسة" رأسها في حرجٍ منه، بينما استأنف "تميم" صياحه الغاضب يسألها في لومٍ شديد:
-طب وكنتوا مستنين أعرف من برا؟ للدرجادي أنا غريب عنكم؟
لامست جملته الأخيرة قلبها وبدت كالخنجر المسموم فوخزتها بقسوةٍ فيه، رفعت رأسها تنظر إليه في إنكارٍ، ثم دافعت عن موقفها قائلة بنظرات تحتبس الدموع:
-متقولش كده يا ضنايا، غريب إيه بس، متوجعنيش بكلامك ده، إنت بس كنت ملبوخ مع عروستك واحنا محبناش نقلقك ولا نزعلك في شهر العسل.

زاد وجهه احمرارًا من غضبه المتعاظم بداخله، واستطرد مرددًا بصوته المتعصب:
-محروق الجواز، إنتو أهم عندي.
ربتت على كتفه تتوسله:
-اهدى طيب.
نفخ في غيظٍ، ثم سألها مستوضحًا حتى لا يبقى غافلاً عما يحدث من وراء ظهره:
-وبلغتوا البوليس ولا عملتوا ايه؟
أجابته على حسب عِلمها:
-أبوك قال هيتصرف!

نظر لها بعينين مخيفتين، كان غضبه قد بلغ ذروته، تكالبت المصائب على رأسه فجعلته شبه فاقد للسيطرة على انفعالاته، اندفع في عصبيةٍ إلى خارج الغرفة، تبعته والدته لتلحق بخطواته المتعجلة وهي تسألها:
-إنت رايح فين دلوقت؟
أجابها دون أن يستدير نحوها:
-هانزل أشوف أبويا وافهم منه اللي حصل
أمسكت به من ذراعه لتستوقفه وهي ترجوه:
-لا بلاش، ده موصيني مقولكش، وحتى أختك لما عرفت حلفتها ما تجبلكش سيرة.

تطلع إليها في استنكارٍ، كان ما باحت به قد أذهله، غامت نظراته يعاتبها بخشونةٍ:
-يعني "هاجر" عرفت وأنا لأ.. وطبعًا النطع جوزها عارف بالحكاية، وأنا بقى اللي في الطراوة!
بدأت والدته في فاصلٍ من النواح، فقالت وهي تضرب على صدرها بكفيها:
-يعني دي غلطتي إني عرفتك؟ أعمل إيه بس يا ربي!
انزعج أكثر وساءت حالته المتشنجة من أسلوبها الباكي في استجدائه، ازدادت نبرته عصبيةٍ وهو يسألها:
-يامه يعني نسيب ابن الحرام ده يعلم علينا من غير ما نجيبه ونربيه؟!

ردت تجيبه عله يتراجع عما ينتوي فعله:
-وأبوك راح فين؟ ما هو مش ساكت، وقالب الدنيا
تقلص وجهه أكثر وهو يجاهد حتى يستعيد التحكم في انفعالاته الهائجة، أخرج زفيرًا بطيئًا من صدره قبل أن يسألها:
-والمبلغ اللي اتسرق كبير؟
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه:
-لأ، ربنا ستر.. كانت حاجة بسيطة.
قال في استهجانٍ:
-بسيطة ولا كتيرة، ابن ال ..... لازم يتجاب من قفاه!

التف سائرًا بخطاه المائلة للعدو نحو باب المنزل، سألته والدته من خلفه في تلهفٍ مرتعد:
-إنت رايح فين دلوقتي؟ إنت وعدتني متعرفش أبوك!
توقفت يده على مقبض الباب، أدار رأسه نحوها يقول:
-خلاص يامه
استعطفته بعينين تتلألأ فيهما العبرات:
-بالله عليك ما تعمل حاجة، الموضوع خلص يا "تميم".

بدا مترددًا في حسم قراره النهائي، استغلت "ونيسة" الأمر وضغطت عليه بطريقتها الناعمة التي تلين القلوب وتوسلته:
-ماشي يا ضنايا، ارجع بيتك ربنا يرضى عليك، أنا معنديش إلا إنت، ومش عاوزة أخسرك.
لم يجد "تميم" جدوى من الاستمرار في الحديث مع والدته التي وضعته في موقفٍ لا يحق له الاعتراض فيه، تركته ينهي زيارته الخاطفة لها بعد أن وعدها بترك الأمر لوالده، لكن ثورته المستعرة بداخله لم تهدئ بعد.

ذرع غرفة نومه جيئة وذهابًا ونظرات الغل والحنق تشع من عينيه؛ تارة يضرب كفه بالآخر، وتارة أخرى يسب بكلمات نابية، راقبته "حمدية" ببرودٍ ودون أن تتأثر بشيء، وكأن الأمر لا يعنيها حقًا، أمسكت بمبرد الأظافر تقلمهم بهدوءٍ وهي جالسة على أريكتها الموضوعة في زاوية الغرفة، ثم تطلعت إليه وتلك النظرة الجليدية تغطي صفحة وجهها، تنهدت تنصحه بسماجةٍ ضاعفت من عصبيته:
-بالراحة يا "خليل" ليطقلك عرق ولا تقع من طولك!

استشاط غيظًا من جمودها بعد أن سرد لها تفاصيل المشاجرة، فصب جام غضبه عليها يلومها:
-حبكت يعني أجيب أم الزفت الآيس كريم ده عشان تطفحيه!
زمت شفتيها في برودٍ أكبر، بينما تابع استرساله الحانق قائلاً:
-ما أنا لو كنت موجود، مكانش ده كله حصل، وكنت اتصرفت قبل ما المصيبة تكبر.
شهقت ترد في استنكارٍ وقد أخذتها حميتها:
-هو إنت هتلبسهالي؟ ما المحروسة بنت أختك هي السبب، أل مش قادر على الحمار بيتشطر على البردعة.

كور "خليل" أصابع يده ضاغطًا عليهم في عصبيةٍ وقوة حتى ابيضت مفاصلهم، ثم تمتم بنبرته المتحسرة:
-المصلحة كده طارت، وبقى ليهم عندنا حق!
أضافت "حمدية" بعدائية صريحة لتزيد من تعاظم غضبه:
-المزغودة في قلبها دي مالهاش كبير، ما إنت لو كنت واقفتلها وماسبتلهاش السايب في السايب من الأول وعرفتها إن الله حق مكانتش عملت كده.
نظر نحوها متسائلاً في حيرة:
-طب أعمل إيه دلوقتي؟ "تميم" مش هيسكت، وده قرصته والقبر!

بثقلٍ وتكاسلٍ استندت على مرفقي الأريكة لتنهض من مكانها، أحست بتنميلٍ طفيف أصاب ساقها، تحركت بحذرٍ نحو التسريحة لتضع مبرد الأظافر في مكانه بالكوب المعدني الذي ترص فيه أدوات التجميل، تغنجت بجسدها ومسحت عليه بيديها في تباهٍ، ثم سألت زوجها ونظراتها مثبتة على انعكاس صورته بالمرآة:
-أعملك العشا ولا هتنام خفيف؟
استبد به غضبه فزجرها قائلاً بصوته الحانق:
-وده وقت طفح؟ مش عاوز أتنيل أكل، سبيني في البلوى اللي أنا فيها دي.

ردت بعدم اكتراث وهي تضع أحمر الشفاه على فمها:
-ياخويا، بكرة تطلع الهلولة دي على الفاضي
انهار "خليل" جالسًا على الفراش وواضعًا رأسه بين كفيه، هتف مع نفسه بأنفاسٍ متهدجة من فرط انفعالاته الزائدة:
-دماغي هتنفجر، مش قادر أفكر، ده غير المأمورية اللي عندي من صباحية ربنا
وضعت "حمدية" يدها أعلى منتصف خصرها وهي تستدير نحوه، هزت ساقها تسأله بوجهها الغائم ونظراتها المتسلطة:
-بأقولك إيه إنت هتسافر وتسيبني أنا وعيالك؟!

رفع وجهه إليها يجاوبها في بنبرة مستهجنة:
-هاعمل إيه يعني؟ هو بمزاج أهلي؟!
قالت حاسمة أمرها ودون أن تمنحه الفرصة للنقاش معها:
-طب خلاص، اعمل حسابك يا "خليل" أنا هاروح البلد اليومين اللي إنت مسافر فيهم اقعد مع أهلي، ولما تخلص تعالى خدنا من هناك، ما هو بصراحة مضمنش يحصل إيه وإنت مش موجود.
تتطلع إليها باستياءٍ قبل أن تتحول نظراته نحو نقطة ما بالفراغ ليقول في نفسه بأسفٍ مختلط بالحسرة:
-ليه كده يا بنت "آمنة"، بوظتي الدنيا كلها!

-ده إنتي ضربتي كرسي في الكلوب، أنا متوقعتش تعملي كده خالص!
رددت "همسة" تلك العبارة في إعجاب واضح على نظراتها وفي نبرتها وهي تسحب الغطاء على جسدها بعد أن ألقت بنفسها على الفراش لتستلقي عليه، نظرت لها "فيروزة" في زهو وغرور تستحقه بعد أن سحقت رجولة ذاك الغريب بجراءة وشجاعة تحسد عليها، لاحت بسمة صغيرة متغطرسة على زاوية فمها وهي تقول لها:
-يعني كنت أسكتله بعد ما قل أدبه؟
ردت نافية:
-لأ.

لكن ما لبث أن غلف صوتها القليل من القلق وهي تكمل:
-بس أنا خايفة عليكي يا "فيرو".
علقت عليها بثقةٍ وقوة تؤكد شجاعتها:
-الأشكال دي ماينفعش معاها إلا كده، وبعدين يا "هموس" الواد البلطجي ده سوابق ورد سجون.
سألتها في فضولٍ بعد أن استرعت كلماتها الأخيرة اهتمامها:
-وإنتي عرفتي منين؟

أجابتها ببساطة:
-افتكرت لما أمك قابلت أبوه من فترة واحنا في السوق، ملخص الحوار إنه كان لسه خارج من السجن، يعني اللي زيه هيخاف يرجع الحبس تاني!
ما زال ذلك الإحساس المزعج بالقلق ينتابها كلما مر طيفه بمخيلتها، ابتلعت ريقها وحذرتها بتنهيدة متوترة:
-برضوه مش مطمنة، فخدي بالك.
قالت بلهجة يشوبها القوة وقد أراحت رأسها على الوسادة:
-سيبك منه، ولا يقدر يعملنا حاجة! كمان أنا أخو واحدة صاحبتي ظابط، يعني لو فكر يتعرضلنا هطيره.
سألتها "همسة" بفضولٍ حائر:
-طب وخالك هيسيبنا نكمل شغل بعد اللي حصل؟

زفرت "فيروزة" ببطءٍ قبل أن ترد:
-أنا قولتله مش هافتح العربية يومين كده لحد ما نشوف الجو.
تقلبت أختها على جانبها لتنظر لها عن قرب وهي تسألها:
-وإنتي هتعملي كده فعلاً؟
ضحكت تجاوبها في استخفاف ساخر:
-لأ طبعًا، إنتي عاوزانا نخسر زبونا
بدا على وجهها تعابير أكثر قلقًا عن ذي قبل، اعتدلت في نومتها متسائلة:
-أومال؟ هتتصرفي إزاي؟

أجابت في ارتياحٍ وهي تشبك ذراعيها خلف رأسها:
-ولا حاجة، خالك وسط برطمته وندب حظه قال إنه طالع مأمورية، وأنا فهمته بالمحسوس إني هستناه لما يرجع
-وصدقك؟
-معرفش، خالك ده جبان، قطه جمل، هيطلع يطلع وينزل على مافيش، يومين بس وهتلاقيه عادي.
-ربنا يعديها على خير
علقت عليها "فيروزة" في تفاؤل وهي تتقلب على جانبها لتوليها ظهرها:
-إن شاءالله هتعدي، واللي جاي أحسن.

طرأ ببال "همسة" شيء ما فهتفت تقوله بابتسامةٍ عريضة مستعيدة المشهد الساخر في عقلها:
-صحيح شوفتي العقربة مرات خالك كانت هتموت واحنا شغالين، عينها كانت بتبظ على الآخر
تثاءبت أختها وهي ترد عليها:
-ربنا يكفينا شر عينيها
قالت لها "همسة"، وكأن اقتراحها كان مطروحًا للتنفيذ:
-مش كنا إدينها أي سندوتش ولا حاجة
نظرت لها من طرف عينها في ضيقٍ، ثم عقبت بتأففٍ:
-خسارة فيها اللقمة، دي واحدة ما بيطمرش فيها المعروف
-بس ....

وقبل أن تكمل جملتها كانت والدتهما تطل برأسها من باب الغرفة تسألهما:
-إنتو لسه ساهرنين يا بنات؟
بادرت "همسة" بالرد وتلك الابتسامة الناعمة تزين وجهها:
-خلاص يا ماما هنام.
أومأت برأسها في حركة تلقائية، وقالت:
-طيب يا حبايبي، تصبحوا على خير.

استرخت "همسة" على الفراش ترد عليها:
-وإنتي من أهله يا ماما
أغلقت "آمنة" الباب على كلتيهما بعد أن أطفأت الإضاءة، ساد الصمت للحظات قبل أن تقطعه "فيروزة" بصوتها المائل للنعاس وهي مطبقة على جفنيها:
-بأقولك إيه، تبات نار تصبح رماد، كله بيتنسى، فمتحطيش في بالك.
تنهدت أختها في رجاءٍ وقلبها القلق يدعو:
-يا ريت.

لم يتجه مباشرةً إلى منزله، بل تجول في المناطق المجاورة بغير وجهة محددة حتى تمكن التعب من قدميه، تلفت حوله باحثًا عن مقهى ما زال يستقبل زبائنه، لكن أغلب المحال قد أغلقت أبوابها بسبب برودة الطقس الذي كان كالنسمات على وجهه المشتعل، تطلع "تميم" إلى ساعة يده، كان الوقت قد تأخر بالفعل، لم يجد بدًا من العودة إلى زوجته، تلكأ في خطواته، وأثناء صعوده الدرج معتقدًا أنها ربما تكون قد استغرقت في النوم. وما إن دس المفتاح في قفله وفتح الباب حتى وجدها في استقباله، نكس رأسه مرغمًا حتى لا يرى نظراتها المعاتبة، لكن صوتها المتلهف اخترق أذنيه وهي تسأله:
-إيه اللي أخرك يا حبيبي؟

كان "تميم" فاقدًا للرغبة في مسايرة ما تُعايشه من أحلام يقظة وردية، لذا رد بفتورٍ وتعب:
-عادي.
استنكرت "خلود" رده المقتضب معها، ومع ذلك اقتربت منه تمسح على ظهره برفقٍ وحنو، أراحت رأسها على كتفه، وابتسمت له قائلة:
-ولا يهمك يا حبيبي، المهم إنك رجعتلي.
ثم انخفضت نظراتها لتتأمل ثيابه التي بدت مختلفة، سألته والدهشة تعتريها:
-إيه ده؟ هو إنت غيرت هدومك؟ في حاجة حصلت يا "تميم" وأنا معرفهاش.
أجاب بغموضٍ أربكها:
-متقلقيش.

ثم حرر نفسه من ذراعها المحاوط لكتفه ليسير نحو غرفة النوم، مشت خلفه تسأله في ضيقٍ وقد فاض بها الكيل من تجاهله لها:
-ماتسبنيش كده على ناري، قولي في إيه؟
نفخ أولاً بزفيرٍ مسموعٍ قبل أن يجيبها مضطرًا حتى تكف عن أسئلتها السمجة:
-مافيش، اتبهدلت في حوار كده، وعديت على أمي أغير هدومي بدل ما أمشي بمنظري ده في الشارع.
سألته كأنها تحقق معه:
-هو إنت اتخانقت تاني؟
أجاب بضيقٍ:
-ولا خناقة ولا نيلة، كبري دماغك.

سبقته في خطواته حتى اعترضت طريقه، سلطت أنظارها عليه وهتفت بإصرارٍ عنيد:
-لأ مش هاكبر، أنا....
صاح بها في قوةٍ وقد نفذت طاقته:
-"خلود"، كفاية، أنا مش ناقص خاوتة!
انتفضت من صوته المجلجل، حاولت أن تستخدم الرقة معه لتستنبط منه الحقيقة التي يخفيها عنه، اقتربت منه، ووضعت يدها على كتفه، تلمسته في رقةٍ حتى لامست أناملها جانب عنقه، أسبلت نظراتها الساهمة نحوه تقول له:
-أنا خايفة عليك يا "تميم"، لو حصلك حاجة هموت، وبعدين دلوقتي أنا مراتك، وليا لي حق عليك.

طالعها بنظرة غريبة ملتزمًا بصمته المريب، وكأن الكلمات تأبى الانصياع له ومجاراتها في مشاعرها المهتمة به، أولاها ظهره واستدار عائدًا نحو صالة المنزل، اندهشت من تصرفاته التي تدعو للاسترابة، لحقت به تسأله:
-إنت رايح فين دلوقتي؟
وجد نفسه يجيبها ودون أن يكلف نفسه عناء التطلع إليها:
-طالع السطح، مخنوق وهاقعد شوية لوحدي فوق.

هتفت من خلفه بما يشبه اللوم:
-أنا مشوفتكش طول اليوم، وحتى الساعة اللي هانقعد فيها سوا هتسبني لوحدي؟!
أمسك بالمقبض يديره، ثم قال بنبرة عازمة:
-معلش، سامحيني المرادي، أنا على أخري!
ثم حانت منه التفاتة سريعة من رأسه وهو يعدها:
-وهاعوضك بعدين.
لوت ثغرها قائلة بتجهمٍ كبير وامتعاضٍ يعبر عن عدم رضائها عما يفعله:
-طيب براحتك.

أضاف بجمودٍ:
-ولو عاوزة تنامي ف ...
قاطعته بما لا يدع مجالاً للنقاش:
-لأ هستناك، أنا مش جايلي نوم أصلاً.
هز رأسه في تفهمٍ وهو يرد:
-ماشي.
خرج "تميم" من المنزل صافقًا الباب بقوةٍ جعلت أطرافها تهتز لا إراديًا، وبنظرات غائمة ووجهٍ مكفهر حملقت "خلود" في شرودٍ، وذاك السؤال الحائر يتردد في عقلها:
-يا ترى إيه اللي حصل وشقلب كيانك كده يا "تميم"؟!

تراءى له بوضوحٍ ما يجب أن يفعله معه بعد أن اكتملت أجزاء الصورة الناقصة، خاصة وأن أحد رجاله قد أبلغه بعودته من السفر. وقف "بدير" أمام باب المنزل ينقر برأس عكازه عليه في قوةٍ، استقام في وقفته التي تعبر عن هيبته وسطوته منتظرًا مجيئتها لتفتحه له، وها قد صدق توقعه، ووجد "بثينة" تقف عند أعتابه تتأمله بنظراتها الناقمة على الحياة ومن فيها، وبكل غلظةٍ وخشونة سألها:
-المحروس ابنك شرف؟

نظرت له شزرًا قبل أن تجيبه:
-الناس بتقول سلامو عليكم الأول يا حاج "بدير"!
رفع عكازه أمامها ليشير به وليجبرها على التنحي للجانب حتى يمر، رمقها بنظرة غامضة وهو يرد عليها:
-لا سلام ولا كلام، ابنك البغل رجع من السفر؟
اغتاظت من شتمه له، وقالت على مضضٍ:
-أيوه، ونايم جوا يريح جتته من تعب السفر.
حدجها بنظرة أخرى عبرت عن ازدرائه لها، ثم اندفع نحو الردهةٍ مما استفزها، سألته من خلفه وهي تسابقه في خطواته:
-إنت رايح فين يا حاج؟
قال باقتضابٍ:
-هافوقه.

قطبت جبينها في اندهاشٍ حائر، لم تدع الفضول يأكلها فسألته بتعبيراتها الحادة:
-هو في إيه؟
تلك النظرة الاحتقارية التي تعلو وجهه كانت تستحقها، لم يرح بالها وأجابها بنفس الغموض المثير للأعصاب:
-ابنك عارف.
استاءت من تلاعبه معها فصاحت به:
-هو إنت هتكلمني بالألغاز، أنا لازم أفهم في إيه؟ جيتك السعادي مش طبيعية، وراها حاجة!
جلجل صوته وهو يحذرها:
-خليكي برا الليلة دي أحسن يا "بثينة"
-ليلة! يبقى الموضوع فيه إن!!

تمتمت بتلك العبارة والشكوك ملأت صدرها، فحضور زوج أختها في ذلك التوقيت الشاذ يوحي بكارثة وشيكة، لحقت به تراقب ما يفعله، وجدته يلكز ابنها المسجى على الفراش في جانب جسده بقسوةٍ مستخدمًا عكازه مما جعله ينتفض مذعورًا وغاضبًا في نفس الآن، خاصة وهو يهينه:
-اصحى يا حرامي
كان على وشك سب من تجرأ وأيقظه من غفلته، لكنه تدارك نفسه بعد أن حلت عليه الدهشة واختلطت مع مخاوفه، همس بصوته المهتز الثقيل:
-هه.. جوز خالتي!!

نظر له "بدير" في احتقارٍ، ثم أهانه بغيظٍ وهو يكز على أسنانه:
-نايملي ومدلدل كرشك يا كلب، قوم واتعدلي كده
مسح "هيثم" لعابه المنساب من جانب فمه بظهر كفه، ثم فرك رأسه متسائلاً في توترٍ ورائحة أنفاسه الكريهة تكاد تصل إليه:
-في.. إيه يا جوز خالتي؟

تأفف منه وهو يتفحصه في دقةٍ مُلاحظًا تلك الحمرة المريبة التي تحتل حدقتيه، مع فقدانه للاتزان، وجه عكازه نحوه ليلكزه بعنفٍ في صدره وهو يأمره بصوته الأجش:
-اقف على حيلك وأنا بأكلمك!
سألته "بثينة" والاستغراب يعتري كامل ملامحها:
-في إيه يا "بدير"؟ عاوز من ابني إيه.

التفت نحوها ينظر لها في حنقٍ، ثم أدار رأسه نحو "هيثم" يطالعه في غموضٍ قبل أن تمتد يده لتهوي على صدغه بصفعة قاسية مؤلمة تردد صداها في أركان الغرفة وجعلته يتأوه من شدة تأثيرها. هتفت "بثينة" في جزعٍ:
-ابني
اخشوشنت نبرة "بدير" وتحولت للشراسة وهو يوجه اتهامه نحوه:
-بتسرق بيت خالتك يا حرامي؟!
فرك "هيثم" جانب وجهه الذي تخدل من عنف الصفعة، وأنكر فعلته قائلاً بصوته الحانق:
-أنا مسرقتكش!
هدر به زوج خالته بقوةٍ:
-كداب.

تدخلت "بثينة" تدافع عن ابنها باستماتة وقد وقفت بجسدها تحول بينهما:
-إنت جاي تتبلى على ابني يا "بدير"؟ لأ وكمان بتضربه؟
أجابها بنفس الصوت الغاضب ونظراته المشمئزة مسلطة على "هيثم":
-هو عارف عمل إيه!
تفاجأت "بثينة" كليًا وشهقت مصدومة حينما قال ابنها بغتةٍ ومعترفًا بجريمته:
-أيوه عملت كده وسرقتك..
لطمت على صدغها تقول في دهشة وقد شخصت أبصارها:
-"هيثم"! إنت عملت إيه؟

أجابها صائحًا ورذاذ لعابه يتناثر في الهواء:
-أنا خدت حقي منه
رد عليه "بدير" مستنكرًا وقاحته:
-حقك؟ حق مين يا أبو حق؟
تابع "هيثم" هدره الناقم:
-حق أبويا اللي راح فداكم زمان!!!

للحظة توقف الزمن وعاد إلى الوراء، حيث تجلت المشاهد القديمة في ذهنه بوضوح مدهش، كان "غريب" والد ذلك الوقح لا يزال على قيد الحياة ويشكو مرارة العيش وصعوبة توفير النفقات، آنذاك جاء إليه يتوسله أن يقرضه المال لينفقه في إقامة مشروع صغير سيجني منه الأرباح ويسدد ديونه المتراكمة، واقترح عليه أن يفتتح محلاً لبيع الطلاء يكون مملوكًا له بعد سداد كامل قيمته، وفي المقابل يشاركه في الأرباح.

وافق وقتها ومنحه كل الدعم المادي ليقف على قدميه، ولم يطالبه بسداد الأقساط المستحقة إكرامًا لرجاء زوجته بالوقوف إلى جواره ودعمه، لكن أطماع "غريب" ورغبته في الثراء السريع جعلته يغش في تجارته، استبدل الجيد من مواد الطلاء بأخرى قليلة الجودة، وبالرغم من نصائح "بدير" المستمرة له -وتهديداته أحيانًا بإنهاء العمل وفض الشراكة- إلا أنه لم يرتدع أو يصغِ إليه، وأصر على ما يفعله ضاربًا بكل تهديداته عرض الحائط حتى حدثت الفاجعة والتهمت النيران كل شيء، وهلك هو معها، لتحل الخسارة على جميع الأطراف.. عاد "بدير" من سرحانه في تلك الذكرى غير السارة وقد توحشت نظراته وكذلك نبرته حينما هدر:
-أبوك موت نفسه بسبب غشه وطمعه، مش بسببنا، وبلاش تخلط الأمور ببعض.

رد عليه يلومه:
-عاوز تبرأ نفسك من دمه؟
هتف موضحًا بصوتٍ يشبه الرعد في قوته:
-احنا عملنا اللي علينا زمان وساعدناه، وسيبناه يشتغل زي ما هو عاوز، بس أبوك كان غشاش، مصانش النعمة، وكان ماشي ورا شيطانه لحد ما ضيع نفسه ...
ثم تحولت نظراته نحو "بثينة" وهو يتابع:
-وأمك عارفة بكده، متقدرش تنكر!
أنكرت الحقيقة فادعت كذبًا:
-إنتو اللي عاوزين تاكلوا حقنا، و...

أخرسها على الفور "بدير" رافضًا منحها الفرصة لتلفيق الأكاذيب بأسلوبها المبتذل في التلاعب بالأمور مستخدمًا عكازه في التلويح المهدد:
-حقكم خدتوه تالت ومتلت! ولولا العِشرة وصلة الدم لكنت رميتلك ابنك يتعفن في السجن!
تطلعت إليه بعينين ناريتين عاجزة لوهلة عن الرد عليه وقد أوقظ ذكريات الماضي بكل ما فيها، دب الرعب في بدنها وجحظت عيناها الحانقتين حينما هدد ابنها وبركان غضبه يثور فيهما:
-وإنت يا حرامي! هاعتبر الفلوس اللي إنت سرقتها من ورايا فدا عيالي، بس قسمًا بالله لو اتكرر ده تاني هخليك تحصل أبوك، وأدفنك بالحيا، سامعني!

نظرة أخيرة محملة بالكراهية والشر رمقها لكليهما قبل أن يتركها وينصرف من الغرفة، التفتت "بثينة" نحو ابنها تعاتبه:
-ليه كده يا "هيثم"؟ ليه خليته يبيع ويشتري فينا؟
وبوقاحةٍ وعدم احترامٍ دفع "هيثم" والدته من كتفها ليزيحها عن طريقه ليندفع نحو الخارج صارخًا بها وغضبه المستعر يتجمع في عينيه بسرعة البرق:
-ابعدي عني يامه!
لم تتمكن من استبقائه في المنزل بعد أن أطاحت عاصفة "بدير" بكل شيء، وقفت في مكانها تلطم على صدغيها حتى التهبا وهي تنوح في حسرةٍ وسخط:
-منك لله يا "بدير"، هتخسرني الواد اللي حيلتي ...!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الخامسة عشر بقلم منال سالم


لا يعرف كم دخن من السجائر لينفث بها عن حنقه المكبوت والمشتعل في رأسه، ناهيك عن الأحاسيس الجديدة التي اُضطرمت بداخله وزادت من تأجج غضبه غير المفهوم، لم يكن السبب فقط موضوع السرقة الذي أُخفي عنه، بل إهانة تلك الفتاة الثائرة له. استثاره أنها لم تهابه، ولم ترتدع من سمعته التي ربما تجعل البعض يفكر مرتين قبل أن يقترب منه، كانت على النقيض من بني جنسها من النساء، أنثى قوية، شجاعة، لا تهتز بسهولة، وقادرة على الدفاع عن نفسها بشكلٍ يثير الإعجاب والفضول. أحس "تميم" بدبيب شيء ما يناوشه من بعيد، لكنه لم يفقه إليه بعد، ورغم ذلك ما زال حانقًا لعدم إفراغ غضبه..


 
كان وجهها المتشنج بنظراتها النارية لا يزال محتلاً لمخيلته، وكأنها طيف حي يزداد سطوعًا مع استمرار تفكيره فيها، قاوم تلك الأحاسيس الغامضة التي استحوذت عليه مستعيدًا موقفها الأخير بإلقاء الماء العكر في وجهه أمام الحاضرين، استغله ليقضي على تلك اللمحة المحيرة التي تشوش ذهنه وتجعله غير قادر على اتخاذ موقفًا صارمًا .. نفخ في غلٍ، ردد مع نفسه في استنكارٍ مستهجن وكأنه يُفكر بصوتٍ مسموع:
-مش أنا اللي يتعمل فيا كده، مين دي أصلاً؟!


 
قذف بقدمه حجرًا مهملاً كان موجودًا على مقربةٍ منه، ثم تقدم خطوة نحو السور المنخفض لسطح منزله، ورفع قدمه ليستند به عليه، تطلع بغير هدى في الفراغ المعتم أمامه بعينين تقدحان شررًا وقد أدرك أنه في حيرةٍ من أمره، فليس من شيمه أن يقتص لحقه من النساء، وإن كانت مذنبة، فهذا يناقض ما نشأ عليه، فلو كانت رجلاً لأبرحه ضربًا ولجعله عبرة لمن في المنطقة، لكنها امرأة! عاد ليفكر مليًا وبعمقٍ فيما فعلته مختلقًا لها الأعذار، ربما لم تكن كما اعتقد وأساء الظن بها، وما تطاولت به عليه كان دفاعًا مشروعًا عن حقها في الحصول على لقمة العيش، لكن ليس من المعتاد أن تمتهن النساء بتلك الأعمال المثيرة للريبة.

خاصة وأنها تمتد لساعات متأخرة من الليل، كذلك هو رأى بعينه تجمعات مختلفة لمجموعات من الشباب الضاحك المحتشد بجوار عربتها، ناهيك عن وجود بدائل أخرى من الأعمال النسائية مما لا تثير الشبهات، عاد تفكيره ليدينها وقد ظن أن ذلك ربما يكون ستارًا خفيًا لاصطياد الرجال وارتكاب المحرمات تحت غطاء العوز والفقر، كور قبضة يده وضغط عليها بشدةٍ حتى ابيضت مفاصله، همس مع نفسه في ضيقٍ مزعجٍ:
-أنا كده متكتف، هاتصرف معاها إزاي؟


 
في تلك الأثناء، ضجرت "خلود" من انتظارها غير المجدي بمفردها في المنزل تضرب أخماسًا في أسادسٍ تترقب عودة زوجها إليها، أحست بضرورة وجودها إلى جواره حتى وإن كان معترضًا، ومع تغلغل تلك الرغبة فيها فقدت آخر ذرات صبرها، لذا قررت الذهاب إليه متحملة تبعات تلك الخطوة، ربما تنجح بدلالها وغنجها الأنثوي في امتصاص عصبيته وتثبيطها، ومن ثمَ استدراجه ليبوح لها بأسراره..

لفت الوشاح الصوفي حول كتفيها، وأحكمت ربط حجاب رأسها ثم سحبت مفتاح المنزل ودسته في حافظتها الجلدية الصغيرة، أغلقت الباب خلفها واتجهت للدرج، كانت تعدو صعودًا بأنفاس متهدجة، وقفت عند مدخل السطح تتطلع إليه بعينيها الساهمتين، خُيل إليها أنه هدأ قليلاً بعد مكوثه لساعات بالأعلى، لكنها سمعته يهمهم بكلماتٍ غير مفهومة، دنت منه بهدوءٍ تام عل أذناها تلتقط ما يقوله، باتت على بعد خطوتين منه، ولم تستمع إلا لأصوات أنفاسه الغاضبة وسبابٍ حانق يلعن به أحدهم، سألته بتلقائيةٍ:
-إنت بتكلم نفسك يا حبيبي؟


 
انتبه لوجودها فتقلص وجهها الحانق أكثر، رمقها بنظرة لا تبشر بخيرٍ وهو يسألها في عصبيةٍ:
-"خلود"؟ بتعملي إيه هنا؟
ضبطت نبرة صوتها حتى لا تظهر قلقها عليه قبل أن تجيبه:
-جيت اطمن عليك يا حبيبي...
ثم أراحت رأسها على كتفه، وتابعت مُبدية اهتمامها به:
-الجو مش برد عليك؟
أبعد رأسها عنه وكأنها حية تلدغه، ثم أمرها بخشونة:
-انزلي الشقة وماتطلعيش تاني!

تطلعت إليه في انزعاجٍ واضح، لم تصغِ إليه وسألته بوجهٍ اكتسب ملامحًا جادة:
-مالك يا "تميم"؟ إيه اللي مغيرك؟
هدر بها بصوته المتشنج:
-يوووه، هو إنتي لازم تعصبيني كل شوية؟
انتفضت من صراخه بها وتراجعت لا إراديًا خطوة للخلف لتكون في مأمن من غضبته، ازدردت ريقها وهتفت بما يحمل العتاب:
-"تميم"، اهدى، في إيه لكل ده؟ أنا مراتك مش حد غريب!


 
لانت نبرتها قليلاً حينما أكملت موضحة:
-وبعدين أنا قلقت عليك وخوفت يجيلك برد فطلعت أشوفك، ما أجرمتش يعني؟
نظر لها بشكلٍ غامض، كانت محقة في أسباب قلقها. اختفت الجدية من صوت "خلود" ليحل الاختناق عليه وهي تلومه مستشعرة بقوةٍ أنه لا يبادلها أي نوعٍ من المشاعر المهتمة:
-ليه دايمًا بتحسسني إنك مُجبر عليا؟ وإني حد غريب عنك؟
رد بجمودٍ:
-أنا حابب أكون لوحدي، مش حكاية يا "خلود"!
-لأ يا "تميم" حكاية ورواية كمان!

وجدت صعوبة في إكمال جملتها بصلابةٍ، حتى كلماته لا تشفق عليها ولا تظهر أي نوعٍ من التعاطف معها، وكأنها مخلوق من حجر لا يتأثر ببرودة مشاعره، انسابت دموعها ونكست رأسها في خذلانٍ وهي تستطرد:
-أنا.. قولتلك من الأول.. لو مش عاوزني متكملش!
كالخنجر الحاد طعنته جملتها في صدره وأشعرته بتأنيب الضمير، لماذا وحدها تتحمل جرائر انفعالاته وهي التي تكاد تموت شوقًا لكلمة ناعمة منه؟ استنشق الهواء البارد حتى يستعيد انضباط أعصابه، عليه أن يصلح ما أفسده، تنهد بقنوطٍ، بدت حركة قدميه ثقيلة وهو يخطو ناحيتها ليعتذر منها:
-متزعليش.


 
تراجعت قبل أن يلمسها تصرخ فيه بمرارةٍ ووجهها أُغرق بالكامل بدموعها الحارقة:
-مش كل مرة كده، أنا بيصعب عليا نفسي وأنا بأحاول بكل الطرق أرضيك وإنت ...
انفجرت باكية فعجزت عن مواصلة الحديث، إحساسه بالذنب وخز وجدانه أكثر، خطا نحوها وامتدت ذراعه لتمسك بها من معصمها، وبحركة واحدة قوية جذبها إليه وخبأها في أحضانه، بكت "خلود" بشهقات متقطعة على صدره، في حين مسح برفقٍ على ظهرها وقبل أعلى جبينه متابعًا اعتذاره النادم:
-أسف يا "خلود"، معلش استحميلني شوية.

رفعت وجهها الباكي إليه، تطلعت إليه في ألمٍ، ثم ردت عليه:
-أنا معنديش مانع أصبر العمر كله، بس معاملتك تتغير معايا، أنا ماستهلش ده منك
وجد صعوبة في الابتسام وهو يقول:
-حاضر يا حبيبتي، كل اللي إنتي عاوزاه هيتنفذ، بس متعيطش!
تنفست بعمقٍ لتسيطر على نوبة بكائها، كذلك حاول "تميم" استرضائها بمنحها قبلة ناعمة على وجنتها، وداعب بإصبعه أنفها، نظرت له بحبٍ شغوف متناسية آلامها المعنوية، كفكفت بظهر كفها عبراتها وسألته:
-ها .. هتنزل معايا ولا آ...؟

أجابها دون تفكيرٍ:
-نازل يا ستي، مبسوطة
حركت كتفيها في غنجٍ، ثم عضت على شفتها السفلى وهي ترد :
-شوية.
حاوطها من ظهرها وضمها إليه وسار معها نحو باب السطح فأحست بالدفء يغلف جسدها، تنهدت في ارتياحٍ صامت، ونظرت له عن قرب وهي تهمس له ويدها تتلمس صدره النابض بقوة:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
ربت على جانب ذراعها دون أن ينبس بكلمةٍ آملاً في نفسه ألا يستبد به الغضب من جديد فلا ترى هي -أو غيرها- وجهه الخفي الذي يحاول كبحه.

سهرة ذكورية متأخرة أقامها أعلى سطح منزله الذي يقطن فيه بمفرده، ولكن بصحبة أتباعه ليقوموا بخدمته وتلبية احتياجاته من إحضار المشروبات الكحولية، وتجهيز نارجيلته كلما انطفأ حجرها. التزم "ناجي" الصمت أغلب الوقت -وكأنه يحيا في عالمٍ خاص به- مكتفيًا بإخراج سحب الدخان الكثيفة بعد أن تنتهي مهمتها في إحراق رئتيه من جوفه وفتحتي أنفه، لم يكن رائق المزاج أو كعادته المعروفة في إلقاء النكات السمجة أو القبيحة ليلهب الأجواء. جثا "شيكاغو" على إحدى ركبتيه ليضع الفحم المتقد في مكانه بالنارجيلة متسائلاً في فضولٍ وعيناه تجولان على وجهه:
-مالك يا ريسنا، في حاجة معكرة مزاجك؟

أجاب باقتضابٍ زاد من الفضول:
-يعني..
سأله مبتسمًا، وكأنه يملك عصًا سحرية قادرة على فعل المستحيل:
-طب إيه المطلوب ونعدل المزاج يا كبير؟
لوح له بخرطوم النارجيلة قبل أن يجيبه:
-مالوش لازمة!
ومن الخلف تساءل "حمص" في اهتمامٍ:
-أومال الريس "تميم" فين؟ مش هيسهر معانا ولا إيه؟
رد عليه "شيكاغو" بما يشبه المزاح:
-شكل الجواز هيجي على دماغنا.
علق عليهما "ناجي" بزفيرٍ ثقيل، وكأن شيء ما يجثم على صدره:
-لأ مش كده، بس انسوه خالص اليومين دول!
ارتفع حاجب "حمص" للأعلى متسائلاً:
-ليه بس؟

أجابه دون وعيٍ بعد أن لعب الدخان غير البريء برأسه فأصبح غير قادر على التحكم فيما يتفوه به:
-أصل شوية بنات شوارع عكننوا عليه مزاجوا، ومش طايق حد.
توهم "شيكاغو" أنه يتحدث عن مشاجرة شديدة ربما تكون قد وقعت بين "تميم" وإحدى الساقطات اللاتي يتخذن أماكن معينة في بعض المناطق من أجل الحصول على متعة غير شريفة في مقابل حفنة من النقود، فقال عارضًا خدماته:
-لأ دول معروف تمامهم إيه، إدينا بس الإشارة!
عقب عليه في فتور وقد شعر بالثقل يجتاح رأسه:
-بعدين، غيرلي الحجر لأحسن مش عاجبني!

تحول في لحظةٍ إلى التابع المطيع وهو يرد مبتسمًا بابتسامة سخيفة أظهرت اتساخ أسنانه:
-أوامرك يا كبير.
أجاد ما يفعله معه، واسترسل معه بمكرٍ عله يحصل على معلومات مفيدة ربما يوضفها لصالحه بعد أن طرأ بباله فكرة جهنمية، وما إن انتهى منه حتى تركه يستمتع بالتدخين ليعود إلى رفيقه الذي كان يبتلع الطعام بشكلٍ مقزز، مال عليه يسأله بصوتٍ خفيض:
-إيه رأيك ياض يا "حمص" لو خدنا بونط ووجبنا مع الريس "تميم"؟

رد متسائلاً والرذاذ المختلط باللعاب يتناثر من فمه:
-هنعمل إيه يعني؟
غمز له بطرف عينه، ثم لكزه وهو يرد بصوتٍ خفيض:
-هفهمك بعدين، بس أشوف ريسنا!

نهض من رقدته حاملاً طبقًا مليئًا بالسوداني وبعض المكسرات ليضعه بجوار "ناجي"، تأكد من عدم حاجته إليه ليرجع إلى صديقه، تبادل معه حوارًا هامسًا أطلعه فيه على ما يدور في رأسه بعد أن تشكلت فكرته العبقرية، حيث راودته فكرة السعي للانتقام ل "تميم" والاقتصاص له بعد أن باح له "ناجي" في غير وعي منه عن حنق الأول مما صار معه ورغبته في إهانتها بعد أن عبثت بهيبته في مقابل نيل مبلغ مالي كبير يسد به كليهما عوزهما، ونجح بحنكته اللئيمة في أن يحصل على بعض المعلومات الأساسية عن تفاصيل المشاجرة مع الفتاة. رد عليه "حمص" بوجه تظهر عليه علامات التفكير:
-مالوش لازمة، بت إيه اللي هنتخانق عشانها؟ إنت شكلك لسعت!

رد عليه بعقلانية حتى يقنعه بالاشتراك معه في رسم تلك الخطة:
-ياض مايبقاش مخك ضلم، هنطلعلنا بقرشين كده منه، وهو فلوسه حلوة وكتيرة، خلينا نروق على نفسنا، والحكاية مش هتاخد مننا غلوة، احنا بس نفكر ونرتب هنعملها ازاي وامتى.
حك طرف ذقنه يفكر في العرض الشيطاني، ثم ما لبث أن سأله مستفهمًا وقد راقت الفكرة له:
-وهنعرف البت دي منين؟

جاوبه في انتشاءٍ مغتر:
-بسيطة، صاحبك معلم وبيعرف يجيب أرار أي حاجة!
هز رأسه في استحسانٍ متابعًا تعليقه عليه بما أكد له موافقته الصريحة على الاشتراك فيما يريد فعله، وتلك النظرة الغامضة الوضيعة تتوهج في حدقتيه:
-على رأيك، وأهوو نستفيد بأي حاجة بدل ما الدنيا مأشفرة على الآخر معانا، دوس يا برنس وأنا معاك!

لوح بيده لأحد عماله ليكمل تعبئة الأقفاص بالخضروات الموضوعة في الأجولة، ثم استدار سائرًا نحو المكتب الخشبي ليسحب المقعد الجانبي، حمله "تميم" في خفةٍ وبيد واحدة ووضعه على مقربة من والده الجالس بالخارج ومنهمك في تناول قهوته ومطالعة الصحيفة، كنهج يتبعه يوميًا. جلس بجواره ونظراته المعاتبة تغطي وجهه، تنهد في ضيقٍ، وتطلع إليه بترددٍ ليقول مستهلاً حديثه معه:
-ينفع كده يا حاج، أبقى أنا آخر من يعلم بالسرقة اللي حصلت؟

في البداية لاذ "بدير" بالصمت، وسدد له نظرة غريبة قبل أن يقول بامتعاضٍ ظاهرٍ على قسماته:
-هي أمك برضوه انسحبت من لسانها وقالتلك؟
رد بهدوءٍ ادعاه:
-أنا اللي ضغطت عليها عشان تقولي، هي مالهاش ذنب يابا، بس كان المفروض تعرفوني وأنا هاتصرف!!
ترك "بدير" فنجان قهوته ليحتج بنبرة تميل للضيق، وقد تملك منه الانزعاج لانفلات لسان زوجته وإفشائها للسر:
-هو أنا مش مالي عينك؟!

لعق ابنه شفتيه وضبط صوته حتى يحافظ على هدوء نقاشهما حينما قال:
-لأ يابا، مش القصد، بس بردك آ...
قاطعه والده بلهجته الصارمة منهيًا الحوار في ذلك الموضوع تحديدًا:
-خلاص يا "تميم"، موضوع وراح لحاله.
رفض ترك الأمر وسأله مستوضحًا بإلحاح عنيد:
-يعني إنت عرفت اللي سرقنا؟
لوى ثغره يجيبه بتحفزٍ:
-أيوه، وخد جزاته خلاص!

لم يرغب "بدير" في نبش تفاصيل السرقة حتى لا يوغر بينه وبين زوجته ويفسد علاقتهما بسبب أخطاء الغير، خاصة أن الأمر يمس شقيقها وأمها. وبخبرته الحياتية الطويلة عِمد إلى تغيير النقاش فيه فأمر ابنه بما لا يقبل المجادلة:
-انساه، وخلينا نشوف الطلبيات اللي ورانا، مش هانفضل نلُك كتير في حاجات مالهاش تلاتين لازمة!!
كان مدركًا لطبيعة والده في إنهاء النقاش حينما يحتدم، رد مستسلمًا بالرغم من تذمره الظاهر عليه:
-حاضر يابا، اللي يريحك.

نهض من مقعده واستعد لإعادته إلى مكانه حينما سمع صاحب الصوت الرجولي المألوف يهتف:
-سلامو عليكم.
التفت "تميم" برأسه للجانب ليجد أحد أصدقائه الأعزاء ممن جمعهم العمل في البداية بسبب الأباء قبل أن يتحول الأمر بين الأبناء إلى ود وصداقة أعمق بالرغم من سنوات الحبس، ترك المقعد، واتجه إليه ليصافحه وهو يرحب به بحرارةٍ شديدة:
-وعليكم السلام! منور الدكان والحتة كلها يا "منذر"!

(( "منذر طه حرب" هو أحد الشخصيات الرئيسية في رواية <الدكان>، والتي سبق نشرها الكترونيًا عام 2018، في ذلك المشهد يحل ضيفًا على عائلة "سلطان"، حيث تربطهما روابط الصداقة والعمل والتي تعود لجيل الأباء .. كذلك كانت زوجة "منذر" الأولى خلال تلك الأحداث متوفية، ولم يكن قد التقى بعد ب "أسيف"؛ معشوقته))

بادله "منذر" المصافحة والحضن الرجولي رابتًا على ظهره بقوة قبل أن يبتعد عنه ليتابع باهتمامٍ:
-منور بأصحابه، وحسكم دايمًا فيه، إزيك يا حاج "بدير"؟ عامل إيه؟
رد عليه الأخير بلطفٍ وتلك الابتسامة الهادئة مرسومة على شفتيه:
-يا أهلاً وسهلاً بالغالي ابن الغالي، أنا الحمدلله في نعمة.
وقف "منذر" قبالته مكملاً ترحيبه المهتم وهو يمسح على كتفه بودٍ كنوعٍ من التوقير له:
-والحاج "سلطان" أخباره إيه؟

-بخير والحمد لله.
تلفت حوله باحثًا عنه وهو يسأله:
-هو فين يا حاج؟ أنا مش شايفه.
أجابه "بدير":
-شوية وهينزل الدكان يقعد معانا.
ابتسم معلقًا عليه:
-ربنا يديه الصحة، ده بركتنا كلنا.

دنا "تميم" من صديقه، وضع المقعد الخشبي أمامه ليدعوه للجلوس عليه، ثم استطرد متسائلاً:
-إيه يا ابن العم، جاي في مصلحة ولا زيارة؟
تنحنح "منذر" في خفوتٍ قبل أن يجيبه بنبرته القوية الرنانة:
-الاتنين، عندي شغل قريب منكم هنا، فقولت أعدي أسلم على الحبايب.
رد "بدير" في امتنانٍ وتقدير:
-الله يسلمك، ابن أصول وفيك الخير .. والحاج "طه" أخباره إيه؟ و"دياب"؟
تنهد وهو يرد:
-كلنا تمام وفي فضل من ربنا.

مال "بدير" نحوه يسأله وقد استند بكفيه على رأس عكازه:
-إيه مش ناوي تتجوز زي أخوك؟
بدت آثار المفاجأة السارة جلية على ملامحه، التفت في بهجة نحو رفيقه يهنئه بعد أن نهض من مكانه ليحتضنه مجددًا:
-مبرووك يا "تميم"، بالله ما أعرف، والله فرحتك أوي.
رد الأول مجاملاً:
-الله يبارك فيك يا صاحبي، مش ناوي تعملها إنت تاني؟

قال معترضًا على الفور وتلك النظرة المهمومة بائنة على تعابيره:
-لا يا سيدي، كفاية مرة، وأديك شايف لعنة الجواز عاملة فينا إيه!
علق عليه "بدير" بنبرته الرزينة:
-ربنا يصلح حال عباده، بكرة تقابل بنت الحلال اللي تستاهلك يا "منذر".
قال له بصوتٍ فيه مسحة من الأسى:
-أنا راضي بنصيبي بعد المرحومة.

أصر عليه:
-الله يرحمها، بس دي سنة الحياة، الأمر مايسلمش من واحدة تاخد بالها منك، تراعيك وتشوف شئونك، وتجيب عيال يشيلوا اسمك ويكونوا امتداد ليك.
ضغط "منذر" على شفتيه قليلاً، وقال:
-اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
هتف "تميم" عاليًا ومستخدمًا يده في الإشارة:
-هاطلبلك شاي ولا تحب أجيب قهوة، ولا أقولك، نجيب فطار أجدع من ده كله و...
قاطعه معتذرًا في لباقةٍ:
-لا الله يكرمك، أنا تمام التمام، أنا بس جيت أرمي السلام وماشي.
رد مدهوشًا وقد تبدلت تعابيره للضيق قليلاً:
-هو إنت لحقت يا "منذر"؟

تنحنح يقول له بابتسامةٍ مهذبة:
-معلش يا صاحبي، ورايا مصالح كتير متعطلة، ويدوب الوقت يكفي، ده غير إن ورايا مشوار سفر طويل، خليها وقت تاني.
-طب عاوز أشوفك، هنتقابل إزاي؟
-على تليفون بقى، إن أنجزت بدري هاعدي عليكم.
أخرج زفيرًا بطيئًا من جوفه قبل أن يرد:
-ماشي يا ريس.
لوح "منذر" بيده يودعهما:
-أشوفكم على خير، مع السلامة!
-في حفظ الله!

راقبه "تميم" بعينيه حتى توارى عن أنظاره واختفى في الزحام، انتبه لجملة والده حينما استطرد يشكر مجيئه لزيارتهما:
-فيه الخير ابن "طه".
رد "تميم" يؤيده في مدحه والثناء عليه:
-عيلة "حرب" كلها ولاد أصول ويعرفوا في الواجب يابا.
-معاك حق.
رفع "تميم" يده ليضعها أعلى رأسه ليفركها بحركة دائرية وهو يقول بنبرة عازمة:
-طيب يابا، أنا هاروح أقف على إيد العمال، وأشوف الطلبية اتقفلت ولا لسه
أومأ برأسه يرد عليه:
-ماشي يا ابني.

مضى اليوم على كلتيهما بهدوءٍ ودون أن يعكر صفوه أي شيء، فخالهما "خليل" سافر في مأمورية عمل، وزوجته -الحشرية- غادرت أيضًا لتذهب في زيارة قصيرة لعائلتها بالبلدة، وبالتالي ترك لهما المجال والحرية لمزاولة عملهما بعربة الطعام، مع فارق بقاء والدتهما "آمنة" بالمنزل لشعورها بالإعياء. لم تجد الفتاتان أي وقت لإضاعته وعملتا بجدٍ لإرضاء الزبائن وتحصيل النقود، وضعت "فيروزة" السندوتش الآخر الذي انتهت من تغليفه في الكيس الورقي، وأضافت معه بعض المناشف الورقية لتدير رأسها في اتجاه أختها، ثم استطردت تقول بلهجةٍ جادة:
-بأقولك إيه عاوزين نقفل بدري شوية عشان نشوف ماما، شوفتي شكلها عامل إزاي النهاردة، طول اليوم مأريفة.

لم ترفع "همسة" عينيها إليها، بل بقي تركيزها منصبًا على قلي شطائر اللحم وهي ترد عليها:
-شكلها خدت دور برد.
عللت التعب الذي أصاب والدتها قائلة:
-ما ده الموسم بتاعه، وناس كتير تعبانة...
توقفت للحظة عن الكلام لتسلم الطلب لزبونها وابتسامة عملية تزين وجهها، ثم تابعت بصيغة آمرة ويدها تمسح بمنشفة نظيفة الرخامة الملطخة ببقايا المسطردة:
-المهم خلصي اللي في إيدك عشان أسلمه ونرجع لماما.

هزت رأسها وهي تقول:
-ماشي .. على طول.
لم تلاحظ إحداهما هذين الشابين المرابطين في نقطة تواجههما مباشرة، وكأنهما يتربصان بهما بشكلٍ مريب ويدعو للقلق. نفخة خفيفة لبقايا السيجارة الزهيدة الممسوكة بين إصبعيه قام بها "شيكاغو" قبل أن تتحول نظراته نحو "حمص" الذي سأله بتأهبٍ:
-هما دول؟
أجابه وهو يلفظ الدخان من بين شفتيه:
-على حسب كلام المعلم "ناجي" مافيش إلا هما في المنطقة.

سأله من جديد كإجراءٍ احترازي حتى لا يتسببا في إحداث الفوضى دون داعٍ:
-يعني إتأكدت منهم ولا هنعمل فورتينة (مشكلة) على الفاضي؟
قال بنفاذ صبرٍ وهو يلقي بعقب سيجارته ليدعسه تحت قدمه بحذائه القديم:
-يا ابني أنا لفيت الكورنيش كذا مرة ومافيش إلا هما، ده غير إني سألت كام واحد من اللي واقفين بيبيعوا بالمحسوس عن اللي حصل مع الريس "تميم"، وقالوا عن اللي شافوه، والكل قال هي البت دي.

توجهت نظراته نحو "فيروزة" التي تناول أحدهم كيسًا مليئًا بالطعام، فرك "حمص" كفيه معًا وقال بنبرة توحي باستعداده:
-مية مية، كده احنا في السليم، جاهز يا بونط؟
تبدلت نظرات "شيكاغو" للشراسة على نحو مخيف قبل أن ينطق:
-جاهز يا برنس، بينا.

وجهٌ قميء منفر رمقها بنظرة غريبة تعكس شرًا وخبثًا وهو يدنو من العربة حينما حدقت نحوه بتلقائية من النافذة أمامها، كان ممسكًا بعصاه غليظة؛ أو ما يطلق عليها "شومة". راودها شعورًا غير مريح تجاهه، فله تعابير شيطانية تبعث الانقباض، لم تستطع إبعاد أنظارها عنه، ولكن اكتسى وجهها بتعابيره الجادة حينما بات في مواجهتها مباشرة، وبرسمية بحتة بادرت "فيروزة" قائلة له:
-معلش احنا قفلنا الأوردرات و...

قاطعها "شيكاغو" بابتسامة وضيعة، وتلك النظرات الملبكة للأبدان تجتاح عينيه:
-احنا مش جايين في أوردر يا حلوة.
عبست ملامحها، وقطبت جبينها مرددة في استغرابٍ لا تنكر أنه وتَّرها:
-نعم؟
انتبهت "همسة" للكلام المريب الذي شحنت به الأجواء وقد كانت في البداية منهكمة في غسل أدوات الطهي، تحركت حدقتاها لتتجول على وجه الرجل الآخر الملاصق لذاك الفظ حينما استطرد:
-سمعتي عن المثل اللي بيقول اللي مالوش كبير بيشتريلوا كبير؟

نظرت "فيروزة" لكليهما شزرًا قبل أن ترد بلهجتها المزعوجة:
-أفندم؟! إنتو جايين تهزروا هنا؟
تجاهل عبارتها ليضيف بكلمات موحية بشرٍ قادم وهو يرفع عصاه عاليًا ليلوح به:
-وإنتو غلطتوا في كبيرنا!

كانت طريقته مستهلكة في بث الخوف، لكنها فعالة في التأثير على النفوس، وبالرغم من تلك الرجفة التي تسللت إليها إلا أنها قاومت شعورها بالخوف ووأدته في مهده قبل أن يتمكن منها لترد ببسالةٍ:
-كبيركم مين ده؟ هو احنا نعرفكم أصلاً؟!!!
قست نظراته عندما جاوبها:
-لأ متعرفوناش! بس احنا رجالته، واللي يمسه يمسنا.

استجمع جأشها وتغلبت عن خوفها الذي تضاعف قليلاً لترد بهدوءٍ حذر:
-طب امشي من هنا، والله يسهلك، احنا مش عاوزين مشاكل مع حد
أولته ظهرها لتستدير نحو أختها، ثم دمدمت بصوتٍ خفيض، وكأنها بذلك تطرد الخوف قبل أن يتمكن منها:
-هي ناقصة بلاوي على آخر الليل، شكلهم مبلبعين حاجة.
على عكسها كانت "همسة" تتطلع إليهما في ارتعابٍ، لعقت شفتيها مرددة بصوتٍ مهتزٍ:
-قلبي مقبوض يا "فيروزة"، حاسة إن ...

لم تكمل جملتها للأخير، فقد لمحت واحدًا منهما يرفع عصاه في الهواء ليضرب بها نافذة العربة، فتهشم زجاجها، وكردة فعل تلقائية مذعورة جذبت أختها نحوها وهي تصرخ منادية إياها في هلعٍ حتى لا تتناثر القطع الحادة على ظهرها:
-حاسبي يا "فيروزة"!

وبأعجوبة شديدة نجت الأخيرة من ضربة قاسية كادت أن تطالها من طرف العصا، استدارت "فيروزة" تنظر في حنق لذلك الوغد الذي شرع في تدمير حلمها بتحطيم واجهة العربة وتمزيق الإعلانات الملتصقة بها، انتابتها نوبة من الهياج فصرخت به لتذود بشراسة منقطعة النظير عن خاصتها:
-إنتو اتجننتوا، إيه اللي بتعملوه ده؟

على الفور ترجلت من العربة لتواجههما بمفردها وصرخات أختها المذعورة التي تتوسلها بالابتعاد عنهما تصدح من خلفها، كانت مغيبة فلم ترَ سوى تصرفهما الشنيع. انهال "حمص" بعصاه على جانب العربة ليُحدث التواءً جسيمًا ببدنها، حاولت إيقافه فاندفعت تلكم ظهره بقبضتيها وهي تلعنه، لكنه دفعها من كتفها بخشونة فارتدت للخلف وسقطت على ظهرها، جثت "همسة" على ركبتيها أمامها ترجوها باستماتة وهي تجاهد لمنعها من العودة إليه:
-لأ يا "فيروزة"، احنا مش أدهم!

صرخت بهيسترية:
-سبيني عليهم.
ردت ببكاءٍ مفزوع وصارخ:
-بلاش عشان خاطري، هيأذوكي
تفاجأ المتواجدون بالمكان بما يحدث من تخريب للعربة، حاول بعضهم التدخل لإيقافهما لكن تهديد "شيكاغو" شديد العدائية والمقترن بإشهار سلاحه الأبيض ذو النصل الحاد في يده الأخرى أجبر أشجع الرجال على التراجع بعد أن تلاشت بوادر الشجاعة، دار في المكان وهدد صائحًا بصوته الجهوري:
-محدش يتدخل لنجيب كرشه على الأرض!!!!!!

ولكونه ذائع الصيت في تصرفاته الإجرامية، لم يتجرأ أحدهم على إيقافه، وإلا لتحول لجثة هامدة، وتركوه يفعل ما يحلو له، صرخت "فيروزة" مستنجدة بمن حولها علها تجد من يتصدى لهما:
-الحقونا يا ناس، هاتسيبوهم كده؟

ولكن لا حياة لمن تنادي، الكل خذلها في لحظة، انعدمت الشجاعة في نفوسهم، واختفت المروءة فأداروا لها ظهورهم خوفًا على أعمارهم مما سحقها تمامًا، احتضنتها "همسة" بكل قوتها وجثمت عليها حتى لا تتحرر منها وتتورط بتهورها في تلك اللحظات المصيرية في كارثة قد تودي بحياتها، امتزجت أصوات صرخاتهما مع بكائهما المرير، وفي دقائق معدودة كانت النيران تضرم في العربة لتحترق روح "فيروزة" معها. وما إن انتهى "شيكاغو" من عمله حتى استدار نحوهما، رفع عصاه الغليظة أمام وجهيهما يلوح لهما بها وصوته الخشن يجلجل عاليًا لينذرهما:
-ده درسك ليكم عشان لما تتعاملوا مع أسيادكم تعرفوا مقامكم وتلزموا حدودكم!

وضع "حمص" يده على كتف رفيقه وهو يقول بنبرته المزهوة:
-الريس "تميم" مش هافية عشان شوية نسوان كسر تعلم عليه، لأ وراه رجالة ينسفوا اللي يقرب منه!
كركر "شيكاغو" ضاحكًا قبل أن يبتر ضحكته فجأة ليهينهما:
-سلام يا بياعين الكبدة!

رحل كلاهما تاركين ألسنة النيران تلتهم العربة وتقتلع روح "فيروزة" معها، رأت بأم عينيها ما سعت لتحقيقه يذهب سدى ويتحول إلى رماد، لم تتحمل قساوة الأمر، كان لزامًا عليها أن تنتقم ممن أحرقها حية، دفعت أختها عنها بقوة مستخدمة كفيها، أسقطتها إلى جوارها ونهضت تركض في اتجاه الطريق، تأوهت "همسة" من الألم، وصرخت تناديها:
-رايحة فين يا "فيروزة"، استني عشان خاطري!

قاومت الألم الشديد ولحقت بها، اعترضت طريقها لتستوقفها، ورجتها بأنفاسٍ متهدجة:
-وحياة أغلى حاجة عندك تخليكي هنا!
كانت مدركة أن أختها حينما تنال منها عصبيتها العمياء تتحول للجنون، وتطيح بكل شيء خلال غضبها الأهوج، تملصت "فيروزة" منها صارخة بلا وعي، وغضبها يتعاظم في عينيها كحمم البركان الملتهبة:
-ابعدي عني، والله لأوريه "تميم" ده، قسمًا بالله لأحرق قلبه زي ما حرق عربيتي، مش هاسيبه إلا لما أرجعه السجن اللي جه منه!

كالمجذوبة، والفاقدة لأهليتها، اندفعت عبر الطريق غير عابئة بحركة السير فيه، قطعته عدوًا وبشكلٍ جنوني وسط أبواق السيارات المتذمرة لرعونتها، فشلت "همسة" في إيقافها، فما كان منها إلا اللحاق بها وهي تصيح بها كرجاء أخير بائس حتى بح صوتها:
-يا "فيروزة" استني!

ركضت في اتجاه دكان عائلة "سلطان" الذي يطل على ناصيتين؛ إحداهما للزقاق الجانبي، والآخر لطريق فرعي يصل في نهايته للشارع الرئيسي، كانت كامل نظراتها المحتقنة مسلطة على وجه "تميم"، وقفت قبالته وهو جالس أمام المدخل وصدرها ينهج علوًا وهبوطًا، مسحت بيدها عبراتها التي انسابت بلا توقفٍ، حدجته بنظرة مميتة خالية من الحياة، ثم نادته عاليًا بنبرة أقرب للصراخ بصوتها المجروح:
-إنت يا رد السجون، يا خريج اللومان!

تفاجأ "تميم" من النداء الأنثوي الفج وقد كان مشغولاً بمراجعة الفواتير مع والده، التفت برأسه نحو صاحبة الصوت ليتطلع لها في استنكارٍ وغضبه قد بدأ في الظهور على ملامحه، عرفها بمجرد التطلع إلى وجهها .. علامات الاستهجان غطت تعابيره .. كذلك ضاقت نظراته وهو يتأمل الحالة الفوضوية المسيطرة عليها، تبادل مع والده نظرات حائرة حينما كررت ندائها:
-إنت أطرش؟ رد عليا يا بلطجي!

كانت الحركة شبه هادئة في المنطقة في ذلك التوقيت الليلي بعد انصراف الأغلب ليعودوا إلى منازلهم، لكن بصوتها المرتفع والجلبة التي أحدثتها بدأ القليل في التجمع ليتابعوا بفضولٍ ما يدور. وبتشنجٍ وغيظ نهض "تميم" عن مقعده بعد إهانتها الوقحة التي تكررت على مسامعه، استدار متجهًا إليها ليصبح في مواجهتها، حدجها بنظرة شرسة، ثم سألها بشكلٍ مباشر:
-مين ده اللي بلطجي؟ إنتي بتكلميني أنا؟

لوحت بيدها مهينة إياه:
-أيوه إنت يا معدوم الرجولة! يا حيوان! بتحرقلي عربيتي ومفكرني هاسيبك؟
استقام "بدير" في وقفته لينظر إلى تلك الشابة بنظراته الدقيقة المتفحصة، تنشطت ذاكرته وعرفها دون عناء؛ إنها ابنة جارتهم القديمة "آمنة". انزعج من تطاولها على ابنه، ومع هذا سألها بصوته الرخيم وبهدوءٍ حذر حتى لا يقود ذاك الجدال المحتدم غير مفهوم الأسباب لمنحنى آخر:
-هو في إيه بالظبط؟

جاوبته بصراخٍ:
-اسأله الكلب ده!
نعتت "تميم" بما لا يليق فاستشاط غضبًا، ولولا وجود والده لكان له كلام آخر يردع به لسانها المنفلت، تساءل "بدير" بوجومٍ:
-إيه اللي بيحصل يا "تميم"؟
أجابه بحنقٍ وعروقه تنبض بدمائه التي طالها الهياج:
-مش عارف يابا، أهي بلاوي على آخر الليل!

خطوة جسورة تقدمت بها "فيروزة" نحوه شحذت معها قواها الغاضبة بالكامل، ودون سابق إنذارٍ رفعت يدها في الهواء لتهوى به على وجه "تميم" لتصفعه في غفلة منه قبل أن تتهمه علنًا:
-باعتلي شوية بلطجية يحرقوا عربيتي يا جبان، بتردهالي يا حشاش!
باغتته بصفعتها المهينة وعبثت برجولته، احمر وجهه واِربد بالمزيد من الغضب المحموم .. كما اندفعت الدماء الثائرة تغزي عروقه .. همَّ بالانقضاض عليها والإطباق عليها من عنقها ليخنقها وهو يهدر بها في عصبية مبررة:
-إنتي اتهبلتي يا بت!!!!

ولكن وبكل مهابةٍ وقوة ضرب "بدير" بعكازه الأرضية صائحًا في ابنه ليوقفه قبل أن يتهور ويبادلها صفعة حتمًا ستؤخذ عليه:
-عندك يا "تميم"!!!
لم يهتز ل "فيروزة" جفن، ولم ترتعد أو تندم من فعلتها تلك، بل شعرت أنها شفيت جزءًا من غليلها بإيلامه هكذا بوقاحةٍ تليق به، وبالانتقاص من كرامته بإحراجه وإذلاله بذلك الشكل المهين. هدر "تميم" يقول لوالده بصوته اللاهث من الغضب وقد استبد به جنونه وسيطرت عليه انفعالاته الجامحة:
-دي بتمد إيدها عليا وسط الخلق وعاوزني أسكت؟

أنذره "بدير" بصياحه الآمر به ونظراته التي تعكس سطوته:
-ولا كلمة، وقفتي مش عجباك؟
كبخ غضبه مرغمًا ليرد:
-على دماغي يا حاج، بس آ.....
إشارة أخرى من عيني والده جعلته يصمت مضطرًا، وجه حديثه إلى "فيروزة" يعاتبها بلهجةٍ جمعت بين الشدة والحزم:
-مايصحش اللي عملتيه ده؟ لو ليكي حق عنده تعاليلي، لكن مافيش حُرمة بتمد إيدها على راجل و...

قاطعته متعمدة احتقار ابنه وإهانته بقساوة أكبر:
-ده لما يكون راجل أصلاً!!!!
استفزته عبارتها تلك وأخرجته عن شعوره، لذا صاح بها بعصبيةٍ جمة وهو يهددها بيده التي تكاد تطالها لتفتك بها وتحطم عظامها وعيناه تقدحان بالشرر المستطر:
-أنا راجل غصب عن اللي خلفوكي، ما تلمي نفسك يا بت إنتي وإلا هاقتلك!

ردت بجراءة تتحداه فيها معبرة عن غضبها المندلع وهي تلهث من فرط انفعالاتها الثائرة:
-مش خايفة منك يا قتال القتلة، وأنا والله ما سيباك، وخلي الناس دي كلها تشهد عليا، أنا هاحبسك تاني، ومش هتنازل عن حقي لو فيها موتي يا بلطجي!
ثم حدجته بنظرة نارية قبل أن تتركه يحترق كمدًا في مكانه، ارتبكت "فيروزة" في حقه -وهي في قمة غضبها- خطئًا جسيمًا لن يغفره، وقبل أن يتصرف برعونة أمسك به والده من ذراعه ليستوقفه قائلاً له بصرامةٍ:
-مكانك يا "تميم"!

هتف بتشنجٍ، وجسده ينتفض من شدة غضبه:
-مش سامع يابا بتغلط فيا إزاي وبترمي بلاها عليا بنت ال ..... دي؟! أنا مش هاسيبها!
شدد أباه من قبضته عليه وجره رغمًا عنه إلى داخل الدكان وهو يقول له:
-سيبها دلوقتي
-إنت هتصدقها يابا وتسيبها تمشي كمان! ومين هايجبلي حقي منها بعد الجُرسة دي؟
رد حاسمًا الأمر:
-أيوه هاسيبها...

ثم تابع موضحًا أسبابه:
-ما هو مش طبيعي اللي عملته ده، أكيد في حاجة حصلت وإنت ليك يد فيها!
نظرة استنكارٍ كست وجهه عقب لومه المتواري، أحس بغليان يأكل جسده الذي تصلب وانتفض، ثم هتف مدافعًا عن نفسه بصوته الذي اكتسب نبرة هائجة:
-ده أنا جمبك طول اليوم يا حاج متنقلتش من مكاني!
غامت عينا "بدير" وهو يعقب عليه:
-يبقى الحكاية فيها إن! واهدى كده خلينا افهم إيه أصل الموضوع!

كور "تميم" قبضة يده وضرب بها الحائط في جنونٍ حتى لا ينفجر من شدة غيظه، شعر بأحشائه تحترق، بلهيب ساخن يندفع من عينيه، وبأنفاسٍ هادرة صاح يتوعدها وقد حل الإظلام على قسماته:
-وأنا مش هاسيبها ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة السادسة عشر بقلم منال سالم


افتقرت إلى الشجاعة واختبأت خلف أحد الأكشاك المغلقة تراقب في فزعٍ تلك المواجهة المحتدمة بين أختها و"تميم"، لم تكن مثلها جريئة، مندفعة، تناطح من يتحداها الرأس بالرأس، أصابها الجزل الشديد حينما رفعت أختها يدها لتصفعه، ظنت أنها نهايتها المحتومة، ودق قلبها في ارتعابٍ مهلك .. كتمت أنفاسها، وحاولت جمع جأشها وتحفيز حواسها لتذهب إليها وتزيحها من طريقه قبل أن يفتك بها، لكن لم تسعفها قدماها، تجمدت كالصنم، وبقيت أنظارها تراقب في خوفٍ ورجاء..


 
حبست "همسة" أنفاسها، وبقيت دقات قلبها تنبض بعنفٍ حتى كادت أن تصم أذنيها، تنفست الصعداء بمجرد ابتعادها عنه، انتظرت حتى باتت قريبة منها، فهرعت إليها وألقت بنفسها في حضنها حامدة الله في نفسها أنها ما زالت على قيد الحياة، أفاقت من فزعها وجذبتها بعيدًا عن الأنظار لتلومها في تلهفٍ ونظراتها تتحرك بتوترٍ كبير:
-ليه كده يا "فيروزة"؟
أجابت أختها بجمودٍ ووجهها القاسي مشدود على الأخير:
-يستاهل!


 
أمسكت بها من ذراعيها تهزها في عنف وهي تواصل لومها المرتعب:
-إنتي كده ضيعتي نفسك، حد يعمل اللي عملتيه ده؟!!!
نفضت قبضتيها عنها، وقالت بألمٍ وهي تحملق فيها بعينين مشعبتين بحمرةٍ ملتهبة:
-واللي عمله فينا بالبلطجية بتوعه عادي؟ تعبنا راح كله يا "همسة"، سمعاني؟ احنا اتدمرنا بسببه!
علقت عليها بأنفاسها المتهدجة:
-أنا خايفة عليكي، هو كده مش هايسيبك، اللي زي ده هياخد حقه منك، ومش بعيد آ...

هربت الكلمات من على طرف لسانها، خشيت أن تبوح لها بما ينبئها حدسها، بأنها فتحت على نفسها بابًا من الجحيم حينما اعتدت عليه، وقبل أن تكمل تفسيرها سبقتها "فيروزة" قائلة بنبرة عازمة أظهرت قوة غريبة:
-وأنا مش هاستنى لما يقرب مني، أنا لسه مخدتش حقي أصلاً
تدلى فكها في رعبٍ أكبر، ورمشت بعينيها تسألها وقد تشوش ذهنها بالكامل:
-هتعملي إيه تاني؟
نظرة غامضة مليئة بالشر والقسوة احتلت حدقتيها، اندفعت للأمام تجيبها:
-هاتشوفي.


 
سارت "همسة" خلفها وهي تحاصرها بأسئلتها الخائفة، وجدتها تقف عند ناصية الشارع تراقب بقايا حلمها المحترق بعينين تعكسان ألسنة اللهب المتأجج .. مسحت "فيروزة" دمعاتها المتحسرة ودست يدها في جيب بنطالها الجينز لتخرج منه هاتفها المحمول، كانت شاشته قد أصيبت بالشروخ جراء سقطتها العنيفة قبل قليل، عبثت بالهاتف لتتأكد من عمله، قليل من الارتياح تسرب إلى روحها المتألمة وقد وجدته يستجيب لها، ضغطت على قائمة الأصدقاء لديها، انتقت اسم واحدة من المقربات منها، ثم اتصلت بها ووضعت الهاتف على أذنها، واليد الأخرى انغرست في شعرها الفوضوي، هتفت فجأة بصوتٍ مضطرب لكنه ثابت:
-أيوه يا "علا"، أسفة إني بأتصل بيكي في الوقت ده!

أتاها صوت رفيقتها يقول في تفهمٍ:
-لا ولا يهمك احنا لسه صاحيين.
حررت "فيروزة" أناملها من شعرها ودارت حول نفسها في المكان قائلة لها على عجالةٍ:
-أنا محتاجة مساعدة من أخوكي "ماهر"، ممكن أكلمه؟
وبالرغم من استغراب الأخيرة لطلبها إلا أنها ردت بترحابٍ:
-تحت أمرك يا حبيبتي، هو راجع من برا، ثواني أروحله الأوضة أوديله الموبايل.
-شكرًا يا "علا".


 
قالتها وهي تعض على أناملها في توترٍ، كانت تحاول جاهدة ترتيب أفكارها في رأسها حتى تسرد له الكارثة التي حلت بها كاملة، انتفضت وشعرت بقليل من التشتت وصوت "ماهر" الهادئ العميق يقول لها:
-مساء النور، إزيك يا "فيروزة"؟
تلبكت وهي تجيبه:
-"ماهر" بيه، أنا أسفة إني بأزعجك، بس حصلت معايا مصيبة ومافيش غيرك اللي هايقدر يساعدني
جاء رده جادًا:
-خير، قوليلي في إيه؟

أجابته على عجلٍ بمقتطفاتٍ مما حدث، حاولت ألا تغفل عن شيء، فيما عدا ذلك الجزء الخاص بمواجهتها مع "تميم"، فقد تعمدت إخفائه حتى تتجنب لومه مثلما فعلت أختها، فالأهم عندها حاليًا التركيز على موضوعها الرئيسي، وليس أي فروع جانبية، هزت رأسها وكأنها تراه أمامها حينما أمرها بصوته ذي اللهجة الرسمية:
-حالاً تروحي تعملي محضر إثبات حالة في القسم التابع ليه منطقتك، وأنا هاحصلك على هناك.


 
لمحت إلى صدامها معه فادعت مظهرة القليل من قلقها الذي تقاومه:
-أنا خايفة يتعرضلي يا "ماهر" بيه.
هتف بجدية ليؤكد لها ودون أن ترتفع نبرته:
-البلد فيها قانون، متخافيش، واحنا بنعرف نتعامل مع البلطجية والمجرمين.
تنهدت في ارتياحٍ قبل أن ترد عليه:
-كلامك طمني والله.
أكد عليها من جديد حتى لا تتقاعص:
-ماتضيعيش إنتي وقت وروحي على هناك، مفهوم يا "فيروزة".
هزت رأسها قائلة:
-حاضر.


 
أضاف "ماهر" بصوته الهادئ:
-وهابعتلك رقمي في رسالة عشان تسجليه، وتخليكي معايا على الخط.
كانت ممتنة لوقوفه معها في أزمتها، فتنحنحت تشكر جميله:
-أنا مش عارفة أقول لحضرتك ايه؟
رد عليها بنبرته الثابتة:
-متقوليش حاجة، وطمنيني لحد ما أجيلك.
شكرته من جديد بامتنانٍ أكبر:
-حاضر، شكرًا يا "ماهر" بيه، ربنا يخليك لينا.

أنهت معه الاتصال وابتسامة راضية أضاءت عتمة وجهها، انتاب الفضول "همسة" لتعرف ما دار بينهما خلال تلك المكالمة، اعترضت طريق أختها تسألها واللهفة تملأوها:
-قالك إيه الظابط أخو "علا"؟
جذبتها من ذراعها لتدفعها للسير معها قبل أن تجيبها:
-هاحكيلك، بس تعالي معايا الأول.

بصعوبة جمة ومجهودٍ غير يسير أقنعه بترك الدكان، وإرجاء كافة الأعمال ليعود معه إلى منزله حتى يضيع عليه فرصة الاشتباك مع تلك الفتاة الطائشة التي خرقت القواعد، وتجاوزت الأعراف والأصول بتطاولها باليد على ابنه. أجبره على الانصياع لأوامره بالرغم من الثورة العارمة المندلعة بداخله، وليضمن بقائه بعيدًا عنها أصر على الذهاب معه، وقف كلاهما أمام مدخل البناية في حالة تحفز مبررة، استطرد "بدير" يأمره بلهجته غير القابلة للنقاش:
-اطلع البيت حالاً، سامعني؟

سدد "تميم" لوالده نظرة عكست غليانه المتأجج، نفخ بصوتٍ مسموع، وأشاح بوجهه للجانب الآخر وقد بدا كامل جسده متصلبًا من شدة عصبيته المكتومة، هزه والده معاودًا إملاء أوامره عليه:
-"تميم"، اتحرك! مستني إيه؟
رفض الاستجابة له، فقال بصوته الحانق وتلك الملامح المظلمة تكسو وجهه:
-مش هامشي يابا!!
رد عليه "بدير" بحدة طفيفة ضاغطًا عليه:
-قولتلك أنا هاتصرف معها.

غامت نظراته أكثر، ورد معارضًا بشدة:
-الموضوع ده بالذات يخصني، ده مس كرامتي و...
قاطعه بحزمٍ:
-لما تهدى الأول اسيبك تتعامل، لكن دلوقتي استحالة! إنت هتولعها حريقة
-هي ولعت خلاص يابا.
حاول أن يحدثه بعقلانية، فقال له بنبرة أبوية:
-طيب، اطلع لمراتك، هي مستنياك من بدري.
وكأنه يُحادث الفراغ، انفجر فيه هادرًا بنبرة تعبر عن جزء محدود للغاية مما يستعر بداخله:
-أنا عاوز حقي يابا.

علق عليه مشددًا بنبرته الرزينة ودون أن تطرف عيناه:
-حقك هانجيبه بالأصول، ماشي؟ بالأصول ومش بحاجة تانية! ويا ريت مراتك متعرفش حاجة عن اللي حصل.
صاح في غلٍ وعروقه تنبض بقوةٍ:
-ده الحتة كلها اتفرجت عليا وبنت ال ...... بترفع ايدها عليا و....
قاطعه مؤكدًا:
-محدش هيجرؤ يتكلم بالسوء عنك حتى لو هي غلطت، إنت اتصرفت صح
رد بألم وغضبه يتضرج في وجهه:
-دمي محروق يابا، حاسس ببركان بيغلي في نافوخي، مش قادر أهدى خالص!

كان "تميم" غير راضٍ بالمرة عن إذلاله بتلك الصورة المهينة على يد امرأة دون أن ينال لكرامته المبعثرة، ظل ذلك المشهد متجلي في عقله ليزيد من حنقه ويضاعف من غضبه، لاحظ "بدير" قساوة تعابيره، بالإضافة إلى ذلك التقلص المريب الذي أصاب وجهه، حاول أن يخرجه من حالته المكبوتة فوعده
-أنا هاتصرف وأجيبلك حقك، وزي ما وعدتك الموضوع ده هيتجاب أراره النهاردة، اطلع إنت بس لمراتك.

كان عنيدًا بشكلٍ رهيب، رفض الإصغاء له وظل باقيًا في مكانه ينفث عن غضبه بإشعال السجائر وتدخينها بشراهةٍ، لازمه والده مضطرًا عاقدًا النية على المبيت بجواره، وإن بقيا هكذا واقفان في مكانهما حتى ييأس الأخير ويتخلى عن عناده.

صدمة هبطت كالصاعقة المدمرة فوق رأسه حينما تساءل مصادفة عن سبب اندلاع الحريق بعربة الطعام المملوكة للفتاتين، والتي دوى صداها في الأرجاء كما تنتشر النيران في الهشيم، بالطبع تفاجأ من كون أتباعه هم من أضرموا فيها النيران وقاموا بإحراقها، وما زاد الطين بلة تباهيهم المستفز بذلك. صال وجال، وهاج وماج، وانتفضت عروقه وهو لا يستوعب حجم الكارثة التي وقعت على الجميع. ركل "ناجي" بقدمه صينية الأكواب الزجاجية الموضوعة على طاولة قصيرة الطول بكل عصبيته لتسقط بما فيها على الأرضية، تهشم الزجاج وتبعثر في كل مكانٍ مسببًا الفوضى، ثم هدر بصوته الغاضب لاعنًا "حمص" وشيكاغو":
-الله يحرقكم إنتو الجوز! عملتوا كده ليه؟

أجابه "شيكاغو" بنوعٍ من التفاخر وبوجهه البادي عليه علامات الإجرام:
-كنا بنوجب مع الريس "تميم" يا كبير.
رد في حنق وعيناه تطقان بالغيظ:
-إنتو وقعتوا الدنيا في بعض، ضربتوا كرسي في الكلوب، والكل هيولع.
علق في برودٍ مستفز:
-متكبرش الحكاية يا كبير، دول تمامهم صويت ولطم، مافيش أكتر من كده.

هدر به بنبرته المغتاظة وهو يدفعه من كتفه في قسوةٍ:
-إنت غبي ولا بتستعبط؟! دي مصيبة يا هباب البرك! ربنا يستر ومايقلبش علينا!
فرك "حمص" طرف ذقنه متسائلاً بسماجةٍ:
-واحنا هنعرف منين إنه مش هايعجبه شغلنا؟
التفت "ناجي" ناحيته يعنفه بحدةٍ وصراخ:
-حد طلب منكم خدمة؟ ولا قولنالكم حاجة، إنتو أغبية ومخكم فيه جزمة! بتتصرفوا من دماغكم ليه؟

برر له "شيكاغو" قائلاً بوجهه الممتعض:
-يا معلم فكرنا لما هنعمل كده هيرضنا عننا و آ.....
قاطعه في غلٍ:
-ده مش بعيد يولع فيكم بعد ما يعرف!
حك "حمص" طرف أنفه وهو يجيبه بلسانٍ شبه ثقيل:
-كله بيعدي ياكبير، روق إنت بس، تحب ألفلك سيجارة وصاية؟

نظر له شزرًا، فقد كان يبدو عليه أثر تعاطي تلك المواد المخدرة، بصق عليه ثم قال:
-يخربيت الزفت اللي بتسفوه، أهوو ودانا في داهية!
تبادل كلاً من رفقي السوء نظرات غير مبالية أو حتى نادمة عما اقترفا، وعلى عكسهما كان يدور "ناجي" حول نفسه في دوائر فارغة يعتصر عقله ويفكر بعمقٍ عله يجد الحل الملائم لتلك المعضلة العويصة، تمتم مع نفسه متسائلاً وهو يكز على أسنانه:
-طب أتصرف إزاي دلوقت؟

استغرق في أفكاره الانتقامية الهوجاء فلم يشعر بمرور الوقت، كانت نظراته قاتمة، واحتوت على قساوة مخيفة خاصة حينما أتت الأخبار السيئة عن احتراق العربة، إذًا الفتاة لم تكن تدعي بالباطل عليه، وهناك من أشعلها وزج باسمه في الأمر ليبدو متورطًا بشكلٍ مباشر فيه، وكأنه بذلك يخلق العداوة بينهما، وبالرغم من كم ما علمه إلا أنه لم يعرف بعد هوية المتسببين فيه التخريب، لكن الأوصاف التي قيلت عن أحدهم تنطبق بصورة كبيرة على واحدٍ ممن يشك فيهم، انتشله والده من سرحانه الواضح وقد شعر بالإرهاق يتغلغل في عظامه المسنة، فقال له بما يشبه الرجاء:
-مش كفاية كده يا "تميم"، اطلع بيتك خليني أتوكل على الله.

-يابا قولتلك امشي من بدري، بس إنت اللي رافض
-ما هو ما ينفعش أسيبك وإنت كده
-خلاص أنا هديت
-ربنا يكملك بعقلك، كل حاجة وليها حل، اطمن
ظن بكلماته تلك أنه سيسكن آلامه المعنوية، لكنها لم تفعل شيئًا سوى تأجيل رغباته الانتقامية لوقت يكون قادرًا فيه على الرد وبشراسة .. بدأت زخات المطر في الهطول بشكل خفيف بعد أن تجمعت السحب الكثيفة وكإنذارٍ مبكر عن زيادة حدتها، اعتبرها "بدير" فرصة جيدة لحث ابنه على الصعود، أشار له بعكازه:
-اطلع يا ابني، أديك شايف الجو بقى عامل إزاي، وبعدين مراتك قلقانة عليك.

ردت في ضيقٍ:
-ما أنا واقف أهوو تحت البيت، هاروح منها فين، وبعدين أنا مش فايقلها أصلاً.
وفجأة صدحت أبواق سيارات الشرطة في المكان فلفتت انتباه كلاهما، تركزت أنظارهما مع رجال الشرطة الذين ترجلوا منها، اقترب أحدهم وهو يرتدي زيًا مدنيًا ليسألهما بصوتٍ مرتفع لكنه رسمي:
-في واحد اسمه "تميم سلطان" ساكن هنا؟!

نظرة حائرة غامضة تبادلها "تميم" مع والده الذي كان يتطلع إليه في اندهاش، استدار برأسه ليرد على الضابط بتعابيره المدهوشة:
-أيوه أنا، خير يا حضرت الظابط؟
رمقه بنظرة دونية عبرت عن ازدرائه له قبل أن يأمر رجاله من خلفه بكلمة واحدة لكنها نافذة وهو يشير لهم بيده مُشعرًا إياه أنه يتعامل مع شخصية حقيرة نكرة:
-هاتوه!
رد محتجًا في حدة:
-يجبوني ليه؟ أنا معملتش حاجة!

تجاهله تاركًا لرجاله مهمة إلقاء القبض عليه، حاول "بدير" اعتراض طريقهم كردة فعلٍ تلقائية لحماية ابنه، وتساءل في جزلٍ:
-عاوزينه ليه يا حضرت الظابط؟ هو عمل إيه؟
أجابه بغموضٍ وتلك النظرة الاحتقارية تغطي ملامحه:
-في القسم هيعرف!

لم يتمكن من الجدال معه حيث انقض العساكر على "تميم" وجذبوه بقساوة وقوة نحو سيارة الشرطة، وبالرغم من اعتياده على مثل ذلك الأسلوب الجاف في التعامل إلا أن إهانته بتلك الصورة زادت من توحشه ومقاومته، تبعه "بدير" صائحًا:
-ماتقلقش يا "تميم"، أنا جاي معاك! وهاكلم المحامي ومعارفنا كلهم، اطمن!

رد عليه بنبرة قاتمة:
-كده ولعت على الآخر يابا!
دفعه العساكر دفعًا ليصعد في مؤخرة السيارة وكأنه بهيمة غير مكترثين بالإصابات المؤلمة التي تنال من جسده جراء خبطه عن قصدٍ وبقساوة. أدرك "تميم" من تلك المعاملة الحادة معه أن هناك من يكيد له، ورغم عدم الإعلان عن سبب القبض عليه إلا أن ما يراود عقله من ظنون بشأن تورطها في تلك المسألة كان قويًا.

ضمت كفيها معًا ووضعتهما في حجرها وهي تجول بعينيها المتوترتين على تفاصيل مكتب الضابط الذي تجلس أمامه بمفردها، حيث طلبت من أختها العودة إلى المنزل والبقاء مع والدتها ريثما تذهب لقسم الشرطة، استجمعت "فيروزة" جأشها وحافظت على صلابتها خلال إدلائها بأقوالها في البلاغ الرسمي الذي تقدمت به ضد "تميم" محاولة عدم الإغفال عن أي تفصيلة.

معاملة جيدة تلقتها في الداخل حينما أعلمت أحد الضباط بأنها على صلة بالضابط "ماهر"، والذي على ما يبدو كان الأسبق في إعلامهم بقدومها، لم تجد أي صعوبة في القيام بالإجراءات القانونية، وتم اصطحابها لمكتب أحد الضباط ذوي العلاقات القوية مع "ماهر"، استعلم منها بإيجازٍ عن مشكلتها قبل أن تسرد له الأحداث كاملة، ما دعم أقوالها أيضًا هو ذاك البلاغ الذي قام به أحد المواطنين ليعلن عن نشوب حريق في إحدى عربات الطعام الكائنة بمنطقة الكورنيش جراء الاعتداء السافر لأحد المجرمين، ولكن لم يجرؤ مقدم البلاغ عن الإفصاح عن هوية المتسبب في الحريق خوفًا على حياته من بطشه.

كانت "فيروزة" في حالة قلقٍ وحيرة مبررة، أخفت بمجهودٍ عظيم تلك الرجفة التي أصابت جسدها بمجرد أن وطأت ذلك المكان، امتدت يدها لتمسك بكوب عصير الليمون، وضعت طرفه على فمها ترتشف منه القليل حتى تبلل حلقها الذي جف كليًا، شعرت بالمذاق اللاذع يؤلم جوفها، ومع ذلك ابتلعته مجبرة وهي تترقب سؤال الضابط التالي. عبث "وجدي" بقلمه الحبري ونزع غطائه ووضعه عليه من جديد في لزمة مملة، وكأنها وسيلته لترتيب أفكاره، نظر إليها نظرة مطولة قبل أن يعاود سؤالها:
-يعني إنتي بتتهمي "تميم" ده بحرق عربيتك؟

أجابت دون ترددٍ:
-أيوه يا باشا.
ترك القلم من يده وسألها:
-وإيه الدافع اللي يخليه يعمل كده؟
شعرت بالقلق من سؤاله الروتيني، انتابتها الهواجس بأنه لا يصدقها، وربما تفتري عليه، ازدردت ريقها، ثم تنفست بعمق وجاوبته:
-معرفش يا حضرت الظابط
مط فمه، وسألها مباشرة من جديد:
-في عداوة بينكم؟
صمتت للحظة تحاول قراءة ما يدور في رأسه، ترددت في إطلاعه على تلك الكراهية التي نشبت بينهما فجأة دون أسباب حقيقية، ومع ذلك حسمت أمرها وباحت بتفاصيل كل شيء.

اقتادوه للقسم الشرطي، وتعاملوا معه بشكلٍ مهين مبعثرين كرامته الغالية بنعته بشتائم خارجة وألفاظ نابية تمس الوالدين، قاومهم "تميم" بخشونة مما زاد من تحاملهم عليه، كان أكثر وقاحة وعدائية وهم يجرونه للداخل، أجبروه على الجلوس على الأرضية في الردهة والأصفاد في معصميه منتظرًا السماح له بالدخول لغرفة الظابط المسئول عن التحقيق معه. لحق به والده ولم يتخلَ عنه، وقف قبالته، ولكن على مسافة ما يقول له:
-متقلقش يا "تميم"، أنا كلمت حبايبنا كلهم، ودلوقتي هنفهم في إيه.

رد عليه في قتامةٍ وعيناه تبرقان بوهجٍ غاضب:
-مش محتاج أعرف، ما هي باينة زي الشمس!
أضاف في تلهفٍ ليهدئه:
-كله هيتحل، حبايبنا زمانتهم جايين.
رد غير مبالٍ وبنبرة جافة ومخيفة:
-وحتى لو متحلش، هو بقى عندي!

لم يعقب عليه، فقد علم في قرارة نفسه إلى الذي يرمي إليه، وحدها فقط من تقف وراء تلك المهزلة المهينة، وحتمًا لن يمرر ذلك مرور الكرام بمجرد خروجه من هنا.
لحظاتٍ وامتلأ القسم بعناصرٍ من أفراد الشرطة من ذوي الرتب والمناصب العليا، وكأن هناك زارة استثنائية من أحد كبار المسئولين للتفتيش عمن فيه، كان المفاجأة الصادمة لمعظم العاملين به أن أغلبهم قد جاء للتوصية ب "تميم"؛ فصداقات والده الوطيدة مع أمثال اللواء "وفيق" أفادته كثيرًا. تبدلت المعاملة للنقيض، وتم انتزاع الأصفاد الحديدية من معصميه، واصطحابه لغرفة جانبية تستخدم لاستراحة الضباط. وبالرغم من المحاولات الجادة لتعويضه عما قابله من معاملة سيئة في البداية إلا أن ذلك لم يخفف من حدة الغليان المسيطر عليه.

في تلك الأثناء، جاء ضابط ما، مفتول العضلات، عريض المنكبين، ذو طلة مهيبة، وصاحب وجه صارم وتعابير جادة إلى القسم، ألقى عليه من يمرق بجواره التحية العسكرية مظهرين احترامهم له، ولج إلى غرفة مكتب الضابط "وجدي" قائلاً له بلهجته ذات الطابع الرسمي:
-"وجدي" بيه!

نهض الأخير من خلف مكتبه فور أن رأه ليرحب به، مد يده ليصافحه وهو يقول:
-أهلاً "ماهر" بيه، نورت مكتبي المتواضع.
رد مجاملاً:
-شكرًا يا باشا.
نظرة خاطفة تحولت نحو تلك الفتاة وهو يهم بالجلوس قبالتها محاولاً التأكد منها قبل أن يشرع في سؤالها، تأملها بنظراته المتفحصة قبل أن يسألها:
-إنتي "فيروزة"؟
هزت رأسها تُجيبه:
-أيوه أنا.

لم يكن "ماهر" قد رأها إلا في مرات عابرة حينما كان يعرج على أخته في الكلية ليوصلها، لذا بدا وجهها مألوفًا بالرغم من الحالة الفوضوية البادية عليها، وعلى النقيض عرفته "فيروزة" من وجهه الذي رأته في أغلب الصور الفوتوغرافية التي جمعته مع صديقتها "علا"، ومع هذا لم يُصادف أن يتبادل كلاهما أي حديث ولو مقتضب. تفرس فيها وسألها باهتمامٍ:
-إنتي كويسة؟ عملتي اللي قولتلك عليه؟

أجاب عنها "وجدي" تلك المرة، وتلك الابتسامة المتكلفة مطبوعة على شفتيه:
-اطمن يا "ماهر" بيه، أنا قايم بالواجب كله معاها
رد يشكره بتملقٍ:
-ده العشم يا باشا...
ثم استأذنه بصوته الجاد:
-تسمحلي أطلع على المحضر؟
قال مرحبًا ودون أن يظهر أي اعتراض:
-اتفضل سعادتك.

مد "وجدي" يد نحوه بالأوراق التي دونت فيها أقوال "فيروزة" ليبدأ "ماهر" في قراءتها على عحالةِ، صمت مريب ساد في المحيط إلا من أصوات لفظ دخان السجائر المشتعلة، قاومت "فيروزة" رغبتها في السعال بسبب الدخان الذي عبق المكان وملأه. دق الباب ليلج بعدها أحد العساكر وعلى وجهه نظرة متوترة قبل أن يتجمد في مكانه مُلقيًا التحية العسكرية، ثم أردف بعدها:
-تمام يا فندم.

رفع "وجدي" أنظاره نحوه يسأله:
-خير يا عسكري.
أجاب بلهجته الرسمية ودون أن يرف جفناه:
-سيادة المأمور عاوز سعادتك حالاً
استغرب كثيرًا من طلب المأمور غير المعتاد لرؤيته، تنحنح بصوتٍ مرتفع، ثم أشار له بعينيه وهو يقول:
-روح إنت يا عسكري، وأنا جاي وراك.

أدى له التحية العسكرية قبل أن يستدير منصرفًا من الغرفة ومغلقًا الباب خلفه، تطلع إليه "ماهر" متسائلاً في اندهاشٍ:
-مش غريبة المأمور يطلبك
رد بوجهٍ مبهم التعبيرات:
-مش عارف، مش بعوايده
ثم نهض من خلف مكتبه متابعًا حديثه:
-هستأذنك يا "ماهر" بيه، خد راحتك، المكتب مكتبك
ابتسم في امتنانٍ وهو يرد:
-شكرًا يا "وجدي" بيه.

التقط الأخير ولاعته، وميدالية مفاتيحه، وكذلك علبة سجائره، ثم اتجه إلى الخارج تاركًا الاثنين بمفردهما، كانت الفرصة مناسبة ل "فيروزة" لتشكو له التصرفات الوقحة والعدائية من قبل ذلك الفظ "تميم" علها بذلك تسترق قلبه وتحوز على كامل دعمه.

حيرة ما بعدها حيرة أصابت عقله بالتخبط وشوشت ذهنه بعد المقابلة الرسمية مع مأمور القسم، والذي طلب منه فيها بصراحةٍ فض النزاع القائم بين "فيروزة" و"تميم" بشكلٍ ودي، وإنهاء الأمر في التو والحال، تعجب "وجدي" كثيرًا من مدى الصلات الوثيقة التي تربط مجرمًا مثله بأهم المسئولين ليجبروا رئيسه في العمل على التدخل في تلك المشكلة، وقف في الردهة يفكر مليًا فيما سيفعله، لم يرغب في إغضاب رؤوسائه، اقترب من النافذة المفتوحة، واستند بكفيه على حافتها محملقًا في الطريق أمامه لبعض الوقت، استنشق بعمقٍ الهواء البارد الذي اندفع منها قبل أن يتحرك عائدًا إلى مكتبه وفي رأسه فكرة ما توصل إليها، هز رأسه قائلاً وهو يتجه نحو مقعده:
-متأخرتش عليك يا "ماهر" بيه؟

رد نافيًا:
-لا يا باشا.
التفت "وجدي" نحو "فيروزة" يسألها بلهجته الجادة:
-آنسة "فيروزة" إنتي معاكي تراخيص للعربية دي؟
أجابته بنظراتٍ متوترة:
-أيوه.
أكد عليها بنبرة غريبة لم تستساغها:
-يعني كل التراخيص كاملة ولا في حاجة ناقصة؟
بلعت ريقها وردت متسائلة:
-يعني إيه؟ أنا مش فاهمة.
هنا تدخل "ماهر" في الحوار ليسأله:
-في إيه يا "وجدي" به؟

نظر له بغموضٍ جعله يشعر بالاسترابة من مظهره المُغاير لما قابله قبل قليل. وحتى لا يضعه في موقف محرج أمام ضيفته، هب "وجدي" واقفًا ونظراته بالكامل مرتكزة على "ماهر"، ثم قال له بصوتٍ جافٍ اكتسب رسمية جادة:
-"ماهر" بيه أنا عاوزك برا في كلمتين.
نهض الأخير من جلسته ليرد عليه:
-اتفضل.

تطلعت إليهما "فيروزة" وبوادر الفضول مسيطرة عليها، استدار "ماهر" نحوها ليقول:
-اشربي ليمونك وأنا راجع تاني.
ردت بابتسامة صغيرة لكنها مصطنعة:
-حاضر.

راقبت الاثنان وهما يخرجان من الغرفة، لاحظت ببديهيتها وفطنتها تغير أحوال الضابط الذي كان يحقق معها، حيث أصبح وجهه جامد كالصخر، واختفت نظرات التعاطف معها، بدا رسميًا معها على غير الودية التي قابلها بها. لم تنكر "فيروزة" أنها استشعرت وجود خطب ما، تنفست بعمقٍ وحاولت التغلب على التقلصات المؤلمة التي أصابت معدتها، لكن ظل ذلك الهاجس يعبث برأسها، رددت مع نفسها في تهكمٍ:
-يا خبر بفلوس ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة السابعة عشر بقلم منال سالم


سحبه من ذراعه برفقٍ ليوجهه عبر الردهة الطويلة الضيقة حتى ينزويا عند أحد الأركان وبعيدًا عن الجلبة الروتينية الدائرة من حولهما بسبب طبيعة العمل في القسم الشرطي، بدا "وجدي" حائرًا في كيفية مفاتحة "ماهر" في الأمر، لكن لا مناص من ذلك! وبتعابيره الجادة ونظراته الغائمة نسبيًا استطرد يشرح له بإيجازٍ عما دار خلال لقائه مع المأمور، وكيف ألزمه الأخير بحل النزاع القائم بين "فيروزة" و"تميم" وديًّا حتى لا تتخذ الأمور منحنًا آخرًا، استطرد يؤكد عليه:
-إنت ليك كلام معاها، حاول تقنعها.


 
هتف بعد صمتٍ قليل:
-هحاول، لكن موعدكش بحاجة.
استرسل مضيفًا بنفس نبرته العميقة الثابتة موضحًا خطورة وجدية المسألة:
-يا "ماهر" بيه إنت عارف إني مقدرش اتأخر عنك في حاجة، بس الموضوع ده بالذات طلع فوق قدراتي، والمأمور بنفسه متابعه، وأنا مش عاوزلها الأذى.
حملق فيه في صمتٍ فتابع موضحًا:
-مش هايسبوها لو ركبت دماغها وعاندت، هايطلعوها الغلطانة في الآخر، إما إن في مشكلة في تصاريح الصحة، أو السجل الضريبي، وحاجات شبه كده
قال معقبًا عليه:
-مفهوم.


 
وبنبرة ذات مغزى أكمل:
-وزي ما سيادتك عارف، اللي مالوش ضهر في البلد دي بيحصله إيه!!
لم يكن بحاجة للمزيد من التفسيرات ليفهم ما الذي يرمي إليه، قضية "فيروزة" خاسرة من قبل أن تبدأ، ظل يدير الأمر في رأسه من أجل إيجاد الوسيلة المناسبة لإقناعها بالعدول عن رأيها والقبول بالتنازل. أشعل "وجدي" سيجارة جديدة، سحب دخانها بقوة، ثم لفظه وهو يقول ببسمة بدت متكلفة:
-وأنا تحت أمرك في أي حاجة تانية.

رد مجاملاً وهو يشير له في خفةٍ بعينيه:
-شكرًا يا "وجدي" بيه، أنا تاعبك معايا.
بادله ابتسامة فاترة، وتابع تدخين سيجارته، تنحنح "ماهر" متسائلاً من جديد:
-طب افرض هي رفضت، هتعمل إيه؟
أجابه بعد تفكيرٍ متأنٍ:
-أقصى حاجة ممكن أعملها إني أأجل تقديم البلاغ للنيابة لحد ما تتنازل.
-وده ينفع؟
رد مؤكدًا عن ثقة:
-الموضوع في إيدينا، بس المهم هي.
أشعره ذلك بقليلٍ من الارتياحٍ، وقال له:
-أنا هاعمل اللي عليا معاها.


 
استجمعت جأشها قليلاً واستعادت شجاعتها التي فقدتها في البداية رهبةً من الموقف، كانت حيرتها تزعجها، فقررت أن تستغل فرصة انفرادها بنفسها في غرفة المكتب لتهاتف أختها حتى تتقصى منها عن طبيعة الأجواء في المنزل، خاصة بعد عودة "همسة" بمفردها، عبثت "فيروزة" بلزمةٍ لا إرادية بشعرها وهي تسألها بصوتٍ خفيض :
-كله تمام عندك؟

أجابتها بنبرة عبرت عن قلقها:
-هي ماما بتسأل عليكي، وأنا مش عارفة أقولها إيه، وبصراحة خوفت أحكيلها و...
قاطعتها محذرة:
-لأ استني لما أرجع عشان ماتتخضش وتقلب الدنيا، والحكاية مش ناقصة.
سألتها "همسة" بنفس الصوت الخافت:
-طب هاقولها إيه؟ ولا هاتصرف إزاي؟
-ثواني كده.


 
سكتت قليلاً لتفكر في حجة مقنعة، طرأ ببالها فكرة ساذجة، لكنها كافية للانطلاع على والدتها مؤقتًا، هتفت فجأة وبجديةٍ غطت ملامحها:
-قوليلها في مشوار تبع "علا" صاحبتي، ومش هتأخر، هي عارفاها وبتثق فيها
سألتها بحذرٍ:
-ماشي، وإيه الأخبار معاكي؟
أجابتها بابتسامةٍ مطمئنة:
-لحد دلوقتي كل حاجة ماشية تمام، "ماهر" بيه عامل معايا الواجب وزيادة، ومش بعيد تلاقيهم قبضوا على الحيوان ده، وحابسينه.
سألتها في جزعٍ:
-هو إنتي شوفتيه تاني؟

ردت نافية:
-لأ، بس طبيعي يقبضوا عليه بعد البلاغ اللي قدمته فيه..
ما لبث أن اتسعت ابتسامتها الساخرة وهي تضيف:
-ده مش بعيد يكونوا بيعلقوه دلوقتي.
قالت لها "همسة" بتوجسٍ:
-أنا خايفة عليكي يا "فيروزة"، حاسة إن الموضوع ده نهايته مش خير أبدًا!


 
انزعجت من خوفها الزائد، وهتفت في حدةٍ بعد أن تقلصت تعابيرها بشكلٍ ملحوظ:
-ما هو كله حصل على إيديك، هو اللي ابتدى من الأول، وحاربني في أكل عيشي، وكل اللي بأعمله معاه إني بأخد حقي منه.
استطاعت أن تسمع صوت تنهيدتها وهي تقول لها:
-ربنا يستر، وتعدي على خير.

شعرت "فيروزة" بجلبة تصدر من الخارج وتزداد حدتها، فوضعت يدها على فمها لتغطيه وهي تنهي المكالمة مع أختها:
-الظاهر في حد جاي يا "همسة"، هاكلمك بعدين.
لم تنتظر الرد منها، وأنهت معها المكالمة لترفع بعدها رأسها للأعلى وتحدق في "ماهر" الذي عاد بمفرده للمكتب، بدت تعابيره غير مقروءة، لكن نظراته الغريبة التي تتجنب التطلع إليها توحي بشيءٍ ما، جلس قبالتها مستقيمًا، ثم سألها بصوته الرخيم الجاد:
-كلمتيهم في البيت عندك تطمينهم؟

أجابته وهي تهز رأسها بالإيجاب:
-أيوه..
ثم تملقته قائلة:
-وكلهم بيشكروا سعادتك على تعبك معايا ووقوفك جمبي.
اكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه لها، شعرت "فيروزة" أنه يريد إخبارها بشيء، لكنه متردد، فبادرت متسائلة:
-هما مسكوا البلطجي ده؟
جاوبها بزفيرٍ بطيءٍ:
-أيوه.


 
ارتسمت ابتسامة ارتياحٍ على محياها وهي تعلق عليه:
-طب الحمد لله، أهوو هياخد جزائه!
استغرق "ماهر" في صمته المريب ليشعرها بالمزيد من الاسترابة والشك في أمره، تفرست في وجهه الغريب متسائلة بنظراتٍ متوترة:
-هو في حاجة حصلت وحضرتك مش عاوز تقولي عليها؟

تخلى عن جلسته المنتصبة ليميل نحوها وهو يقول دون مراوغة:
-"فيروزة"، إنتي لازم تتنازلي عن المحضر!
تطلعت إليه في اندهاشٍ عظيم وبفمٍ مفتوح وهي تكاد لا تصدق ما نطق به للتو، بلعت ريقها ورددت في استنكارٍ ظهرت علاماته على قسماتها:
-حضرتك بتقول إيه؟!

سرد لها بأسلوبه الهادئ والعقلاني الأبعاد القانونية لما سيحدث لاحقًا إن أصرت على تصعيد مشكلتها مع "تميم" الذي ظهر الجانب الآخر القوي لعائلته، والتي لن تتوانى عن استغلال أي ثغرات لقلب الطاولة على رأسها، لم تصغِ لكلمة واحدة مما قالها، وردت معاندة ورافضة بشكلٍ قطعي:
-لأ طبعًا مش هاعمل كده!
عقب عليها بتمهلٍ:
-افهمي يا "فيروزة"، الناس دي أكبر مني ومنك و...

صاحت مستنكرة وعلى وجهها نظراتٍ متنمرة:
-ده بلطجي، خريج اللومان، بتعملوا للي زي ده قيمة؟ ليه يعني؟
أجابها ببساطةٍ ودون تزييف:
-لأنه مسنود.
تملكها الحنق لمجرد التفكير في الأمر، كانت كلماتها عنيفة، مليئة بالاتهامات حينما قالت له:
-قول إن حضرتك مش عاوز تساعدني.

عاتبها بوجهه الذي تحول للصرامة:
-عيب الكلام ده يا "فيروزة"، أنا مش كده
لانت نبرتها قليلة، وقالت معتذرة دون أن تخبو انفعالات وجهها:
-أنا أسفة، بس ده حقي، وأنا مش هتنازل عنه
رد عليها بعقلانية علها تنحي عواطفها جانبًا وتحكم عقلها:
-وحقك هتاخديه، بس بشكل ودي.

أصرت على رفضها، واستطردت تقول:
-أنا أسفة يا "ماهر" بيه، سامحني، مش هاقدر أسمع كلامك.
سألها بعينين جادتين:
-يعني مصممة على اللي في دماغك؟
هزت رأسها تجيبه بكلمة واحدة:
-أيوه.
لم يحاول أن يستحثها على التنازل، ورد بهدوءٍ:
-تمام.

دقائق ساد الصمت فيها بينهما، تخللته فقط أصوات رسائل ترد على هاتف "ماهر" كان يجيب عنها نصيًا. فُتح الباب فجأة، ودخل "وجدي" للمكتب متسائلاً بحماسٍ، وقد توهم نجاح زميله في إقناعها:
-ها وصلتوا ليه؟
أجابه "ماهر" على مضضٍ وهو يهز رأسه بالنفي:
-للأسف راكبة دماغها يا "وجدي" بيه، ومصممة على المحضر.

اختفت الحماسة من تعابير "وجدي"، ورد عليه بوجومٍ وهو يسحب مقعده للخلف ليجلس خلف مكتبه:
-براحتها، خلينا نكمل المحضر بتاعنا...
ثم تركزت أنظاره على "فيروزة" وهو يكمل بلهجة مغايرة للود الذي استقبلها به:
-ونستدعي المدعو "تميم".
سألته في صدمة وقد اتسعت عيناها على الأخير:
-هو حضرتك هاتجيبه هنا المكتب؟

رد ببرودٍ وتعالٍ:
-أكيد طبعًا، مش محضر ولازم يتقفل!
ازدردت ريقها في اضطرابٍ، وشعرت برجفة مقلقة تصيب بدنها، فبكلماته الجامدة تلك نزع الطمأنينة من قلبها، تطلعت إلى "ماهر" بنظراتها المتوترة، وكأنها تستنجد به، نظر إليها بغموضٍ قبل أن ينطق بنبرته ذات الطابع الرسمي:
-تسمحلي أحضر معاك يا "وجدي" بيه؟
أجاب مرحبًا به:
-مافيش مشكلة.

مواجهة محتومة بينهما كانت مليئة بالحنق، بالكراهية، بالغضب، وبكل المشاعر العدائية. تطلع الاثنان إلى بعضهما البعض بعد أن جلسا متقابلين بنظرات متحفزة ونارية، وكأن بينهما صراع خفي بدأ منذ زمنٍ بعيد، كذلك امتلأت الغرفة بأحد أبرز محامين الدفاع ليتولى واحد منهم مهمة الحديث حينما يستلزم الأمر، وأيضًا حرص الضابط "ماهر" على التواجد، ناهيك عن توصيات اللواء "وفيق" الذي عرج عليهم بالغرفة ليلقي التحية على "تميم" قبل أن ينصرف.

حينها أدركت "فيروزة" أنها باتت في موقفٍ أضعف، لكنها ما زالت تثق في قوة القانون الذي لن يخذلها. بدأ "وجدي" في تدوين أقوال كليهما مستعينًا بأحد معاونيه، نظر إلى "تميم" متسائلاً بروتينية:
-الآنسة بتتهم حضرتك بإنك ولعت في عربية الأكل بتاعتها، إيه ردك على الكلام ده؟
عمق "تميم" من نظراته العدوانية لها، وأجابه بصوته الأجش:
-كدابة، ده محصلش!

هدرت "فيروزة" في عصبيةٍ وقبضة يدها المتكورة تضرب على سطح المكتب بانفعالٍ:
-أومال هي ولعت لوحدها؟ إنت بعت البلطجية بتوعك يحرقوها!
كانت نظرة الازدراء الباردة التي تطل من عينيه كفيلة بإغضابها أكثر، استرخى في جلسته، وأضاف نافيًا التهمة عنه:
-ماليش علاقة باللي بتتكلمي عنهم، أنا كنت قاعد في دكاني وكل أهل الحتة شاهدين عليا.
زاد من حنقها، وردت عليه في استهجانٍ ساخط متعمدة إهانته:
-طبعًا هتنكر، ما هو اللي زيك الإجرام بيجري في دمهم!

تأهب "تميم" في جلسته ونظر لها بشراسة قبل أن يحذرها مهددًا بلهجةٍ تنطق بعدائيته:
-اتكلمي كويس بدل ما أعدلك!
طرق "وجدي" بيده في ضيقٍ على سطح مكتبه مستنكرًا أسلوب "تميم" الهجومي، وهتف يحذره:
-ماينفعش الأسلوب ده هنا!
رد عليه من بين أسنانه المضغوطة، ونظراته المغلولة مسلطة على "فيروزة":
-وحضرتك مش شايف قلة أدبها؟

صاحت تدافع عن نفسها:
-أنا مغلطتش فيه.
التفت "وجدي" ناحيتها، ووجه حديثه لها يأمرها بلهجةٍ أقل حدة:
-وإنتي يا آنسة بالراحة من فضلك.
ضغطت على شفتيها في تأفف، وأدارت رأسها في اتجاه "ماهر" حين قال لها:
-اهدي يا "فيروزة"، احنا في تحقيق رسمي.
ردت صاغرة وعلى مضضٍ:
-حاضر يا "ماهر" بيه.

استمع "وجدي" إلى باقي أقوال "تميم" التي تنفي عنه تهمة إحراق العربة مؤكدًا بالبراهين الدامغة عدم تورطه في الأمر، ثم أضاف أحد محاميه برسميةٍ وهو يشير نحو "فيروزة" ليسهم بحكنةٍ ودهاء في تصعيد الموقف:
-اسمحلي يا باشا أشتكي على الآنسة في محضر رسمي واتهمها بالسب والقذف والاعتداء على موكلي في مقر عمله.
هبطت جملته على رأسها كدلو ماءٍ مثلج، انتفضت في جلستها، وهتفت في ذهولٍ:
-نعم؟ إيه الكلام ده؟

قال لها المحامي موضحًا بابتسامةٍ لئيمة استطاعت أن تبصرها مرسومة على وجهه:
-تقدري تنكري إنك اتهجمتي على الأستاذ "تميم" وضربتيه في دكانه؟!!
شحب وجهها من إجابته التي حتمًا ستفسد المخطط المرسوم في رأسها، نظرة مترددة سددتها إلى "تميم" الذي بدا على غير العادة قويًا، معتدًا بنفسه، أحست بمرارة العلقم في حلقها، بخفقات مذعورة تصيب قلبها. هربت الدماء من عروقها حينما تابع المحامي اتهامه لها:
- ده غير الشتايم والإهانة الفظيعة اللي سببتيهاله وسط أهله، وهو في المقابل مقربش منك؟!!!

أوشكت أن تموت من التوتر والخوف بعد أن تبدلت المواقف، وأصبحت هي في نظر الجميع المتهمة، لاذت بالصمت لعجزها عن إيجاد الكلمات المناسبة التي تدافع بها عن نفسها، طال صمتها مما جعل الشكوك تساور "وجدي"، سألها مستفهمًا:
-الكلام ده حصل؟
أجابت بصوتٍ مهتز محاولة تبرير تصرفها:
-أيوه، بس عشان كنت متعصبة، وهو اللي حرق عربيتي و...
هدر بها "تميم" في غيظٍ:
-قولتلك محرقتهاش، هو رمي بلى والسلام!

عنفه "وجدي" لتجاوزه في التحقيق قائلاً بشدة:
-اسكت لو سمحت، ماينفعش اللي بتعمله ده.
زفر بصوتٍ مسموعٍ ورد بتعابير مشمئزة:
-ماشي يا باشا.
هتف المحامي بقوةٍ مستغلاً الموقف ليقلب الموازين ويحرز النصر لصالح موكله:
-سجل عندك يا باشا في المحضر اعترافها ده، ونقدر كمان نجيب لسعادتك تسجيل الكاميرات اللي في الدكان، ونشوف بقى مين اللي اتهجم على مين!

كم بدت تلك اللحظة قاسية على "فيروزة"! شعرت بالخزي من نفسها وبالندم على سوء تصرفها، فلو لم تنساق وراء عصبيتها لكانت في مركز قوة، نظرة لائمة حانت من "وجدي" ل "فيروزة" وهو يقول لها صراحةً:
-كده الموضوع هياخد سكة تانية.

استأذنه "ماهر" أن ينفرد بها للحظات بعد أن تفاجأ هو الآخر بتصرفها الخاطئ، أمسك ب "فيروزة" من ذراعها، وسحبها لركن منزوٍ بالغرفة حتى يتحدث معها، انساقت معه دون اعتراضٍ أو مقاومة، رمقها بنظرة تحمل الإدانة، وعاتبها هامسًا:
-كده تحرجيني يا "فيروزة"؟ إنتي مكونتيش صريحة معايا من الأول!
بررت له بصوتها المضطرب:
-والله كان غصب عني، مكونتش في وعيي بعد اللي حصل، ومجاش في بالي إنه هيعمل كده.

أصبح فجأة قاسيًا معها وهو يكمل بصوته الخافت:
-دلوقتي موقفك إنتي بقى وحش، واحتمال تتعرضي لمشكلة لو الموضوع كبر.
ردت في استنكارٍ:
-يعني يبقى حارق عربيتي وأنا اللي اتحاسب؟
قال في بساطةٍ:
-لأنك ضيعتي حقك بتهورك!
كان محقًا في لومه، نكست رأسها للحظةٍ في خزي، ولم تجرؤ على التطلع له وهي تسأله:
-طب والعمل إيه يا "ماهر" بيه؟

أجاب بزفيرٍ مزعوج:
-هانشوف هترسى على إيه.
رفعت عينيها إليه ترجوه وقد تسرب الخوف إلى أوصالها:
-أرجوك يا "ماهر" بيه تقف جمبي وتساندني، مش عاوزة حقي يروح.
لم يكن أمامه خيارٌ بديل سوى دعمها، نفخ في ضيقٍ، ورد عليها:
-ربنا يسهل
لعقت فيروزة شفتيها الجافتين والتوتر يزداد بداخلها، نظرة خاطفة وجهتها إلى تميم فرأته محدقا بها في قوة وزهو، وكأنه يظهر لها شماتته، أشاحت بوجهها المنكمش عنه، وهمست لنفسها في رجاءٍ يائس علها بذلك تستدعي قوتها الهاربة:
-مش أنا اللي أتنازل بسهولة!

ذرعت الغرفة جيئةً وذهابًا وهي تنوح وتولول على زوجها الذي اقتادوه من أسفل المنزل ليزجوا به في سيارة الشرطة، رأته مصادفة من خلف الزجاج الموصود بعد الجلبة التي أحدثتها صافرات الشؤطة المميزة، لم تعرف "خلود" كيف تتصرف حينذاك، صرخت منادية إياه باسمه، لكنه لم يسمعها، هرعت للداخل تدور حول نفسها كالمجنونة، فتحت ضلفة الدولاب لتخرج عباءتها، ألقت بها على ثيابها المنزلية، وركضت إلى خارج المنزل لتذهب إلى بيت خالتها، علها تجد عندها الخبر اليقين.

تفاجأت بها الأخيرة، وصدمت لما أصاب ابنها، تشاركت الاثنان في العويل والندب، ثم قامت "ونيسة" بمهاتفة زوج ابنتها لتستدعيه حتى يقف بجوار "تميم"، ولم يتأخر عنها، وبقيت كلتاهما حبيستان في المنزل، تنتظران على أحر من الجمر الأخبار المطمئنة. تلفت أعصاب "خلود" واحترقت أحشائها كلما تذكرت ذلك المشهد المؤلم، التفتت نحو خالتها تنوح لها:
-هتجنن يا خالتي، قلبي بيتقطع عليه، لسه برضوه مافيش أخبار عنه؟

ردت "ونيسة" بحزنٍ كبير ظاهر عليها:
-أديني كلمت عمك الحاج وقالي كلهم معاه جوا عند الظابط.
سألتها في لوعةٍ:
-يعني هيطلع ولا هيحبسوه؟
زجرتها في ضيقٍ:
-تفي من بؤك، الشر برا وبعيد.
قالت موضحة:
-أنا عاوزة أطمن بس.
تنهدت معقبة عليها في قنوط:
-محدش عارف حاجة لسه.

لطمت "خلود" على صدرها مكملة عويلها الموجوع وعيناها تبكيان:
-منهم لله اللي كانوا السبب، ربنا يحرق قلبهم زي ما حارقين قلبي على جوزي، وحارمني منه.
رفعت "ونيسة" كفيها للسماء تناجي المولى:
-يا رب ينجيك منها على خير يا ابني، أنا ماليش غيرك يا رب

استُكملت باقي الإجراءات الخاصة بالتحقيق في البلاغات التي نالت طرفيه، وتبقى فقط التوقيعات عليه، فعلت "فيروزة" ما رأته صوابًا من وجهة نظرها، وإن تحملت تبعات رعونتها، انتظرت تراقب "تميم" في تحفز على مقعدها، لكن صعدت الدماء بقوةٍ إلى وجهها حينما قال "وجدي" بلهجةٍ عادية:
-تقدر تتفضل يا أستاذ "تميم"
سأله المحامي مستوضحًا:
-يعني موكلي يقدر يمشي؟
أجابه وهو يهز رأسه بالإيجاب:
-أيوه.

صدمت "فيروزة" من قراره الذي خالف توقعاتها، ورددت متسائلة في عصبيةٍ والدهشة تكسو كامل ملامحها:
-إنتو هتسيبوه يمشي بالبساطة دي؟
ابتسم لها "تميم" ساخرًا:
-أومال فكرك إيه؟ هبات في التخشبية؟
استشاطت نظراتها واِربد وجهها بغضبٍ عظيم، وقبل أن تتفوه بكلمة تندم عليها لاحقًا، بادر "وجدي" يحذرها بصرامةٍ:
-اهدي يا آنسة، وسيبني أشوف شغلي.

قالت في استهجانٍ:
-طب إزاي؟ ده بلطجي وسوابق!
لم يقبل "تميم" بإساءتها لشخصه، فحذرها بخشونةٍ ونظراته النارية مرتكزة عليها:
-اغلطي أكتر عشان تتحاسبي أكتر.
قالت في تحدٍ:
-أنا مش خايفة منك!
صاح بهما "وجدي" في نفاذ صبرٍ:
-ماينفعش الأسلوب ده هنا، إنتو في قسم البوليس مش في الشارع..

ثم وجَّه باقي حديثه إلى رفيقه" بلهجة منفعلة قليلاً:
-اتكلم مع قريبتك يا "ماهر" بيه!
استدار نحوها الأخير يأمرها بجمودٍ:
-لمي الدور يا "فيروزة"، واهدي شوية.

خُيل إليها أنها ترى ابتسامة "تميم" المستفزة متشكلة على ثغره ونظراته الحاقدة تنفذ إلى داخلها، لم تستطع أن تمرر إخلاء سبيله بعد ما تكبدته من عناء، لذا مالت على "ماهر" تقول له وهي تجاهد لضبط انفعالاتها حتى لا تستثار مجددًا:
-عاوزني أهدى إزاي يا "ماهر" بيه وأنا شايفة بعيني حقي بيروح
رد عليها بهدوءٍ اكتسبه من طبيعة مهنته التي تتطلب ثباتًا انفعاليًا كبيرًا:
-لسه في كلام، الموضوع مخلصش.

وبالرغم من نظراته التي تؤكد لها دعمه إلا أن شعورها بالارتياح يكاد يكون انعدم، تحركت حدقتاها تلقائيًا مع صوت المحامي وهو يقول مبتسمًا في زهوٍ:
-يالا يا أستاذ "تميم"، احنا موقفنا في السليم.
بقيت نظراتها متجمدة عليه وهو يرحل من الغرفة بصحبة محامينه، وقبل أن يخرج من الباب التفت "تميم" يودعها وتلك النظرة الغامضة تحتل عيناه:
-سلام يا .. يا أبلة!

كزت على أسنانها في غيظٍ وهي تشعر بالدماء تفور في رأسها، ما انتشلها من تحديقها الناري في طيفه الذي رحل صياح "ماهر" المعنف بها:
-اللي عملتيه ده غباء، وحطيتي نفسك في موضع شبهات.
تطلعت إليه في حيرة، فتابع بنفس الصوت الحانق:
-وطبعًا بالمحضر اللي عمله فيكي لو مثبتش فعلاً إنه متورط فيه هيطالبك بتعويض.
ردت متسائلة في قلقٍ، وما زال عنادها مسيطرًا عليها:
-والحل إيه دلوقت؟ أنا عاوزة حقي منه!

هنا تدخل "وجدي" في حوارهما ليقول:
-للأسف إما إنك تتنازلي عن المحضر أو ...
أدارت رأسها نحوه تقاطعه بإصرارٍ شديد:
-مش هتنازل مهما حصل
نصحها بجديةٍ وهو ينظر لها:
-فكري بالعقل وبلاش استعجال
وقبل أن تنبس بكلمة إضافية، بادر "ماهر" يقول لها مشددًا:
-خدي وقتك واحسبيها كويس، وأنا معاكي في القرار الصح اللي هتاخديه

اصطحبها عبر ردهات القسم حتى وصل بها إلى الخارج، وأوصاها "ماهر" خلال سيره المتباطئ معها بالتروي وتحكيم العقل قبل اتخاذ أي قرارٍ مصيري، وعدته "فيروزة" بإعادة التفكير في تلك المسألة دون أن تعطيه ردًا صريحًا بالتراجع، ودعته بعد أن اعتذرت منه بلباقةٍ عن الإزعاج الذي سببته له، كما شكرته على دعمه ووقته الذي خصصه لها، وبدأت في الهبوط على درجات القسم الرخامية. خرجت من محيط ذلك المكان الشرطي لتتفاجأ به يعترض طريقها بجسده المشدود، ونظراته القاتمة..

سرت عدوى الارتعاب في كامل جسدها، تراجعت تلقائيًا خطوة للخلف وهي تحاول التظاهر بالتماسك أمامه، تقدم "تميم" نحوها وهو يقول لها بوجهٍ يفح غضبًا:
-لو مفكرة إني هاسيبك تبقي غلطانة، إنتي فتحتي على نفسك طاقة جهنم معايا!
تحلت بالشجاعة، وقالت بصوتٍ شبه متهدج:
-إنت بتهددني؟

توحشت نظراته بشكلٍ مخيف جعل قلبها يدق في خوفٍ أكبر، دنا أكثر منها غير عابئ أنها تتراجع نحو القسم ليهددها:
-سميه زي ما تسميه، والقلم اللي ضربتهوني قصاد الناس، هتتحاسبي عليه.. بس في وقته!
قاومت خوفها، وردت تتحداه:
-مش هاتقدر تعملي حاجة، وبكرة ترجع اللومان و...
قاطعها بما يشبه السخرية:
-ده لو مدخلتهوش قبلي!

برقت عيناها من تهديده الواثق بالفوز، وكأن القضية التي لم تبدأ بعد قد حُسمت لصالحه، تركها تتخبط في أفكارها وأولاها ظهره لينصرف مبتعدًا عنها بخطواتٍ تميل للعدو .. قابل "ناجي" الذي كان ينتظره بالخارج وعند سيارة والده، وما إن رأه الأخير مقبلاً عليه حتى هرع نحوه يسأله:
-"تميم"، إنت كويس؟ عملوا معاك إيه؟
تطلع إليه في اندهاشٍ قبل أن يرد على سؤاله:
-"ناجي"، إنت عرفت منين إني هنا؟

خرج صوته مهزوزًا بشكلٍ ملحوظ وهو يجاوبه:
-"محرز" كلمني، وأنا .. جيتلك على هنا، واطأست وعرفتك إنك جوا، مش كده يا "محرز".
رد عليه مبتسمًا في سماجة:
-ايوه مظبوط، ده متأخرش عنك يا "تميم"!
أحس "تميم" بيد والده تربت على كتفه، التفت برأسه للجانب ناحيته وهو يطلب منه:
-بينا يا ابني نرجع البيت.
رد معتذرًا بوجهٍ متجهمٍ:
-ثواني يابا، عاوز "ناجي" في كلمتين.

ثم استدار نحوه يسأله مباشرةً:
-إنت ليك يد في اللي حصل؟
ارتبك وهو يجيبه:
-آ.. هو... مش أنا بالظبط وآ....
-تعالى معايا.

قالها "تميم" بنبرة عميقة وهو يقبض على ذراع رفيقه يجره منه بعيدًا عن والده والبقية، انزوى به في بقعة معتمة، ثم دفعه بقسوةٍ نحو أحد الأبواب الحديدية لأحد الأكشاك المغلقة ليستفسر منه عما حدث، أخبره "ناجي" بترددٍ عن محاولة "حمص" و"شيكاغو" الغاشمة من أجل إرضائه، انقض عليه فور أن سمع الحقيقة كاملة مطبقًا على عنقه وضاغطًا بأصابعه على عرقه النابض، تحشرج صوت "ناجي" وهو يبرر له مدافعًا عن نفسه:
-اقسم بالله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا كده..

كز على أسنانه وهو يصرخ به:
-بتورطني يا "ناجي"؟ من امتى بأخد تاري من الحريم؟
حاول أن يلتقط أنفاسه ليقول له بصعوبة واضحة عليه:
-غلطة يا "تميم" ..
أرخى أصابعه عنه وهو يدمدم بسبة نابية، سعل "ناجي" بعد أن استنشق دفعة كبيرة من الهواء ليملأ بها صدره المختنق، نظر في توجسٍ لرفيقه الذي تراجع للخلف وهو يلومه بشدةٍ:
-وهتفدني بإيه لما تقولي كده؟

أبدى "ناجي" ندمه الشديد، ووعده بنبرة عازمة:
-أنا محقوقلك، والليلة بقت عندي، وأنا عارف هصلحها إزاي، اديني بس يومين تلاتة، وكل حاجة هترجع زي الأول وأحسن.
أشار له "تميم" بسبابته وهو يرد بنبرة تحمل في طياتها التهديد، وقد غامت نظراته بشكلٍ مقلق:
-يا ريت، وإلا هايكون في كلام تاني صدقني مش هايعجبك!
هز برأسه في ارتياحٍ بعد أن منحه الفرصة، وهتف معقبًا عليه:
-أمين يا صاحبي.

تسللت كاللصوص إلى داخل المنزل بعد أن هاتفت أختها لتطلب منها انتظارها بالقرب من الباب حتى تفتحه لها فور وصولها، وبالتالي لا تثير انتباه والدتها أثناء عودتها. وبخطوات خفيفة وحذرة خطت "فيروزة" نحو غرفتها، ألقت بثقل جسدها المنهك على الفراش، وأغمضت عينيها لوهلةٍ وهي تكاد لا تصدق أنها في البيت، تنفست الصعداء ووضعت يدها على صدرها تتحسس نبضات قلبها بعد مُضي ذلك اليوم المشحون بكل ما فيه من مآسٍ، جلست "همسة" إلى جوارها، وسألتها في تلهفٍ عن تفاصيل كل شيء، أوجزت الأولى معها في الحوار، وأعطتها لمحة مختصرة عما آلت إليه الأمور، اختتمت حديثها قائلة في امتعاضٍ وهي تسحب الوسادة خلف ظهرها:
-الزفت اللي اسمه "تنين" عمل فيا محضر.

تعجبت "همسة" من ذلك اللقب الغريب الذي أطلقته على خصمها، وتساءلت مستوضحة:
-"تنين"!! تقصدي "تميم"؟
ردت بتأففٍ وقد انفرجت زاوية فمها عن ابتسامة ساخرة:
-أيوه، هو في غيره!
ثم اعتدلت في نومتها وتابعت بتفاخرٍ زائف حتى لا تشعر بقلقها من تطور الأمور:
-بس أنا مسكتش وعرفته مقامه!

لم تنتبه لصوتها الذي كان مرتفعًا بعض الشيء بسبب انفعالها فحاز على انتباه والدتها التي مرت مصادفة بجوار الغرفة، التصقت بالباب لتسترق السمع لحوارهما الخطير، انقبض قلبها في فزعٍ وتوترت كليًا بعد أن عرفت تقريبًا ما خبأته ابنتاها عنها، وبضيقها المختلط بارتعابها اقتحمت الغرفة متسائلة بحدةٍ ونظرات العتاب بائنة في عينيها:
-إيه اللي أنا سمعته ده؟
حاولت "فيروزة" الإنكار، فقالت وهي تتصنع الابتسام:
-مافيش حاجة يا ماما، ده آ...
قاطعتها بغلظةٍ:
-هتخبي عليا يا "فيروزة"؟

حثت "همسة" أختها على البوح بالحقيقة، فقالت وهي توزع نظراتها المتوترة بين وجهي كلتيهما:
-قوليلها يا "فيرو"، ماما لازم تعرف!
لم تجد بدًا من مصارحتها، نهضت عن الفراش، واجتذبت والدتها من ذراعها لتجلسها على طرفه، ثم جثت على ركبتيها أمامها ورفعت رأسها إليها لتتطلع إليها وهي تسرد لها تفاصيل الساعات الأخيرة، اتسعت عينا "آمنة" في ذهولٍ، توقعت من والدتها أن تأزرها، وتساندها في أزمتها، أحبطت سقف توقعاتها حينما لطمت على خدها ووبختها بقسوةٍ:
-يا نصيبتي! محاضر وأقسام؟ هو احنا كنا ناقصين مشاكل يا بنتي؟ ليه تعملي كده؟

استندت على مرفقيها لتنهض من جلستها غير المريحة، وهتفت معترضة على خذلانها لها:
-هو الكل ليه جاي عليا، الحيوان ده اللي بدأ، وأنا كنت بأخد حقي منه، المفروض تقفي معايا يا ماما وتساعدني
صرخت بها أمها وهي تنتفض واقفة:
-مش في ده يا "فيروزة"!

لم تتمكن قدماها من حملها، فعادت لتجلس وهي تندب سوء الحظ الملازم لعائلتها الصغيرة:
-استرها علينا يا رب، ده احنا ولايا، هنعمل إيه بس..
نظرت لها "همسة" في إشفاقٍ، ومالت عليها تضمها من كتفيها إليها محاولة تهدئتها، بينما رمقت "فيروزة" أمها بنظرة مغتاظة، أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وظلت تنفخ بصوتٍ مسموع، كادت أن تفقد هدوئها المفتعل ووالدتها تضيف بخوفٍ غريزي نابع من طبيعتها المستكينة:
-آه لو خالك عرف!!

نظرة حانقة مسحت بها وجه والدتها قبل أن ترد غير مبالية:
-مش فارقة معايا، اللي حصل حصل، وأنا مش هاسكت عن حقي!
هبت والدتها واقفة على قدميها، تحركت صوبها وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها، ثم صرخت فيها بتشنجٍ:
-هو احنا كنا ناقصين؟ طول عمرنا في حالنا وماشيين جمب الحيط، هانيجي على آخر الزمن نخش أقسام ونروح نيابات؟ الموضوع ده تفضيه، وكفاية إنه انتهى على كده
ردت بتزمتٍ:
-لأ مخلصش، وأخو "علا" الظابط واقف معايا فيه
قالت لها بما يشبه التوسل:
-يا بنتي أنا مش عاوزة مشاكل، محدش هينفعنا في الآخر، إنتي تشوفيلك حل، وبناقص منها العربية، في ستين داهية!
علقت بعندٍ أكبر:
-مش هايحصل.

استبد ب "آمنة" خوفها، فأخذت تنوح بغضبٍ:
-أنا عارفة إن الكلام مش هايجيب فايدة معاكي، إنتي ما بتسمعيش كلام حد أبدًا!
انسحبت "فيروزة" من الغرفة حتى لا يحتدم جدالها العقيم مع والدتها، استدارت "آمنة" إلى توأمتها ترجوها والدمع قد بدأ في التجمع في مقلتيها:
-كلميها يا "همسة"، جايز تسمعلك.
ردت صاغرة وهي تومئ برأسها:
-حاضر يا ماما، أنا هاعمل اللي عليا معاها، وربنا يهديها.
خرجت والدتها من الغرفة مجرجرة ساقيها، استطاعت أن تسمع صوتها المناجي وهي تدعو :
-استرها علينا يا رب من اللي جاي.

ارتمت في أحضانه بمجرد أن وطأ منزل أبويه وتعلقت في عنقه كالطفل الصغير رافضة تركه وهي تكاد لا تصدق عودته إليها، لم تبالِ بمن يتطلع إليها وبمن سيلومها على شغفها الزائد به، المهم أنه عاد إليها سالمًا، اضطر "تميم" أن يتحرك بها نحو الصالة، في حين دفست "خلود" رأسها في صدره، وهتفت بتلهفٍ مبتهج:
-حمدلله على سلامتك يا حبيبي، أنا كنت بأموت لما شوفتهم بياخدوك من تحت البيت، الحمدلله إنك رجعتلي.

أبعدها عنه في حرجٍ من اندفاعها نحوه بذلك الشكل المخجل، نظر لها بعينين تعكسان انزعاجه قبل أن يرد بأنفاس الضيق:
-أنا كويس أهوو قدامك، ماينفعش كده
رفضت التخلي عنه، وظلت ملتصقة به رغمًا عنه، واستطردت:
-مش هاسيبك يا حبيبي، إنت ماتعرفش غلاوتك عندي عاملة إزاي.
رد ببسمة متكلفة:
-ما هو باين.

جاءت والدته إليها وأزاحتها من طريقها وهي تقول:
-وسعي يا "خلود" خليني أخد ابني في حضني.
اضطرت أن تتركه قائلة على مضضٍ وبوجهٍ شبه عابس:
-اتفضلي يا خالتي.
فتحت "ونيسة" ذراعيها لابنها الذي انحنى عليها ليقبلها من كتفيها، ضمته إليها ليشعر بأحضانها الحانية على جسده المرهق، ثم رفعت رأسها إليه لتتأمل وجهه، مسحت بيديها على صدغيه وسألته في لهفةٍ:
-حبيبي يا "تميم"، إنت كويس يا غالي؟ قولي عملوا فيك إيه ولاد ال ..... دول؟

تنهيدة مهمومة خرجت من صدره قبل أن يرد عليها مبتسمًا ابتسامة باهتة:
-ولا حاجة يامه، أنا زي الفل..
تحولت أنظار "تميم" نحو والده، وأثنى على مجهوده العظيم قائلاً:
-وأبويا ربنا يبارك في عمره قام بالواجب وزيادة.
هز "بدير" رأسه في استحسانٍ ورضا، بينما أضاف "محرز" من خلفهما بابتسامته اللزجة مستخدمًا ذراعيه في التلويح:
-الحمدلله ابنكم رجع بالسلامة أهوو، أنا كده عداني العيب، ألحق أروح ل "هاجر" وأطمنها.

استدار "تميم" نحوه يشكره:
-كتر خيرك يا "محرز"، سهرناك معانا
ضحك في سخافةٍ قبل أن يقول بنفس تلك الابتسامة المستهلكة:
-ولا يهمك يا ابن عمي، سلامو عليكم.
قاموا بتوديعه ليسير بعدها "تميم" نحو أقرب أريكة، استراح عليها وأغمض عينيه للحظات محاولاً تعطيل عقله الذي لم يتوقف عن التفكير مؤقتًا، شعر بيدٍ حنون تفرك جانبي عنقه، فاستسلم للأنامل التي بددت الآلام المكتومة في عظامه، انتبهت حواسه فجأة ووالدته تسأله:
-حقه الكلام اللي سمعناه ده صحيح؟ بنت "آمنة" اللي ورا حبسك؟

أجابها بقنوطٍ وهو ينظر لها:
-آه هي.
ثم عاد لصمته الإلزامي من جديد رافضًا إشباع فضول والدته المستثار.
بدت الحيرة واضحة على تعبيرات "خلود"، سلطت أنظارها عليها متسائلة بفضولٍ ويداها ما زالت تعملان على كتفي زوجها:
-مين دي يا خالتي؟
ردت في أسفٍ وقد اكتست تعبيراتها بلمحة من الحزن:
-واحدة كنت مفكراها جارتي يا "خلود"، مكنش العشم والله!

ضرب "بدير" بعكازه على الأرضية ليقول بعدها في حسمٍ:
-خلاص يا "ونيسة" مالوش لازمة نتكلم، المهم "تميم" رجع لبيته.
أيده الرأي فقال بصوتٍ أجوف:
-مظبوط يابا، كفاية رغي فيه.
هزت والدته رأسها في استسلامٍ، ثم اقترحت بنبرة مرحبة والابتهاج يملأ عينيها:
-إنت تبات معانا إنت ومراتك هنا، أوضتك جاهزة وزي الفل، أنا موضبة كل حاجة.

على الفور ودون منحه الفرصة لاتخاذ القرار هتفت "خلود":
-أنا معنديش مانع يا خالتي، ده بيتنا، و"تميم" محتاج يرتاح، كفاية اللي شافه طول اليوم.
حرك رأسه قائلاً، وقد تمكن التعب منه:
-طيب.
وبثقلٍ وتباطؤ نهض "تميم" من مكانه واتجه إلى غرفته، وخطوات زوجته تلحق به، صاحت "ونيسة" من خلفهما:
-أنا هاجهزلكم لقمة تاكلوها.
استوقفت كلماتها "خلود"، فأدارت رأسها نحوها لتشكرها:
-تسلمي على تعبك يا خالتي.
أشارت لها بيدها تستحثها بنبرة ذات مغزى:
-روحي ورا جوزك شوفي ناقصه إيه.
-حاضر.

قالتها بمرحٍ وهي تسرع الخطى نحو غرفة نوم "تميم"، تلك التي ستبيت فيها الليلة في أحضانه الدافئة بعد أن كانت تطأها خلسة، راقبتهما "ونيسة" إلى أن تواريا بالداخل، ثم التفتت نحو زوجها تقول له وقد تبدلت تعبيراتها للتجهم:
-اعمل حسابك يا حاج أنا مش هاسكت عن اللي حصل ده.
رد عليها بلهجة جادة:
-ماتكبريش الموضوع يا "ونيسة".

غامت عيناها وهي تتطلع إليه، وبدت قسماتها المرهقة مشدودة عن ذي قبل، ثم هتفت بلهجتة عبرت عن قساوةٍ لا تظهر إلا في المصائب، لتعلن بصراحة عن تصعيد الخلاف لأقصاه:
-هو كبر لوحده خلاص يا "بدير"! وابني عندي مش أغلى من بنت "آمنة" ...!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثامنة عشر بقلم منال سالم


قضت في أحضانه ليلة مغايرة لتلك الليالي الجوفاء الأولى في حياتهما الخاصة معًا، واستمتعت بنوبة حب عنيفة مليئة بكل المشاعر الجامحة التي امتزجت بقوته الذكورية فأحيت فيها عنفوانها وجعلتها تحلق عاليًا في سماء الحب، بل وتطلب المزيد من ذاك الشغف العاصف بالوجدان، استطاع أن يصل بها إلى مناطق لم تختبرها من قبل، خاضت بجوارحها تجربة أوقظت فيها مشاعرها الكامنة بالكامل.


 
لم تتوقع "خلود" أن يمنحها "تميم" مثل تلك الأحاسيس العميقة، بدا مختلفًا كليًا عن ذي قبل، تأوهت بصوتٍ خفيض وهي تنهض بتململٍ من على الفراش، التفتت برأسها نحو زوجها فوجدته لا يزال مستغرقًا في النوم، تأملته بابتسامة مشرقة ووجهها يشع نضارة لطيفة .. عبثت في خصلات شعرها المتنافرة ومشطتها بيدها لتعيد ترتيبها، ثم عقصتها كعكة دون أن تربطها بمشبكٍ للرأس..


 
أخفضت نظراتها لتنظر إلى ما اضطرت أن ترتديه في الليلة الماضية؛ إنه واحد من قمصانه، يكاد يغطي نصفها العلوي، توردت قليلاً لمجرد تذكر تأثير رؤيته ترتديه، أعطاها جاذبية مغرية، ومنحها ليلة حافلة العواطف الجياشة، وعلى غير عادتها نهضت مليئة بالحيوية والنشاط، كانت متحمسة لإعداد الفطور له وإحضاره بالفراش، مشيت على مهلٍ وبحذرٍ حتى لا توقظه، لكنه انتبه لحركتها، تقلب على جانبه، ونظر لها بنصف عين، بادلته ابتسامة رقيقة وهي تستطرد بنعومة متعمدة التدلل في وقفتها:
-صباح الخير يا حبيبي.

فرك "تميم" وجهه بيده، وقال متثاءبًا:
-صباح الخير.
عضت على شفتها السفلى وهي تسبل عينيها نحوه، ثم تغنجت في وقفتها المغرية لتضمن تركيز كامل أنظاره عليها، وما إن نجحت في ذلك حتى تحركت مبتعدة عنه لتجعله يتأمل تفاصيلها الأنثوية عن عمدٍ فتحرك فيه مشاعره، وأضافت وهي تشير بيدها نحو عباءتها:
-أنا هاحضرلك الفطار وأجيبهولك هنا يا حبيبي.


 
أومأ بحاجبه معقبًا بنبرة موحية:
-طب ما تيجي أصبح عليكي الأول!
التفتت برأسها نصف التفاتة تقول له في دلالٍ ممتع وقد امتلأت عيناها بوميض لامع:
-اللي تؤمرني بيه يا حبيبي.

ثم تهادت في خطواتها المائعة نحوه لتزيد من تأجج الرغبة بداخله، وما إن أصبحت قريبة منه حتى مد يده ناحيتها وقبض على معصمها ليجذبها إليه، سقطت في أحضانه، وأحاطها بذراعيه .. وبخفة ممتزجة بالقوة رفع جسدها وأدارها للناحية الأخرى من الفراش لتغدو أسفل منه، وما هي إلا لحظاتٍ وانغمست معه في أنهر الحب اللذيذة.


 
ركام محترق، بقايا مدمرة، هذا كل ما تبقى لها من العربة حين وقفت تتطلع إليها في الصباح عند الكورنيش، أخفت "فيروزة" عينيها الغائرتين خلف نظارة داكنة، لكن دمعاتها أبت الاختباء، انسابت في صمتٍ تحسرًا على حلمٍ قريب ضاع قبل أن يكتمل، لم تأبه لمن يتطلع إليها، لم تشعر بمن حولها، فقط مزيج من المشاعر الحانقة، الغاضبة، والمتألمة كان مسيطرًا عليها، مسحت بطرف إصبعها دمعاتها التي شقت طريقها عبر صفحة وجهها لتضع بعدها الهاتف على أذنها، هتفت متسائلة بصوتها المائل للبكاء:
-مافيش لسه جديد يا "علا"؟

أجابتها رفيقتها على مهلٍ:
-لأ لسه.
عادت لتسألها بعد زفير بطيء:
-و"ماهر" بيه طمنك على وضعي القانوني؟
لحظة صمت سادت بينهما قبل أن تجيبها:
-كله تمام.
مسحت بمنديلها الورقي أنفها المبتل، وأضافت تسألها:
-يعني أنا مش محتاجة أستشير محامي أو حد متخصص
نفت على الفور:
-لالالا، هو قايم بكل حاجة، معارفه كتير زي ما إنتي فاهمة.


 
أومأت برأسها ترد وقد شردت نظراتها في أمواج البحر المتلاطمة والتي نثرت رذاذها على عربتها:
-ماشي، بس لو عرفتي حاجة بلغيني.
قالت لها:
-أكيد يا حبيبتي، وإنتي خلي بالك من نفسك
-إن شاء الله.
أنهت "فيروزة" المكالمة معها لتلقي نظرة أخيرة طويلة على ما كانت عربتها قبل أن تستدير للجانب لتسير مجرجرة ساقيها بعيدًا عما أصبح يؤلمها.

على الجانب الآخر، كان "ماهر" جالسًا إلى جوار شقيقته واضعًا ساقه فوق الأخرى ويتابع بأنفاس مكتومة حوارهما الخاص بعد أن أسمعته المكالمة الدائرة بينهما. تعليماته لها كانت واضحة؛ أن تماطل قدر المستطاع معها حتى لا تلجأ لمساعدة محامٍ متخصص فيفسد ما يحاول إصلاحه، أغلقت الخط، والتفتت نحوه تسأله في ضيقٍ:
-أنا خايفة "فيروزة" تزعل مني لما تعرف إني كنت بأكدب عليها، وإن المحضر اتركن ومافيش فيه جديد.


 
حدق فيها بنظرة جامدة خالية من العطف وهو يرد:
-ده لمصلحتها يا "علا"، الناس اللي واقعة معاهم تُقال أوي، وممكن يضيعوها، واللي أنا عملته ده هيخدمها بعدين.
رددت والتأثر ظاهر في نبرتها:
-بس هي صعبانة عليا أوي.
انتصب في جلسته يقول لها:
-للأسف احنا في غابة، والضعيف مالوش مكان فيها، وصاحبتك بعنادها حطت نفسها في عرين الأسد
سألته في قلقٍ:
-طيب هيحصل إيه بعد كده؟

أجابها برويةٍ، مؤكدًا لها أن الأمر مخطط له:
-هنحاول نخليها تتنازل، أنا متفق مع "وجدي" على ده، والصراحة هو عامل اللي عليه وزيادة عشان الموضوع ميوصلش للنيابة.
تمتمت في رجاءٍ وهي تستند بطرف ذقنها على كف يدها:
-ربنا معاها
حذرها "ماهر" بوجهٍ صارمٍ للغاية ونبرة غير قابلة للنقاش:
-إنتي خليكي متابعة معاها على الخط كل حاجة بتعملها، لوو جد أي جديد عرفيني، مفهوم؟
أومأت برأسها متنهدة في خنوعٍ:
-حاضر.

وقف مستندًا بكفيه على حائط الحمام المبتل في منزله تاركًا المياه المتدفقة تنهال على رأسه بقوتها علها تسكت تلك الأصوات الصاخبة في عقله، والتي أصابته بالتخبط والارتباك، تردد مريب جعله يعاود التفكير في أمرها بالرغم من مرور يومين على تحرير المحاضر بينهما، أغمض "تميم" عينيه مستعيدًا المشاهد الشائكة التي حدثت له معها مؤخرًا، وكان هو طرفًا محوريًا فيها، بدا كمن يحلل الأحداث وينقيها محاولاً استنباط الحقيقة بشفافية بعيدًا عن تحيزه الذكوري الأعمى وهواجسه الخاطئة، ربما لكون حديث والده وما تردد من فمها خلال نوبة غضبها قد أوقظ إدراكه العقلاني، بالإضافة لرؤيته للأضرار الجسيمة التي قضت على العربة، فبدت بدنًا مهترئًا لا يصلح لشيء، تساءل مع نفسه بعشرات الأسئلة التي أرهقت عقله كثيرًا لإيجاد الإجابات عليها..

ماذا لو تبدلت الأدوار وكان هو في محلها وعبث أحدهم بلقمة عيشه؟ بالطبع لم يكن ليتهاون في حقه! بل ومن الممكن أن يطيح برأس أحدهم انتقامًا منه .. تلقائيًا وجد نفسه يُوجد لها الأعذار المنطقية مبررًا تصرفها معه بعدائيةٍ بحتة، كذلك وصل إلى نتيجة مقنعة جعلته يميل لدافعها المفهوم بالتعامل معه بكل ذلك الحنق المشحون؛ قهرها على ضياع مصدر رزقها، لعلها تكون هي المعيلة الوحيدة لأسرتها، ومحدودية تفكيره جعلته يُدينها دون تهمة حقيقة. ردد مع نفسه بصوتٍ خفيض وهو يستدير بجسده:
-ما يمكن أكون غلطان!

لم ينكر أنه خلال ممارسته لطقوس الحب الحميمية مع زوجته كانت "فيروزة" ضيفة مميزة في مخيلته، لوهلة ارتبك من اقتحامها لذهنه وحاول مقاومة صورتها الخيالية ليركز انتباهه مع تلك التي تمنحه حبها غير المشروط، تعامل بشكل غير اعتيادي مع زوجته ليتغلب على تلك المتطفلة، لكنها اخترقت أحلامه الجريئة وطغت عليها بحضورها المثير لحواسه لدرجة جعلته يرغب في مطارحتها الغرام، نهض من النوم مذعورًا قبل شروق الشمس وهو يلهث وقد فزع من جموح أحلامه، تطلع إلى "خلود" بنظرات غريبة.

ما لبث أن تحولت للندم بعد أن تبين ملامحها على أثر الضوء الخافت، وكأنه اقترف ذنبًا في حقها باستدعائها إلى منطقته المحرمة، نفض تدفق تلك الأفكار عن رأسه منذرًا نفسه بعواقب التمادي في تخيلها بتلك الطريقة، أكمل استحمامه محاولاً الاسترخاء غير عابئ بالوقت الذي قضاه في الحمام..

حملق أمامه بعينين متسعتين وكأن طيف وجهها المحتقن شبه متجسد على المرآة المشبعة ببخار الماء يلومه على إحراق عربتها، أحاسيس غريبة بدأت تراوده من جديد نحوها خلال يقظته، لكنها لا تضم مشاعر الغضب من عدوانيتها، إلى حد ما مال للتعاطف معها بعد أن تفهم موقفها وأدركه من أبعاد أخرى لم يكن قد فكر فيها من قبل، شعر وكأن الوحشة التي عششت في قلبه بسبب تأثير الحبس عليه قد تضآلت قليلاً، لكن ما انتاب جسده من تأثيراتٍ حسية لمجرد احتلالها لذهنه أصابه بالتوتر، توقف فجأة عن التفكير في أمرها وتلك الدقات الخفيفة تطرق على الباب يصحبها صوت "خلود" المنادي:
-عمي "بدير" بيتصل عليك.

رد متصنعًا الجدية وهو يكبح هواجسه:
-طيب، أنا هاخرج وأكلمه، تسلمي .. يا حبيبتي.
غسل رأسه ودعكها بخشونة وهو يلوم نفسه بشدة على ضعفه غير المسبوق أمام تلك الخيالات المثيرة للشهوات، كيف يعقل ذلك وهو من يصنع إرادته بنفسه؟ كز على أسنانه يعنف نفسه بنبرة لا تتخطى الهمس:
-إنت اتجننت ولا إيه؟ فوق يا "تميم"!! مراتك ما تستهلش ده منك!
عاهد نفسه ألا يخطو مجددًا نحو تلك المنطقة المحرمة بالتفكير فيها، بل وعقد العزم على إنهاء تشاحنهما القانوني بحلٍ سريع وودي ليقطع سبل التواصل معها، غمره الارتياح بالوصول لذلك القرار.

اعتقدت بسجيتها أن الأمور تسير على ما يرام إلى أن جاءت إليها في زيارة استثنائية وغير عادية، فتحت "آمنة" باب منزلها لتتفاجأ بآخر من توقعت رؤيته، رمشت بعينيها في ذهول وتطلعت للضيفة بفمٍ مفتوح، لعقت شفتيها راسمة على وجهها ابتسامة باهتة قبل أن تبادر مرحبة بصوتٍ عبر عن اهتزاز نبرتها:
-حاجة "ونيسة"، يا أهلاً وسه....

لم تكمل جملتها للنهاية، حيث قاطعتها "ونيسة" تعاتبها بصوتٍ متجهمٍ، ووجه عابس للغاية:
-مكنش العشم يا "آمنة".
ازدردت ريقها في حلقها الجاف، حاولت أن تحافظ على ابتسامتها المبتورة، وقالت:
-اتفضلي يا حاجة، مايصحش نتكلم على الباب.
دفعتها بغلظة من كتفها لتمرق للداخل، ثم استدارت لتهاجمها كلاميًا:
-وهو إنتي تعرفي اللي يصح واللي مايصحش؟

ردت "آمنة" على الفور مدافعة عن نفسها حتى لا تسيء الظن بها:
-من قبل ما تتكلمي وتعاتبيني، أنا أقسم بالله ما كنت أعرف أي حاجة.
نظرت لها باحتقارٍ، وكأنها غير مقتنعة بكذبتها الساذجة، ثم سألتها مباشرة:
-ولما عرفتي، اتصرفتي إزاي؟
نكست رأسها تجيبها بلبكة بائنة:
-أنا كلمت بنتي، و.. وضاغطة عليها عشان.. تتنازل عن المحضر
ركزت نظراتها عليها وهي تسألها:
-وبعدين..؟

بلعت ريقها في حلقها الجاف وردت بتلعثمٍ:
-هي.. يعني.. آ..
كانت تبحث عن الكلمات المناسبة لتسعفها قبل أن تتفوه بما قد يأزم الأمور ويعقدها، لكن "ونيسة" استطردت موضحة دون مراوغة:
-راكبة دماغها، عاوزة تقولي كده، مظبوط؟
نفت في التو:
-لالالا يا حاجة "ونيسة"، بس الموضوع فيه سوء فهم.
رفعت سبابتها أمام وجهها تحذرها بلهجة قوية وقد توحشت نظراتها:
-شوفي يا "آمنة"، هي كلمة من الآخر...

انتبهت حواسها لما هو قادم، وتابعتها بآذان صاغيها حينما أكملت:
-بنتك لو أذت ابني فأنا هانسى الجيرة اللي كانت بينا في يوم، ومش هاعمل حساب لحاجة، سمعاني؟
أحست بدوار قاسٍ يضرب رأسها، حاولت التماسك أمامها حتى لا تُظهر ضعفها، لكن ملامحها الباهتة أكدت خوفها، واصلت "ونيسة" تهديدها العلني قائلة:
-قدامك يومين تحلي فيهم كل المشاكل، وقد أعذر من أنذر!!
رمقتها بنظرة متعالية متأففة قبل أن توليها ظهرها لتتجه نحو المنزل وهي تغمغم بحنقٍ:
-ومافيش سلامو عليكم.

بحثت "آمنة" عن أقرب مقعدٍ لتستند عليه بيدها قبل أن يختل توازنها، زاغت نظراتها وأحست بعنف دقات قلبها، اضطربت أنفاسها وهي تولول تحسرًا:
-يا دي المصايب اللي نازلة ترف على دماغي من الصبح!
تشوش ذهنها واحتلت الهواجس المذعورة رأسها، تخيلت المخاطر تحيق بكل فرد من أسرتها دون وجود مدافع عنهم، فزعت أكثر، وما ضاعف من ذلك ارتعابها من ردة فعل شقيقها إن علم بما دار خلال غيابه، ارتعش بدنها، وهمست في هلعٍ:
-ناوية تخسريني مين تاني بعد كده يا "فيروزة"؟!

مرت الساعات كأنها أدهر عليها وهي تلملم ما ظنت أنه حلمها، أخلت "فيروزة" الغرفة التي أعدتها مخزنًا من كل ما تحتويه من أشياء ووضعتهم بالباحة الخلفية تمهيدًا لبيعهم، فوجودهم بها ليس له جدوى، تأزم الموقف حقًا بعد جدالها العقيم مع والدتها التي سعت لإجبارها على التنازل عن حقها القانوني إرضاءً لجارتها القديمة دون أن تأبه بمشاعرها المقهورة، رفضت بشدة وتمسكت بقوة بآخر حقوقها المشروعة، وبفتورٍ وحزن أخرجت آخر صندوقٍ كان موضوعًا بالزاوية، حملته بيديها وسارت نحو الكومة الملقاة لتضمه إليها، رأت "همسة" الدمعات النافرة من عينيها، دنت منها وهي تقاوم رغبتها في مشاطرتها البكاء، ثم ربتت على كتفها محاولة تهوين الأمر عليها قبل أن تستطرد مواسية إياها:
-متعيطيش يا "فيروزة"، قلبي بيتقطع عشانك.

نظرت نحوها بأسى، وقالت بصوتها المنتحب الذي يعبر عن ألمها وهي تلقي بالملاءة القماشية على الكومة لتغطيها:
-حلمي ضاع يا "همسة"، كل اللي حلمت بيه راح، ومحدش حاسس بالوجع اللي جوايا.
تماسكت أختها بصعوبة أمامها، وردت بغصة مريرة عالقة في حلقها:
-كله هيتعوض، و...

كانت بلا وعيٍ فلم تصغِ لحديث "همسة" الآسف، زادت نهنهاتها وهي تواصل ندبها المتحسر:
-ومطلوب مني بعد ده كله أتنازل عن حقي، وأسيب اللي عمل كده من غير حساب؟ ده يرضي مين بس؟
فشلت "همسة" في مغالبة دموعها المتأثرة، ورددت عفويًا:
-حبيبتي..

ثم مدت يدها لتأخذها في أحضانها من تلقاء نفسها، وضمتها إليها محاولة تهوين الأمر عليها ليس بكلماتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع وإنما بمشاعرها الصادقة، فهي ما تملكه حاليًا لتخفف من مصابها، لم تتمكن كلتاهما من الحصول على لحظة سكينة هانئة، فقد أتت من تكدر الصفو وتعكر السلام الداخلي، صاحت "حمدية" مهللة وهي تتبختر في خطواتها متجهة نحوهما:
-هو في إيه اللي بيحصل هنا؟

كزت "فيروزة" على أسنانها في حنقٍ قبل أن تميل نحو أختها لتقول لها بصوتٍ خفيض:
-أنا مش نقصاها السعادي
اندفعت بعصبيةٍ مبتعدة عنها حتى لا تمنحها الفرصة للتشاجر معها، لكن كان كتفها الأسبق في لكزها بعنف محسوس، نظرت لها "حمدية" بتعالٍ وغيظ، ثم عادت لتحملق في أختها، مصمصت شفتيها متسائلة:
-مالها دي؟ لاوية بوزها علينا كده ليه؟

أجابتها "همسة" على امتعاضٍ وهي تمسح بيدها آثار دموعها:
-معلش يا مرات خالي، ظروف بقى.
ردت ساخرة وهي تومئ بحاجبها:
-إيه نسيتوا الزيت على النار، وانشغلتوا بالهئ والمئ فالأكل باظ؟
عبست بتعبيراتها في استنكارٍ من سماجتها الثقيلة، همت بالانصراف، وقالت لها:
-لأ يا مرات خالي، عن إذنك
غمغمت بنبرة ناقمة:
-غوري، جاتك ضربة إنتي التانية!

ألقت "حمدية" بحقيبة يدها على كتفها، واستدارت عائدة من حيث أتت، توقفت عند المدخل لتأمر زوجها ببرودٍ:
-طلع الشنط إنت يا "خليل" لأحسن مش قادرة، وبالمرة هافوت على أختك أسلم عليها، وأشوف طابخة إيه، جايز أريحك من أكل برا النهاردة!
نظر لها شزرًا وهو يتناول باقي الأجرة من السائق قبل أن يرد بوجهٍ متجهم:
-يكون أحسن بردك.

كان "خليل" مجهدًا للحد الذي يمنعه من الانتباه إلى ثرثرتها المزعجة أو حتى الاعتراض على أوامرها المملة، انحنى ليرفع الحقائب عن الأرضية مكملاً السير بتريثٍ وهو يعيد ترتيب ما سيفعله لاحقًا في رأسه؛ فأيامه القادمة مشحونة بالكثير من الأعمال الهامة.

ثينت ساقها اليسرى ووضعتها فوق اليمني لتجلس القرفصاء على الأريكة، وباستخدام أصابعها قامت "حمدية" بفرك وتدليك قدميها المتورمتين، أصدرت أنينًا عاليًا من جوفها ونظراتها تجول على وجه "آمنة" الشارد، تفحصتها بعينين فضوليتين، كانت تعلم أن الأخيرة بها خطب ما، فجلوسها صامتة بتلك الملامح الواجمة يؤكد لها إحساسها، مهدت للحديث معها قائلة بنبرة تعمدت أن تظهر فيها تعبها:
-أما كانوا يومين ما يعلم بيهم إلا ربنا، الواحد قال يروح البلد يشم نفسه شوية يبص يلاقي النكد في ديله.

اكتفت بهز رأسها كتعبيرٍ عن استماعها لها، بينما تابعت "حمدية" مسترسلة بأسلوب يشدها للحوار وتلك النظرات اللئيمة تكسو حدقتاها:
-عارفة يا "آمنة" الولية اللي اسمها "حنان" مرات "رياض خورشيد" اللي كان مات من قريب.
ضاقت عيناها متسائلة باهتمامٍ:
-أه، مالها؟

التوى ثغرها بابتسامة ماكرة لنجاحها في الاستحواذ على انتباهها، اختفت تلك البسمة سريعًا ليحل الحزن المصطنع على تعابيرها قبل أن تقول موجزة:
-ماتت.
لطمت "آمنة" على صدرها مرددة في صدمة مفجوعة:
-يا ساتر يا رب، امتى ده حصل؟
زمت شفتيها تجاوبها:
-اليومين اللي فاتوا، راحت تزور باين قرايب جوزها، وماتت عندهم.
قالت في أسفٍ:
-إنا لله وإنا إليه راجعون.

أضافت بنبرة خالية من أي تعاطف:
-ولسه مش عارفين هايعملوا إيه مع بنتها، ما إنتي عارفة سلو بلدنا في الحاجات دي
ردت عليها بتنهيدة حزينة:
-ربنا يتولاها
وبخبثٍ مكشوف سألتها مباشرة:
-مقولتليش صحيح، إيه اللي حاصل مع بناتك؟

لم تكن "آمنة" في مزاج رائق يسمح لها بالفضفضة العفوية معها، كانت تخشى من البوح معها بما آلم بعائلتها في الأيام الماضية فتستغل الموقف كعادتها وتزيد من تعقيد الأمور، لذا تهربت من الإجابة عليها، وقالت وهي تنهض من على الأريكة لتسير بتؤدة نحو المطبخ:
-زمانت الأكل سخن، هاطفي النار عليه
نظرت لها "حمدية" في غيظٍ مكبوت، وما إن اختفت عن عينيها حتى غمغمت مع نفسها بتبرمٍ:
-بتتلاوعي عليا يا "آمنة"؟! مسيري هاعرف، ده مافيش حاجة بتستخبى عليا!

انتهى من تدخين سيجارته الرابعة أو الخامسة، لم يعر الأمر أي اهتمامٍ زائد، فكامل تركيزه كان منصبًا على أمر آخر، ولكنها كانت وسيلته المؤقتة للتنفيس عن التوتر الغريب الذي اعتراه. راقب "تميم" الطريق بعينين حادتين ممعنًا النظر في الأوجه التي تمر أمامه، حيث انتقى تلك البقعة تحديدًا لتمكنه من رؤيتها حينما تعرج من أي اتجاه، تفحص جيبه الممتلئ بلزمة لا إرادية كل بضعة دقائق، انتصب جسده واشتد كتفاه حين أبصرها قادمة من على بعدٍ.

ألقى بسيجارته ودعس طرفها بقدمه ليطفئها، ثم تأهب في وقفته. تنحنح "تميم" بخشونة طفيفة ليزيح تلك الحشرجة التي تغلف أحباله الصوتية، وبدا إلى حد ما مستعدًا لمواجهته مجددًا معها.

لم تكن "فيروزة" منتبهة لذاك الظل الواقف على مقربة من منزلها وفي تلك البقعة المعتمة، كانت مستغرقة في أفكارها المهمومة محاولة توفيق أوضاعها وفق ما توفر معها من ماديات بعد بيع كل ما يخص عربة الطعام من أدوات ومستلزمات الطهي، تسمرت في مكانها مذعورة حين أقبل عليها أحدهم بهامته الطويلة، في البداية لم تتبين ملامحه، ودق قلبها بخوفٍ طبيعي، وما إن انعكس الضوء الباهت على قسماته حتى اتضحت قسماته المألوفة؛ إنه ذاك الوغد الذي أفسد عليها حياتها! حقًا كان بارعًا في إفزاعها بخروجه المفاجئ من الظلام ليغدو في لحظة أمامها، تداركت خوفها الغريزي وتطلعت إليه بنظرات حانقة قبل أن تصيح فيه بقوةٍ مهاجمة إياه:
-إنت بتراقبني؟

نظر لها بجمودٍ تاركًا لها الفرصة لتفرغ ما في جعبتها من كلماتٍ ناقمة، وكذلك ليتمكن من ضبط تلك المشاعر الحسية التي هاجمته بشكلٍ غير متوقع، واصلت "فيروزة" صياحها الغاضب فقالت:
-فكرك أسلوب المجرمين ده هيخوفني؟ يبقى إنت متعرفنيش كويس، أنا ورايا ناس ...
رفع "تميم" كفه أمام وجهها ليخرسها بصيغة شبه آمرة:
-ابلعي ريقك شوية، أنا جاي في كلمتين وماشي
ردت معترضة بشراسةٍ على أسلوبه الفظ معها:
-مش إنت اللي هاتقولي أتكلم امتى وأسكت امتى.

نفخ في استياءٍ فاستغلت الفرصة لتضيف بغضبٍ ظاهر على وجهها المتشنج:
-ومش هتنازل عن أي محضر مهما حصل!
كانت نظراته نحوها غامضة ممتزجة بالقسوة، وبكل ترفعٍ علق عليها:
-محدش قالك اتنازلي.. مش المحضر بتاعك ده اللي هايفرق معايا.
اغتاظت من ازدرائه الملموس في طريقة تحدثه معها، وقبل أن تبادر بالكلام مجددًا هتف بهدوءٍ:
-أنا جاي في حاجة تانية خالص.
تبدلت تعبيراتها للاندهاش، ورفعت حاجبها للأعلى متسائلة بنفس النبرة المتعصبة:
-خير؟

لا يعرف لماذا ظلت عيناه مشدودة لوجهها المليء بأمارات الغضب، وكأنه يدرسه، يتمحصه، يفحص كل ذرة فيه على حدا، بات من العسير عليه أن يكبح تلك التأثيرات الحسية التي تجتاحه على نحوٍ مقلق وغير اعتيادي. تنفس بعمقٍ ليكبت ما يعتريه ويوؤده في مهده، ثم استطرد موضحًا بنبرة باردة وكأن أمرها لا يعنيه حقًا:
-أنا جاي أعوضك عن اللي حصل لعربيتك.
رددت في اندهاشٍ مذهول من عرضه المفاجئ وقد تعقد جبينها:
-تعوضني؟

أخرج "تميم" من جيب سترته المغلف الأصفر المطوي إلى نصفين، ومد به يده نحوها قائلاً:
-اتفضلي.
تجمدت يداها ولم تحركهما قيد أنملة، وكأن جسدها بالكامل قد تحول لتمثال حي، نظرت له بعينين غاضبتين متسائلة بوجهها المقلوب:
-إيه ده؟
لوح بالمغلف وهو يجيبها في بساطةٍ:
-فلوس، بدل عربيتك المحروقة.

ابتسمت في تهكمٍ غير مصدقة عرضه الذي بدا من وجهة نظرها سخيفًا ولا معنى له سوى إذلالها بشكلٍ متعمد، رفعت رأسها للأعلى في كبرياءٍ، ثم سألته بما يشبه السخرية:
-مش سيادتك أنكرت إن ليك صلة بالموضوع من الأساس، جاي تدفعلي تعويض ليه بقى؟!
ارتبك لوهلةٍ لسؤالها الصريح، ومع ذلك حافظ على ثبات نبرته وهدوئها وهو يبرر لها:
-لأني مرضاش بخراب البيوت لحد.

التوت شفتاها في ابتسامةٍ مستهجنة، ثم علقت بنبرتها الساخرة وهي تطالعه بنظراتٍ احتقارية واضحة:
-عاوز تقولي إنك يا حرام قلبك رق وصعبت عليك بعد اللي حصل فقولت أطلع قرشين للغلبانة دي أتعطف بيهم عليها، وأهي تبقى بجميلة وأعرف أكسر عينها كويس!!!

صدمته واقعيتها وأفسدت مخططاته العادية بتزمتها الحاد، كان يعتصر عقله ليجد الكلمات المناسبة التي يعلل بها تصرفه، فهي تركيبة نسائية عجيبة لم يقابلها في حياته من قبل، أخرجته من صمته حين هتفت بنبرة اكتسبت قساوة أكبر:
-شكرًا يا حضرت، أنا ما بأقبلش العوض ولا الإحسان من حد..
-بس أنا قصدي..
قاطعته بغصة شعرت بألمها في حلقها:
-محصلتش إني أشحت على نفسي!

دافعت بعزة نفس عن كبريائها الذي جرحه بعرضه السخي، تفهم موقفها ولم يعلق بشيء، لكنها أفسدت احترامه لموقفها بقول:
-خلي فلوسك في جيبك، وابقى ادفعهم للمحامي عشان يطلعك من السجن.
احتقنت نظراته من بشاعة لسانها السليط، لم يكن قد تجاوز بعد عن صفعتها، وحاول تخطيها مرغمًا لينسى كل ما يخصها بإنهاء المسائل العالقة بينهما، لكنها تعيده إلى ذروة الخلاف بحماقتها وتهورها، استطاعت برعونتها أن تستثير حميته فعنفها بحدةٍ وقد توحشت عيناه:
-الواحد غلطان إنه بيعمل معاكي أي واجب.

ردت ببرودٍ:
-مش عاوزة، خليهولك!
نظرة احتقارية له أطلت من عينيها جعلته يستشيط غضبًا، تركته يغلي في مكانه قبل أن يتحول لوحش كاسر ويهاجمها إما لفظيًا أو بدنيًا، فتجربتها السابقة معه توحي بذلك، خاصة مع عدم وجود من يدافع عنها إن تطلب الأمر تدخلاً سريعًا، بدأت "فيروزة" تسير مبتعدة عنه بخطا متعجلة غير مبالية بنظراته النارية المصوبة نحوها. كان "تميم" على وشك التحرك وهو بالكاد يكبح انفعالاته المستثارة، لكنه أدار رأسه في اتجاهها ليقول لها بنبرة عالية:
-عارفة، إنتي عاملة زي الطاووس بالظبط!

استوقفتها جملته الغريبة فالتفتت نحوه تسأله:
-نعم..
تابع موضحًا بما يشبه التهكم عليها:
-أيوه، إنتي مغرورة ومناخيرك لفوق، مالكيش كبير، ومابتسمعيش لحد، ولسانك سابق دماغك، وصدقيني ده هيضيعك.
تفاجأت من تحليله لشخصيتها بتلك الصورة التي تضعها في قالب ترفضه، تماسكت حتى لا تظهر تأثرها بوقاحته، ونظرت له بتعالٍ وهي تعقب عليه:
-طب يا ريت تخلي نصايحك لنفسك، هتنفعك أكتر مني.

لاح على زاوية فمه ابتسامة ساخرة منها مما استفزها، فاندفعت قائلة بنزقٍ:
-أه، وبالمرة قول للست الوالدة ماتتعبش نفسها وتيجي تهددنا تاني، أنا هاخد حقي منك وبالقانون!
بدا تأثير المفاجأة بائنًا على تعبيراته التي تحولت للوجوم وهو يردد:
-إيه الكلام ده؟

شعرت "فيروزة" أنها كسبت تلك الجولة لصالحها، فارتخت قسماتها وانعكس عليها القليل من الزهو، ثم قالت ساخرة وتلك النظرة المنتصرة تتراقص في حدقتيها:
-مش معقول متعرفش بده، غريبة!
اشتد في وقفته، ودنا منها خطوتين ليسألها بصوتٍ قاسٍ:
-فهميني هنا، معناه إيه كلامك البايخ ده!
حذرته بتهديدٍ صريح وهي تتراجع للخلف:
-عندك! متقربش مني وإلا هاعملك محضر تحرش وبدل السنة هتبقى عشرة!

نظر لها بعينين مغلولتين مستنكرًا بجاحتها، أهذا جزاء معروفه معها؟ ردد لنفسه في ضيقٍ، بينما تابعت "فيروزة" بنبرة تهزأ به:
-وإنت ماشاء الله سوابق، وسمعتك سبقاك.
أوصلته بنزقها المستفز إلى درجة جعلت من الصعب عليه السيطرة على غضبته الوشيكة، غالب "تميم" ما يعتريه من مشاعر حانقة ومستثارة حتى لا يتصرف بطيشٍ .. وبصوتٍ أجش رن صداه في أذنيها بقوةٍ قال لها متعهدًا:
-بكرة السوابق ده هيكسر مناخيرك ويجيبها الأرض...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة التاسعة عشر بقلم منال سالم


حالة من الحنق، الغيظ، السخط سيطرت على كامل جوارحه واختلطت بغضبه المكتوم لتتشعب في كل ذرة من جسده بعدما أخبرته "فيروزة" بشأن زيارة والدته غير المستساغة لها، لم يحبذ مطلقًا أن يوضع في ذلك الموقف الحرج، وبجهد مضاعف ضبط انفعالاته ليبتعد عن المكان قبل أن يرتكب ما قد يندم عليه لاحقًا بسبب نجاحها في استفزازه بتسلطها الحاد.


 
كور "تميم" قبضة يده ضاغطًا على أصابعه بقساوةٍ، سار بمحاذاة الكورنيش لوقت طويل حتى تخبو تلك النيران المستعرة بداخله فلا يعود لمنزله وهو على وضعه الحالي، استياء عظيم شعر به لفشله في تحقيق ما كان يصبو إليه، قادته قدماه خلال طريق عودته إلى العربة المحترقة، تجمد أمامها وحملق فيها طويلاً بعقلٍ شبه شارد، ورويدًا رويدًا بدأت ثورته المتأججة نحوها تخبو لتتحول نحو رفيقه الذي أحدث تلك الكارثة.


 
بدا كمن أصابه البرق فانتصب في وقفته وغير مساره ليتجه نحو منزل "ناجي"، توقع مكوثه بالسطح ليلهو كعادته كل مساء، صعد الدرجات سريعًا، وقف عند أعتاب مدخله وألقى نظرة شاملة على من فيه، وكما صدق حدسه، فقد كان متواجدًا بصحبة "حمص"، و"شيكاغو"، صاح عاليًا لينتبه ثلاثتهم لوجوده:
-سلامو عليكم.


 
على الفور نهض "ناجي" من جلسته المسترخية مهرولاً نحوه وهو يرحب به:
-أهلاً بكبير منطقتنا، نورت المكان كله.
مد يده لمصافحته، وجذبه الأخير نحوه ليحتضنه، ثم دعاه للجلوس قائلاً:
-تعالى، ده الأعدة الحلوة لسه هتبتدي.

نظر له بعينين غائمتين ووجه عابس، لم يكن راغبًا في السهر أو المكوث معه، فمجيئه فقط كان من أجل مهمة محددة، لذا سار بتثاقلٍ نحو الوسائد المحشوة التي تفترش السجاجيد بزاوية السطح، رحب به التابعان بودٍ زائد، اكتفى بالابتسام المتحفظ لهما، صاح "شيكاغو" عن ثقة وتلك البسمة اللزجة تعلو ثغره:
-اطمن يا معلم، الحكاية عندنا..


 
وأضاف عليه "حمص" متخذًا موضعه في الحوار:
-وزي ما ورطناك هنحلها بطريقتنا.
التفت نحوه يطالعه بنظرات قاسية رافضًا الغموض الذي يغلف كلماته، وهتف ينذره بخشونةٍ:
-طريقتكم!! أنا مش عاوز شغل عوأ وبلطجة تاني مع الحريم!
أجابه "حمص" نافيًا:
-لأ يا كبير، دي حاجة في السليم، ومضمونة.

اقترب منه "شيكاغو" ليقول بخبثٍ من بين أسنانه المتسخة:
-وبعدين ده احنا تحت طوعك يا معلم "تميم"، ومطرح ما تودينا نروح واحنا مغمضين.
هز "حمص" رأسه مؤكدًا هو الآخر:
-أيوه، رقبتنا فداك يا كبير.
نظر لهما بعدم ارتياح، وشدد من جديد بلهجته الجادة:
-ماشي، بس أديني قولتلكم أهو، عشان محدش يلومني لما اتصرف بعد كده.
قال له "شيكاغو" دون تفكير:
-فداك يا كبير.


 
قبض "ناجي" على ذراع "شيكاغو" وسحبه منه لينزوي به بعيدًا عن عيني "تميم" المراقبة له، وبنبرة أقرب للخفوت سأله:
-عرفت هتعمل إيه؟
جاوبه بصوته الخفيض دون أن تفتر ابتسامته السخيفة:
-أيوه، كله زي ما فهمتنا يا ريس "ناجي".
ارتخت أساريره المشدودة، وقال له:
-طيب، عاوز البشارة تجيلي قريب.
رد يطمئنه عن ثقة واضحة:
-قريب هاتسمع اللي يفرحك، بس ماتنسناش في عرقنا.

علق في سخطٍ:
-أما تتنيل تحلها تبقى تتكلم، بلاش تقاطع يا فقري
قال بتملقٍ، وكأنه بذلك يكسب وده:
-ولو ببلاش يا معلم، مايهمكش، اعتبرها عربون محبة وتصالح
هز رأسه في استحسانٍ، ثم اختطف النظرات نحو "تميم" الذي تمركز جالسًا على الوسائد، تنحنح بصوته الخفيض وأشار بعينيه ل "شيكاغو" ليبتعد عنه، أحضر نارجيلته ودنا منه وهو يحملها، افتعل الضحك ملقيًا دعابة خارجة، لكن لم يضحك رفيقه، بل بدا أكثر وجومًا، وسأله مباشرةً ليشعره بأنه يراقبه عن كثب:
-مقولتليش هتعمل إيه ؟


 
تلجلج قليلاً وهو يجيبه:
-كل خير يا صاحبي، اطمن..
حذره بجديةٍ واضحة:
-يا ريت ماتكونش مصيبة جديدة تحط على دماغي!
هتف نافيًا ليبدد شكوكه:
-لأ، دي حاجة مضمونة يا "تميم"، متقلقش!
وبالرغم من كلماته الباعثة على الاطمئنان إلا أنه لم يشعر بذلك الإحساس الذي يسعى رفيقه بكل جهده لبثه فيه، بل انتابه هاجسًا مزعجًا أن الأمور تتجه للتعقيد أكثر، وربما للأسوأ، خاصة بعد مواجهته الأخيرة مع صاحبة الرأس العنيد؛ "فيروزة".

كارثة بكافة المقاييس حلت على رأسها، وبالكاد ستقضي على سند عائلتها إن لم تتنازل عن عجرفتها وكبريائها الذي تعتد به لأجل فلذة كبدها، انخلع قلبها خوفًا عليه، وتهدجت أنفاسها فور معرفتها بما آلم به من مصيبة لن يخرج منها بسهولة، استطاعت بصعوبة أن تتمالك نفسها لترتدي ثيابها وتفكر بذهنٍ غير مشوش حتى تصل لحل ينقذه مما بات فيه.


 
هرولت "بثينة" نحو منزل شقيقتها لتستنجد بها بعد أن هاتفها ابنها ليخبرها بإلقاء القبض عليه بالقسم الشرطي في تهمة لم يفصح لها بعد عن فحواها، استقبلتها "ونيسة" بترحابها المعتاد متجاوزة عن أي خلاف حدث من قبل، وتفاجأت بها تبكي بحرقةٍ وهي ترجوها أن تتدخل لإنقاذ ابنها، لم يكن أمامها سوى اللجوء لزوجها ليساعدها، تركتها تجلس بمفردها في الصالون بعد أن أعدت لها عصير الليمون لتشربه وتهدأ، سارت عبر الردهة لتدخل إلى غرفة النوم حيث يستلقي "بدير" في قيلولة قصيرة، توقفت في مكانها مترددة، لم تكن راغبة في إيقاظه خلال لحظاته المقدسة تلك، لكن لا مفر، استجمعت جأشها، وتقدمت نحوه، وبكل رفقٍ هزته من جانبه هامسة له:
-حاج "بدير"! إنت صاحي يا حاج؟

نظر لها الأخير بنصف عين، تقلب على جانبه، وبصوتٍ ثقيل نائم سألها:
-في إيه يا "ونيسة"؟
بصوتٍ متذبذب أجابته:
-معلش ممكن تفوقلي كده شوية، أنا عاوزاك في مسألة مهمة
انتفض في نومته يسألها والقلق قد غطى ملامحه من طريقة حديثها:
-"تميم" جراله حاجة؟ الدكان فيه مصيبة؟ البضاعة باظت؟
ردت بالنفي:
-لأ يا حاج، الشر برا وبعيد عننا، ابننا بخير، والدكان زي ما هو.

نظر لها بغضبٍ وهو يوبخها:
-أومال مصحياني ليه يا ولية السعادي؟
أجابته على استحياءٍ:
-أصل "بثينة" برا، وكانت آ.. عاوزاك.
تقلصت تعابيره واكتست بأمارات الانزعاج وهو يدمدم بتأفف:
-هي الحكاية فيها أختك، خير عاوزة إيه؟
اعتدل "بدير" في نومته، ونظراته المستاءة ما زالت تحتل وجهه، استقامت في وقفتها وردت:
-أصل الواد "هيثم" واقع في مشكلة، وآ....

قاطعها بتبرمٍ:
-يادي الزفت الحرامي ده اللي ما بيجيش من وراه أي خير!!
ربتت على كتفه تستعطفه:
-أنا عارفة يا حاج إن بلاويه كتير، بس إنت كبيرنا، وفي مقام أبوه، ولو موقفناش معاه الواد هيضيع.
علق في سخريةٍ، وقد تقوست زاوية فمه بابتسامة متهكمة:
-تقوليش هو ماشي عدل، ما هو ضايع خلقة!

حاولت استرقاق قلبه، فقالت له بلطفٍ:
-معلش يا حاج، مالوش غيرك بعد ربنا، وأمه مكسورة الجناح
هتف معترضًا على كلماتها الأخيرة:
-دي مكسورة الجناح؟ أختك ومن غير زعل كده يتفتلها بلاد، كتلة شر ماشية على الأرض.
ردت بانكسارٍ ملموسٍ في نبرتها:
-هي أختي بردك ومالهاش غيري.

أزاح "بدير" الغطاء عن جسده، وأخفض ساقيه ليهبط عن الفراش قائلاً لها:
-عشان خاطرك يا "ونيسة" هاروح أشوفها، مع إني كنت مقرر ما اتحشرلهاش في حاجة بعد اللي عمله ابنها.
سارت خلفه تثني على معروفه الكبير:
-ربنا يخليك لينا يا حاج، طول عمر قلبك طيب وبيسامح.

أخفض "هيثم" رأسه في خزي أمامه بعد أن تدخل لإخراجه من محبسه ودفع تكاليف الإفراج عنه منهيًا الخلاف القانوني مع ذاك الشخص الذي اعتدى بالضرب عليه خلال نوبة غضب عمياء، تملكته عزة نفسه وأفرغ في الأخير ما يعتريه من مشاعر عدائية غير مكترثٍ بتبعات جنونه الجامح، لكن لحنكة المحامي البارع، وأساليبه الجيدة في الإقناع، انتهت الأمور على خير. تطلع إليه "بدير" بنظرات المتفحصة، بدا وجهه جادًا، متصلبًا، خاليًا من مظاهر التعاطف، وبصوته الأجش هتف قائلاً للمحامي:
-متشكرين يا أستاذ، مدوخينك معانا كل يوم.

رد مجاملاً:
-ده شغلي يا حاج، وأنا تحت أمرك في أي حاجة
-تسلم
تنحنح مستأذنًا:
-طيب يا حاج "بدير"، هاروح أنا أشوف مصالحي، ولو في أي حاجة ضرورية كلمني
صافحه في ودٍ:
-ماشي يا سي الأستاذ، في رعاية الله
انتظره حتى اختفى من أمام أنظاره ليستدير في اتجاه "هيثم"، رمقه بنظرة احتقارية قبل أن يستطرد:
-أفتكر كده إني عملت معاك الواجب وزيادة.
رد عليه على مضضٍ:
-أيوه.

تابع مضيفًا بازدراءٍ محسوس في نبرته:
-حد غيري مكانش سأل فيك بعد قلة أدبك وسرقتك ليا..
برقت عينا "هيثم" من جملته تلك، لكن ما لبث أن غلف نبرة "بدير" قدرًا من العطف وهو يكمل:
-بس أمك مالهاش ذنب يتحرق قلبها عليك، ولا أنا كلامي غلط؟
اعتذر في ندمٍ لم يكن يبدو أنه حقيقي:
-غلطة يا جوز خالتي.
استهزأ به في تهكمٍ:
-أها، لأ وواضح إنك ماشي على الصراط.

لم يعلق عليه وضغط على شفتيه بامتعاضٍ بائن متحملاً سخافاته، بينما لانت نبرة "بدير" قليلاً حين قال له:
-أنا نفسي حالك يتصلح، وتبقى زي باقي الشباب بتراعي لقمة عيشك وبتحوشلك قرشين عشان تتجوز بيهم، ولا عاجبك التسيب اللي إنت فيه ده؟
أظهر اتفاقه معه وردد قائلاً:
-لا يا جوز خالتي، أنا عقلي مكانش فيا، بس إن شاءالله أتغير.

ابتسم في أمل:
-يا ريت.
اضطر "هيثم" أن يجاريه بحماسٍ مصطنع في آماله الواهمة ليغير من مسار حياته الطائشة طوال سيره معه فقط ليخدعه، ودون أن يظهر حقيقة أنه يضمر له كل شر وحقد.

مراقبة حثيثة، ونظرات متربصة قاما بها خلال الفترة الماضية ليرصدا كافة تحركاته، باتا يعرفان عنه ما يلزم للقيام بمهمتهما التالية، والتي خططا لها جيدًا حتى لا يقعا في الفخ .. كان الأمر بسيطًا بالنسبة لهما، هما اعتادا فعله في أول حياتهما الإجرامية؛ سرقة احترافية لأحد الموظفين ممن يخرجون من البنك حاملين لحقيبة جلدية متخمة بالنقود، وكان "خليل" ينتمي لذلك النوع الروتيني من الأشخاص مما سهل الأمر عليهما كثيرًا، وللمصادفة العجيبة كان اليوم هو الميعاد المخصص لمنح أجور العاملين، انتظراه على مقربة من البنك ريثما ينهي الإجراءات والمعاملات البنكية ليتبعا خطواته المحفوظة خلال انتقاله في السيارة التي تعود به إلى مقر عمله، وباتفاقٍ مسبق تم إبرامه مع السائق وزميله نظير مبلغ مادي معقول دخلت الخطة في حيز التنفيذ.

وقبل أن يصل "خليل" إلى وجهته، وعند ذلك المكان الخاوي المحفوف بالأشجار العالية، قطع "حمص" و"شيكاغو" الطريق عليه. أظهر السائق فزعه ليبدو مقنعًا، ونظر إلى الاثنين الملثمين اللذين يحملان أسلحة في يديهما بخوفٍ شديد. صاح "حمص" عاليًا وهو يصوب سلاحه الناري نحو رأسه:
-اركن على جمبك وإلا هاطير نافوخك!

لم يكن أمام السائق سوى الانصياع له، ترجل من السيارة بعد أن صفها في تلك البقعة الخالية من المارة وهو يدعو الله ألا يزهق روحه، ضربه بشراسةٍ على مؤخرة عنقه لينكفئ على وجهه وهو فاقدٌ للوعي، في حين تحرك "شيكاغو" نحو الموظف الآخر الجالس ملتصقًا ب "خليل" يصيح به:
-انزل.

رفع الأخير يديه في الهواء يرجوه في مذلةٍ:
-ماتموتنيش، أنا عندي عيال بأربيهم! خدوا فلوسي، ساعتي، موبايلي بس سبوني أعيش!
قال له "شيكاغو" بعينين تقدحان شرًا:
-أنا مش جايلك إنت..
وتركزت عيناه المخيفتان على وجه "خليل" الشاحب، بدت نبرته واضحة وأكثر إرعابًا وهو يضيف بكلماته الموحية:
-حوارنا كله مع الخال!
ثم غمز له بطرف عينه وهو يكمل:
-ولا إيه يا عم "خليل"؟ مش ده اتفاقنا؟

انقبض قلب "خليل" وهوى بين قدميه من شدة خوفه، لم يفهم ما يحدث حوله أو مقصده من تلك التلميحات الكارثية، لكنه شعر بدمائه تفر هلعًا من عروقه، بينما تطلع الموظف بغرابةٍ إلى زميله مبديًا استرابته في أمره، وكأن الشكوك تساوره حول كون تلك السرقة المدبرة، وقبل أن يستوضح الأمر ببديهية لتنطلي التمثلية أكثر قفز فزعًا في مكانه حينما صرخ به "شيكاغو" بصوته الآمر الذي زاد من رجفة القلوب:
-انزل وما ترغيش، وإلا إنت الجاني على روحك!
-ح.. حاضر.

قالها الموظف وهو يمسك بيدٍ مرتجفة مقبض الباب لينزل من السيارة، أمسك به "خليل" ليجبره على البقاء معه وهو يهمس له بصوته المرتعب:
-ماتسبنيش، خليك معايا.
نفض قبضته المرتعشة عنه، وقال له غير مبالٍ بما سيحدث له:
-يا عم سيبني، الواحد روحه على كف عفريت!

ترجل من السيارة ووقف في الخلاء رافعًا ذراعيه للأعلى كتعبيرٍ عن استسلامه وخنوعه، اقترب من خلفه "حمص" وضربه بقوة على رأسه ليوقعه أرضًا، وانفرد كلاهما ب "خليل" الذي تشبث بالحقيبة وضمها إلى صدره بالرغم من الارتعاشة القوية المسيطرة على بدنه. ثبت "شيكاغو" فوهة سلاحه أمام وجهه وهو يطل عليه من نافذة السيارة، وقال له بصيغة آمرة:
-سلمني الفلوس اللي معاك يا "خليل".
اندهش مجددًا من ترديده لاسمه وكأنه يألفه، نظر له في حيرة، ومع ذلك تعلق بالحقيبة أكثر وهتف يستعطفه بصوته المرتجف:
-دي مرتبات الموظفين، وهما.. ناس غلابة و...

قاطعه بصوته الخشن:
-ماليش فيه، هاخدها يعني هاخدها.
سلمها له طواعية حتى لا يخسر حياته وقد أدرك حجم الخطر الكامن فيه، ولكن تصلب جسده في مكانه مصدومًا وهو يقول له بغموضٍ أربكه:
-بس يكون في معلومك، إنت هاتشيل الليلة دي يا "خليل"!
بهتت ملامحه أكثر، وتلعثم متسائلاً:
-أنا ...؟

فسر له ببساطةٍ:
-هو إنت مادرتش إن اللي معاك هيشهدوا عليك إنك سرقت الفلوس وعملت الحوار ده كله عشان تطلع بالمصلحة دي
هدر نافيًا عنه تلك التهمة الباطلة:
-كدب، إنتو هجمتوا علينا و...
كركر "حمص" ضاحكًا قبل أن يقاطعه في انتشاءٍ:
-هتروح في داهية يا "خليل"، ومحدش هيصدقك.
تضاعف خوفه من تلك المصيبة المهلكة، استدارت رأسه في اتجاه "شيكاغو" الذي بادر موضحًا له مباشرة:
-وكله بسبب بنت أختك، شوفت بقى!
ردد مدهوشًا وقد برقت عيناه على الأخير:
-بنت أختي؟

قست تعابير "شيكاغو" حين أكمل له:
-ما هو اللي يعادي أسياده لازم يتجاب الأرض!
لعق شفتيه وحاول ابتلاع ريقه الجاف مغمغمًا:
-أنا.. مش فاهم حاجة.
ضربه "شيكاغو" بقساوة في جانب كتفه وهو يهينه:
-هتعمل فيها غبي بروح أمك!
تأوه "خليل" من الألم المباغت، وتحمله مرغمًا ليرد مدافعًا:
-أقسم بالله ما أعرف حاجة، عملت إيه بنت أختي؟

نظر له "شيكاغو" بشراسةٍ وهو يجيبه مهددًا:
-من الآخر كده يا "خليل"، وعشان نقطم الليلة دي، بنت أختك تتنازل عن المحاضر اللي عملاها في الريس "تميم"، وإلا هتخش إنت مكانه!
ارتعشت شفتاه وهو يرد:
-بنت.. أختي
قال "شيكاغو" في عدائية ساخرة:
-أيوه، بياعة الكبدة!
هتف "حمص" من الجانب الآخر للسيارة:
-والفلوس دي رهن، تنفذ كلامك هترجع وكأن مافيش حاجة حصلت.
استأنف "شيكاغو" تهديده العلني قائلاً:
-معاك لبكرة الصبح، وإلا زمايلك هيطلعوا على النيابة يشهدوا عليك، ما إنت اللي سرقت الفلوس، وده حوار فاكس معمول!
أيده "حمص" الرأي:
-بالظبط.

وجد "خليل" صعوبة في استيعاب الموقف والإمساك بأطراف خيوطه، هتف بتلعثمٍ عله يمنحه المزيد من التفسيرات:
-أنا... بس..
قاطعه "شيكاغو" بغلظةٍ شديدة:
-مات الكلام!
ثم ضربه بمؤخرة سلاحه بعنف في جيبنه ليفقده الوعي لتكن آخر ما تلتقطه أذناه قبل أن تغيب الصورة عن ذهنه:
-سلام يا خال!

في كل غيظ الدنيا وحنقها سار "خليل" مترنحًا بعد أن استعاد وعيه يعبر الطرقات حتى عاد إلى المنزل، نزع ربطة عنقه عنه وألقاها في الطريق، وفتح أزرار قميصه حتى انكشف صدره، لم يعبأ بالهواء البارد الذي يضربه، كان غضبه المستعر يحتاج لأطنانٍ من الثلوج ليخمده، ومع إن وطأ المدخل حتى اندفع كالثور الهائج يصعد الدرجات بسرعة، توقف أمام أعتاب المنزل، لم يمنح نفسه الفرصة لالتقاط الأنفاس، بل استند بكفيه على الباب يدق عليه بعنفٍ وهو يصرخ مناديًا:
-افتحي الباب يا "آمنة"! أنا عرفت كل حاجة!

كانت صرخاته متواصلة ومرعبة في نفس الآن، حملقت فيه أخته في ذهولٍ بعد أن فتحت له، سألته بتوجسٍ وقد رأت الحالة المزرية التي عليها:
-في إيه يا "خليل"؟ بتزعق ليه؟ ومالك مبهدل كده ليه؟
دفعها بخشونة من كتفها ليلج للداخل فكادت تُطرح أرضًا من دفعته المباغتة، حافظت على اتزانها، والتفتت نحوه تسأله:
-إيه اللي حصل بس؟

تجاهلها وجال بنظراته المكان باحثًا عن ابنتي أخته، لم يجدهما أمام أنظاره، فاستدار نحو "آمنة" يصيح بها:
-بناتك فين يا "آمنة"؟ مخبياهم عني فين؟
سددت له نظرة غريبة مستنكرة ما يتفوه به، ومع ذلك أجابته بتلقائية:
-بناتي جوا، هاخبيهم ليه؟

وقبل أن تتحرك لتعترض طريقه، هرول بكامل عصبيته في اتجاه غرفة الفتاتين، ودون استئذانٍ اقتحمها صارخًا وهو يسبهما:
-عملتوا محاضر في مين يا ولاد الكلب؟
انتفضت "فيروزة" فزعًا من على الفراش حينما رأت خالها أمامها وقد اتسعت عيناها مذهولة من هيئته المهتاجة، بينما انكمشت "همسة" على نفسها وتراجعت عفويًا للخلف لتحتمي من بطشه، استشاط "خليل" غضبًا وهتف يسألهما من جديد:
-انطقوا عملتوا إيه من ورايا؟

فطنت "فيروزة" لمقصده دون الحاجة لاستيضاح الأمور، وقبل أن تبرر له تصرفها القانوني، هتفت "آمنة" في لوعةٍ معتقدة أنها بذلك تخفف من وطأة الأمور:
-بالله عليك يا "خليل" ما تعمل فيهم حاجة، كانت ساعة شيطان، وكل حاجة هتتحل
التفت نحوها بوجهه الحانق والصدمة تكسو قسماته، نظر لها في حقدٍ قبل أن يلومها:
-يعني كنتي عارفة إنهم عاملين مصيبة وسكتي؟

أسهبت موضحة الحقيقة من تلقاء نفسها بصوتها المهتز وقد تملكها الخوف من عدائيته التي تلوح في الأفق:
-ما أنا اتكلمت مع "فيروزة"، وإن شاء الله هتسمع الكلام وتتنازل عن المحضر، هي بس كانت آ....
لم يمنحها الفرصة لتبرير تصرف ابنتها الجريء، بل هجم على "فيروزة" قابضًا على كومة من شعرها، لفه حول ذراعه قاصدًا اقتلاعه ليؤلمها أكثر، صرخت من الألم الشديد، وحاولت تخليص نفسها من قبضته، وقبل أن تتملص منه كانت صفعة مدوية تهبط على وجهها، شهقت "همسة" خوفًا، وعجزت عن الدفاع عن أختها، بينما اندفعت "آمنة" بجسدها البطيء تذود عن ابنتها بطش أخيها الأهوج وهي ترجوه باستماتة:
-سيبها يا "خليل"، البت هتموت في إيدك!

توسلته "همسة" ببكاءٍ يدمي القلوب:
-حرام عليك يا خالي، "فيروزة" معملتش حاجة، خلينا نفهم اللي حصل
هدر بها بجنون:
-لأ عملت، ومش عاوز أفهم حاجة، كفاية إني هاروح في داهية بسببها
تضاعفت شراسته، ودفع بيده الأخرى "آمنة" عن طريقه لتصبح "فيروزة" في قبضته، ونال وجهها منه لكمة مباشرة ومؤلمة تركت آثارها الملتهبة على بشرتها، صرخت "فيروزة" مدافعة عن حقها المشروع:
-إنت ظالمني يا خالي، هما ولعوا في عربيتي، وحقي أنا بأخده بالقانون.

صفعها بعنفٍ على نفس الوجنة المتألمة رافضًا الإصغاء لها، ليقول بعدها بصوته المهتاج:
-كسر حقك 100 مرة، إن شاءالله يولعوا فيكي حتى، ملكيش دعوة بيهم، أنا في الآخر اللي بأشيل بلاويكم
بدا المشهد مفزعًا، مؤلمًا، وقاصمًا للأظهر .. لم تتحمل "همسة" بشاعته وتحركت لتنجد أختها التي نال جسدها من الأذى المزيد من الركلات والضربات، حاوطتها بجسدها وتحملت طيشه الأهوج حتى تكورت إلى جانب "فيروزة" على الأرضية وهي تئن من الوجع الشديد، تخدل ذراعا "خليل" من عنفه المفرط مع الفتاتين.

توقف عن اعتدائه القاسي ليلتقط أنفاسه، توحشت نظراته أكثر وهو ينظر إلى أخته يأمرها بلهجته النافذة وبأنفاسٍ متهدجة وسبابته تلوح في الهواء:
-بنت الكلب دي هاتقوم تلبس وتنزل معايا دلوقت تتنازل عن المحضر...
انحنت "آمنة" على ابنتيها تبكيهما في مرارة وقهر، كانت مكتوفة الأيدي، لا تملك من القوة ما تحميهما به، رفعت رأسها فجأة نحو "خليل" لتحدق فيه بارتعابٍ مميت وهو يكمل تهديده للنهاية:
-وإلا هادفنها حية، وما هتعرفيلهاش تُربة ...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة العشرون بقلم منال سالم


ليلة مُوحشة مُؤلمة تحمل كل قساوة الحياة وأوجاعها مضت عليها وهي لم تنبس بكلمة واحدة بالرغم من توسلات والدتها وبكاء أختها، بدت فاقدة للنطق وإن لم تكن كذلك، فقد اختنق كل شيء في صدرها، خبأتها "آمنة" في أحضانها واحتوتها بين ذراعيها علها تكون الملاذ الآمن لها بعد أن فشلت فشلاً ذريعًا في درء عنف خالها عنها، مسدت على رأسها بحنانٍ كبير، وانحنت تقبل جبينها وهي تُحادثها بالكلمات المواسية التي لا تملك سواها، لكن جروحها أبت الاندمال، انسابت دمعات "فيروزة" في صمت، دمعات العاجز الفاقد لحقه في الاختيار، كانت مغيبة عمن حولها، تشرد بذهنها لتعيش تلك اللحظات العنيفة الصادمة، فتنتفض وهي تئن من الألم لتعاود أمها تهدئتها بقراءة القرآن تارة، وبالمسح على جسدها برفقٍ تارة أخرى حتى توقف عقلها عن التفكير وغابت عن الوعي من شدة إعيائها.


 
تركتها "آمنة" على الفراش وتفقدت ابنتها الأخرى، كانت مثلها تشكو أوجاعها، طيبت خاطرها، واتجهت إلى غرفتها تبكي بداخلها في تعاسةٍ واضحة، تكومت على نفسها على فراشها البارد تنوح وحدتها القاتلة بدون زوجٍ يحميها من قسوة الأقرباء قبل الغرباء، تجمعت هموم الدنيا في قلبها، وكادت تغفو من تعبها المضني، شهقة فزعة انطلقت من أعماق جوفها حينما سمعت الدقات الهادرة على الباب، عفويًا التفتت إلى المنبه الموضوع على الكومود، كان الوقت لا يزال مبكرًا، لكن جدسها ينبئها بكارثة قريبة. حركت بدنها المتعب من قلة النوم وإتلاف الأعصاب في اتجاه باب المنزل، وقلبها نظرت من العين السحرية فوجدت أخيها يصيح بها:
-افتحي يا "آمنة".


 
دب الرعب في قلبها، واهتزت كليا، لا إراديًا استدارت مستندة بظهرها على الباب، وفاردة لذراعيها على حافتيه، وكأنها بذلك تشكل حاجزًا بشريًا تمنعه من اقتحام المنزل، ثم صرخت بصوتها المبحوح:
-مش هافتحلك يا "خليل"، كفاية اللي عملته في بناتي.
صاح بها بعصبيةٍ ويده تضرب بقوةٍ على الباب:
-يوووه، أنا مش فاضي للهري ده، بأقولك مافيش وقت نضيعه، وأنا واقع في مصيبة بسبب عمايل بناتك، افتحي خلينا نخلص من الهم ده كله.
ردت عليه بارتعابٍ وقد زاد تمسكها بحافتي الباب الذي يهتز من خلفها:
-أفتحلك عشان تمد إيدك عليهم تاني؟


 
قال بنبرة عبرت عن ثقة واضحة:
-لأ يا "آمنة"، المحروسة بنتك زمانتها عقلت بعد الوش التاني اللي شافته مني.
هتفت معاندة بإصرارٍ رافض:
-لأ مش هافتح!
كالحرباء وقفت أعلى الدرج تتابع صياحهما بابتسامة متشفية، وكأن ما فعله زوجها بابنتي أخته قد أثلج صدرها وبرد نيران حنقها نحوهما، ارتدت "حمدية" قناع الضيق على وجهها، وهبطت الدرجات وهي تنادي عاليًا لينتبه لها:
-حاسب كده يا "خليل"، بلاش الافترى ده.


 
نظر لها بحدة من تصرفها غير المفهوم، لكنها غمزت له بعينها ليفطن أنها تشاركه تمثيلية ساذجة لتتمكن من إقناع أخته بالتخلي عن عنادها وفتح الباب، تنحنح "خليل" يوبخها بتجهمٍ زائف:
-ملكيش دعوة يا "حمدية"، أنا بأتكلم مع أختي.
ردت بصوت عمدت لرفع نبرته:
-هتكلمها وإنت متعصب كده؟ يبقى مافيش حاجة هتنفع.

نفخ في وجهها كتعبير عن عدم رضائه، لكنها تابعت بلطفٍ غير معتادٍ منها:
-اطلع إنت فوق بس يا أبو العيال، اشرب الشاي، وأكون أنا خدت وإديت مع "آمنة"، ماشي؟
هز رأسه على مضضٍ:
-طيب، أما أشوف
وبغمغمة متبرمة أولاها ظهره ليمسك بالدرابزون ويصعد للأعلى، التفتت تحدق في الباب مجددًا وهي تطرق عليه برفق منادية إياها:
-افتحي يا "آمنة"!


 
صاحت بها الأخيرة وهي ما تزال مصرة على رفضها:
-لأ مش هافتح، قولي لجوزك يبعد الأول.
ردت تطمئنها:
-هو طلع خلاص، مافيش إلا أنا.

اشرأبت "آمنة" بعنقها للأعلى بعد أن استدارت بجسدها لتحدق في العين السحرية حتى تتأكد من صدق قولها، شعرت بالارتياح لغيابه، ارتخى جسدها المشدود وامتدت يدها لتدير المقبض، أطلت "حمدية" برأسها وتلك الابتسامة الزائعة تعلو شفتيها، ربتت على كتفها في ودٍ، وسارت نحو الداخل وصوت "آمنة" من خلفها يدعوها:
-تعالي يا "حمدية".
مصمصت شفتيها لتظهر إشفاقها وهي تعقب عليها:
-قلبي عندك يا حبيبتي
همَّت "آمنة" بالبكاء مجددًا ليخرج صوتها مضطربًا:
-شوفتي أخوكي عمل فينا إيه؟


 
أومأت برأسها ترد بتنهيدة مطولة، وكأنها تتفق معها في الأمر، لتوحي لها بدعمها الكلي:
-متزعليش يا حبيبتي، أخوكي صعب أوي لما بيتعصب، أنا بس اللي ما بشتكيش!
تنهدت "آمنة" في أسى وقد بدا الإرهاق واضحًا عليها، تأملتها "حمدية" بتفحصٍ فرأت تلك الكرمشة تحت جفنيها، وأثار إحمرار عينيها، شعرت بالنشوة تغمرها وهي تتذكر أصوات الصراخ التي صدحت بالأمس وملأت جدران المكان، برقت حدقتاها بوميض غريب، وتنحنحت متابعة باهتمامٍ مصطنع وهي تجاهد لإخفاء ما يعتيرها من شماتةٍ وانتشاء:
-ها قوليلي فين البنات؟ عاوزة اطمن عليهم.

عاونتها أمها على النهوض من رقدتها، وتلك الأنات تخرج من بين شفتيها لتظهر مدى الألم الذي تعانيه، بالطبع لم تسلم "فيروزة" من العبارات الشامتة والتوبيخات المستترة من زوجة خالتها التي واتتها الفرصة على طبق من ذهبٍ لتظهر سعادتها وإن لم تفصح عن ذلك علنًا، لكن كل ما كانت تفعله يشير وبقوة إلى فرحتها بالأذى الذي لحق بها. حاولت آمنة إقناعها بإخفاء أثار الكدمات باستخدام مساحيق التجميل، لكنها رفضت، وأصرت أن تريه ما اقترفته يداه عله يشعر بالذنب وتأنيب الضمي وإن كانت تشك في ذلك..

ارتدت ثيابها بتمهلٍ محاولة كتم آلامها، ووضعت نظارة داكنة على عينيها، لم تصغِ لتوصيات والدتها ولا نصائحها الواهية، اكتفت بما يضمره صدرها من كراهية مشبعة لخالها ومن دفعه على إيلامها.
وبتؤدةٍ حذرة سارت إلى جوار "خليل" متخذة مسافة آمنة بينه وبينها بعد أن هبطت السلم وخرجت من المنزل لتجده بانتظارها، لاذت بالصمت بالرغم من تهديده القوي لها:
-كلمة واحدة غير اللي قولتلك عليها مش هارحمك، أنا معنديش اللي أبكي عليه.

انفرجت زاوية فمها بابتسامة حانقة، وتلك النظرات النارية مرتكزة على وجهه المشدود، أشار لها بذراعه لتنحرف عن الطريق وتعبره متابعًا إملاء أوامره:
-واحنا في القسم، مش عاوز أسمع منك نفس، تمضي وإنتي ساكتة، أنا هتولى كل حاجة.
كان واثقًا من خنوعها له، ومنحته ذلك التأكيد بسكوتها بعد أن انهزمت معنويًا وبدنيًا، توقف عن السير ليستدير نحوها، تجمدت في مكانها وحملقت فيه بغضبٍ من خلف نظارتها، حذرها بلهجةٍ صارمة مستخدمًا سبابته في التلويح:
-ولو الظابط سألك، ما ترديش عليه، مفهوم؟

لم تحرك شفتيها لتنطق، بل تجاهلته كليًا، ولم يكترث هو بردها، واصل سيره المتعجل يقول لها بما يشبه الاستهجان:
-مالوش لازمة الكلام من الأساس.
بات الهواء خانقًا على صدرها وهي تدرك أن آخر آمالها لاسترداد حقها المسلوب على وشك أن يضيع سدى، بالطبع سينتصر ذاك الهمجي وأعوانه من معتادي الإجرام عليها بقوة القانون لتتحقق مقولة الضابط "ماهر": من لا يملك سلطة فهو ضعيف وضائع. تغلغل فيها إحساس الانكسار وبدت محبطة للغاية، انتبهت لحديث خالها الأخير حينما أصبح كلاهما على أبواب القسم:
-أدينا وصلنا، يالا خلينا نخلص من القرف ده كله، والفلوس ترجعلي، كفاية تعب أعصابي طول الليل.

تأوهت من الألم فجأة وقد شعرت بقبضته تعتصر رسغها، تقلص وجهها واحتدت نظراتها المخبأة، شدد "خليل" من ضغطه عليها وهو ينذرها:
-وده يعلمك ماتعصنيش تاني، لأن المرة الجاية بموتك يا "فيروزة"، وأهوو نرتاح منك
نفض أصابعها الغليظة عنها فأمسكت بمعصمها تفركه لتخفف من الألم، همست بصوتٍ محبط واليأس بادي عليها:
-معدتش فارقة.

كان مذهولاً وقد هاتفه محاميه منذ الصباح الباكر ليخبره بضرورة الحضور إلى القسم الشرطي لإنهاء المحاضر بعد أن وافقت الخصمة على التنازل عنها، بدا "تميم" مدهوشًا، حائرًا، مشتت الذهن وهو يحاول استنباط الأسباب التي دفعتها للمواقفة، فعلى حسب خبرته معها لم تكن سهلة الإقناع، إذًا فكيف ارتضت بقرار التنازل؟ طرأ بباله احتمالية كان قد غفل عنها دون قصد، ربما نجح رفيقه في التصرف بحنكة كما أخبره، وتم ترضيتها بشكلٍ أو بآخر بعيدًا عن حضوره مما شجعها على الموافقة، لم يدع الأمر يحيره كثيرًا، وهاتف "ناجي" ليتأكد من شكوكه، وطمأنه الأخير بنجاح مسعاه، شعر بالارتياح وتوسم خيرًا أن تنتهي الخلافات كليًا ليمحي شبحها وما له صلة بها من رأسه للأبد .. ارتدى ثيابه على عجالة، وتوجه على الفور إلى هناك.

وعلى عكس توقعاته وما رسمه عقله من خيالات في فضاءاته الوهمية، كانت "فيروزة" جالسة بوجومٍ في المقعد المقابل له تخفي وجهها خلف تلك النظارة السوداء المتسعة، لوهلة اعتقد "تميم" أنها ليست نفس الشخص الذي تجرأ عليه من قبل .. بدت غريبة، وديعة إن جاز التعبير، ساهمة، شاردة الذهن، مما أشعره بالتوجس، دار بنظراته على الأوجه المتواجدة؛ محاميه الخبير، صديقه "ناجي"، وقريب الفتاة "خليل".

الكل يبتسم في حبورٍ وكأنهم مرتضين بالتسوية، عادت أنظاره لترتكز عليها، راقبها مراقبة حثيثة محاولاً سبر أغوارها، لم تنطق بكلمةٍ واحدة، وكأن لا روح فيها، هي جسد متواجد معهم، لكن بلا حياة .. لم يرقه الأمر وزاد تغلغل إحساسه بالانزعاج، ومع هذا ترك للمحامي إنهاء الإجراءات، واكتفى بالتحديق الصامت فيها، وإن كان يظن أنها تتطلع إليه من وراء حجابها البلاستيكي.

تنفس "خليل" الصعداء حينما رأى الضابط يضع الأوراق أمام "فيروزة" لتوقع في البقعة التي أشار لها، تنحنح "وجدي" بصوتٍ عالٍ ثم جال بعينيه على وجوه الحاضرين قائلاً:
-أفتكر إن مافيش داعي يحصل مشاكل تاني بينكم، مهما كان كلكم أهل وجيران ..
ثم مال بجسده نحو "فيروزة" موجهًا حديثه لها:
-ولا إيه رأيك يا "آنسة"؟

اكتفت بهز رأسها فالأمر لم يعد مجديًا، الكل انتصر في معركته، وهي وحدها الخاسرة. ذلك السكوت المثير للدهشة استفز "تميم"، اعتدل في جلسته، وتطلع إليها متوقعًا أن تنفجر فيه بين لحظة وأخرى، لكن تحولت عيناه نحو "خليل" حين هلل مؤيدًا:
-أيوه مظبوط، احنا أهل في بعض، وجيران وعِشرة من زمان، إن شاءالله ما يحصلش حاجة تاني.
زجره "وجدي" بحدةٍ:
-أنا موجهلها السؤال، ممكن تحط لسانك في بؤك وتسكت.

تحرج "خليل" من فظاظته معه، ووضع يده على كتف "فيروزة" ليضغط بأصابعه على عظام ترقوتها حتى تنتبه لحديثها معه، رفعت الأخيرة رأسها لتنظر نحوه بجمود، رمقها بنظرة ذات مغزى فهمتها في صمت، أخفضت رأسها وحدقت في الضابط لتقول له بصوتٍ أجوف بارد:
-كل حاجة خلصت يا باشا.

تضاعفت الهواجس لدى "تميم" من أسلوبها الغريب، وتأهب في جلسته أكثر، ليست تلك الجالسة أمامه هي نفس الشابة المندفعة المنفعلة التي ناطحته الرأس بالرأس، وتجرأت ذات ليلة وصفعته أمام دكانه بكل وقاحةٍ. كانت مستكينة، مستسلمة لأمرها، منقادة لمصيرها وكأنها فتاة ضعيفة لا تملك حق القرار، استراب في أمرها وتضاعفت هواجسه، لذا تقدم نحوها بجذعه وسألها مباشرة دون أن يهتم بتبعات قوله الصريح:
-في حد أجبرك تتنازلي عن المحضر؟

تطلعت إليه "فيروزة" بتلك النظرات الميتة، شعرت بالحنق يستعر بداخلها من سؤاله المستفز، أبكل تلك البساطة يدعي براءته وهو من يقف وراء كسرها؟ يالدنائته وخسته! تقلصت تعبيراتها وازدادت وجومًا، حتى بشرتها الشاحبة تشبعت بحمرة غاضبة وكأنها ستشتعل، ارتجف "خليل" من سؤال "تميم" المفاجئ، وخشي من تهور ابنة أخته، فهي دومًا تفسد الأمور قبل اكتمالها، فعلى الفور تدخل وهتف نافيًا:
-أجبرها إيه بس يا معلم "تميم"، هي لاقت الموضوع آ...

قاطعه "تميم" بخشونةٍ ونظراته القاتمة مسلطة عليه:
-اديها فرصة تتكلم.
هز رأسه مستجيبًا له، لكن ضغطات أصابعه القاسية على عظامها كانت كفيلة بإيقاظ آلامها وتنشيط ذاكرتها بمشهد الأمس الدامي، تأوهت بصوتٍ خفيض، وأجابت وهي تشيح بوجهها:
-لأ مافيش
أجابةٍ لم يستسغها "تميم" بالمرة، ما زال إحساسه يخبره بوجود شيء مريب، حملق في وجه "خليل" المتولي دور المصلح الاجتماعي حين قال من جديد:
-بيتهيألي كده احنا عدانا العيب وزيادة، نقدر نمشي يا حضرت الظابط؟

جاوبه برسميةٍ وهو يشعل سيجارته:
-أيوه، هنقفل باقي الإجراءات
أضاف المحامي بابتسامةٍ عملية وهو يمد يده ببضعة أوراقٍ:
-والأستاذ "تميم" هيتنازل برضوه عن المحضر بتاعه.
تناولها منه "وجدي" معلقًا في استحسان:
-تمام.

كان الأمر محيرًا، مزعجًا، مثيرًا للتساؤلات، ورأسه ليس بالمكان الخاوي ليمتلأ بما يخصها، انتظر على أحر من الجمر انتهاء ما يخصه من إجراءات ليهرع ورائها تاركًا "ناجي" والمحامي يكملان الباقي، وراجيًا في نفسه ألا تكون قد ابتعدت كثيرًا، تنفس الصعداء حينما رأها لا تزال واقفة بجوار خالها على مقربة من القسم، والأخير يتحدث معها وهي غير منتبهة له، تردد في التقدم نحوها وسؤالها مباشرة في حضوره، ولحسن الحظ ابتعد "خليل" عنها ليتجه نحو كشكٍ قريب يبتاع منه شيء ما، استغل الفرصة وأسرع في خطاه ليجذبها بقبضته من ذراعها ويسحبها عنوة بالقرب من شجرة عريضة عند الناصية.

تفاجأت من جرأته وجره لها بذلك الشكل السافر والمتحكم، نفضت ذراعها بقوة لتتحرر منه، ورمقته بنظرة نارية يكاد يجزم أنها يراها من خلف نظارتها، تراجع خطوة عنها وسألها دون مراوغة:
-غيرتي رأيك ليه؟

التوت شفتاها ببسمة متهكمة، وهزت رأسها في سخرية قبل أن ترد متسائلة بصوت من أصابه السأم:
-يعني مش عارف؟
تطلع إليها بنظراته المستريبة، كانت مستفزة لأبعد الحدود، تستثير إدراكه وحواسه بشكلٍ جنوني وكأنها طاغية تعرف كيف تذبذبه، هتف يسألها من بين أسنانه المضغوطة وهو يبذل قصارى جهده ليضبط انفعالاته:
-فيكي إيه متغير؟

لم تتحمل نكرانه الكاذب فانتزعت عن عينيها نظراتها لتكشف له عن الكدمات التي تحتل وجهها، صاحت به بهياجٍ غير عابئة بنبرتها التي ارتفعت:
-بص وإنت تعرف كويس!
اهتز كيانه بشكلٍ لم يتوقعه حين رأى علامات العنف ظاهرة على قسماتها، وذاك فقط ما كشفت عنه، لكن الباقي مخبأ أسفل ثيابها، ضاقت حدقتاه في ضيقٍ واستنكار، وسألها:
-إيه ده؟ حصلك من إيه؟

كادت أن تضحك بمرارةٍ من سؤاله السخيف، أيهزأ بها حقًا ويدعي براءته؟ اكتفت بالنظر باحتقارٍ له قبل أن تولية ظهرها وتعود إلى خالها قاصدة تجاهله، لم يغضب منها "تميم"، بل شعر بإحساسٍ متعاظم بالذنب نحوها، وإن لم يعلم تفاصيل الأمور بعد، لكن كلماتها المقتضبة مع نظراتها اللائمة أوحت له بتورطه في إيذائها بذلك الشكل العنيف والسافر، سحب نفسًا عميقًا حبسه في صدره المتأجج ولفظه على مهلٍ، كانت نظراته تتبعها حتى اختفت عند الزاوية، لكنه التفت كالملسوع فجأة وقد صاح "خليل" عاليًا بذلك الأسلوب الرخيص المستجدي العطف والشفقة:
-بالله عليك يا باشا تخليهم يرجعوا فلوسي، أنا عملت كل اللي طلبوه مني بالحرف الواحد، ودلوقتي مافيش محاضر ولا نيابات ولا غيره.

في البداية ارتبك من وجوده، فكامل تركيزه كان مع ابنة أخته، وبالتالي حضوره باغته، تدارك نفسه، ورمقه بنظرة غريبة وهو يسأله مستوضحًا:
-فلوس إيه؟ أنا مش فاهم حاجة منك!!
أجابه بأنفاسٍ لاهثة وهو يحاول استدعاء دموع التماسيح ليبكي أمامه:
-فلوسي اللي خدوها غصب عني يا معلم، هاروح في داهية وأنا عندي عيال..
لم يستوعب شكواه الغريبة، لكن ما لبث أن اتضحت الأمور أكثر حين أضاف بصوته المتهدج:
-أنا خليتها تحت طوعكم، وقطمت رقبتها وكنت مستعد أموتها عشان ترضى عني!

حدق فيه مدهوشًا بما أملاه على مسامعه، وبدأت ملامحه تقسو تدريجيًا، توتر "خليل" من صمته وظن أنه سيتراجع عن وعده، لهذا ألح عليه:
-رد عليا يا معلم "تميم"، ماتسبنيش كده!
تفقه ذهنه الآن لما حدث، وإن لم يعرف بالضبط كيف تم إجبار "فيروزة" على التنازل، تركه يتوسله باستماتة وسار بخطواتٍ أقرب للركض عائدًا إلى رفيقه "ناجي"، لحق به "خليل" صائحًا باستعطافٍ أشد:
-بالله عليك ترجعلي الفلوس، هاروح في داهية.

كانت صوته عاليًا بالقدر الكافي الذي جعل "ناجي" يسمعه وهو يبتسم بسماجةٍ غير منتبه للوجه الذي اربد بغضبه المحموم والمقبل عليه مندفعًا، توقف عن الهرولة ليتلقط أنفاسه، ثم استأنف رجائه:
-ده مال ناس يا خوانا، وربنا المعبود ما فلوسي!
انتصب "ناجي" في وقفته، ونظر له بتسلية قبل أن يقول في تفاخرٍ وزهو:
-شكلك اتعلمت درسك كويس يا "خليل".
أومأ برأسه قائلاً بتلهفٍ:
-أيوه، اتعلمته، هترجعلي الفلوس؟

نظر "تميم" بحنقٍ إلى "ناجي" الذي بدا في أوجه وهو يحذر:
-وتاني مرة محدش يقول للغولة عينك حمرة.
ضجر من موقفه الأبله وسأله بعصبيةٍ بدت ملموسة في صوته:
-في إيه يا "ناجي"، فلوس إيه دي؟
تنحنح قائلاً برجفةٍ طفيفة دون أن تخبو بسمته اللزجة:
-احم.. أنا عارف هو بيتكلم عن إيه..
مال ناحيته ليهمس له:
-وبعدين مش أنا وعدتك هاحل الموضوع على طريقتي، اطمن، كله تمام!

نظر "خليل" في توتر ممزوجٍ بالخوف إلى الاثنين، خاف من تراجع أحداهما عن إعادة الأموال له، فتساءل الفزع متعمقٍ فيه:
-يا معلمين ريحوني، هترجعوا الفلوس؟
لوح له "ناجي" بكف يده وهو يقول:
-خلاص، اطمن، ارجع على بيتك والأمانة هتلاقيها هناك.
أحس بقليل من الارتياح يغمره، اندفع كالمغيب نحو "فيروزة" التي راقبت توسلات خالها من على بعد ووجهها يعبر عن سخط غير محدود، جذبها من يدها بقساوة وهو يأمرها:
-يالا يا بت، تعالي معايا، هنرجع البيت.

تلك المرة رفضت الاستجابة له وأزاحت يده عنها وهي تقول بحدةٍ:
-معلش كده
تقدمت بثباتٍ نحو "تميم" تناديه بصوت يلهث من الانفعال:
-ثانية واحدة يا معلم ...
استدار نحوها من ندائها الذي استرعى انتباهه وقد حلت الدهشة على خلجات وجهه، وقفت قبالته تنظر له بعينين تنطقان بالغضب، وقالت بنبرتها المتهدجة وهي بالكاد تسيطر على ثورتها الهائجة بداخلها:
-كده إنت خدت حقك وزيادة، بس حقي أنا .. لسه!

ضاقت نظراتها نحوه، كان مشدوهًا بحديثها، مأخوذًا بعينيها المليئتين بالشجن، ما زال يحاول جمع قطع الأحجية ليفسر كيف ومتى تم إنجاز الأمر بسلاسة، نفذ صوتها المنكسر إلى قلبه كالخنجر الحاد حين همست بألمٍ عميق:
-ومش مسمحاك فيه!

أحس بزلزال يعصف به، بانهيارٍ لشيء كان مترسخ به، وكأن كلماتها قد أحدثت الشرخ المطلوب. تنفست "فيروزة" مطولاً لتكبح نوبة البكاء التي تهاجمها الآن، لن تنهار أمامه! استقامت في وقفتها وتوعدته بنبرة لا تعرف الغفران:
-وهايجي يوم وهاردهولك.

نظر لها بفمٍ مفتوح وعيناه تتطلعان إليها في حيرة، لم يلومها أو حتى يبادلها الكراهية، كان مأخوذًا بالتحول السريع في طباعها، لكنه كان واثقًا أن الفتاة المتهورة قد عادت إلى طبيعتها التي يعهدها. استطاع "تميم" أن يلمح خالها وهو يخطو بعصبية نحوها، تأوهت "فيروزة" من الألم وقد أمسك بها من كتفها بشراسةٍ ليديرها إليه، رفع كفه للأعلى يعنفها ونناويًا صفعها علنًا:
-إنتي مش هتتلمي أبدًا.

وقبل أن تطال يدها وجهها المتألم، كانت قبضة "تميم" تمسك بمعصمه، أبعد ذراعه وهو يهدر به بصوت اخشوشن بقسوةٍ:
-إيدك عنها!
ارتجف من نظراته النارية وهيئته المتحفزة التي أنذرته بعدم المساس بها دون أن يتفوه بذلك الأمر المنطوق، أخفض "خليل" ذراعه وهز رأسه بخنوعٍ قائلاً:
-خلاص يا معلم، احنا ماشين..

وبحذرٍ واضح أشار لابنة أخته لتسير معه، وبقي يختلس النظرات ناحية "تميم" الذي كان مستعدًا للانقضاض عليه في أي لحظة دفاعًا عنها .. نظرة أخيرة حزينة حانت بها "فيروزة" نحوه أوغرت صدره أكثر، ابتعدت بالفعل لكن بقيت كلماتها ترن في أذنيه لتشعره أن انتصاره في معركتهما القصيرة لم يكن نزيهًا أو حتى بالتراضي...

بمجرد أن وطأت قدماه المدخل حتى هرول قفزًا على الدرجات ليصعد إلى منزله، والتلهف يقتله ليتأكد من عودة النقود المسروقة إليه، لم يهتم ب "فيروزة" التي كانت تطالعه بحقدٍ أكبر، أو حتى أظهر ندمًا زائفًا لما فعله بها، لم يكن يعنيه سوى نفسه فقط، وليحترق البقية. أخرج "خليل" المفتاح من جيبه ودسه في قفله، فتح الباب على مصراعيه، وبنظرات يملأوها القلق صاح عاليًا:
-يا "حمدية"، إنتي يا ولية.

أتته الأخيرة تمشي بتمهلٍ وكسل، نظرت له بعبوسٍ قبل أن ترد:
-في إيه يا "خليل"؟ بتجعر كده ليه على الصبح؟
سألها بأنفاس متلهفة:
-محدش خبط عليكي ولا...

قاطعته بوجهها الجامد وهي تشير بيدها نحو مقعدٍ منزوٍ بجوار مرآة طولية تحتل الركن الأيمن من الصالة:
-أيوه، في واحد شكله مش ولابد كده سابلك الشنطة دي يا "خليل".
مر ركضًا بجوارها نحو المقعد، والتقط الحقيبة الجلدية بيده، ألقى نظرة سريعة على مافيها، ارتسمت تعابير الارتياح على ملامحه، زفيرٌ بطيٌ خرج من جوفه قبل أن ينطق:
-الحمدلله، الفلوس رجعت، كنت هاروح في داهية.

رددت مستفهمةٍ وقد دنت منه:
-هي دي فلوس الشغل اللي قولتلي عليها.
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
-أيوه يا "حمدية"، دي مرتبات الموظفين...
ابتسامة عريضة احتلت وجهه ليكمل بعدها وهو يهم بالتحرك:
-بس خلاص كله تمام، دلوقتي أطير أسلمها وأخلي مسئوليتي.
أوقفته من ذراعه وسألته بضيقٍ ظاهر عليها قبل أن يتركها هكذا بين فضولها المتزايد:
-استنى بس وفهمني جوم إزاي وعملت إيه و...

قاطعها نافضًا قبضته عنه ليرد بنفاذ صبر:
-خلاص يا ولية، حلي عن نافوخي دلوقتي، أنا مش فاضيلك.
أصرت على عدم تركه، وأسرعت في خطاها لتغلق الباب، وقفت قبالته تسد عليه السكة، وهتفت بعنادٍ أزعجه:
-لأ مش هاسيبك، هو أنا في الحزن مدعية والفرح منسية!!!
نفخ في استياءٍ وهو يعقب عليها:
-يا ولية بأقولك دي فلوس الشغل.

كتفت ساعديها أمام صدرها، ونظرت له غير مبالية لتضيف بعدها بإلحاح:
-قولي الحكاية من طأطأ لسلامو عليكم الأول، عملت إيه في القسم، والفلوس دي رجعت إزاي.
تأكد "خليل" أن زوجته لن تتركه يخرج من المنزل دون أن تقف على أساس الموضوع، لذا أوجز معها وأخبرها بالعناوين العريضة لما دار في الساعات الماضية، هزت رأسها في استحسان حين سألها:
-ها ارتحتي كده؟
ابتسامة باردة تشكلت على شفتيها وهي ترد:
-ايوه.

نهرها بحدةٍ بائنة:
-طب أوعي من سكتي.
اعترضت طريقه مشيرة بكفها بعد أن حلت مرفقيها:
-اسمع بس، ما جايز ابن المعلم "بدير" يستقصدك تاني، هو إنت ضامنه
استرعت انتباهه بجملتها المثيرة للقلق، واستطرد يقول:
-مش فاهمك، قصدك إيه يعني؟
أوضحت برويةٍ وقد لمعت عيناها بخبثها المعتاد:
-اللي زي ده نابه أزرق، ورد سجون، ومايعرفش يامه ارحميني.

نظر لها بتأففٍ، وقال:
-يا ولية احنا قفلنا اللي بينا خلاص، معدتش في حاجة، لا مصالح ولا خناقات.
وكأنه أضاء عقلها الشيطاني بكلماته الأخيرة، فلمعت فكرة جهنمية في طيات عقلها، تحفزت هاتفة بنزقٍ وقد زاد اتساع بسمتها الماكرة: ف
-تصدق، احنا ممكن نعمل مصلحتنا من الحكاية دي.
التوت زاوية فمه بابتسامة استجهان، وسألها باستخفافٍ استشعرته في نبرته:
-إزاي
تغنجت "حمدية" بكتفيها، وسارت مبتعدة عن الباب لتقول له بأسلوبها البارع الذي تنجح به في استدراجه إليها:
-بس هتمشي ورا كلامي الأول؟

وقع "خليل" في شباكها بكل سذاجة، والتفت نحوها يرد:
-أوزنه وأشوف إن كان ينفع ولا لأ
قهقهت ضاحكة كنوعٍ من التعبير عن تفاخرها بأفكارها الجهنمية، ثم انتقت أقرب أريكة لتجلس عليها واضعة ساقها فوق الأخرى، غاصت في مقعدها وصاحت مزهوة بنفسها:
-ده أنا حلولي هتأكلنا الشهد وتطلعنا في العلالي.
أسند زوجها الحقيبة في حجره بعد أن جلس إلى جوارها، ركز كامل حواسه معها، وهتف كمن يسيل اللعاب من فمه:
-ها، قولي يا فالحة، أنا سامعك...!!
يتبع..


رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الحادية والعشرون بقلم منال سالم


سحبه من معصمه بشكلٍ غريب محكمًا أصابعه الغليظة عليه بعد أن ابتعدا عن قسم الشرطة، وكأنه لا يريد إفلاته أبدًا إلى أن وصل به إلى دكانه، هناك دفعه بقساوةٍ وعنف من جسده نحو الأقفاص المهملة بالداخل، استغرب المتواجدون بالمكان من ردة فعله الهائجة، ولكن لم يتدخل أحد.


 
كاد توازن "ناجي" أن يختل من أثر الدفعة القوية لولا أن استند بيده على المكتب الخشبي، اعتدل في وقفته لكنه انتفض مذعورًا وقد أشهر "تميم" مديته التي يقطع بها ثمار الفاكهة في وجهه، أمسكه الأخير من تلابيبه بعد أن انقض عليه، ثم دفعه مجددًا نحو الحائط ليحاصر صدره بذراعه، ثم وضع النصل الحاد على عنقه يريد نحره، ارتجف "ناجي" من تصرفه الخطير، وهتف بصوته المهزوز يرجوه:
-إنت.. بتعمل إيه بس؟ اعقل كده يا "تميم".


 
هدر به بجنونٍ شديد وقد اربد وجهه بغضبٍ لا حصر له:
-ده اللي قولتلي هاتصرف فيه وأعمله؟
توسله برجاءٍ ونبرته ما زالت مرتعشة:
-اهدى بس، ده أنا صاحبك.
لكزه بعنفٍ في صدره قاصدًا إيلامه، وواصل صراخه المنفعل به:
-قولتلك حلها بالعقل، مش بالبلطجة وضرب الحريم!
أنكر تورطه في إيذاء "فيروزة" قائلاً:
-وأنا مجتش جمبها، ولا حد من رجلتي، كان الحوار كله مع خالها.


 
استفزه بقوله وشعر بدمائه المحتقنة تندفع بقوة إلى رأسه المشتعل، وما زاد من وهج غضبه تجسد وجه "فيروزة" المتورم في مخيلته ليفقده عقلانيته، لكزه بقسوة أكبر وضغط على صدره ليزيد من إحساسه بالوجع، ثم هدر به صارخًا والنصل يهتز بين أصابعه:
-أومال اللي خالها عملوا فيها ده تسميه إيه؟
ارتعد "ناجي" من عصبيته البائنة، ازدرد ريقه وردد مستنكرًا ومحاولاً في نفس الآن تبرئة ساحته:
-وأنا كنت هاعرف منين إنه هيعجنها؟ قولت هايتكلم كلمتين بالعقل معاها ويقنعها بالهدوء.

حدجه بنظرة مميتة كأنه يريد الفتك به، ورد عليه باستهجانٍ ساخط:
-يا سلام، يا برودة دمك يا أخي! إنت أغبى خلق الله.
لعق "ناجي" شفتيه قبل أن يضيف بحذرٍ:
-أنا غرضي كان أقرص ودن الراجل وبس.
طاقة من الغضب نفذت من عينيه إليه، ثم رد عليه في تهكمٍ صارخ:
-يا شيخ، بإنك تسرق الراجل وتلبسهالي أنا؟!


 
تدخل "محرز" قبل أن تسوء الأمور، وحاول إبعاد "تميم" من كتفيه ليخلص "ناجي" من براثنه وهو يرجوه:
-خلاص يا "تميم"، كل حاجة هتتحل، هدي أعصابك.
نفض الأخير كتفيه عنه وتراجع بضعة خطوات للخلف، لكن ظلت مديته في يده .. تنفس "ناجي" الصعداء لتخلصه من عنف وتعسف رفيقه، تحسس بيده عنقه الذي جرح قليلاً، نظر إلى خط الدماء المطبوع على أصابعه بصدمةٍ، كان بالفعل مهددًا منه، انتفض واكتسى وجهه بعلامات الرعب من جديد حين تقدم "هيثم" نحوه يقول بصوتٍ ميت:
-لو عاوزني أدخل يا ابن خالتي فأنا جاهز، خلي الطلعة دي عندي!

استدار "تميم" نحوه، ورمقه بنظرة صارمة من عينيه المحتقنتين، لم يحبذ مطلقًا اللجوء للغير لفض نزاعاته الذكورية، يكفيه محاولة واحدة فاشلة تورط فيها وجرت عليه مصائب أخرى، قست تعابيره وقال له ملوحًا بذراعه:
-لا سيدي، مش عاوز خدمات من حد.

احتدت نظرات "هيثم" من أسلوبه الجاف معه، وتجهمت قسماته وهو يعاود التراجع للخلف، ي حين راقب "بدير" ردات فعل ابنه بحذرٍ، وبثباتٍ وتؤدة تقدم نحوه ليقف بجسده الشامخ بين الاثنين المتلاحمين، وزع نظراته بينهما قبل أن يقول بصوته الأجش:
-اعتبره موضوع وراح لحاله.
نظرة مستنكرة كست عينا "تميم" بعد تلك الجملة، ازداد حنقه، وهتف محتجًا وعروقه النابضة قد اشتدت بشكلٍ أكبر:
-يابا لأ، كده حرام، واللي حصل مع البت دي كان بسببي في المرتين، حتى لو مكونتش أعرف، أنا اللي محقوقلها دلوقتي.


 
وقبل أن ينطق والده بكلمة بادر "ناجي" مبررًا عله ينجح في ضمه إلى صفه:
-يا حاج "بدير" أنا فكرت رجالتي هيحلوها ودي، هما جودوا من عندهم، دي دماغهم وده تفكيرهم.
علق عليه "تميم" وعيناه تقدحان بغضبه الشديد:
-أه طبعًا، ما إنت باعت شبيحة وولاد ليل يتصرفوا، طبيعي حلهم زيهم.
هتف "محرز" وهو يشير بيديه لكليهما:
-نهدى بس يا رجالة، وكل حاجة وليها حل.

ثم اتجه نحو "تميم" يدفعه برفقٍ من كتفه ليحثه على المشي وهو يغمغم في أذنيه بكلماته المستهلكة عله يمتص غضبته الثائرة، سحب الأول مقعدًا وأسنده خارج الدكان دون أن يستمع له، ثم جلس عليه وقد وضع سيجارة بين شفتيه، أخرج "محرز" ولاعته وأشعلها له وتلك الابتسامة اللزجة محفورة على وجهه معتقدًا في نفسه أنه خبير العائلة النفسي الناجح ذو الخبرات العريضة والتي من خلالها يُطيع الأمور المستعصية. تركزت الأعين كلها فجأة على ذاك المنادي بالصوت الراجي من بعيد:
-يا حاج "بدير"!


 
هب "تميم" واقفًا حينما رأى "خليل" مقبلاً عليه، بدا متحفزًا للغاية، جسده متصلب، وكتفاه مشدودان، توقف الضيف ليتلقط أنفاسه وصوته ما زال ينادي:
-حاج "بدير"، أنا واقع في عرضك.
تحرك "بدير" في اتجاهه والدهشة تحتل قسمًا كبيرًا من ملامحه، قطب جبينه مرددًا في تعجبٍ:
-"خليل"!
كاد الأخير ينحني على يده يقبلها في توسلٍ قبل أن يسحبها سريعًا ليقف بعدها في خزيٍ وهو يستميل مروءته بكلماته المستعطفة:
-بالله عليك ما تردني مكسور الخاطر.
-استغفر الله العظيم.

قالها "بدير" وقد تراجع خطوتين للخلف.. حضوره المفاجئ استثار "ناجي" الذي لم يفق بعد من محاولة اعتداء رفيقه عليه، كانت فرصته ليصب غيظه المكبوت عليه، لذا خطا ناحيته يصيح به بشدة وهو ينعته بألفاظٍ مهينة:
-في إيه تاني يا ....... ؟ فلوسك مش رجعتلك، ولا جاي ترمي بلاك هنا!
رفع "بدير" يده يحذره بلهجته الصارمة:
-متدخلش يا "ناجي"!

هز رأسه بانصياعٍ وقد أُرغم على طاعته، لكن بقيت نظراته الحادة مثبتة على وجه "خليل" اللئيم، حتى "تميم" زاد شعوره بالعدائية نحوه، لم يكن مُدينًا له بشيء، بل على العكس كان يكن له غضبًا متعاظمًا، لذا هدر فيه بخشونةٍ:
-إنت جاي تعمل دور هنا ولا إيه؟
اهتز بدن "خليل" من صوته الجهوري المتعصب، وأدار رأسه لينظر في خوفٍ إلى "بدير"، وكأنه يطلب نجدته، استجاب له الأخير وهتف بلهجته الصارمة الرافضة للجدال:
-ماسمعش نفس حد هنا، هو أنا مش مالي عينكم؟!

قال "تميم" على مضضٍ وهو يكور قبضة يده:
-اتفضل يابا.
استقام "بدير" في وقفته المهيبة، وتطلع من جديد إلى "خليل" بنظراته المتفرسة قبل أن يسأله بهدوءٍ وروية:
-عاوز إيه؟
اختلس "خليل" النظرات نحو الأوجه الحانقة المتطلعة إليه، وابتلع ريقه قائلاً بصوتٍ خفيض يميل للانكسار:
-حاج "بدير"، أنا.. كنت آ...

عَمِد إلى اقتطاع جملته ليظهر ارتعابه مما دفع "بدير" للقول بنفس اللهجة النافذة:
-اتكلم متخافش، محدش هيعملك حاجة!
وكأنه اكتسب حماية مطلقة بتصريحه العلني، تشجع في وقفته وانتصب كتفاه قليلاً، ثم قال بنبرة تعبر عن تعاسة واضحة متعمدًا أن ينظر إلى موضع قدميه:
-يا حاج، احنا ناس غلابة، جيران من زمان وإنت عارفنا أبًا عن جد، وطول عمرنا ماشيين جمب الحيط، ومالناش دعوة بحد
أومأ برأسه يرد عليه ويداه قد ارتكزتا على رأس عكازه:
-مظبوط.

ابتلع ريقه بعد أن استجمع جأشه قليلاً ليمضي في حديثه قائلاً:
-البت مقصوفة الرقبة بنت أختي مكانتش تعرف هي بتعادي مين، وأنا رجعتلها عقلها، وندمت على هبلها، بس آ...
بتر عبارته من جديد ليستثير فضوله، فهتف "بدير" يسأله:
-قول.. في إيه؟

كانت كل الآذان تصغي إلى ما يقوله بالرغم من مشاعر الكراهية والحنق التي تملأ الأجواء، ومع هذا حافظ "خليل" على قناع الوجه المنكسر الذي يرتديه مستمتعًا بترقبهم، حانت فرصته الثمينة ليغتنمها، تلك الفرصة التي لا تأتي في العمر مرتين، أخفض رأسه ليظهر خذلانه، وقال بنبرة أقرب للتسول واستجداء الإحسان:
-هي كانت بتساعد أمها وأختها من القرشين اللي بيطلعولها من العربية، ما هما أصلهم يتامى ومكسورين الجناح، وأنا زي ما إنت عارف موظف ومرتبي على أدي، يدوب مكفي بيه الجماعة بتوعي والعيال اللي مصاريفهم ما بتخلصش، وبعد اللي حصل ده، والخراب اللي جه علينا، ف ... فيعني آ...

فطن "تميم" لأسلوبه الملتوي لطلب المساعدة، فقال بنزقٍ:
-أنا عرضت عليها تعويض، وهي موافقتش!
تفاجأ الحضور بما فعله في الخفاء ونظروا إليه في حيرة واستغراب، لكن كان "خليل" الأكثر صدمة بينهم، همس لنفسه في غيظٍ:
-آه يا بنت الكلب، ومقولتيش!

حاول أن يحافظ على انكسار نظراته وذبول صوته وهو يكمل:
-كتر خيرك يا معلم "تميم"، أصل احنا نفسنا عزيزة، وآ.. ومانقبلش ناخد فلوس كده من غير ما نتعب فيها.
زجره "هيثم" قائلاً بنفاذ صبر بعد أن مل من ثرثرته الطويلة:
-قول دوغري إنت عاوز إيه، ورانا أشغالنا ومش فاضينلك.
ابتلع "خليل" ريقه وهو ينظر إليه في توترٍ، عاد ليحدق في وجه "بدير" وردد بتلعثمٍ:
-حاضر..

ثم سحب شهيقًا عميقًا لفظه دفعة واحدة قبل أن يتابع بنفس اللجلجة المفتعلة:
-يعني لو.. تكلملنا يا حاج "بدير" عم "فايد" يأجرنا المحل اللي على ناصية الشارع، وتضمنا عنده بكلمتك اللي زي السيف إنه يصبر بس عليا في العربون والمقدم كام شهر لحد ما أفتحه وأسترزق منه، وبعد كده أسددله الفلوس، ما إنت كبيرنا، والحال واقف معانا، وأكيد ميرضكش قطع الأرزاق!
أسبل عينيه ليراقب ردات الفعل المرسومة على الأوجه، لكن كان جل من يهمه هو صاحب المال، نكس رأسه في تواضعٍ وهتف يرجوه وهو يشير بيده:
-واللي هتأمر بيه يا حاج فوق راسي.

مط "بدير" فمه يفكر في طلبه الغريب، ثم حسم أمره قائلاً:
-ماشي، معنديش مانع.
ذهل الحاضرون من موافقته، والتي بدت كما لو كانت قد أعدت مسبقًا، ومع هذا لم يجرؤ أحدهم على الاعتراض عليه، هلل "خليل" في سعادة غامرة:
-الله يخليك يا حاج "بدير"، ده احنا مالناش بركة اللي إنت، وأنا هامشي في الحتة كلها أقول للناس على معروفك معايا.

تابع "محرز" المشهد الهزلي المكشوف بنظراتٍ ثاقبة وابتسامة مهترئة، لم يكن ساذجًا لتلك الدرجة لتنطلي عليه تلك الحكايات المستهلكة التي يمليها عليهم "خليل"، كان أكثر إحساسًا بلؤمه، حيث قابل عشرات الأشخاص من صنفه المتغذي على الآخرين، وبالتالي لم يتعجب من تسوله السخيف، لوهلة ومض عقله بفكرة ماكرة، ربما ستساعده في تنفيذ شيء لطالما خطط له، لكنه تعثر بسبب مستجدات الأمور .. وبسماجة مصحوبة ببسمة مصطنعة هتف ملوحًا بيده:
-تسمحلي يا حاج أقول حاجة كمان.

التفت "بدير" برأسه نحوه مرددًا:
-خير يا "محرز".
تنحنح بصوتٍ عالٍ، ووزع نظراته على الجميع قبل أن يستطرد:
-أنا عندي اقتراح تاني يا حاج، هيفرق معانا ومع سمعتنا في الحتة بعد اللي حصل يعني
صاح "خليل" من تلقاء نفسه:
-قطع لسان اللي يجيب سيرتكم بكلام بطال، ده إنتو ولاد أصول!
نظر له "بدير" في امتنانٍ معقبًا:
-متشكرين، ها قول يا "محرز".

دار الأخير حول الواقفين بخطواتٍ متريثة يراقب نظراتهم كلاً على حدا، وكأنه أفعى سامة تتلوى لتنتقي ضحيتها التالية، ثم أضاف:
-إنت عارف إن الناس ما بتصدق تلاقي حاجة وتعمل منها حكايات وروايات، فاحنا هنسكتهم باللي ما يخليهمش يتجرأوا يفتحوا بؤهم أبدًا
أثار فضولهم بكلماته ذات الدلالات الغامضة، وتابع بنفس الأسلوب المشوق:
-ده غير إن الكل هيتأكد إن مقام الحاج "بدير" ابن الحاج "سلطان" فوق الكل.
رد عليه "خليل" متخذًا نفس الأسلوب المدعم:
-مقام الحاج كبير طول عمره، هو حد يستجري يقول غير كده؟

حدج "تميم" الاثنين بنظراته النارية المتنمرة، وهتف يسأله بضيقٍ واضح:
-ما تقول يا "محرز" اقتراحك إيه! بلاش لف ودوران
هز رأسه بإيماءة إيجابية، ثم أدار رأسه في اتجاه "خليل" ليسأله:
-إنت بنات أختك دول متجوزين يا "خليل"؟
بدا مأخوذًا من سؤاله الغريب، وقال في ترددٍ طفيف:
-هاه .. لأ
برقت عينا "محرز" حين قال له موضحًا:
-خلاص، يبقى محلولة، احنا عندنا عريس لواحدة فيهم.
بفمٍ مفتوح ووجهه مشدوه ردد "خليل" عاليًا:
-عريس؟!!!

على جمرات مشتعلة ظل يدور ويتحرك بطاقة مضاعفة في الدكان مدعيًا انشغاله بمتابعة عماله أثناء تفريغهم للثمار الطازجة وتخزينها بالثلاجة التي تحتل القسم الخلفي من المكان، حاول "تميم" إشغال نفسه وإضاعة الوقت ليلتهي عن التفكير في ذلك الاقتراح الصادم ريثما ينفرد بوالده، لكن عقله أبى الإنصات وألح عليه بهواجسه المعقدة، لم يكن ليتصور أن يحظى ابن خالته الأرعن ب "فيروزة" إن جاء نصيبها معه وإن كان الخلاف يجمعهما.

لوهلة تخيل أنها تخطب إليه ويُقترن اسمها به، شعر بمعدته تتقلص وكأن النيران قد اضطرمت في أحشائه، رفض استيعاب الفكرة ونبذها عقله بشدة، بل أحس بدمائه تفور لمجرد طرح الفكرة، حاول تهدئة نفسه وإفراغ المشاعر المكبوتة فيه بأداء الأعمال الشاقة بنفسه آملاً أن تخور طاقته المستثارة .. وما إن تحقق مراده وأصبح والده جالسًا بمفرده حتى أقبل عليه حاملاً كرسيه الخشبي في يده، أسنده إلى جواره، وسأله بصوته المتجهم:
-إنت عاجبك الكلام اللي "محرز" قاله ده يا حاج؟

ببساطة شديدة وهدوء مبالغ فيه رد عليه "بدير":
-والله مش عيب ولا حرام، هو بيتكلم بالعقل.
هتف محتجًا بشدة ونظرات الاستنكار ظاهرة عليه:
-جواز إيه ده، لأ ول "هيثم" كمان؟
علق بهدوئه المعتاد:
-محدش يقول للحلال لأ، وبعدين مسيره في يوم هايتجوز، وأكيد لما يلاقي نفسه شايل مسئولية بيت وعيال هيعقل.

قال معترضًا عليه ومستنكرًا استهانته بتلك المسألة المصيرية تحديدًا:
-اللي فيه طبع ما بيتغيرش يابا، متصدقش إن ابن خالتي ده حاله هينصلح.
تنهد "بدير" ناطقًا:
-أدينا بنديله فرصة.
صاح في عصبية وقد اختلج وجهه حمرة غاضبة:
-ونظلم بنات الناس معاه؟

التفت "تميم" كالملسوع فجأة حينما قال "محرز" بسماجة وقد فرض نفسه عليهما:
-إنتو بتتكلموا عن جوازة "هيثم"
هب واقفًا ليرد عليه بنظراتٍ يملأوها الإظلام:
-أيوه، أنا مش موافق على اللي قولته
رد يسأله ببروده السخيف:
-ليه بس؟ إنت تكره الخير لابن خالتك؟ ده إنتو لحم ودم!

كان "تميم" سهل الاستفزاز، سريع الغضب، وبذل أقصى ما يستطيع ليظهر هدوئه، لكن لم تتطاوعه ردات فعله .. استغرب "بدير" من حمية ابنة الزائدة، ومع ذلك قال له معللاً تشجيعه لذلك الاقتراح:
-يا ابني الجواز سترة للبنات في الأول وفي الآخر، ربنا يقدم اللي فيه الخير للجميع.
بينما أضاف عليه "محرز" متشجعًا:
-احنا مش خسرانين حاجة، مسير "هيثم" كان هايجي للحاج ويقوله عاوز أتجوز، وبعدين هما ناس غلابة وهيرضوا بأي حاجة.
اغتاظ "تميم" من تدخله وكلامه المستفز فنهره بتزمتٍ:
-بلاش تتحشر، وسيبني أخد وأدي مع أبويا!

نظر له في ضيقٍ، وقال معاندًا له:
-أنا نيتي خير، والحاج عارف إن يهمني مصلحة الكل.
وقبل أن يثور عليه مجددًا صاح "بدير" فيه منهيًا الجدال بينهما:
-خلاص يا "تميم"، كلام "محرز" موزون، وفيه الصالح.
أصر على احتجاجه قائلاً بوجهٍ متصلب:
-مش مع "هيثم"، أنا عارف طبعه.

وقف "بدير" لتصبح نظراته نافذة له، ثم حذره بلهجته الصارمة
-وأنا الشيبة اللي على راسي دي مش من قليلة، ومش هارضى بحاجة فيها أذية لمخلوق.
لامس "محرز" بوادر أزمة وشيكة، فهتف بسماجته وهو يفتعل الضحك:
-يا عم "تميم" ده الحاج "بدير" هايبقى ضهر ليهم، هو حد يطول يناسب الجاه والنسب ده.
أدرك "تميم" أنه لن يصل لشيء في نقاشه العقيم، فقال مستسلمًا وهو يدير ظهره للاثنين ليعود للداخل:
-اعملوا اللي يريحكم.

راقبه "محرز" بعينين ثاقبتين تضمران خبثًا خفيًا، أخفض رأسه وقال بعبوسٍ زائف:
-والله يا حاج أنا غرضي مصلحة الكل
زفر "بدير" ببطء قبل أن يرد عليه:
-أنا عارف يا "محرز"، وفاهم قلق ابني، بس عشمي في المولى كبير
عادت البسمة لتشرق على محياه من جديد وهو يعقب عليه:
-إن شاءالله مش هايحصل غير كل خير يا حاج .. ولا إيه!
برقت حدقتا "محرز" بذلك الوميض غير المريح وقد بدأت ملامح خطته المعدلة تدخل في حيز التنفيذ.

صداقة ممتدة وغير معلومة جمعت بين ثلاثتهم حرصوا فيها جيدًا على إخفائها ليبدو أمام العيان كغرباءٍ يجمعهم النسب والمعرفة السطحية لا كرفقاء قدامى دمغوا أحلامهم بسبب فقرهم المدقع .. وفي ذلك المنزل المتهالك حيث يسكن "نوح" جلسوا سويًا بعد أن وضبوا ما يحتاجون إليه لتكتمل جلستهم الترفيهية..
-إنت بتورطني يا "محرز"؟ هو أنا كنت ناقص بلوى!

تساءل "هيثم" بهذه الكلمات الناقمة وهو ينفث دخان نارجيلته دفعة واحدة في الهواء ليعبق بها الغرفة شبه المعتمة، حانت منه نظرة محتدة نحو "محرز" الذي بدا في أوج هيمنته وهو يستمتع بتدخين سجائره غير البريئة، أخرج سحابة كثيفة من جوفه، واعتدل في جلسته على المقعد الجلدي المتآكل أطرافه ليقول بخبثٍ، وكأنه بذلك يحمسه على القبول:
-ياض افهم، هتطلع بسبوبة حلوة من ورا الجوازة دي.

زوى ما بين حاجبيه متسائلاً:
-إزاي؟
أجابه بلؤمٍ:
-يعني هتعرف تسحب فلوس من جوز خالتك على حس إنك متجوز وفاتح بيت ومصاريفك كتير ومش مقضية، واللي معرفتش تاخده وإنت لوحدك، هتاخده دلوقتي براحة راحتك، ومن غير ما حد يحاسبك ولا يذلك.
كركر "نوح" ضاحكًا وهو يرص حجر الفحم على ناريجيلته لتزداد توهجًا، ثم هتف يمتدح عقله الداهية:
-يخربيت شيطانك، إبليس قاعد معانا!

التفت "محرز" نحوه ليسأله في تباهٍ واضح:
-عجبتك يا "نوح"؟
هز رأسه يثني عليه في إعجابٍ:
-دماغ يا "محرز"، كلنا لازم نتعلم منك، حتى الشيطان
شعر بالانتشاء من مدحه المبالغ فيه، وقال مجاملاً:
-تُشكر يا حبيبي.
ألقى "هيثم" بخرطوم النارجيلة في عصبيةٍ، وانتفض بجسده يقول مقررًا:
-وأنا مش عاوز أتجوز.
مال "محرز" نحوه محاولاً إقناعه باللين:
-اسمع بس وبلاش قفش يا عمنا ..

نفخ الأخير في استياءٍ وأشاح بوجهه للجانب الآخر، لم يبدُ "محرز" من ذاك النوع اليائس المستسلم، كان مثابرًا لأقصى الحدود، سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم استند على مرفقه ليساعده على تحريك جسده المتراخي ناحيته، وما إن بدا قريبًا منه حتى مال عليه، ووسوس في أذنه ليقنعه:
-لازمًا تعمل كده، ده لو عاوز ترجع حق أبوك، دي السكة اللي هتدخل منها ليهم، ومن غير سجن ولا بهدلة أقسام، ولا حد يتحكم فيك!
نظر له على بعينيه المجهدتين، وسأله مباشرة:
-طب أنا هتنيل أتجوز، إنت بقى هتستفاد إيه؟

أراح "محرز" ظهره المتعب وأرجعه للخلف ليغوص في المقعد أكثر مستمتعًا بمذاق التبغ المطعم بذلك المخدر في جوفه، فرد ساقه وفرك بيده -وفي حركة دائرية متعاقبة- ركبته قبل أن يجيبه بنوع من المراوغة وتلك النظرات الشيطانية الماكرة تملأ حدقتيه:
-بعدين .. كلها مصالح في الآخر.

وأخيرًا ابتسم الحظ له، بل فتحت الدنيا أبواب سعادتها على مصراعيها بذلك العرض غير المتوقع من "محرز"، كاد "خليل" أن يتخلى عن وقاره الزائف ويرقص طربًا في الشارع كتعبير عن فرحته الغامرة، حتى أنه اعتقد في نفسه بكونه قد بات شريكًا في أموال عائلة "سلطان" الثرية، لا يشكل أي فارق معه إن كان قريبه "هيثم" فقيرًا معدمًا أم لا، المهم أنه سيصير نسيبًا لتلك العائلة ذائعة الصيت والغنى، تبقى أمامه مهمة شاقة؛ ألا وهي إقناع إحدى الفتاتين بالارتباط به، بالطبع لم يكن ليجرؤ على مفاتحة أخته أو ابنتيه دون الرجوع أولاً لرأس الأفعى والعقل المدبر؛ "حمدية"! استشارها في تلك المسألة الحيوية، وقالت له بمكرها المعتاد:
-إنت ماتديهومش فرصة يفكروا، اعتبر رأيهم تحصيل حاصل.

تطلع إليها متسائلاً:
-أقصدك أجبرهم؟
هزت برأسها مؤكدة:
-أيوه، أومال تسيبهم يقولوا أه يا لأ، وتضيع من إيدينا الفرصة دي؟ كام مرة حد بيناسب عيلة زي دول!
كان مقتنعًا بكل ما ينطق به لسانها لكونه يشجع طمعه المادي، سال لعابه ورد مؤيدًا:
-معاكي حق، أنا هالبسلهم الوش الخشب، وإياكش يولعوا.
اتسعت ابتسامتها اللئيمة وهي تقول بقلب يشتعل حقدًا وبغضًا:
-الله ينور عليك، دول ما ينفعش معاهم إلا كده.

ظنت أنه قد جاء لرأب الصدع مع ابنتيها، وخاصة المكلومة "فيروزة"، حين جلس يبادلها الحديث الودي وينهال على أذنيها بكلماتٍ عطوفة حانية مذكرًا إياها بصلة الرحم ورابط الدم، توسمت فيه خيرًا بسجيتها النقية غير متوقعة الشر الكامن خلف قناع اللطف الذي ارتداه .. أعدت "آمنة" كوبين من الشاي وأضافت نكهة القرنفل عليه، ثم عادت إلى أخيها، وأسندت الصينية أمامه لتجلس بعدها على مقربة منه، وبتلذذ واضح على تعابير "خليل" المسترخية بدأ يتناوله رشفة تلو الأخرى محدثًا صوتًا شبه مزعج، رفع عينيه إليها ونظر لها مليًا قبل أن يستهل حديثه قائلاً:
-شوفي يا "آمنة" الموضوع اللي جاي أكلمك فيه النهاردة ده عشان مصلحة البنات قبل أي حاجة، مهما حصل بينا فهما لحمي وعرضي.

ابتسمت ترد عليه:
-طبعًا ياخويا، والضفر عمره ما يطلع من اللحم.
غاص في الأريكة وقال:
-وبما إني خالهم، والخال والد، فأنا هادور على اللي فيه الفايدة وأعمله.
شعرت بقليل من التوجس ينتابها، ومع ذلك التزمت الصمت ريثما يفرغ ما في جعبته، تنحنح "خليل" متابعًا كلامه المرتب:
-دلوقتي في عريس متقدم لواحدة من بناتك، هو محددش مين اللي عاوزها بالظبط، بس يكفيكي تعرفي إنه ابن الحسب والنسب، وهيعيشها في نعيم وعز ماكنتش تحلم بيه.

ارتفع حاجباها للأعلى في دهشة كبيرة، ورددت بفمٍ مفتوح:
-عريس!!
قال بهدوئه المريب:
-أيوه.
ابتلعت ريقها وسألته:
-مين ده؟
أجابها بزهوٍ غامض وهو ينتصب في جلسته:
-قريب الحاج "بدير".
انقبض قلبها في خوفٍ وقد لاحت مشاهد تهديدات "ونيسة" حين أتت لزيارتها في مخيلتها لتصيبها بالهلع، تشتت تفكيرها، ولطمت على صدرها في استنكارٍ قبل أن تهب واقفة لتبدي اعتراضها الكلي:
-قريبه؟ يا نصيبتي؟ واحنا إيه اللي يشبكنا مع الجماعة دول بالذات، أنا مصدقت بعدنا عنهم، وكفاية اللي حصل لبناتي!

نظر لها "خليل" في غيظٍ بعد أن أفصحت عن رأيها بصراحةٍ، ومع هذا قال ببرودٍ وقد قست تعابيره:
-بناتك اللي غلطانين من الأول، وبعدين المفروض يحمدوا ربنا إني بأصلح وراهم، مش بدل ما الحتة كلها تعادينا بسبب قرفهم؟
ردت عليه محتجة:
-هما خلاص اتعلموا من اللي حصل، وكفوا خيرهم شرهم و...
قاطعها بتزمتٍ وقد أظهر لها تشدده:
-أنا اديت للراجل كلمة ومش هارجع فيها!
سألته في لوعةٍ وعلامات الجزع تكسو وجهها:
-قصدك إيه يا "خليل"؟

نهض من مقعده ليقول بحسمٍ:
-يعني أنا وافقت على جواز واحدة فيهم لقريبه ده، ومش هارجع في كلامي مهما حصل!
لم يدرِ "خليل" أن ابنتي أخته كانتا تتلصصان على حوارهما المحتد، سيطر على الاثنتين حالة من الدهشة والصدمة المستنكرة، تبادلا مع بعضهما البعض نظرات مذعورة متوترة، لكن أبت "فيروزة" البقاء منزوية بالداخل .. فاض بها الكيل من تدخله السافر في شئون حياتهما الخاصة، بل وتقرير مصير مستقبلهما بكل هذا التعنت، لم تقبل بالخنوع أو الإذلال أكثر من ذلك، خرجت إليه مندفعة في عصبيةٍ وقد اختلج وجهها بحمرته الغاضبة، تقدمت نحوه حتى أصبحت على بعد خطوات منه، زجرته قائلة وتلك النظرات النارية تحتل حدقتيها:
-من غير ما تاخد رأينا؟

نظر لها باحتقارٍ قبل أن يرد:
-رأي إيه تاني بعد اللي هببتوته؟ ده كتر خيري إني عمل كده!
صاحت فيه "آمنة" كأنها تلومه:
-إنت كده بتبيع بناتي بالرخيص!
التفت ناحيتها برأسه ليرد ببرودٍ ساخر:
-لأ بالغالي يا ناصحة، وهما مسيرهم كان للجواز، ولا هيفضلوا كده أعدين عوانس جمبك؟
ارتفع الكدر في عيني "آمنة"، وأصابها تعاسة لا حصر لها، سارت في تخاذل لتجلس على الأريكة وقد شعر بثقلٍ في قدميها، تدخلت "همسة" في الحوار المحتدم وقالت بضيقٍ كبير:
-بس مش بالشكل ده يا خالي، ده احنا منعرفش شكله ولا بيعمل إيه ولا معاه شهادات ولا آ...

قاطعها بشبح ابتسامة ماكر لاح على زاوية شفتيه:
-كفاية إنه من طرف الحاج، هتعوزوا إيه تاني؟
وما لبث أن تحولت نبرته للإهانة وهو يكمل:
-ده إنتو شوية وهتشحتوا، بوسوا إيدكم وش وضهر إن في حد راضي بيكم!
كانت كلماته كالسوط اللاذع تهبط على أجسادهن فتحرقهن بقسوتها ومرارتها، احتجت أخته بشدةٍ وجسدها ينتفض في عصبيةٍ:
-يعني عاوزني أرمي بناتي كده في الشارع؟ يرضي مين ده يا ناس؟

أسرعت نحوها "همسة" لتهدئها وجلست على مسند الأريكة لتمسح على كتفها وجانب ذراعها في رفقٍ، بينما نظر "خليل" لأخته بعينين قاسيتين وهو يصحح لها:
-دول جيرانا من زمان، واحنا عارفينهم كويس، دلوقتي بقوا ماينفعوش ومن الشارع، هو حد يطول أصلاً يناسب عيلة "سلطان".
ردت عليه بنبرة أقل حدية لتسترق قلبه:
-على عيني وراسي الكلام ده، بس مش ده اللي اتمناه ليهم.

نفخ هاتفًا بنفاذ صبرٍ:
-بأقولكم إيه، أنا خدت قراري خلاص، واحدة فيهم هتتجوز قريب الحاج، ومافيش نقاش في الموضوع ده
هدرت فيه "فيروزة":
-ده ظلم، وإنت بتجني علينا.
قال لها وهو يتنفس أنفاس الضيق محاولاً ألا يثور حتى ينجح في مسعاه:
-ده جواز، مش حكم بالإعدام يا بت.
ردت عليه في تشنجٍ:
-لأ، أسوأ..
هتف بخبثٍ:
-ده إنتو هتستفيدوا، فتحي مخك يا غبية!

توحشت نظراتها من جملته الأخيرة التي تضمنت إيحاءً خاصًا استطاعت أن تستشف المغزى الخفي ورائه، وبكل نزقٍ قالت له وكأنها تفضحه:
-تلاقيك إنت اللي طالع منها بمصلحة!
اتسعت عيناه في حنقٍ من وقاحتها الفظة، وقبل أن يرد عليها لإخراسها بصرامته وتعسفه -البدني والمؤذي- هتفت "همسة" من الخلف بصوتٍ مرتفع تعمدت أن يصل صداه للجميع:
-أنا موافقة أتجوزه يا خالي...!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثانية والعشرون بقلم منال سالم


سكون مريب وحائر محمل بعشرات الأسئلة ساد في المكان للحظاتٍ معدودة حتى يستوعب الجميع حجم المفاجأة التي حلت على رؤوسهم حين أعلنت موافقتها على الزواج من ذلك العريس المجهول الذي لم تلتقيه بعد، تطلعت "آمنة" إلى ابنتها مذهولة بعينين متحسرتين وكأنها تلومها على قبولها بعرض الزواج، تحاشت "همسة" النظر إليها حتى لا ترى نظراتها المعاتبة، ونكست رأسها، في حين احتقن وجه "فيروزة" على الأخير، وبدت كبركانٍ ثائر ينذر بانفجاره الوشيك.


 
شعرت بدقات قلبها تتسابق لتزيد من حالتها الهائجة، بدا صوت أنفاسها المتهدجة مسموعًا، اقتربت من أختها وأمسكت بها من ذراعها لتجبرها على النظر إليها، ظلت جامدة كالصنم وكأن جسدها تخلى عن روحه .. بالطبع كان "خليل" هو الوحيد الفائز في تلك الجولة المحسومة منذ البداية، وإن جاء انتصاره بمحض الصدفة ودون عناء، هلل بسعادة غامرة وقد انفرجت أساريره:
-على بركة الله، هاكلم الجماعة وأظبط معاهم كل حاجة وأعرفكم...


 
ثم ألقى نظرة سريعة على ثلاثتهن تعكس لمعان حدقتيه قبل أن يتابع:
-وإنتو جهزوا نفسكم، خلينا نفرح بقى.
لم يضف المزيد، وانصرف من المكان صافقًا الباب خلفه، حينها هتفت "آمنة" وهي تلطم على خديها:
-عملتي كده ليه يا "همسة"؟ ردي عليا
أخفضت رأسها ولم تجرؤ على النظر نحوها، في حين تابعت ندبها المصدوم:
-هو أنا قصرت معاكي في حاجة؟ بترمي نفسك في النار ليه يا ضنايا؟ حد طلب منك توافقي؟ ليه توقعينا من خالك، وهو مابيرحمش!

غطت "همسة" أذنيها بكفيها حتى لا تسمع المزيد من عباراتها اللائمة، وأطبقت على شفتيها بقوة وهي تجاهد ألا تنظر ناحيتها، نعم اتخذت قرارها في لحظة متهورة ولا تريد من أحد أن يلومها، شعرت بالألم يجتاحها، بصدرها يختنق، بالعبرات تتجمع في مقلتيها، شهقة خافتة انفلتت منها حينما قبضت "فيروزة" على رسغها وجذبتها عنوة لتسير خلفها، أدخلتها إلى غرفتهما، وأوصدت الباب خلفها، ثم هتفت تسألها بكل ما يعتريها من غضب، وحنق:
-إنتي اتجننتي يا "همسة"؟


 
نظرت لها في حزنٍ، وحافظت على صمتها الاضطراري حتى لا تفصح عن أسبابها، لم تقبل "فيروزة" بسكوتها، فهزتها بعنف وهي تواصل صراخها بها:
-إزاي توفقي على العريس ده؟ هو إنتي تعرفيه أصلاً؟ اتكلمي يا "همسة"، فهميني!
نفضت قبضتيها عنها، وردت بحدةٍ وهي توليها ظهرها لتتجنب نظراتها المحتدة:
-أهوو اللي حصل.
دارت حولها لتغدو في مواجهتها، وقالت بتهكمٍ:
-أكيد مخك جراله حاجة، ما هو دي مش تصرفات ناس عاقلين.


 
سحبت "همسة" شهيقًا عميقًا تخفف به الغصة التي تعصف بحلقها، وردت في مرارةٍ:
-ده أحسن حل يريح الكل.
نهرتها بقسوة:
-محدش طلب منك تعملي كده، مش أي حاجة خالك يقولها نوافق عليها، ده مستقبلك يا "همسة"!

نظرة حذرة رمقتها بها قبل أن تجلس على طرف الفراش، تحركت "فيروزة" لتقف من جديد أمامها، واستأنفت هجومها الشرس عليها علها تفيق من أوهامها:
-إني بترمي نفسك في النار مع ناس مابيرحموش، إنتي شوفتي بنفسك عملوا فيا إيه، وأنا مش هاستناكي تضيعي، مش هاسمح بده لو فيها موتي..

غامت عينا "همسة" وهي تحدق بها، اقتحم مخيلتها المشاهد العنيفة والمؤلمة التي تعرضت كلتاهما لها، لن تسمح بتكرار ذلك الأذى الدامي مهما كلفها الأمر، نفضت ذكراهم عن عقلها وحاولت جمع سعادة غير موجودة لتقول بابتسامة باهتة:
-يا ستي أنا مبسوطة، خالك قال إنه عريس كويس، وأهله معروفين في المنطقة، يعني فرصة حلوة ماتترفضش
رفت على شفتيها ابتسامة ساخطة مستهزأة قبل أن تتلاشى لتعاود تعنيفها:
-إنتي مستوعبة اللي بتقوليه؟ عاوزة تقنعيني بحاجة إنتي أصلاً مش مصدقاها!!


 
وفجأة هتف بنبرة عازمة وقد قست تعابيرها:
-أنا هاطلع أقول لخالك إني رفضتي.
هبت واقفة لتمسك بها من ذراعها، وتوسلتها:
-لأ يا "فيروزة"، ده قراري ومش هارجع فيه.
هتفت بها بنبرة أقرب للصراخ:
-ليه؟ فهميني؟
قالت بألمٍ وقد ارتخت قبضتها عنها:
-أهوو كده وخلاص.


 
أمسكت بها "فيروزة" من كتفها، وتطلعت إليها في قوةٍ قائلة لها:
-والله؟ من غير أي سبب، يبقى إنتي مش في وعيك وأنا هاتصرف!
همت بالتحرك لكن اعترضت "همسة" طريقها ورجتها من جديد:
-استني يا "فيروزة"!
قالت معاندة طلبها:
-لأ، مش هاستنى، ولو إنتي مش صعبان عليكي نفسك فأنا مش هاسيبك تضحي بنفسك حتى لو عشانا
هتفت بإصرارٍ:
-ماتضغطيش عليا يا "فيروزة"، أنا مش هارجع في كلامي مهما حصل.

ردت عليها في عندٍ أشد منها:
-إنتي مش واعية للي بتعمليه، محتاجة حد يفوقك و...
لم تكن "همسة" مثلها قوية الشكيمة، بل أضعف ما يكون لتتحمل مثل تلك الضغوطات المعاتبة، لذا انفجرت تبكي في صراخ لتبوح بما يجيش في صدرها:
-وأنا مش هاستحمل أشوف خالك بيمد إيده تاني عليكي أو عليا، وأمك واقفة بينا مش عارفة تعمل إيه، أيوه أنا وافقت أتجوز عشان ألاقي سند لينا، احنا طول عمرنا لوحدنا، خالك عمره ما هيكون الحماية ولا الأمان، ومع أول مشكلة هيدوس علينا زي الغرب.

تفاجأت بانهيارها، وضمتها إليها بقوةٍ لتحتويها حتى تهدأ، ثم مسحت على ظهرها بلطفٍ وقالت:
-واحنا مش محتاجين حد، احنا جمب بعض وسند لبعض!
ردت عليها بصوتٍ مهتز وهي تحاول السيطرة على نوبة بكائها:
-أنا عارفة.. وبعدين خلينا نفرح، أنا عاوزة أتجوز، ودي فرصة كويسة، وبعدين كلها كام شهر وربنا يكرمني بعيال تبقي إنتي خالتهم.
بدت "فيروزة" غير مقتنعة بالمبررات الواهية التي تملأ بها مسامعها، كانت متأكدة أنها تختلق تلك الأعذار لتخفي معاناتها حتى وإن عاشت حبيسة تعاستها الأبدية.

طرق بخفةٍ على باب غرفته قبل أن يفتحه ويطل برأسه عليه ليتأكد من استيقاظه، ابتسم قليلاً حينما وجد "تميم" جده جالسًا على مقعده الوثير بجوار النافذة، والمصحف الشريف بين يديه يقرأ فيه بصوته الخفيض، دخل بهدوءٍ وأغلق الباب من ورائه، ثم تحرك صوبه وجلس عند قدميه ليستمع إلى ترتيله العذب، شعر بالسكينة تتغلل جوارحه، لحظات من الاطمئنان والدفء غمرت كامل جسده وأوقفت تدفق الأفكار المزعجة في رأسه، بدا في حالة استرخاء وراحة تمنى أن تطول فلا يعود للواقع القاسي. دقائق أخرى قضاها في حالة خشوعٍ وإنصات حتى أنهى "سلطان" القراءة وأغلق المصحف ليقبله ويتمسح بجبينه عليه قبل أن يضعه على الطاولة، أخفض نظراته إلى حفيده، وسأله بصوته الهادئ:
-إنت كويس يا "تميم"؟

أجابه بعد تنهيدة مطولة مهمومة:
-لأ يا جدي.
سأله بتأنٍ:
-مالك؟
أجابه ببساطةٍ وكأنه بذلك يفرج عن مكنونات صدره:
-مخنوق.
دقق النظر فيه، وقال مباشرة:
-مراتك مزعلاك؟
أجابه نافيًا وقد بادر بالثناء عليها:
-لأ بالعكس، دي قايدة صوابعها العشرة ليا، بتعمل كل حاجة وأي حاجة عشان ترضيني.
رد عليه يدعو لها:
-ربنا يباركلك فيها، أومال في إيه؟

جاوبه باختناقٍ ووجهه يعكس حزنًا غريبًا:
-حاسس إني متكتف، مش عارف أتصرف.
تركزت عيناه معه، وسأله مستوضحًا:
-وده من إيه؟ أبوك كان قالي إنك حليتم المشاكل إياها، في حاجة جدت تاني؟
رد بالنفي:
-لأ.
-طب في إيه؟
أجاب بعد زفيرٍ طويل وبطيء:
-"هيثم" ابن خالتي هيتجوز.

وكأنه شعر بصعوبة الكلمات واختناقها وهي تخرج من جوفه، فسأله بتريثٍ عله يفهم ما يدور في رأسه:
-وده يزعلك يا "تميم"؟
لاذ الأخير بالصمت، فتطلع إليه جده بتفرسٍ، رأى أمارات الانزعاج متجسدة على ملامحه، هز رأسه في خفة، ثم استطرد يقول دون مراوغة:
-شكله مضايقك فعلاً.
تشجع "تميم" ليقول رغم اهتزاز نبرته:
-أصل .. الجوازة دي بالذات.. ليها علاقة بالحرمة اللي رفعت إيدها عليا
رد ساخرًا:
-ناوي يتجوزها عشان يربيها ولا إيه؟
شعر بتقلص يضرب معدته وكأن مصارحته قد ضغطت على جرحه الذي لم يندمل بعد، حملق فيه مدهوشًا قبل أن يرد مؤيدًا جملته وكل ما يظهر في عينيه قلق وتقرب:
-مش بعيد يا جدي!

علق "سلطان" في كلمات ساخرة:
-لأ و"هيثم" مش هيتوصى، جايز يدبحها ويرمي جتتها للكلاب.
جزع قلبه وأحس بالدماء تهرب من عروقه خوفًا عليها بمجرد اجتياح مشاهد خيالية تجسد ذلك لعقله المشحون، تفحص "سلطان" ملامح حفيده المبهوتة متسائلاً:
-إنت خايف عليها منه؟
ابتلع ريقه وضغط على شفتيه محاولاً تجاوز سؤاله الصريح، بينما تابع جده بلهجة مغايرة لتلك المازحة:
-شكلك بيقول كده حتى لو معترفتش بده.
قال متهربًا:
-أنا مابحبش الظلم ولا الافترا يا جدي، دي كل الحكاية.

لاحت بسمة صغيرة على جانب شفتيه وهو يرى حالة التخبط الواضحة عليه، الأمر أعمق من مجرد ما يبوح به، حتمًا هناك شيء خفي يخفيه عنه، وهو لا يريد الاعتراف به، ومع ذلك لم يضغط عليه، سيتركه على راحته إلى أن يفصح له عن أسراره .. فكر "سلطان" قليلاً، ثم رفع يده ووضعها على كتف حفيده ليربت عليه، واستطرد يقول له بصوتٍ رخيم ليحفزه:
-إنت موجود عشان تمنع ده، خليك مع الضعيف قصاد القوى في الحق، سامعني اقف مع الحق مهما كان مين الظالم!

تطلع إليه بعينين تتوهجان بشكلٍ غامض، لكن منحته تلك التوصيات شعورًا مريحًا أسكن مؤقتًا ما يعتريه من هواجس وتوتر .. عندما قام "تميم" منصرفًا شد "سلطان" على يده ليعيد على مسامعه:
-إياك تظلم الغلبان حتى لو جنى عليك في يوم! ماشي يا ابني؟
ابتسم يقول له وكأنه يعده وهو ينحني ليقبل كفه:
-حاضر يا جدي.

بعد مُضي أسبوع من إعلان موافقة العروس على الارتباط، كان الجميع مشغولاً بالترتيب لزيارة عائلية لإتمام الخطبة رسميًا .. وقفت "خلود" خلف أخيها في غرفة نومه تتأمل انعكاس هيئته المهندمة بمرآة التسريحة التي تحتل الحائط الأيمن بعد أن ارتدى السترة الرمادية الجديدة، كان مظهره مغايرًا لذاك السوقي الفظ، بدا راقيًا، ومقبول الملامح. ضبط "هيثم" رابطة عنقه، ومشط شعره ليثبت المتناثر منه، ظهر وميض الإعجاب جليًا في عيني أخته، ابتسمت الأخيرة في سعادةٍ وجابت بحدقتيها على كامل شكله المرتب، ثم رددت بتهليلٍ كبير مادحة إياه:
-الصلاة على النبي، الصلاة على النبي، قمر ياخواتي.

التفتت "بثينة" نحوها ترمقها بنظرة باردة قبل أن تنطق:
-ربنا يحميه من العين.
اعترضت عليها دون أن تخبو ابتسامتها المتحمسة:
-هو أنا هاحسد أخويا؟ ده الغالي عليا..
ثم ربتت على كتفه في رفقٍ وهي تدعو له:
-ربنا يتمملك على خير يا "هيثم"
رد مجاملاً:
-متشكر يا "خلود".

تابعت مضيفة وهي تخرج علبة حمراء مصنوعة من القطيفة من حقيبة يدها الجلدية اللامعة:
-شوفت جبتلك إيه على ذوقي، حاجة تحطها في الصينية تملى بيها عين عروستك.
أمسكت والدتها بالعلبة وفتحتها لتلقي نظرة متأنية على الخاتم العريض المليء بالفصوص البراقة، بدا الانبهار واضحًا على ملامحها، أدارته بين أصابعها وقالت في ثناء:
-ذوقك تحفة يا بت.
علقت في زهوٍ:
-من بعض ما عندكم يامه.

أعادت "بثينة" العلبة إلى ابنتها والتي دستها في الحقيبة لتتساءل بعدها باهتمامٍ حتى تشبع فضولها:
-أومال إنتي تعرفي العروسة؟ شوفتيها قبل كده؟ بيقولوا اسمها "همسة".
أجابتها بوجهٍ خالٍ من التعبيرات وهي تدير رأسها لتتجه نحو الفراش حتى تجلس على طرفه:
-مش فكراها أوي بصراحة، بس أعرف أمها، أصلها كانت جارة خالتك زمان قبل ما تعزل وتنقل على بيت "سلطان" الجديد.
هتف "هيثم" باستهجان، وتلك النظرة الناقمة تعلو تعبيراته:
-لعلمك أختها كانت عاملة مشاكل مع جوزك وجابتله البوليس.

ارتفع حاجبا "خلود" للأعلى، وحركت عينيها لتنظر في اتجاه والدتها التي استطردت محتجة:
-وإيه اللي يشبكنا معاهم؟
أوجز بغموضٍ دون أن تتغير قسماته المنزعجة:
-تحكمات بقى!
نظرات حائرة تبادلتها "خلود" مع والدتها لاحظت فيها تذمرها، توجست خيفة من إفساد الأمر، فهتفت بحذرٍ كمحاولة جادة منها لوأد أي خلاف قبل نشوبه:
-خلاص يامه الموضوع اتفض والكل اتصالح، وطلع "تميم" مالوش دعوة، ده سوء تفاهم وراح لحاله.

ردت عليها بنظراتٍ متنمرة:
-أنا قلبي مقبوض، بناقص منها الشبكة السودة دي.
اقتربت منها، وقالت مدافعة عن عائلة العروس:
-حرام، ده حمايا بيشكر فيهم.
نفخ "هيثم" بصوتٍ مسموعٍ ليضيف بعدها في سأمٍ:
-بأقولكم إيه أنا دماغي مصدعة، هاطلع أشرب سيجارة في البلكونة تكونوا خلصتوا لبس.
ردت عليه والدته وهي تومئ برأسها:
-ماشي يا ضنايا.

تابعته "خلود" بنظراتها إلى أن اختفى بالشرفة، فأدارت رأسها في اتجاه والدتها وسألتها:
-هو ماله يامه؟ هو مش مبسوط ولا إيه؟
جاوبتها بقليل من الضيق:
-والله ما عارفة، هو على دا الحال أديله كام يوم.
سألتها مستوضحة:
-مش الجوازة دي برضاه بردك؟
ردت دون تفكير:
-أيوه، هو حد يقدر يجبره على حاجة مش عايزاها، بس إنتي عارفة دماغ أخوكي، محدش بيفهمه.
اتسعت ابتسامتها العابثة، وقالت بوجهٍ شبه متورد:
-بكرة عروسته تدلعه ويشوف الهنا على إيديها.

تنهدت تقول لها في توجسٍ:
-يا ريت، ولو إني مش مرتاحة.
سرت عدوى القلق إليها، وتساءلت بتعابيرٍ تحولت للوجوم:
-ليه بس يامه؟
أجابتها بامتعاضٍ:
-جوز خالتك مابيجيش من وراه الخير
دافعت عنه "خلود"، فقالت:
-هو في زي عمي "بدير"، والله إنتو ظالمينه
نظرت لها بحدةٍ قبل أن توبخها:
-أيوه ياختي دافعي عن حماكي، ماهو أبو النبي حارسه وصاينه المعدول جوزك!
استاءت من هجوم والدتها غير المبرر على كليهما، فجلست إلى جوارها، وحاوطتها من كتفيها لتنصحها بأسلوبها السلس:
-بلاش يامه ندور على العكننة بإيدينا، خلينا نفرح ونتبسط، أخويا يستاهل كل خير، وأنا مستبشرة خير بالجوازة دي.

رمقتها بنظرة مستهزأة قبل أن تسألها في مكرٍ:
-أومال مافيش حاجة كده ولا كده؟
نظرت لها في عدم فهمٍ، انزوى ما بين حاجبيها متسائلة:
-حاجة إيه دي يامه؟
منحتها إجابة مباشرة:
-أمارة يا بت إن باطنك شايلة!
تضرج وجهها بحمرة قليلة، ونكست رأسها في حرجٍ قبل أن ترد على استحياءٍ:
-يادي الكسوف .. إيه الكلام ده بس، هو احنا لحقنا؟

ربتت على فخذها مشددة عليها بلهجة تعبر عن جديتها:
-لأ شيدي حيلك مع جوزك شوية، عاوزين نسمع البشارة قريب، دي الفرحة اللي بجد!
زفيرٌ بطيء أخرجته من بين شفتيها لتعقب بعدها بنبرة جمعت بين قليل من الرجاء والأمل:
-ربنا يسهل، دي حاجة في علم الغيب، ووقت ما ربنا يأذن هنفرح كلنا.
استندت "بثينة" بيديها على الفراش لتجبر جسدها على النهوض، ثم هتفت بزفيرٍ مرهق:
-ماشي يا فالحة، خليني أكمل لبس عشان منتأخرش، الحكاية مش ناقصة!
تحركت عيناها معها، ورددت بمرحٍ لطيف وهي تمد يدها إلى داخل حقيبتها لتخرج هاتفها المحمول منها:
-طيب يامه، وأنا هاكلم "تميم" أشوفه عمل إيه.

وضعت تاجًا رقيقًا أعلى رأسها بعد أن صففته وعقصته كعكة كبيرة فيما عدا بضعة خصلات متناثرة على وجنتيها، مسحة ناعمة من مساحيق التجميل اتخذت مكانها ببشرتها لتزيدها تألقًا وجمالاً، تأملت "همسة" ثوبها الذهبي الذي اختارته لتلك المناسبة بنظراتٍ مبهورة، كان متماشيًا مع تفاصيل جسدها الممشوق، زحزحت بيدها أطرافه الطويلة للجانب حتى لا تتعثر فيها حين تقوم من جلستها.

انخفضت نظراتها لتجول على عنقها وعظمتي الترقوة اللاتين اختبأتا خلف شالٍ رقيق شفاف يحمل نفس اللون اللامع، أحست بصدرها يعلو ويهبط في توترٍ، لكن تلك اللمسة المطمئنة من أختها على كتفها وهي تنحني عليها هدأتها قليلاً، أمعنت النظر في ثوب توأمتها الزيتي المتلألئ، كان يليق بها، ويغطي كامل جسدها فيما عدا مرفقيها، وعلى عكسها تركت "فيروزة" شعرها ينسدل على ظهرها ووضعت مشبكًا رقيقًا يمسك ببعض خصلاته عند الفارق الذي أحدثته فيه، اقتربت " منها وداعبتها بإعجابٍ:
-زي القمر يا "هموس" ، ماشاءالله عليكي.

نظرت إليها من خلال المرآة، وقالت بنبرة مرتبكة:
-قلبي بيدق جامد يا "فيرو".
ابتسمت وهي ترد عليها ساخرة:
-طبيعي، ما دي أول مرة هنشوف فيها ننوس عين أمه.
اكتسبت ملامح "همسة" تعابير مزعوجة، وردت تلومها وقد استدارت ناحيتها:
-إنتي بتتريقي؟
حاولت ضبط ضحكتها التي تسعى للانفلات من بين شفتيها، وهتفت متصنعة الجدية:
-أكيد، عريس مجهول الهوية، لا شوفناه ولا عرفناه، وجاية إنتي تتخطبي ليه، لازم أستغل الموقف.

نهضت من على الكرسي الصغير -منزوع الظهر- المستقر أمام المرآة، وقفت قبالتها لترد معاتبة إياها في خوفٍ محسوس:
-بلاش بالله عليكي توتريني بزيادة، أنا ماسكة أعصابي بالعافية.
علقت عليها أختها بجدية واضحة:
-عشانك مش مقتنعة باللي عملتيه.
تحركت الأولى من أمام المرآة لتوليها ظهرها، وردت في عصبيةٍ:
-هنرجع تاني للموضوع ده؟ مش قفلنا كلام فيه خلاص..

تطلعت إليها "فيروزة" في اهتمامٍ مراقبة ردات فعلها المتباينة والتي توحي بتخبطها وحيرتها، بينما تابعت "همسة" كلامها قائلة:
-وبعدين شوفتي خالك من ساعة ما وافقت على العريس وهو معاملته اتغيرت معانا 180 درجة، ده ناقص يشيلنا من على الأرض شيل
علقت عليها باستنكارٍ:
-ماهو مش ببلاش كل ده، ده أكيد طالع بمصلحة، خالك مابيعملش حاجة لوجه الله أبدًا!!!
وافقتها الرأي وإن لم تفصح عن ذلك علنًا.. استدارت الاثنتان معًا نحو باب الغرفة المفتوح ووالدتها تسألهما من الخارج:
-ها يا بنات، جهزتوا؟

لم تبادر إحداهما بالبرد، فقد وقفت "آمنة" عند أعتاب الغرفة تقول بصوتٍ منبهر وقد انفرد ذراعاها في الهواء:
-ماشاءالله ولا قوة إلا بالله، زي القمر يا حبيبتي
أسرعت "همسة" في خطواتها لترتمي في أحضان والدتها، أغمضت عينيها مستشعرة الدفء المنبعث من جسدها العطوف، وردت في امتنانٍ شاكر:
-ربنا يخليكي ياماما
أبعدتها عنها لتحتضن وجه ابنتها البشوش بكفيها، تأملت تفاصيلها الجذابة بعينين تلمعان بعبراتٍ فرحة وهي تغمغم بصوتها المنفعل فرحًا:
-ماشاءالله يا بنتي، ربنا يحميكي من العين.

رفرفت "همسة" برموشها في خجلٍ، في حين تابعت أمها تقول وهي تسحب شهيقًا طويلاً لتكبح به عبراتها:
-الجماعة جوم برا، أنا قولت أستعجلكم.
تساءلت "همسة" في اهتمامٍ:
-ومين قاعد معاهم؟
لاحت على شفتي "فيروزة" ابتسامة متهكمة، كانت تعلم الإجابة دون الحاجة لتخمينها، وبكل بساطة ردت على أختها تجيبها وقد كتفت ساعداها أمام صدرها:
-تفتكري هايكون مين غير مرات خالك "حمدية"؟!

في بقعة شبه معزولة عن أعين الآخرين تمتاز بخفوت الإضاءة، وقفت كلتاهما تختبئان خلف الستارة المنسدلة كمحاولة جادة منهما لاختلاس النظرات نحو العريس الغامض دون أن يمسك بهما أحد الضيوف، سعت الاثنتان للبحث عنه وسط الأجساد المتزاحمة والتي حجبت الرؤية بوضوح، امتلأت الغرفة بالحضور، أشخاص يصحبن زوجاتهن، وتبدو أعمارهم متفاوتة، ولكنهم يتشاركون في الضحكات المجلجلة .. وما إن ظهر وجه "هيثم" والإشارة بالترحيب له لكونه الخطيب المقصود حتى شهقت "فيروزة" مصدومة، لطمت برفقٍ على خدها هامسة في جزعٍ:
-يا نهار إسود، متقوليش إن هو ده العريس!

تجمدت "همسة" في مكانها، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بمجرد أن أبصرته، ورددت هي الأخرى في ذهول لا يقل في صدمته عن توأمتها:
-"فيروزة"، أنا اتوترت بجد، مش معقول يكون نصيبي مع ده.
تطلعت إليها بفمٍ مفتوح، ثم ازدردت ريقها لتكمل حديثها بأنفاسٍ مضطربة:
-شكله هو..

تخشب جسد "همسة" وأمسكت بيد أختها، وكأنها تتشبث بها، التصقت قدماها في الأرضية لتعجز عن التقدم، حاولت جاهدة استيعاب الصدمة والتعامل معها، لكن تشوش ذهنها وارتبكت أكثر، وزاد توترها؟ خفقة قوية ضربت بصدرها حين سمعت "حمدية" تناديها:
-تعالي يا عروسة، واقفة بعيد ليه كده؟ تعالي سلمي على الضيوف
تعلقت بذراع "فيروزة" وهمست لها ترجوها:
-ماتسبنيش
هزت رأسها في تفهمٍ، وردت عليها:
-متقلقيش أنا جمبك..

تحركت الاثنتان سويًا في اتجاه غرفة الصالون التي امتلأت بالضيوف، ولكن وحده فقط من ارتكزت عيناه على عدوته القديمة، نسيبته الجديدة؛ فيروزة! تطلع إليها "تميم" في اهتمامٍ استغربه وقد بهتت أنفاسه، كانت فاتنة للغاية، خلابة تسلب العقول، ساحرة تخطف القلوب، حمد الله في نفسه أنها ليست العروس المنشودة، وإلا لا يعلم ما الذي كان أصابه حينئذ، تتبعها طوال سيرها المتهادي وهو يشعر بتلك الأحاسيس غير المفهومة تقتحم كيانه لتضاعف من تلبكه، وتهلك أعصابه .. أجبر حدقتيه على عدم النظر نحوها، لكن أبت حواسه الانصياع، بدا مأخوذًا بطلتها البهية، تدارك نفسه وأخفض نظراته ليشتت تفكيره عنها، التفت برأسه نحو زوجته الملتصقة به فوجدها محدقة بالعروس، تنفس الصعداء لكونها لم تنتبه إليه، مال نحوها ليهمس لها مدعيًا بالكذب:
-هاقوم أعمل تليفون وراجع.

نظرت له في اندهاشٍ مستنكر، وردت عليه بصوتٍ خفيض:
-وده وقته يا "تميم"؟ الكلام هيبدأ ولازم تبقى موجود
خشي من انفضاح أمر ارتباكه، فقال متحججًا:
-معلش يا "خلود" شغل ومش هاينفع يتأجل، هارجع كمان شوية.
كان جل ما يبحث عنه حاليًا هو الفرار ولو مؤقتًا من تلك الأجواء التي توتره بشكلٍ غير مسبوق، انسحب في هدوء من الصالون ليتجه إلى خارج المنزل حتى يستنشق بعض الهواء عله بذلك يستعيد هدوئه المفقود.

لفت أنظارها وهو يسير مبتعدًا باحثًا عن المخرج، نظرت له "فيروزة" من طرف عينها متعجبة من ذهابه، لم تدع الأمر يحيرها، تجاهلته وكأنه نكرة لتركز كامل انتباهها مع خالها الذي بادر معرفًا وهو يحاوط توأمتها من خصرها ليقدمها للضيوف:
-دي بقى عروستنا الجميلة "همسة"، متكسفيش يا بنتي، سلمي على عمك الحاج "سلطان" الأول، كبيرنا وبركتنا.
مدت "همسة" يدها المرتعشة إلى الكهل الوقور الجالس على الأريكة المنفردة، رحبت به مرددة بصوتٍ شبه متذبذب:
-مساء الخير.

ربت على يدها وهو يرد:
-مساء النور يا بنتي، تبارك الله..
التفتت كالملسوعة إلى جانبها حين جذبتها تلك الأصابع الناعمة من ذراعها لتسحبها نحوها، حملقت في قلقٍ لوجه المرأة المبتهج وهي تقول:
-تعالي في حضني يا عروسة ابني.
لم تقاوم شدها القاسي، واستسلمت لحضنها الإجباري، لكن ما لبث أن اِربد بوجهها بعلامات الضيق حين شعرت بها تتلمسها بطريقة متجاوزة، وكأنها تتأكد من بروز مفاتنها وصلاحيتها، تراجعت للخلف رامقة إياها بنظرة حادة متأففة، وردت بوجهٍ مقلوب:
-إزي حضرتك يا طنط؟

زمت "بثينة" شفتيها لتسخر بعدها منها:
-طنط.. أنا أبقى خالتك "بثينة" يا روحي...
رمشت بعينيها في انزعاجٍ دون أن تنطق حتى لا تشحن الأجواء من لا شيء، ولكن أضافت "بثينة" كما لو كانت تملي عليها شروطها صراحةً:
-ولما تجوزي ابني هتناديني يا ماما!
ردت ببسمة متكلفة كنوعٍ من الترضية لها:
-أها.. إن شاءالله.

إشارة واضحة من عيني خالها جعلتها تعود إلى مكانها لتجلس في المنتصف ملتصقة بوالدتها وأختها، نحنحة خشنة صدرت من "بدير" قبل أن يقول مستأذنًا بكل تهذيب:
-بعد إذنك يابا هاتكلم أنا .
أدار "سلطان" رأسه في اتجاه ابنه، وهتف مبتسمًا وغير ممانع:
-اتفضل يا "بدير".
ربتة رقيقة ممتنة حانت منه على كتف والده وهو يرد:
-شكرًا يا حاج..

جاب "بدير" بنظراته على الأوجه المنتبهة له، تنحنح من جديد ليزيح تلك الخشونة العالقة بأوتاره، واستطرد موضحًا:
-احم .. احنا مش محتاجين نتكلم في التفاصيل، الأمور واضحة، طلبات العروسة كلها مجابة، وماتشلش هم حاجة، و...
قاطعته "بثينة" قائلة بلهجة جادة وكامل عيناها مسلطة على وجه "همسة"
-اعذرني على مقاطعة كلامك يا حاج "بدير"، بس عشان نبقى على نور من أولها، أنا ابني هايعيش معايا.
هنا ردت عليها "فيروزة" من تلقاء نفسها بذهولٍ والرفض ظاهر على خلجاتها:
-أفندم.. تعيش معاكي؟

تحركت "بثينة" بعينيها نحوها لتقول وهي تجلس بخيلاءٍ في مقعدها:
-أه، مستغربة ليه؟ أنا أعدة لوحدي في بيت طويل عريض يرمح فيه الخيل، عاوزاه يتملى بأحفاد ولادي، وأنا معنديش إلا "هيثم"، ومش عايزاه يبعد عني، وهو الوحيد اللي بيشوف طلباتي، وبصراحة كده مقدرش أستغنى عنه!

استشعرت "فيروزة" من أسلوب حديثها لمحات من العدوانية المستترة، وربما طباع حادة غير مقبولة، لم تكن لتدع أختها تعاني، ستقف لمن يؤذيها بالمرصاد، لذا انتصبت في جلستها، وردت بنبرة مترفعة مليئة بالتحدي:
-حقك.. بس هنسأل العروسة الأول وناخد رأيها، ولو الكلام مش عاجبها يبقى آ....

نظرة قلقٍ تشكلت في عيني "خليل" وقد شاركت ابنة أخته المتهورة في الحوار، حتمًا ستوصل الأمور لطريق مسدود لتفسد الخطبة، وهو لن يسمح لها بذلك، ادعى الضحك ليجبرها على بتر باقي جملتها، وقال مرحبًا بحماس زائد:
-ده حماتها ست كُمل ومشهود بيها في كل الحتة، احنا عروستنا موافقة على طلبتها و...
اغتاظت "فيروزة" من فرض رأيه بطريقة سافرة، فقاطعته عن عمدٍ وقد ظهر التشنج عليها:
-يا خالي إديها فرصة تتكلم وتقول رأيها.

زجرتها "حمدية" بوجهٍ مكفهر قاصدة إحراجها أمام الضيوف:
-عيب يا "فيروزة"، خالك مش مالي عينك ولا إيه؟ ما تقوليلها يا "آمنة"! خليه يقول كلمتين على بعض.
لم تأبه لتسلطها الواضح، وقالت معاندة بإصرارٍ:
-لأ معلش، أنا مابقولش حاجة غلط، ده جواز، مش مصلحة.
رد عليها "بدير" ليمسك بزمام الحوار من جديد:
-واحنا مش هانضرها يا بنتي، كل حاجة هتتعمل وأحسن كمان، ولو هي هتعيش مع الحاجة "أم هيثم" البيت هيتفرش بأحلى عفش.

هلل "خليل" مبتهجًا:
-أهوو، الحاج جاب من الآخر، يعني كله جديد في جديد!
بدت "فيروزة" متحفزة ومستعدة للمضي قدمًا في ذلك النقاش حتى نهايته، لن تتراخى فيما يخص شأن أختها، وإن جعلها ذلك مكروهة من الآخرين .. مصمصت "بثينة" شفتيها لتقول بتبرمٍ:
-المفروض دي اتفاقات رجالة، مش عارفة الحريم بيتحشروا ليه؟

استشاطت نظرات "فيروزة" وكادت ترد عليها بغلظةٍ لولا أن نهضت "حمدية" من مكانها لتلكزها في جانب ذراعها قبل فوات الآوان، ثم سددت لها نظرة قاسية وهي تأمرها بصوتها الخفيض:
-قومي هاتي الشربات للضيوف، يالا.. عيب نسيبهم كده، هايكلوا وشنا، مظبوط يا "آمنة"؟
شعرت "آمنة" بتوتر الأجواء واحتقانها فجذبت ابنتها من ذراعها وهي ترجوها:
-تعالي معايا يا بنتي.
ردت "فيروزة" على مضضٍ:
-ماشي.

أذعنت مضطرة لأمرها المستفز فقط حتى تنفرد بوالدتها، تركتها تتحرك أولاً ثم تبعتها في هدوء، لكن نظراتها المحمومة عادت لتلتقط صاحب الوجه الصارم الذي أقبل عليها وقد بدا هو الآخر متفاجئًا لرؤيتها تخرج إليه وهو يتلمس طريق العودة، توقف "تميم" في مكانه مقاومًا حالة التخبط التي تشوش على تفكيره بشأنها، ابتسامة مستخفة صدرت من "فيروزة" قبل أن تهمس له وحنقها نحوه قد تجدد:
-خشلهم، أصلها كانت نقصاك إنت كمان!

أوقظت بنبرتها الخافتة مشاعره الغاضبة ناحيتها، تذكر إهانتها .. صفعتها .. تطاولها اللفظي .. إساءتها غير المقبولة .. وكل ما يوقد تلك النيران الحانقة فيه ويولّد فيه كراهية لا حدود لها لشخصها المزعج، كظم غضبه، وتنفس بعمقٍ ليحجم من انفعالاته قبل أن تخرج عن طور سكونها. عاود "تميم" أدراجه ليلحق بها، وقبل أن تطأ المطبخ أمسك بها من رسغها ليستوقفها، استدارت "فيروزة" نحو ذاك الذي أمسك بها دون استئذان، تفاجأت به قريبًا منها بمسافة خطيرة.

كان جريئًا للحد الذي جعل تفكيرها يُشل لحظيًا، حدجته بنظرة نارية وهي تكز على أسنانها محاولة التملص منه وتحرير يدها، لكنه قابلها بنظرة مميتة خالية من الحياة، شدد من قبضته على جلدها الناعم وقد أخفض صوته للدرجة التي تصل إلى مسامعها ليقول لها عن عمدٍ حتى يستفز أعصابها:
-احمدي ربنا إنك مش مراتي، لأني ... مكونتش هارحمك....!!
يتبع..

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول الحلقة الثالثة والعشرون بقلم منال سالم


بالكاد تماسكت وقاومت تلك الرجفة التي اعتلت جسدها بعد تهديده العلني الخالي من أي شفقة، نظرت لعينيه القاسيتين محاولة إخفاء توترها، كانت حدقتاه تعكسان قوة، صرامة، غضبًا متعاظمًا، وكراهية مُعلنة، تلوت "فيروزة" بمعصمها بين أصابعه القابضة على رسغها، لكنه أبى تركها، استمتع "تميم" للحظة برؤيتها محاصرة منه، ومع حركتها الزائدة تناثرت رائحة عطرها لتعبق صدره، هنا أصابه التشتت، وارتخت أصابعه قليلاً عنها، ومع شحذها لكامل قواها انتزعت رسغها من قبضته انتزاعًا، وقالت في استبسالٍ وعيناها تتطلعان إليه:
-اتكلم على أدك، وفي اللي يخصك!


 
نظر لها بازدراءٍ، وقبل أن يرد عليها صاحت عاليًا:
-عجبك اللي بيحصل برا ده يا ماما؟
فهم "تميم" تلميحها الضمني باللجوء إلى والدتها لحمايتها منه، وكأنها تنذره بعواقب تواجده معها، استعادت ثقتها وجراءتها حين رأت صمته، أشارت له بحاجبها في تحدٍ، فبادلها نظرات حانقة قبل أن يوليها ظهره وينسحب من أمامها حتى لا تثار المتاعب من لا شيء، زفرة خافتة أشعرتها بالارتياح بمجرد ابتعاده، التفتت بجسدها لتدخل المطبخ، ووقفت إلى جوار والدتها التي هتفت في تضرعٍ وهي تعاود ملء الكؤوس بالعصائر الطازجة:
-ربنا يعدي الليلادي على خير.


 
ردت في تهكمٍ:
-وهتعدي إزاي وده نفس البني آدم الحيوان اللي وقعك على الأرض؟
حدث ما كانت تخشاه "آمنة"، كانت واهمة حين ظنت أن ابنتها لن تتذكره، ابتلعت ريقها وردت وهي تدعي انهماكها في العمل:
-موقف وراح لحاله!
صاحت في استنكارٍ وقد اربد بها الغضب:
-ده أنا كنت ها ضربه وأوديه القسم، هو ده اللي عاوزه تجوزيه لبنتك
لمحة خاطفة من عيني "آمنة" لوجه ابنتها المتشنج قبل أن تدير رأسه وتقول:
-خلاص بقى يا "فيروزة"، مايبقاش قلبك إسود!


 
نظرت لها بغيظٍ وردت بنبرتها المتعصبة، وكأنها تلومها:
-بقى أنا اللي قلبي إسود؟ يا ماما بلاش السلبية اللي هتضيعنا دي!
حاولت "فيروزة" أن تضبط انفعالاتها فسحبت شهيقًا عميقًا ولفظته على مهلٍ لتضيف بعدها متسائلة:
-طب إنتي موافقة إن بنتك تعيش مع حماتها في بيت واحد؟

تركت والدتها ما في يدها وضربت براحة كفها على السطح الرخامي غير مكترثة بالألم الذي حل بعظامها المتعبة، ثم هتفت في نفاذ صبرٍ:
-لأ مش عاجبني، بس ما باليد حيلة، الست مش غلطانة برضوه، أنا لو أعدة لوحدي هافكر في كده، وهيبقى نفسي ولادي وأحفادي يقعدوا معايا يلموا عليا البيت.
ردت بعدم اقتناع:
-ده مش مبرر برضوه!
وقفت قبالتها وتنهدت قائلة:
-أنا تعبت والله.. مبقتش عارفة أعمل إيه.


 
عقبت ابنتها بنزقٍ، وكأن مسألة إقناعها بتنفيذ ذلك أمر مفروغ به:
-خلينا نفض الجوازة دي، بناقص منها.
تطلعت إليها في اندهاشٍ، وعلقت عليها تسألها:
-وبعدين؟ تفتكري إيه اللي هيحصل؟ خالك هيسكت؟
وقبل أن تبادر بالرد تابعت "آمنة" باستياءٍ:
-لأ طبعًا، ده مش بعيد يقلبها حريقة ويهد البيت ده على اللي فيه، وأنا أنا مش هاستحمل يعمل فيكم حاجة.

سألتها من جديد بنظراتٍ تلومها:
-وتضحي بينا؟
اكتسبت ملامحها قساوة غريبة، واستطردت:
-أختك اللي اختارت.
قالت بأنفاس متهدجة تعبر عن ضيقها:
-غبية ومابتفهمش، جت تنقذ موقف ضيعت نفسها، وأنا مش هاقف أتفرج على ال....
قاطعتها بنبرة أقرب للتوسل وقد سئمت من جدالها المرهق:
-كفاية يا "فيروزة"، عشان خاطري بلاش تبوظي كل حاجة.


 
بهتت من كلماتها الأخيرة، شعرت بأنها تلقت قذيفة فوق رأسها، اختنق صوتها وهي تسألها:
-أنا يا ماما؟
لانت نبرة والدتها وغلفها الحزن حين أوضحت لها:
-افهمي، محدش هايقف معانا، وزي ما إنتي خايفة على أختك، فأنا خايفة على بنتي أكتر منك، بس هاعمل إيه قصاد جبروت خالك والناس القادرة اللي برا؟ إنتي خبرتك قليلة في الدنيا، ومتعرفهومش زي ما أنا أعرفهم..

رفض عقلها تصديق مبرراتها وإن كانت منطقية، في حين أكملت "آمنة" بنفس الصوت المرير:
-احنا عيشنا يومين جحيم بسبب تهورك، طب تفتكري هيعملوا فينا إيه واحنا بنقولهم معندناش بنات للجواز؟ مش هيسامحوا في ده، وهانكون فُرجة الحتة كلها.
ردت عليها بهدوءٍ رغم الثورة الدائرة بداخلها:
-بس كده احنا بنشارك في ظلمها، خلينا نفكر من تاني و..


 
أدارت ظهرها لها، وانحنت قليلاً لتمسك بطرفي الصينية وهي تقول:
-كل شيء قسمة ونصيب، ونصيبها جه مع الشاب ده!
حزنت "فيروزة" كثيرًا لافتقار والدتها للشجاعة، فقط لو منحتها الدعم لأنهت تلك الخطبة، لكنها تركتها وحدها تقاتل مع من هم أشد منها قوة، نكست رأسها في خزيٍ وأسف، اتجهت نحو حوض المطبخ لتملأ كوبًا فارغًا بالماء، لم تلتفت للخلف حين سمعت "حمدية" تتساءل بلهفةٍ:

-إيه الرغي ده كله، الناس بتسأل عليكم برا، عاوزين نقرى الفاتحة.
شعرت بنظرات أمها مرتكزة عليها وهي ترد:
-حاضر يا "حمدية"، طالعين وراكي.
دمعة حبيسة تشكلت في مقلتيها حسرة على خذلان والدتها لها، مسحتها بطرف يدها وتنفست بعمقٍ حتى تعود إلى الحشد المجتمع بغرفة الصالون وهي مرفوعة الرأس كما عاهدوها.

استقرت في منتصف الأريكة بجوار والدتها وعلى يسارها جلست أختها التي تشد من أزرها بقوة شخصيتها، أحست "همسة" أنها تُعايش حلمًا غريبًا، اختفى تورد وجهها، وحل الوجوم المتواتر على ملامحها، بقيت أنظارها مثبتة لحظيًا على وجه العريس الذي تذكر وجوههن المألوفة، عرفت ذلك حين تطلع إليهن باندهاشٍ قبل أن تبتعد عيناه عنهن ليحملق في ساعة يده لبعض الوقت، ارتخت في جلستها وتفحصت ملامحه بتمهلٍ، لكنه أمسك بها وهي تحدق به بعبوسها، تلبكت وأخفضت عينيها وتجنبت النظر نحوه ولو مصادفة ..

لم ينكر "هيثم" أن التردد ظهر على تعابيره في البداية حين ولجت الاثنتان للغرفة، والسبب بديهي، لم يكن يعرف من منهما عروسه، تغلله شعور كبير بالارتياح وقد تأكد من كونها تلك الفتاة الخجلة الهادئة؛ النقيض الكلي لأختها المتحفزة دومًا والتي على ما يبدو أنها تستعد للانقضاض عليه في أي وقت. تأملها بإمعانٍ مستغلاً التهاء الجميع بالحديث نيابة عنه، كانت رقيقة، جميلة، يظهر عليها الارتباك بشكلٍ فاضح وإن ادعت تماسكها، للحظة ظن أن الحظ لعب معه ومنحه فرصة ذهبية لتعويضه ولو بالقليل عن مآسيه المتعاقبة، بدا ممتنًا ل "محرز" لأنه مهد له الطريق، لكن عاد التوتر ليحتل تفكيره وقد انتابه هاجس مزعج من احتمالية إنهاء الخطبة قبل أن تبدأ لمجرد التطرق للمشكلة الكلامية التي نشبت بينهم حين قام بالسرقة المشؤومة، تصلبت عروقه، وزاد توتره ..

أحس بجفاف مرير يضرب جوفه، بغصة علقت في حلقه، انحنى بجذعه للأمام ليمسك بكأس المشروب ويبلل به شفتيه، ارتوى قليلاً، لكن توتره لم يسكن بعد، لذا قرر أن يشعل سيجارة ليدخنها حتى يخفف من حدة اضطرابه، ظهر الامتعاض على محياه مع استمرار "فيروزة" في المقاطعة والتعليق، بالكاد حافظ على هدوء أعصابه إلى أن انسحبت وراء والدتها، هنا أخرج زفيرًا بطيئًا أزاح به الثقل الجاثم على صدره، ورويدًا رويدًا بدأ يشعر بالثقة والأمل حين تولى "خليل" زمام الأمور من جديد ورحب بالضيوف بكلماته المتملقة ليذيب الجليد ويزيد من جو الألفة والمحبة بين المتواجدين.

عادت "فيروزة" لمقعدها، والتزمت الصمت، ثم بدأت الاتفاقات الاعتيادية بين الطرفين دون أدنى اعتراض ليشرعوا بعدها في قراءة الفاتحة بعد الاستقرار على كافة الأمور، مسح "محرز" على صدغيه فور إنهائه للقراءة قائلاً بصوتٍ مرتفع وابتسامته اللزجة تنير وجهه:
-أمين، ألف مبروك يا جماعة، وعقبال الليلة الكبيرة..

هتف "بدير" بصوته الأجش وهو يشير بيده:
-إن شاء الله العروسة تحدد يوم تنزل تنقي فيه شبكتها مع حماتها، أحلى حاجة في محل الصاغة، ومايهمكوش الفلوس، دي هدية مني ومن أبويا الحاج "سلطان".
ردت "آمنة" تجامله بتهذيبٍ:
-ربنا يباركلنا فيك يا حاج، احنا هانشوف ظروفنا ونرتب مع الحاجة "بثينة".
نهضت "خلود" من جلستها لتضع علبة الخاتم الحمراء في صينية المشروبات الفارغة، وقالت بحماسٍ قبل أن تعود إلى مكانها:
-حاجة بسيطة نقاوتي، يا رب تعجب العروسة.

على الفور تحركت "حمدية" لتلتقط العلبة، فتحتها ونظرت إلى ما فيها بعينين مدهوشتين وفمٍ مفتوح في انبهارٍ، رفعتها نصب عيني زوجها لتقول بنبرة مادحة:
-ماشاءالله، ربنا يزيد ويبارك، الغالي ما يجبش إلا الغالي، بص يا "خليل" على الخاتم القيم ده!
حملق هو الآخر مبهورًا في الخاتم الذي عكس بريقًا جذابًا، سال لعابه قائلاً حين حمله بين أصابعه ليشعر بثقل وزنه:
-اللهم صلي على النبي، حاجة حلوة بصحيح ..

ابتلع ريقه والتفت نحو ابنة أخته يأمرها وهو يتصنع الضحك:
-تعالي يا عروسة، اشكري حماتك وعمتك الصغيرة على هديتهم الغالية.
نظرة سريعة من "همسة" إلى والدتها، وكأنها تستشيرها في صمتٍ، وجدتها تستحثها بعينيها لتنفذ طلبه، وعلى مضضٍ نهضت مجبرة من مجلسها، واتجهت إلى الاثنتين لتنحني عليهما وقبلت كل واحدة منهما على حدا من وجنتيها وهي تتمتم:
-ميرسي، ذوقكم جميل.

احتضنتها "خلود" بسعادةٍ قائلة لها:
-العفو يا عروسة، ولسه هتشوفي حاجات حلوة كتير، ده إنتي هتتجوزي أخويا.
ثم استدارت برأسها لتأمر أخاها بتسليةٍ وضحكتها المشرقة تصدح:
-ماتلبس عروستك الخاتم يا "هيثم"، ده إنت العريس والليلة دي كلها عشانك.
أيدها "محرز" الرأي قائلاً:
-مظبوط، ولا هو بيكسف.

ثم كركر ضاحكًا باستظرافٍ غير مكترث بمشاعر الآخرين نحوه إن كانوا يتقبلون مزحه وطرفاته أم لا، تشجع "هيثم" ونهض من مكانه ليدنو من عروسه التي لم تنظر نحوه مطلقًا، مد ذراعه أمامها وتنحنح قائلاً بصوتٍ خفيض:
-احم.. هاتي إيدك يا عروسة:
استجابت له "همسة"، وردت بصوتٍ بالكاد سمعه:
-اتفضل.
ارتعشت يدها أسفل قبضته التي لامست جلدها، وسحبتها على الفور حين ألبسها الخاتم، خجلتٍ وارتبكت وتصببت عرقًا وهي تفعل بالمثل له، شعرت بأنفاسه قريبة من وجهها وهو يهنئها:
-مبروك.

أسبلت عينيها نحوه ترد في تلعثمٍ مرتبك:
-الله يبارك فيك.
انطلقت الزغاريد عاليًا كتعبير عن فرحة النساء بإتمام الخطبة العائلية، والرغم من الإعياء الظاهر على "هاجر" إلا أنها شاركتهن في ذلك، مالت عليها "ونيسة" تحذرها:
-بالراحة يا بنتي عشان نفسك.
قالت في استحسانٍ وحبور:
-ده أخويا يا ست الكل، ومعزته عندي زي "تميم" بالظبط، ولازم كلنا نفرحله.
ربتت "بثينة" على كتف ابنة أختها تشكرها:
-ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبتي، احنا كلنا عيلة مهما حصل!

اندفعت "حمدية" في اتجاه "فيروزة" لتدفعها من كتفها عنوةٍ حتى تجبرها على الوقوف وهي تأمرها بلهجة مزجت بين الجدية والمرح:
-تعالي يا "فيروزة" مكان العريس وخليه يقعد جمب عروسته شوية، خليهم يفرحوا ببعض.
زوت الأخيرة ما بين حاجبيها مرددة في ضيقٍ:
-أنا؟!!
أطلقت ضحكة مجلجلة وهي ترد عليها:
-يالا بقى، ماتبقيش زي العزول كده!

نهضت "فيروزة" مرغمة، وبحثت عن مكان شاغر لتجلس به، فلم يكن هناك سوى ذلك المقعد الملاصق ل "تميم"، حيث جلس "هيثم" في البداية قبل أن يحتل مكانها، تطلعت إليه في حيرة وضيق، بالطبع كانت الفرصة مناسبة لخصمها لينظر لها بتشفٍ، وكأنه يتحداها في صمتٍ أن تجلس بجواره، وبترفعٍ وغرور سارت ناحيته، واستقرت قريبة منه، تعمدت أن تبدو كالصنم، متكلفة، متعالية إن دق التعبير، لا يظهر على قسماتها علامات الرضا، وعلى قدر الإمكان أجبرت عينيها ألا ينظرا إليه، التفاتة بطيئة حانت من رأسها حين هنأتها "خلود" ببسمتها المبتهجة:
-مبروك يا حبيبتي، عقبالك.

ردت عليها بنبرة موجزة وهي تشيح بوجهها المتجهم:
-شكرًا
في حين علق عليها "تميم" قاصدًا الاستهزاء بها:
-اللي زي دي ما بيعجبهومش العجب يا "خلود"، هيفضلوا كده من غير جواز...
-ومش بعيد يعنسوا!

أكمل جملته وهو ينظر لها بجمودٍ وتلك الابتسامة الساخطة تعلو شفتيه، إهانة حقيرة لشخصها في حضور زوجته لم تتقبلها منه، استدارت برأسها نحوه ترمقه بنظرة نارية، وقالت بصوت خفيض وهي تكز على أسنانها:
-يغور الجواز اللي يجي من ناس ماتستهلش!
ردت عليها "خلود" بمرحٍ:
-بس الجواز عن حب جنة.
عقبت "فيروزة" بما يشبه السخرية متعمدة الاستهانة بمشاعرها:
-زيك إنتي وال .. الأستاذ! عايشين في جنة، صح؟

قست تعابير "تميم" من كلماتها الدلالية، ورد عليها بصوتٍ أجوف ليخفي غضبه، ولكنه أحرجها:
-ميخصكيش اللي بيني وبين مراتي، الزمي حدودك!
اختلج وجه "فيروزة" بحمرة ألهبت بشرتها على الفور لإحراجه لها بهذا الشكل السافر، نظرت له بعينين تشعان غيظًا قبل أن تتطلع أمامها وقد ازدادت عبوسًا .. مالت "خلود" على زوجها تعاتبه برقةٍ وبصوتٍ خافت:
-اهدى يا حبيبي، مالوش لازمة الكلام ده معاها، هي شكلها اتضايقت.

رد بنفس الصوت الحانق:
-اللي مش عاجبه يشرب من البحر.
اخترقت كلماته الحادة أذني "فيروزة" فأطبقت على شفتيها بكل قوةٍ لتكتم اندفاع لسانها حتى لا تنقلب السهرة لمعركة يتراشق فيها الاثنين سويًا بالألفاظ .. هبت واقفة لتترك مكانها خاويًا واتجهت إلى والدتها وجلست على مسند أريكتها ومالت نحوها لتبدو كأنها تتبادل معها الحديث في شيء ما، مجرد وسيلة هروبية مكشوفة أشعرت "تميم" بالضيق، وضاعفت من انزعاجه، فبالرغم من انصرافها إلا أن أثر عطرها بقي يداعب أنفه ويوتر حواسه.

نشوة عجيبة غمرت أحاسيسه وهو يجلس إلى جوار تلك الفاتنة، أمسك بطرفي سترته يشدها ليظهر مشدود الجسد، ومفتول العضلات فتعجب بقوته الذكورية المستترة، وجد "هيثم" لذة عجيبة في هذا الأمر، لذا نظر إليها بجراءة أكبر، وجاب بعينيه على تفاصيلها المشوقة التي تحاول حجبها عن عينيه مما زاده رغبة فيها، حتى أنها حفزت خيالاته الجامحة لتخيلها بشكلٍ أكثر تجاوزًا.. تدارك نفسه وتنحنح بخفوت وقد حرك عينيه في الجهة الأخرى ليمررها على أوجه المتواجدين، لم ينتبه إليه أحد فأشعره ذلك بالارتخاء، وتساءل مستنكرًا:
-أنا متوتر ليه، ما كله برضاهم وبموافقتهم.

تعاظمت بداخله الرغبة في الاستمتاع بما فُرض عليه، ولما لا الخطبة قد باتت رسمية الآن؟ سدد نظرة متفرسة ل "همسة"، كانت تبدو كفتاة مطيعة، مرتعبة قليلاً، لكنها ناعمة، ربما ستمنحه بعض السعادة في حياته الرتيبة الفارغة، وستكون أيضًا وسيلته المشروعة لإشباع غرائزه التي تأزر من حين لآخر، ناهيك عن الاستفادة المادية من وراء زيجته. تشجع "هيثم" ومرر يده بتمهلٍ ليمسك بيد "همسة" التي انتفضت كمن لدغها عقرب بمجرد إحساسها بقبضته عليها، حملقت فيه في ذعرٍ وابتلعت ريقها، حاولت سحب يدها من بين أصابعه، لكنه أطبق عليها جيدًا، أحنى نفسه عليها ليبدو صوته قريبًا منها وهو يهمس لها:
-مش المرادي يا عروسة.

قشعريرة باردة سرت في أوصالها، أحست بمزيدٍ من الخوف والخجل والكل يتطلع إليها، التفتت تنظر إليه بما يشبه الرجاء قبل أن يخرج صوتها المتحشرج الخافت من بين شفتيها ليقول له:
-لو سمحت، أنا .. مش بأحب كده.
ابتسم وهو يرد عليها:
-بكرة تتعودي..
ثم مال عليها أكثر ليكمل همسه المداعب:
-وجايز تتخانقي معايا عشان مش ماسك إيدك.

استجمعت قوتها الهاربة لتستل يدها من بين أصابعه، وردت عليه بصوتها المرتبك:
-لأ مش هتخانق.
انزعج من عدم تجاوبها وقال بضيقٍ، وكأنه يحذرها:
-على راحتك، بس يا ريت ماتبقيش زي المحروسة أختك.

رفعت رأسها لتحملق فيه مصدومة، لم تكن تعابيره بالمازحة، بل أصبح إلى حد ما قاسيًا كالحجارة الجافة، شعرت "همسة" بقلبها يضطرم من الخوف، التفتت باحثة عن توأمتها علها تنجدها فوجدتها مشغولة بالحديث في هاتفها، كتمت شهقتها بصعوبة وقد شعرت بيده الخشنة تحتضن كفها من جديد، أدارت رأسها ناحيته فوجدته يتطلع إليها بتحدٍ وأصابعه تزداد شدة عليها، وكأنه يخبرها بشكلٍ غير منطوق أنه بات من تلك اللحظة يمتلك زمام أمرها، أدركت حينئذ أنها جنت على نفسها حين تسرعت بالقبول، وبدأ إحساسها الحقيقي بالندم يتسرب إليها.

وُزعت حلوى الشيكولاته على الجميع، وامتلأت الأجواء ببعض الدعابات الفكاهية الجيدة أحيانًا، كما ظلت الأحاديث الودية تدور بين الأطراف في كافة المواضيع اليومية وما بالمنطقة من مشكلات تنغص ساكنيها حتى اقترب ميعاد انصراف الضيوف، هنا اقترح "محرز" بحماسٍ وهو يضع باقي الورق الفارغ من الحلوى على الطاولة أمامه:
-طب بالمناسبة الحلوة دي المفروض كلنا نطلع نتعشى برا في