القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية كن ملاكي كاملة بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

رواية كن ملاكي كاملة بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

رواية كن ملاكي كاملة

رواية كن ملاكي كاملة بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد - مدونة يوتوبيا


 ملاك وسط شياطين ، مياه وسط نيران ..
استسلمت لأمر هؤلاء البشر الذين سيطر الشيطان على عقلهم وحياتهم واصبحت تتشبه بهم حتى تهرب من واقعها المؤلم إلى أن ظهر هذا الملاك الذي كان بمثابة طوق النجاة لها ، تركت نفسها لينتشلها من وسط هؤلاء الذين حاولوا تدمير حياتها وعلى الرغم من فقدانه لكل شئ إلا أنه كان يمتلك كل شئ ، فكانت دائمًا ما تقول كُن ملاكي ..
رواية كُن ملاكي
رواية رومانسية اجتماعية وميمنعش ان فيها شوية اكشن حلوين ⁦..
أترككم مع الرواية ..

رواية كن ملاكي الفصل الأول بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


دقائق ، دقائق قليلة كانت كافية لقلب حاله المزاجى من الجيد إلى الأسوأ ، لم يعد يتحمل هذا الضغط الشديد ، أصبح كالمنزل المهجور الذى امتلأ داخله بالغبار والأتربة ، نظر إلى الأعلى بعينان دامعتان وتمتم قائلًا بخفوت :
- يارب ، يارب أنا تعبت
ثم أجفل بصره وضم وجهه بكفيه المتشققين والتى يغطيهما الأتربة المتلاصقة بهما ، كان جالسًا أمام منزله الصغير بإحدى المناطق العشوائية المختفية تمامًا عن العالم من حولها فاقترب منه عم «وحيد» ومال عليه قبل أن يربت على ظهره بحنو قائلًا :
- متزعلش نفسك يا نائل يا ابنى .. بكرا ربنا يسهلها ، قوم يلا نخش المسجد علشان نصلى الفجر وادعى ربك يسهل الحال

استجاب لدعوته ونهض من مكانه وهو مطأطأ الرأس وسار بصحبته إلى المسجد الذى كان مقابلًا للمنزل ، دلف إلى الداخل وتوضأ وما هى إلا ثوانٍ حتى أقام الإمام الصلاة فتقدم الصف الأول وبدأ يصلى بخشوع حتى إنه كان يستمع إلى القرآن بعينان دامعتان ، سجد وظل يدعو الله بأن يفرج كربه وهمه وأن يعينه على عائلته ، كما دعا لوالدته بالشفاء العاجل فهو لم يعد يتحمل رؤيتها مريضة بهذا الشكل المؤلم ...

***

دقت الساعة السادسة صباحًا فنهضت من نومها وأخذت حمامها الساخن كعادتها كل يوم قبل أن تخرج وترتدى ثياب العمل الرسمية ، حرصت على ارتداء اللون الأسود القاتم وذلك بسبب وفاة والدها منذ أقل من أسبوعين ، سارت بخطوات متمهلة إلى الأسفل لتجد الخادمة قد أعدت الإفطار ، رددت بجدية وهى تتجه إلى السفرة دون حتى النظر إلى الخادمة :
- رقية وزين صحيوا من النوم يا هانم ؟
أجابتها «هانم» وهى تنظر إلى الأسفل :
- أيوة يا ست هانم صحيوا ونازلين دلوقتى
أردفت بفتور وهى تشرع فى تناول القهوة الخاصة بها :
- طيب تمام روحى أنتِ

ما هى إلا لحظات وكان «زين» يجلس على السفرة وهو يفرك يده بسعادة قائلًا :
- الواحد صاحى النهاردة نفسه مفتوحة
رمقته «ياسمين» دون أن ترد عليه فلاحظ هو صمتها مما جعله يردد بجدية :
- ابتسمى ولو ابتسامة واحدة يا ياسمين ، أنتِ من ساعة موت بابا وأنتِ اتحولتِ لبنى آدمة تانية غريبة ، هفضل أكلمك لغاية امتى
تركت فنجان القهوة ونهضت من مكانها وهى ترمقه بنظرات مجهولة قائلة :
- مالكش دعوة بيا ، خليك فى نفسك يا زين وشيلنى من دماغك ، أنا رايحة الشركة
عقد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يسألها :
- ياسمين أنتى شغلك فى الشركة لوحدك مش هينفع خصوصًا بعد وفاة بابا الله يرحمه و ...
كاد أن يكمل لكنها قاطعته بحدة :
- زين مالكش دعوة بحياتى ، خليك أنت في شغلك وسيبنى وماتخافش الشغل هيمشى زى ما كان أيام بابا الله يرحمه ومحدش هيقدر يضحك عليا ، شخصيتى الجديدة دى علشان محدش يفكر يهزمنى
ثم رمقته باستحقار قبل أن ترحل إلى الشركة .

نظر إليها وهى ترحل بحزن شديد فهى لم تعد شقيقته الكبرى الحنونة كما فى الماضى ، غيرتها الأيام كثيرًا .. أكثر حتى مما تخيل ، كان شاردًا فى تفكيره إلى أن قاطعته شقيقته الصغرى«رقية» ذات الستة أعوام قائلة :
- زين !! زيين أنت سامعنى
التفت إليها ليجدها أمامه فابتسم ورفعها على الكرسى قائلًا :
- يا صباح القمر على قطتى الصغنونة
نظرت من حولها قبل أن تنظر إليه متسائلة :
- هى فين ياسمين !
عبست ملامحه وهو يجيبها :
- مشيت
شعرت الصغيرة بالحزن ورددت :
- مشيت قبل ما تفطر معانا ! ياسمين بقت مش بتحبنى زى زمان
ابتسم بمرح إليها حتى يخفف عنها ثم مال عليها ومسح على شعرها بحب قائلًا :
- بالعكس بتحبك يا حبيبتى بس هى تعبانة شوية الأيام دى ، هتبقى كويسة وترجع تلعب معاكى زى زمان

***

نائل محمد خالد ، الابن الأكبر لوالديه .. يبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا تخرج من كلية التجارة لكنه كان الأسوأ حظًا فى هذا العالم حيث لم يحصل على وظيفة تناسبه ، حاول كثيرًا وكافح أكثر لكنه فى النهاية لم يستطع حتى اتجه إلى نقل الحجارة ورفع الرمال كل يوم ، على الرغم من قلة المال الذى يحصل عليه لكنه يداوم على هذا العمل حتى يستطيع شراء الأدوية لوالدته المريضة وأيضًا تعليم شقيقته الصغرى ، ضاق به الحال كثيرًا خاصة ذلك اليوم الذي وقع فيه أثناء حمله للحجارة مما جعله أضحوكة لكافة العاملين وطُرد على الفور من العمل

***

ياسمين الجيار ، الابنة الكبرى لرجل الأعمال المتوفى حديثًا وائل الجيار ، اتسمت سابقًا بحبها للحياة وروحها الجميلة لكن كل هذا تبدل من بعد وفاة والدها حيث أصبحت أخرى غير تلك التى اعتاد عليها الجميع فى السابق ، أصبحت تدير شركة والدها بعدما رفض شقيقها الأصغر «زين» إدارة عمل والده وإصراره على بيع كافة أسهم الشركة لكنها رفضت تمامًا وأصرت على بقاء كل شىء كما هو ، اكتسبت صفات كثيرة حديثًا منذ إدارتها لهذا العمل ومنها القوة والصرامة والقلب المتحجر

***

زين الجيار ، الأخ الأصغر لياسمين الجيار ، تخرج من كلية الشرطة وحاصل الآن على رتبة رائد ، رفض رفضًا قاطعًا العمل مع والده فى شركته وأصر على دخوله كلية الشرطة حتى حقق رغبته في ذلك ، رغب فى بيع أسهم الشركة كاملة بعد وفاة والده إلا أن شقيقته الكبرى رفضت ذلك وأصرت على إدارة العمل بنفسها فلم يعترض على ذلك وترك لها الأمر

******
فتح باب المصعد وخرج منه رجل يبدو عليه البنيان القوى ويرتدى بدلته ، كان يتحدث إلى تلك السيدة أثناء مروره من أمام طيف ونيران فتابعه طيف بعينيه وتقدم خطوتين تجاهه وهو يردد :
- اوبا مش قلتلك يا نيران مش بتفائل بالجملة دى
عقدت ما بين حاجبيها وهى تردد بتعجب :
- مين ده ؟ أنت تعرفه
التفت نصف التفاتة وردد بابتسامة واسعة :
- أعرفه ؟ ده أنا أعرفه ونص ، اجهزى يانونى .. مهمة بنت القلب الموسم التانى بدأت ياروحى
- موسم تانى ايه يا طيف أنا مش فاهمة حاجة ومين ده !
قالتها «نيران» وهى تجذب التيشيرت الخاص به فالتفت إليها وردد بجدية :
- خليكى هنا يا نونى لحظة وجاى وهقولك على كل حاجة
استجابت لطلبه بالبقاء بينما تقدم هو تجاه هذا الرجل وردد بصوت مرتفع :
- لو سمحت
التفت إليه قبل أن يعقد ما بين حاجبيه بتعجب فأشار إليه «طيف» قائلًا :
- دقيقة واحدة بس
ترك تلك السيدة التى كان يتحدث معها أثناء سيره واقترب من «طيف» وردد :
- افندم ، حضرتك تؤمرنى بحاجة
مد يده بابتسامة قائلًا :
- الرائد طيف أيمن
بادله نفس الابتسامة ومد يده لكى يصافحه قائلًا :
- أهلا بيك ياطيف باشا ، يوسف رياض مدير الفندق ده
اتسعت ابتسامة «طيف» المصطنعة وردد :
- اتشرفت بحضرتك ، كان في طلب كدا بس لو مشغول أكلمك فى وقت تانى
هز «يوسف» رأسه بابتسامة قائلًا قبل أن يشير بيده لتلك السيدة كى ترحل :
- لا أبدًا اتفضل ، حضرتك تؤمرنى بايه
ابتسم والتفت إلى نيران ثم نظر إليه مرة أخرى وأردف :
- أنا فى شهر العسل والنهاردة أول يوم وعيد ميلاد نيران مراتى بكرا وكنت عايز أعملها مفاجأة كدا ، يعنى هنمشى ونرجع نلاقى الأوضة متجهزة وطبعا أنت فاهم الباقى
هز رأسه بتفهم وهو يقول بثقة :
- مايكنش عندك قلق نهائى ، هات رقم الغرفة والباقى كله علينا وإن شاء الله يعجبك الترتيبات اللى هنعملها
هز «طيف» رأسه بابتسامة مصطنعة وأردف :
- أنا واثق إن كل حاجة هتبقى مظبوطة ، ورقم الغرفة 314
سحب دفتر وقلم من جيب بدلته ودون رقم الغرفة ثم نظر إلى طيف وردد :
- تمام اعتبر كل حاجة اتظبطت ، الوقت المناسب علشان نبدأ شغل هيكون 12 الضهر ، كويس ؟
أومأ رأسه بالإيجاب قائلًا :
- كويس جدا
- وده رقم تليفونى علشان لو في أى حاجة
أخذ «طيف» الكارت الخاص به وهو يرمقه قائلًا :
- تمام جدا

أنهى الحوار معه ثم عاد إلى نيران مرة أخرى وأردف بابتسامة :
- اجهزى يا حبيبتى علشان عاملك حفلة لعيد ميلادك بكرا هتجننك
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم وهى تردد :
- عيد ميلاد ايه يا طيف أنت سخن !! أنا عيد ميلادى لسة الشهر الجاى ولا نسيت عيد ميلادى كمان
- لا لا كله إلا النكد ، ده أنا حافر عيد ميلادك فى دماغى .. يلا نطلع وهفهمك كل حاجة على رواقة

***

جلس أمام سرير والدته المتهالك ونظر إلى حالها الذى ساء أكثر حتى انهمرت دموعه رغمًا عنه فانخفض ووضع رأسه على السرير وظل يبكى بحرقة شديدة لعدم قدرته على مساعدتها وهى بتلك الحالة ، فاقت من نومها ومدت كفها ومسحت على رأسه بحنو شديد قائلة :
- متزعلش نفسك يا حبيبى ، ربنا بيختبر صبرنا وأكيد شايلك الأحسن ، أنا واثقة إن ربنا هيسعدك لأنى بدعيلك من كل قلبي يا حبيبي
اعتدل وقبل يدها وظل ممسكًا بكفها الذى يعشق تقبيله وترقرقت الدموع في عينيه هاتفًا بحزن من بين قبلاته :
- أنا مش عايز حاجة من الدنيا غير إنى أشوفك بخير يا حبيبتى ، حتى القرشين اللى كنت باخدهم من الشغل اللى كان بيكسر ضهرى راحوا ، أنا السبب .. كان لازم أمسك نفسي وماأتكعبلش كدا
ابتسمت رغم ألمها الشديد حتى تبث الهدوء والراحة بداخله وأردفت :
- سيبها على الله يا نائل يا ابنى ، لولا إنى عارفة إنك هترفض اللى هقولهولك كنت قلت
فهم القصد من جملتها الأخيرة فابتسم بسخرية قائلًا :
- ده من سابع المستحيلات يا ماما ، عمرى ما هروحله ولا هطلب منه حاجة .. عمري ما هعمل كدا
حاولت زرع فكرة ذهابه إلى والده وأضافت :
- ياحبيبي ده برضه أبوك

هز رأسه بالرفض عدة مرات وقد زاد غضبه وسخطه على هذا الشخص الذى يكرهه كثيرًا وأردف :
- أبويا !! أبويا اللى رمانا رمية الكلاب وعمره ما فكر فينا ؟ اللى خلانى أستلف من ده ومن ده ويطلع عينى طول النهار فى الحر تحت الشمس ، اللى سابك مرمية مش لاقية العلاج كدا !! أبويا اللى طردنا طردة الكلاب بأمر من مراته والمرة الوحيدة اللى روحتله فيها كنت صغير مش فاهم وقالى ماتعمليش مشاكل وتيجى تانى ورمالى ملاليم ، الراجل ده مش أبويا وعمرى ماهعتبره أبويا ، أنا أبويا مات من زمان ، أنا عندى أموت من الجوع وماأرحلوش نهائى
حاولت بجهد امتصاص غضبه وتهدئة حالته التى صعبت كثيرًا وأردفت :
- خلاص اهدا يا حبيبي ، ماتروحش .. سيبها على ربنا ، مفيش أرحم من ربنا علينا
هدأ غضبه قليلًا وأطرق رأسه بحزن وهو يردد :
- ونعم بالله ، ونعم بالله

***

دلفت إلى الشركة برأس مرفوع وتحركت بخطوات متمهلة وهادئة إلى مكتبها ، وأثناء ذلك وقف الجميع حتى تدلف إلى المكتب فهى فى أول يوم لها بداخل تلك الشركة فرضت شخصيتها القوية عليهم وقامت بإبعاد فكرة فشلها بسبب كونها امرأة والآن الجميع يهابها بشدة فهى جادة للغاية ولا مجال للمزاح فى هذا الأمر

دلفت إلى المكتب فحضرت السكرتيرة الخاصة بها «سهى» وقامت بوضع عدة ملفات أمامها وهى تقول بجدية :
- دى الملفات اللى حضرتك طلبتيها يافندم ، كل حاجة اتراجعت وناقص الإمضاء بتاعة حضرتك بس
أخذت تفحص الملفات بعينيها وهى تقول دون أن تنظر لها :
- طيب تمام يا سهى روحى أنتِ
- تحت أمرك

فى هذا الوقت دلف عم «وحيد» وهو يحمل فنجان قهوة ، تقدم بهدوء وقام بوضعه أمامها قائلًا :
- القهوة يا بنتى
ابتسمت بلطف قائلة :
- تسلم يا عم وحيد
- الله يسلمك يا بنتى
ورحل على الفور ، ماهى إلا دقائق حتى دلف «يوسف» إلى الشركة بطلته التى طالما أُعجبت الفتيات بها ، كان قوى البنيان ، مفتول العضلات .. جسده مستقيم زاده جاذبية لهن ، انتبه الجميع لدخوله وبدأوا بالهمس فمنهم من حسد «ياسمين» على كونه خطيبًا لها ومنهم من حقد عليها ومنهم من لم يضع هذا الأمر برأسه

وصل إلى المكتب فنظر إلى «سهى» قائلًا :
- ياسمين جت ؟
نهضت وهى تبتسم قائلة :
- أيوة يا مستر يوسف لسة جاية من شوية
هز رأسه بابتسامة مجاملة وهو يقول :
- طيب تمام شكرًا

طرق الباب ثم دخل في الحال فنظرت إليه بابتسامة هادئة قائلة :
- يوسف كويس إنك جيت كنت لسة هكلمك
جلس على المقعد المقابل لها ورفع حاجبيه ليجيبها بابتسامة :
- خير يا حبيبتى
نظرت إلى الملف الذى بيدها ومدته إليه قائلة :
- خد اقرأ الملف ده وعايزاك تتصرف معاهم علشان أنا مشغولة دلوقتى مع كذا شركة ومفيش غيرك هيعرف يخلص مع شركة الجمال
سحب الملف من يدها وتفحصه بنظرة سريعة قبل أن يقول بثقة :
- خلاص يا ياسو ولا يهمك اعتبرى كل حاجة خلصت ، ها طمنينى عاملة ايه النهاردة
ارتسمت إبتسامة مزيفة على ثغرها قائلة :
- بخير
لم يزد بالحديث بل هب واقفًا مستعدًا للرحيل وهو يقول :
- طيب الحمدلله إنك بخير ، أنا همشى بقى وهعدى عليكى بعد ما تخلصى شغل تمام
أومأت رأسها بالإيجاب قائلة :
- تمام

***

عاد بظهره إلى الخلف بتعب فهو يعمل منذ الصباح على تلك القضية ، رفع سماعة هاتفه وتحدث بجدية :
- رماح .. عايزك فى مكتبى دلوقتى
ماهى إلا ثوانٍ حتى حضر «رماح» وأدى التحيه وهو يقول :
- تمام سعادتك
أشار إلى الكرسى لكى يجلس قائلًا :
- اقعد يا رماح
جلس وعلى وجهه نظرات متعجبة فيبدو أن الأمر هام ، قام بإغلاق الملف الذى كان يتصفحه ورفع بصره إلى «رماح» وشرع فى الحديث :
- بص يا رماح اللى هقوله ليك ده يبقى فى غاية السرية مفهوم ؟
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يردد :
- مفهوم يا فندم
تابع «أيمن» بنفس الجدية :
- غيث وليان ، عايزك تجندهم
قطب جبينه بتعجب وهو يهز رأسه بعدم فهم قائلًا :
- مش فاهم سعادتك ، أجندهم !!
أومأ رأسه بالإيجاب واستطرد قائلًا :
- أيوة ، غيث وليان كنز ده غير إنهم متدربين على أعلى مستوى وهيفيدونا جدا ، هتفهمهم إنهم هيبقوا فى حياتهم الطبيعية عادى لكن لو احتجناهم فى مهمة هيبقوا موجودين ، هتتولى أنت وفاطمة مهمة تدريبهم
عقد ما بين حاجبيه ليقول متسائلًا :
- تدريبهم ! سعادتك لسة قايل إنهم متدربين على أعلى مستوى
هز رأسه بالإيجاب ليقول :
- أيوة لكن التدريب اللى أقصده هو التدريب على أسلوبنا احنا مش أسلوب التدريب اللى هما اتعلموه برا ، هتفهمهم طريقتنا وطريقة شغلنا ، المهم يبقوا جاهزين فى خلال شهر بالكتير ولتانى مرة هقولك ، الموضوع ده هيبقى سر بينى وبينك وبين فاطمة وطبعا هما
أومأ رأسه بالإيجاب وهو ينهض من مكانه مستعدًا للرحيل :
- تمام سعادتك ، اعتبر كل حاجة تمت
أشار إليه قبل أن يرحل قائلًا :
- لو حصل حاجة أو رفضوا بلغنى وأنا هتصرف ، تمام
- تمام يا باشا
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثاني بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


استقل سيارته مستعدًا للذهاب إلى قسم الشرطة الذى يعمل به إلا أن «نايا» استوقفته وهتفت بصوت مرتفع :
- زين استنى
أخرج رأسه من سيارته فوجدها أمامه مما دفعه للخروج ، توجه إليها بابتسامة قائلًا :
- نايا ، جيتِ فى وقتك أنا كنت رايح الشغل
- أنت بتتريق ؟
ابتسم بلطف وهو يداعب وجنتيها بحب :
- لا يا نيمو أنا أقدر ، طمنينى خالتى عاملة ايه
سارت معه مبتعدة قليلًا عن الطريق الداخلى للفيلا إلى الحديقة الكبيرة وهى تقول :
- كويسة بس سيبك منها وقل لى ياسمين مالها ، اتغيرت أوى .. أنا قلقانة عليها
نظر إلى نقطة بالفراغ أثناء سيره وهتف بحزن :
- مش عارف والله يا نيمو ، ياسمين كانت أقرب واحدة لبابا الله يرحمه وموته أثر عليها أوى لدرجة إنها بدأت تتقمص شدته وطريقته ، على اد ما أنا متطمن عليها فى الشركة على اد ما خايف الشخصية اللى بقت عليها دى تأذيها
وقفت ثم نظرت إليه قائلة بجدية :
- طب ما تكلمها أنت يا زين هى كانت قريبة منك أنت كمان
ابتسم بسخرية ولوى ثغره ليقول بحزن :
- كانت قريبة منى ، دلوقتى بعيدة عنى بشكل مش هتتخيليه وبعدين مين قالك إنى مااتكلمتش معاها ؟ أنا تعبت من الكلام معاها لكن هي مابتسمعش واللى فى دماغها نفذته برضه
فى تلك اللحظة حضرت الصغيرة «رقية» وحضنت قدم «نايا» بحب وهى تقول :
- نيمو وحشتينى
انخفضت إليها وداعبتها بحب وابتسامة وهى تقول :
- وأنتى كمان يا رورو وحشتينى ، قليلى بقى عملتى ايه فى الاتفاق اللى اتفقنا عليه
رمقهم «زين» بابتسامة قبل أن يقول :
- طيب أسيبكم بقى مع بعض علشان عندى شغل
نظرت إليه وهى مازالت منخفضة وتداعب الصغيرة ورددت :
- خلى بالك من نفسك
أرسل لها قبلة فى الهواء وهو يتراجع إلى الخلف قائلًا :
- حاضر يا نيمو يلا باي

***

دلف ليأخذ فنجان القهوة الخاص بها وهتف متسائلًا :
- أعملك حاجة يا بنتى ؟
نظرت إليه باهتمام لتقول بأدب :
- معلش يا عم وحيد ، عايزة فنجان قهوة علشان عندى صداع رهيب
- حاضر يا بنتى

تقدم خطوتين ثم توقف ونظر إليها لكنه تراجع وتقدم إلى الأمام مرة أخرى فهتفت هى بعدما لاحظته :
- فيه ايه يا عم وحيد ؟ عايز تقول حاجة !
التفت إليها وتقدم مرة أخرى وردد بحرج :
- في طلب كدا يا بنتى بس مش عارف وقته ولا ايه
هزت رأسها بابتسامة لتخفف عنه الحرج وأردفت :
- لا أبدًا وحتى لو مش وقته أنت بالذات ياعم وحيد ليك معزة خاصة ومن ريحة بابا الله يرحمه وهو كان بيحبك ويعزك جدا ، اتفضل قول كنت عايز تقول ايه
ابتسم بتودد وهو يقول :
- الله يكرم أصلك يا بنتى ، الموضوع إن كان في ...
صمت قليلًا ثم تابع :
- كان فيه شاب من الحتة عندنا وهو واد جدع وطيب ويستاهل كل خير بس الدنيا مخبطة معاه اليومين دول و مش لاقى شغل وكدا فلو يعنى ينفع يجى يشتغل هنا حتى لو يساعدنى أو يكنس يمسح يعمل أي حاجة تطلبيها
صمتت قليلًا لتفكر بالأمر ثم رفعت رأسها ورددت بابتسامة :
- لولا إنك أنت اللى طلبت الطلب ده ياعم وحيد أنا ماكنتش هقبل لأن الشركة كدا كويسة ومش محتاجين حد بس علشان خاطرك هاته وأنا هشوفله حاجة فى الشركة وربنا يفك كربه

تهللت أساريره وهتف بسعادة :
- الله يكرمك يابنتى ، ماتتخيليش هيفرح اد ايه لما يعرف الخبر ، عن اذنك بقى هروح أحضر القهوة
رددت بنفس الابتسامة التى لم تختفِ :
- اتفضل يا عم وحيد

رحل وبقيت هى وحيدة تتذكر مجيئها إلى تلك الشركة سابقًا عندما كان والدها حي يرزق ، تذكرت تلك الأيام ووالدها الذى عُرفت عنه قوة شخصيته وصرامته ، تذكرت صوته المرتفع وهو يتابع العمل فانهمرت دمعة من عينيها قبل أن تقول بحزن :
- الله يرحمك يا بابا

***

- ذاكرى يا رنّة امتحاناتك قربت
قالتها «أسماء» لتحث ابنتها على مذاكرة دروسها فأجابتها قائلة :
- ما أنا بذاكر أهو يا ماما وبعدين أنا زهقانة أوى ، البيت من غير طيف وتنّة مالهوش نفس وحاسة إنى مخنوقة
لوحت والدتها بيديها فى الهواء قائلة :
- ما أنتِ بتروحى الكلية الصبح ، استحملى وكلها شهر وطيف هيرجع هو ونيران والبيت هيرجع يتملى تانى
رمقت الكتاب بضيق وهى تردد بعدم رضا :
- شهر !! مفيش غير السيركت اللى هتسلينى ، ناس فى شهر العسل وناس فى شهر البصل والندامة

***

تركت حقيبتها الصغيرة على الكومود ونظرت إليه متسائلة :
- ها ادينا طلعنا فهمنى بقى حصل ايه ومين ده وعيد ميلاد ايه
ابتسم بلطف قبل أن يلقى بنفسه على الفراش ليريح جسده قليلا وأردف :
- بصى ياستى ، فاكرة حوار مازن اللى حكيتلك عنه واللى نصب عليه
هزت رأسها بعدما تذكرت ورددت بتلقائية :
- أيوة غارم
أومأ رأسه بالإيجاب ليتابع قائلًا :
- أيوة بالظبط ، الراجل ده هو غارم .. ده شكله وراه حكاية كبيرة ، مغير اسمه ليوسف ومدير الفندق ده
ارتفع حاجبيها بعدم تصديق وهى تقول :
- ايه هو مدير الفندق ؟ طب وهنثبت عليه إنه نصاب ونقبض عليه ازاى ، اعتراف مازن مش دليل
هز رأسه بتفهم وهو يحاول التفكير بطريقة لإيقاع هذا المجرم ثم نطق بتلقائية :
- حظه إنه جه تحت ايدى ، لازم أتعرف عليه أكتر وأكتر لغاية ما أوقعه
نظرت إلى الأسفل بضيق فهذا الشهر الذى اعتقدت أنها ستنفصل عن العالم فيه وتنفرد بحبها لكن ظهر هذا المدعو بـ «يوسف» ليسلب منهما راحتهما

لاحظ حزنها فاعتدل واقترب منها ليخفف عنها قائلًا بحنو :
- ماتقلقيش يا حبيبتى ، هنقضى شهر العسل عادى خالص وفى أوقات فراغنا نراقب يوسف أو غارم ده وبالمرة ننمى روحنا البوليسية شوية
ابتسمت ورفعت رأسها لتنظر إلى عينيه المحدقة بها ، حركت رأسها بالإيجاب قائلة :
- تمام
فتقدم ليطبع قبلة على شفتيها مما أنساها كل شىء حتى أمر "عيد الميلاد"

***

تقدم بخطوات متمهلة إلى الصيدلية المجاورة لمنزله وما إن وقف أمام الطبيب حتى ردد بحرج :
- لو سمحت يا دكتور معلش كنت عايز العلاج بتاع والدتى بس بستأذنك يعنى مش معايا فلوس دلوقتى وهجيبهالك يوم تانى لما ربنا يفرجها
ربت الطبيب «هانى» على كتفه وردد بابتسامة كى يزيل عنه الحرج :
- عيب عليك يا نائل ، أمك هى أمى والفلوس تجيبها فى أى وقت ، استنى دقيقة هجيبلك العلاج
بالفعل مرت دقيقة وقام «هانى» بوضع الأدوية فى حقيبة بلاستيكية صغيرة ومد يده بها قائلًا :
- بالشفاء إن شاء الله
تناولها منه «نائل» بعد أن رسم على وجهه ابتسامة قائلًا :
- تسلم يا دكتور والله مش عارف أشكرك ازاي
ربت على كتفه مرة أخرى بقوة وأردف :
- ماتشكرنيش يا نائل احنا جيران وأخوات ، يلا روح ادى العلاج للست الوالدة وربنا يكتبلها الشفاء
- يارب

انطلق إلى منزله بخطوات متعجلة لكنه توقف عندما استمع لمن يناديه من بعيد فنظر فى اتجاه الصوت ليجد عم «وحيد» يتجه إليه بخطوات مسرعة كي يلحق به قبل دخوله المنزل ، ظل فى مكانه إلى أن أتى إليه وردد بابتسامة :
- ابسط ياعم شوفت علشان أنت ربنا بيحبك
عقد ما بين حاجبيه وهو يهز رأسه متسائلا بتعجب وحيرة :
- مش فاهم قصدك يا عم وحيد
- ابسط يا نائل ياابنى أنا كلمت الست ياسمين مديرتى فى الشركة وقلت ليها إنك تيجى تشتغل ووافقت الحمدلله
اتسعت حدقتيه بصدمة وتهللت أساريره بسعادة وأردف بلهفة :
- أنت بتتكلم جد يا عم وحيد ؟ بجد وافقت اجى اشتغل فى الشركة ؟
هز رأسه بالإيجاب بابتسامة سعيدة وهو يؤكد عليه قائلًا :
- ايوة يابنى وافقت ، يلا اجهز بقى علشان هتروح معايا بكرا من بدرى
تراجع بظهره وهو يشير إلى الأعلى بسعادة وقد ارتفع صوته :
- من النجمة هتلاقينى معاك ، الحمدلله يارب .. يابركة دعاكى ياما

صعد مسرعًا إلى الأعلى ثم توجه إلى غرفة والدته وهتف بسعادة :
- باركيلى يا ست الكل
هتفت بصعوبة من وسط تألمها :
- فيه اية يا حبيبى فرحنى
اتجه إليها وجلس على حافة السرير أمامها وهو يقول بسعادة أثناء تجهيزه للدواء كي يعطيه لها :
- ابنك هيشتغل فى شركة ، عم وحيد ربنا يكرمه كلم صاحبة الشركة عنده ووافقت إنى أشتغل
أمسكت بذراعه وهى تقول بابتسامة وسعادة بالغة :
- بجد يا ضنايا !!
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول بابتسامة :
- بجد يا حبيبتى ، يلا بقى علشان أديكى الحقنة علشان وشك باين عليه التعب جامد
انهمرت دمعة من عينيها وهى مازالت تمسك بذراعه بحب وأردفت :
- أنا كنت فعلا تعبانة بس لما شوفتك فرحان كدا يا ضنايا نسيت التعب وبقيت كويسة
ابتسم قبل أن يقبل رأسها بحب وهو يقول :
- ربنا يخليكى ليا يا أملى وضهرى فى الحياة دى

***

مر الليل سريعًا بعد يوم طويل وأشرقت شمس يوم جديد على طيف الذى نهض مبكرًا كعادته وأخذ حمامه ثم رفع سماعة الهاتف وطلب الطعام ثم نظر إلى «نيران» التى كانت كالأطفال فى نومها ، ظل محدقًا بها لدقائق وكأنه أحب النظر إلى هيئتها تلك ولم يرد الكف عن ذلك لكنه نظر إلى ساعته فوجدها الحادية عشرة صباحا فتذكر تلك الحفلة التى سيعدها الفندق للاحتفال بعيد ميلادها ، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه بعدما تذكر أنه لم يخبرها بالأمر فأسرع وداعب أنفها بحب وهو يهتف باسمها :
- نونى ، نونى حبيبتى اصحى الفطار جه
فتحت عينيها لتجده قريبًا منها للغاية وكادت أنفه تلتصق بأنفها فابتسمت بحب وهى تطوق يديها على رقبته قائلة :
- ايه النشاط ده كله يا باشا
اقترب أكثر وقام بتقبيلها ثم عاد ونظر إليها قائلًا :
- اللى يعرف القمر ده لازم يبقى نشيط ، قومى يلا نفطر علشان ننزل .. محضرلك كام خروجة كدا أحسن من امبارح
تحمست كثيرًا ونهضت فى الحال ، جلست تتناول الإفطار معه حتى مر الوقت وانتها أخيرا ، نظر إليها وهو يسحب الطعام من أمامها وأردف :
- يلا شوفى هتعملى ايه واجهزى علشان ننزل

***

وصل أخيرا إلى الفيلا واصطف سيارته أمامها ثم ترجل منها وخطى إلى الداخل فوجد والده يخرج من المكتب وعلى وجهه الضيق ، ردد بتساؤل وهو يشير إلى الساعة :
- كنت فين كل ده يا يوسف ! الفجر هيأذن
كان يضع سترته على كتفه حينما اتجه إليه وأردف بابتسامة :
- ما أنت عارف يا بابا سهران مع أصحابى ، بخلص الشغل معاك وبطير عليهم
جلس على المقعد وردد بعدم رضا :
- وهتصحى بدرى ازاى للشغل وأنت راجع متأخر كدا
ابتسم وهو يتجه إلى الدرج حتى يصعد إلى غرفته وأردف :
- دى بقى بتاعتى أنا ، المهم إنى هروح .. تصبح على خير يا بوب
اتجه إلى الأعلى واستحم قبل أن ينام على سريره ، أمسك هاتفه ليتفحصه قبل نومه فوجد رسالة على تطبيق "تليجرام" من خطيبته «ياسمين» :
" شكرا يا يوسف ، معلش تعبتك معايا"
ابتسم وهو يكتب إليها :
" شكرا ايه يا ياسو ، هو في بينا الكلام ده !! ده أنتِ خطيبتى وحبيبتى "
كان على وشك إغلاق الهاتف إلا أنه تلقى رسالة أخرى ولكن من صديقته «هايدي» :
" وحشتنى يا حبيبى ؟ "
نظر إلى الفراغ وردد بتعجب :
- البت دى غبية ولا ايه؟
ثم كتب لها فى الحال :
" أنتِ هبلة يا بنتى ! ماأنا كنت لسة معاكى "
ثم أغلق هاتفه بسرعة قبل أن يتلقى رسالة أخرى تمنعه عن النوم الذى اشتاق إليه ...

***

اصطف «رماح» سيارته أمام المطعم ودلف إلى الداخل وتوجه إلى مكتب «غيث» وما إن طرق الباب حتى أتى صوته من الداخل :
- ادخل
فتح الباب ففوجئ به «غيث» ونهض من مكانه وصافحه على الفور ثم أشار إلى المقعد قائلًا :
- تعال اقعد ، استريح
وما إن جلس «رماح» حتى سأله غيث قائلًا :
- تشرب ايه؟
ابتسم بلطف قبل أن يجيبه قائلًا :
- تسلم ، أنا عايزك بس تبلغ ليان تيجى علشان في موضوع عايزكم فيه
عقد ما بين حاجبيه متعجبًا ثم سأله :
- ليان !! اشمعنى هو الموضوع مهم ؟
أومأ رأسه بالإيجاب وقال بإيجاز :
- جدا
رفع هاتفه وقام بمهاتفة «ليان» التى كانت منشغلة باستلام طلبيات المطعم ، أبلغها بالحضور الآن لأمر طارئ وما هى إلا ثوانٍ حتى حضرت وتفاجأت بوجود رماح فهتفت بابتسامة :
- رماح باشا منور المطعم
ابتسم ليجيبها قائلًا :
- منور بأصحابه ، اقعدى علشان فيه موضوع مهم عايزكم فيه
نظرت إلى «غيث» بتعجب ثم نظرت إلى رماح وتوجهت إلى المقعد ويدور ببالها شىء واحد فقط وهو " ما هذا الأمر الخطير ؟ "
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثالث بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


وقفت على بعد أميال تراقبه حتى ضربتها صديقتها على كتفها فالتفتت وهى تتألم قائلة :
اااه ، ايه يا تمارا ايدك تقيلة
نظرت إلى حيث تنظر وهتفت باعتراض :
- كفاية مراقبة فى جاسر يا نرد مش هتستفيدى حاجة
جلست «نرد» على المقعد الخاص بها فى المقهى وهى تقول بضيق :
- أعمل ايه؟ ما أنتِ شايفة يا تمارا قاعد مع اللى ماتتسمى هدير ازاى وبعدين عاجبه فيها ايه دى
- ماتقفيش تانى علشان مايشوفكيش ولو شافك هيعمل مشكلة
تذمرت وعادت ترمقه مرة أخرى حتى رن هاتفها فرفعته لتجد اسم شقيقها "رماح" على الشاشة فأجابت على الفور :
-أيوة يا رومى
- يابنتى قلتلك مليار مرة بلاش رومى دى وبعدين أنتِ فين أمك لسة مكلمانى وبتقول إنك مش بتردى
تابعت وهى تسلط نظرها على «جاسر» :
- هكون فين يعنى يا رماح ، أكيد فى الكلية ومعرفتش أرد على ماما علشان كنت فى محاضرة
هدأ قليلا ثم هتف من جديد :
- طيب هتخلصى امتى ؟
أجابته باقتضاب وهى تنوى إغلاق المكالمة :
- معرفش يا رماح على حسب المحاضرات اللى عندى واقفل بقى علشان الدكتور دخل .. باى
وأغلقت دون أن تترك له فرصة للرد

***

أشرقت شمس يوم جديد على «نائل» الذى استعد وارتدى ثياب خاصة والوحيدة التى كان يملكها ، هتف بصوت مرتفع :
- يلا يا يارا ؟
حضرت شقيقته الصغرى «يارا» وقد استعدت للذهاب إلى المدرسة وأردفت :
- يلا يا نائل أنا جهزت
اصطحبها إلى الأسفل ثم اتجه إلى منزل عم «وحيد» فوجده بانتظاره فأشار إليه قائلًا :
- معلش ياعم وحيد هناخد يارا فى سكتنا نعديها على المدرسة ونروح
- ماشى ياابنى

بالفعل أوصلها إلى المدرسة ثم انطلق بصحبة «وحيد» إلى الشركة وما إن دخل حتى رمقه الجميع بتعجب فهو رغم وسامته كشاب إلا أن ملابسه كانت غريبة عليهم فكانت ملابسه عبارة عن "بنطلون جينز قديم وقميص مقلم أظهر مدى قدمه"

همست إحداهن «مايا» إلى رفيقتها قائلة :
- اوبا شايفة المز ده
نظرت «سمر» حيث تنظر هى وأردفت بتعجب :
- هو مز الصراحة بس ايه لبس الفراعنة اللى انقرض وهو لابسه ده !!
هزت الأولى رأسها لتقول :
- مش عارفة ، جاى مع عم وحيد أكيد ابن أخوه ويمكن ابنه
تابعت الثانية الموقف وتحركهم إلى الداخل وهى تقول :
- يا خبر بفلوس

***

صعد إلى الأعلى بصحبة «وحيد» وظل واقفًا يتأمل المكان ورقيه فهو لم يرَ مثل هذه الأماكن من قبل ، انتظر أكثر من نصف ساعة ولم تحضر «ياسمين» فردد بتساؤل :
- ايه يا عم وحيد هى صاحبة الشغل دى هتيجى امتى !!
- زمانها على وصول ياابنى
ثم ابتسم وأشار إلى المصعد وهو يقول :
- اهى ست ياسمين جت
نظر إلى حيث يشير فتفاجأ تمامًا بتلك التي يراها أمامه فهو كان يتوقع ظهور امرأة كبيرة السن أو كأقصى تعبير تكون أكبر بكثير من تلك التى يراها فهى تبدو له شابة صغيرة ، نظر إليه وردد بتعجب :
- ست ياسمين مين !! مديرة الشركة
أومأ رأسه بالإيجاب ليقول :
- أيوة مالك مستغرب ليه
لوى ثغره وهو يشاهدها تسير بكل قوة وثقة وأردف :
- لا أصل كنت متوقعها أكبر من كدا الصراحة
- ياسمين هانم تبقى بنت وائل بيه الجيار وهو اتوفى من شهر وهى مسكت الشركة بعده وطبعا صغيرة دى عندها ٢٤ سنة
نظر أمامه ليتابعها وهى تدخل إلى المكتب ولوى ثغره :
- امممم
سحب «وحيد» فنجان القهوة وردد بجدية قائلًا :
- أنا هدخلها القهوة وأقولها إنك هنا ، خليك فى مكانك لغاية ما أخرج تمام
- تمام يا عم وحيد ماتقلقش أنا مش هتحرك من مكانى إلا لما تخرج

دلف إلى داخل المكتب بعدما طرق الباب وتقدم ليضع فنجان القهوة أمامها وهو يقول :
- صباح الخير يا بنتى
-صباح النور ياعم وحيد
اعتدل فى وقفته بعدما وضع أمامها الفنجان ثم ردد بتردد :
- الشاب اللى قلتلك عليه يا ست ياسمين برا
ارتشفت من القهوة ثم أشارت إليه قائلة :
- طيب دخلهولى يا عم وحيد ومعلش هستسمحك تخرج من الموضوع علشان هشد عليه شوية علشان يعرف إن الشغل جد و ..
قاطعها بابتسامة وهو يتراجع بظهره إلى الخلف مستعدًا للخروج :
- ماتقلقيش يا ست ياسمين أنا كأنى ماجيبتهوش وهو عندك وكمان مايكونش عندك شك فى شغله
ثم فتح الباب ولوح بيده إلى «نائل» الذى حضر على الفور بعدما رأى إشارته ، دنى منه وهو يقول :
- أعمل ايه ياعم وحيد
أشار إلى الداخل وأردف :
-ادخل .. الست ياسمين هتقولك تعمل ايه بالظبط
ثم دفعه بخفة إلى الداخل وأغلق الباب فتقدم بحرج إلى الداخل وهو ينظر للأسفل حتى وقف أمام المكتب مباشرة ، ردد بخفوت وقلق :
- تحت أمرك يا فندم
رفعت رأسها بتمهل قبل أن ترمقه بتعجب من رأسه لأخمص قدميه وهى تقول :
- ايه اللى أنت لابسه ده ؟ حد قالك إنك جاى تشتغل فى قهوة !
ازداد حرجه ورد بتلعثم وهو يحاول عدم النظر إلى وجهها مباشرة :
- أصل .. م..معلش يا ست هانم أصل ماعنديش غير الطقم ده
شعرت هى بالحرج بسبب توبيخها له على شىء ليس بيده فهو لا يمتلك ملابس غيرها ، أغلقت عينيها وحاولت تمالك أعصابها قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها من جديد وتقول :
- اسمك ايه؟
أجابها بتلقائية :
- نائل محمد خالد الــ....
لوحت بيدها فى الهواء وهى تقاطعه بحدة :
- بس بس .. ايه ده كله هو أنا هطلعلك بطاقة !! بقولك اسمك ايه تقولى اسمك أنت بس مش أسماء العيلة معاك
ازداد قلقه أكثر خوفًا من زوال تلك الوظيفة وعودته كما كان فردد بقلق وتلعثم :
-لا مؤاخذة سعادتك ، اسمى نائل
عادت بظهرها إلى الخلف ورددت بثقة وهى تسأله :
- ايه اللى يخلينى أقبل أشغلك هنا فى الشركة يا نائل ؟
ظل موجهًا نظره إلى الأسفل وهو يحاول انتقاء الرد المناسب فصرخت فيه بانفعال :
- بصلى وأنت بتتكلم !!
رفع بصره بقلق شديد فهو لم يشعر بمثل هذا القلق والخوف من قبل .. هو ليس ضعيف الشخصية أو ما شابه لكنه خائف فقط على عمله ووالدته التى سيكون مصيرها الموت إذا لم يتوفر لها الدواء أو شقيقته التى لن تتعلم إذا لم يوفر لها مصاريف كتبها الدراسية .. كل ذلك جعله فى حالة توتر وخوف شديد ، ازدرد ريقه وأجابها :
- اللى يخلى حضرتك تقبلينى هو إنى بشوف شغلى كويس وعمرى ما بركز على حاجات مالهاش لازمة ، يعنى طول ما أنا شغال ماليش دعوة بالدنيا حوليا
هزت رأسها وهى تهتز بالكرسى الخاص بها يمينًا ويسارًا ثم أردفت :
- اممم كويس ، أنا هكتفى بالسؤال ده بما إنك مش هتبقى موظف شغل ، دلوقتى بقى لو قلتلك على طبيعة شغلك هتعترض ولا هتوافق !
رد عليها مسرعًا دون أن يفكر :
- هوافق طبعا على اللى حضرتك تؤمرى بيه
ابتسمت ابتسامة سريعة ومن ثم عادت إلى وجهها الطبيعى لتقول :
- أنت شغلك هيبقى فى الكافيتريا مع عم وحيد .. هتعمل شاى وقهوة لكل الموظفين بالشركة بما فيهم أنا وتانى حاجة هتنضف الأرضية بعد الشغل يعنى تمسحها .. ها لسة موافق
لم يفكر عقله للحظة بالأمر وأجابها بسرعة شديدة أدهشتها :
- أيوة موافق وجاهز للشغل من دلوقتى
هزت رأسها بعدما رفعت حاجبيها وهى تقول :
- عظيم ، دلوقتى بقى هتروح لعم وحيد تخليه يديك الطقم بتاع الشغل الخاص بيك فى الشركة والمرتب بتاعك هيبقى "..."
ابتسم بسعادة فهذا الراتب على الرغم من قلته إلا أنه يزيد عن راتبه أثناء رفع الحجارة والرمل سابقًا ، أومأ رأسه بالإيجاب وهو يقول :
- شكرا يا فندم
زاد حنقها ورددت بعضب :
- أكتر كلمتين بكرههم حضرتك ويافندم وسيادتك ، اسمى ياسمين قولى أنسة ياسمين أو ست ياسمين حسب ما تحب ، مفهوم ؟
هز رأسه بالإيجاب ليقول بقلق :
- مفهوم يا أنسة ياسمين ، بعد اذنك
ثم غادر المكتب على الفور وما إن خرج حتى تنفس الصعداء فهى لم تترك كلمة واحدة قالها إلا وقامت بالتعليق عليها ، كما كره طريقتها فى التعامل ، هدئ من حاله وهو يقول لنفسه :
- وأنت مالك يا نائل أنت كل اللى هتعمله شاى وقهوة وتمسح الأرضية بس ومش هتتعرض ليها تانى ولا هتهزقك تانى

***

انتهت جولتهم التى استغرقت ثلاث ساعات ولكنها كانت رائعة بالنسبة لـ «نيران» التى تناست كل شىء واستمتعت بوقتها مع «طيف» الذى كان فى غاية السعادة وينتظر بشوق عودتهم إلى الفندق ليفاجئها بهذا الاحتفال الذى لم يكن يرتب له وجاء صدفة حتى يستطيع فتح حوار مع «يوسف»

وصلا إلى الغرفة وتراجع وهو يقول :
- ادخلى أنتِ الأول
لم تعقب على ما قاله وتقدمت لتفتح الباب وما إن فتحته حتى أضاء المكان بأضواء رائعة وانفجرت الزينة فى كل مكان ، دلفت وعلى وجهها حالة اندهاش وهى تنظر إلى الغرفة التى تحولت تمامًا ، كان فى كل ركن بالون طائر ويمتلئ المكان بالبالون والزينة الجميلة ، التفتت إليه وهزت رأسها بمعنى "ماذا يحدث"

تقدم وطوقها بحب قائلًا :
- اعتبريه احتفال بعيد جوازنا اللى ماعداش عليه غير يومين ، بصي اعتبريه زى ما تعتبريه بس يارب يكون عجبك
التفتت وضمته بقوة قبل أن تتساقط دموع الفرحة على وجنتيها وهي تقول :
- أنا بحبك أوى يا طيف ، ربنا يخليك ليا وتفضل معايا على طول

ربت على ظهرها بحب وأطبق جفنيه براحة بعدما علم بمدى سعادتها بتلك المفاجأة لكنه لم ينس رغبته الثانية وهى الانتقام من هذا المجرم الهارب ، هو فقط ينتظر الفرصة المناسبة للإيقاع به وسيسعى لذلك دون شك

***

نظر حوله فلم يجد «وحيد» فاتجه إلى «سهى» وردد بتساؤل :
- لو سمحتِ هو فين الكافيتيريا ؟
رمقته بتعجب قبل أن تقول متسائلة :
- أنت هتشتغل هنا ؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول بابتسامة :
- أيوة ، خلاص اشتغلت
مدت يدها لتصافحه بابتسامة هادئة وهى تقول :
- أهلا بيك ، أنا سهى السكرتيرة الخاصة بأنسة ياسمين فى الشركة هنا وأنت ؟
تردد قليلًا فهو لم يصافح فتاة من قبل لكنه فى النهاية مد يده ليصافحها كي لا يُشعرها بالحرج وأردف :
- وأنا نائل
اتسعت ابتسامتها لتقول :
- واو اسمك حلو أوى
ابتسم بخجل قبل أن يسحب يده وهو يقول :
- شكرا ، ممكن تعرفينى بقى على مكان الكافتيريا !
هزت رأسها عدة مرات وأردفت :
- اه طبعا طبعا ، بص أنت هتمشى آخر الطرقة دى شمال هتلاقيها فى وشك
- تمام شكرا

ثم رحل على الفور من أمامها وهو ينظر إلى يده التى لم تصافح أنثى من قبل ولكن اليوم صافحها وظلت هى متمسكة بيده ولم تتركها إلا عندما سحبها هو ، نظر إلى الأعلى وردد :
- يارب عديها على خير

***

- يا رماح أنت عارف اللي فيها وبعدين احنا كنا مجبورين علي كدا ، ودي مش شغلتنا .. أنا معاك إننا متدربين علي أعلى مستوى بس زي ما قلت ليك احنا اتجبرنا على الكلام ده ودى مش شغلتنا ، احنا مدنيين و ...
قالها غيث معترضًا على حديث رماح الذى كان واضحًا فقاطعه رماح قائلًا :
- بص يا غيث ، أنتوا هتعيشوا حياه طبيعية جدا لكن وقت ما نحتاجكم لمهمة هنبلغكم والمهمة هنا مقصود بيها مهمات صعبة ومستحيلة يعنى ممكن مهمة كل سنة
هنا تحدثت «ليان» بدلًا من غيث لتقول معترضة :
- ولو برضه هتبقى حياتنا معرضة للخطر وأظن إن من حقنا نرفض
ابتسم رماح بلطف ليجيبها قائلًا :
- طبعا حقكم وأنا مش معترض نهائى .. أنا جيت أبلغكم بكلام اللواء أيمن ، القرار النهائي يرجع له هو بس فكروا فى الموضوع كويس

***

اقتربت من والدتها وقبلت رأسها وجلست أمامها مباشرة وهى تقول :
- مامى مامى باركيلى
ابتسمت «هيام» وارتفع حاجبيها وهى تمسك بذراعيها وأردفت بتساؤل :
- الف مبروك يا آسيا يا حبيبتى بس فرحينى على ايه ؟
رددت بسعادة كبيرة :
- حسام كلمنى من شوية وطلب إننا نخرج مع بعض
اتسعت حدقتيها بصدمة غير مصدقة :
- بتتكلمى جد يا حبيبتى!! حسام أخيرا اتحرك ؟
وقفت وقفزت بسعادة كالأطفال وأردفت :
- أيوة يا مامى أنا فرحانة أوى أوى أوى ، أنا هروح ألبس بقى علشان أبقى جاهزة
- طيب يا روحى ، صحيح هو يوسف أخوكى ماقالش هيجى امتى النهاردة علشان عايزاه
أجابتها وهى تتجه إلى الدرج بخطوات تشبه الركض وهى تقول :
- لا يا ماما ماقالش ، كلميه شوفيه

امسكت بهاتفها كي تهاتفه ، نقرت على الشاشة عدة نقرات ثم رفعته إلى أذنها وانتظرت قليلًا لكنه لم يجبها فأعادت الاتصال مرة أخرى وانتظرت قليلًا حتى أجابها فأسرعت لتقول :
- ايه يا يوسف كل ده علشان ترد مش كفاية ماشوفتكش امبارح خالص !؟ ، ايه بتقول اية !! ازااى ؟

قالتها هيام لولدها «يوسف» الذى أعاد جملته الأخيرة على والدته بصوت مرتفع وصوت يسيطر عليه السعادة :
- بقولك يا ماما ماروحتش الشركة ، ضحكت على بابا وطالع شرم مع صحابى
رفعت كفها لتضعه على جانب وجهها وهي تقول بضيق :
- أبوك مش هيعديها على خير يا يوسف وهيزعل منك أوى علشان اللى عملته ده
ظل يمرر أصابعه بخصلات شعرها بحب بينما كانت هى «هايدي» مستندة برأسها على صدره أثناء قيادته لسيارته ، أجابها باقتضاب :
- مش مهم يا ماما لما أرجع هتصرف أنا معاه ، يلا باي
وأنهى المكالمة على الفور دون أن ينتظر ردها وما هى إلا ثوانٍ حتى أضاء هاتفه برنين مرة أخرى ولكن تلك المرة من خطيبته «ياسمين» فنظر للهاتف بضيق والتقطه ليجيب عليها قائلًا :
- ياسو حبيبتي
- يوسف بقولك ايه ينفع تيجى الشركة دلوقتى ضرورى علشان محتاجة مساعدتك فى حاجة
مثل عليها الضيق ورفع نبرته المتقنة التي يشوبها الحزن المزيف :
- يااا يا حبيبي للأسف أنا فى شغل برا القاهرة ومش هرجع قبل يومين على الأقل علشان شغل مهم بس لو الموضوع مهم أنا ممكن اجيلك حالا
ردت على الفور كي تمنعه من الحضور كما يقول :
- لا لا خلاص الموضوع مش مستاهل ، أنا هتصرف وخليك فى شغلك ربنا يعينك وترجع بالسلامة يا حبيبى
ابتسم ابتسامة مزيفة وهو يقول :
- تمام يا ياسو مش عايزة حاجة !
أجابته بحب لا يشوبه أي كراهية أو زيف :
- عايزة سلامتك ، باى

ما إن أنهى المكالمة حتى ألقى بهاتفه أمامه بعدم اكتراث فاعتدلت «هايدي» ورمقته بضيق قبل أن تقول معترضة :
- مش هنخلص من حوار الست ياسمين بتاعتك دى ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الرابع بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


لم يستطع النوم بسبب تفكيره كثيرًا فى هذا الأمر ، لقد وعد صديقه بأنه سيبذل قصارى جهده فى إلقاء القبض على هذا الرجل والآن هو بين قبضته ولكن ليس بيده أى دليل ، نظر إلى نيران فوجدها نائمة فنهض على الفور وبدل ثيابه بثياب صيفية أخرى وقرر النزول إلى الأسفل ، خرج من المصعد الكهربائي وهو يضع كلتا يديه بجيب بنطاله وتجول فى استقبال الفندق لعله يصادف «يوسف» ، تقدم بضع خطوات ليجده يتحدث مع مشرف الاستقبال فأسرع وسحب هاتفه وبدأ يتصفحه كى لا يلفت انتباهه لشيء فوجد رسالة من صديقه مازن ، ابتسم بعدما خطر بباله فكرة حيث ظل ممسكا بالهاتف الذى كانت شاشته تظهر محادثته مع مازن وعندما أصبح بالقرب منه لاحظه «يوسف» فهتف مناديًا عليه :
- طيف باشا
مثل «طيف» الدهشة بوجوده وتقدم بابتسامة حتى وصل إليه وترك الهاتف على القطعة الرخامية الموجودة أمام موظفي الاستقبال وصافحه قائلًا :
- أهلا يوسف باشا
صافحه «يوسف» بحرارة وهتف متسائلا :
- ها طمنى ، كل حاجة مظبوطة وعجبت المدام ؟
هز رأسه عدة مرات ليؤكد قائلًا :
- عجبتها جدا تسلم على الشغل العالى ده
وأثناء حديثهما رأى مازن أن طيف قد شاهد رسالته ولم يرد فقرر الاتصال به عن طريق تطبيق "ماسنچر" فظهرت صورته على شاشة هاتفه الموضعة على القطعة الرخامية وبحركة تلقائية نظر «يوسف» حيث رنين الهاتف فتفاجأ بصورة «مازن» على شاشة هاتفه ، ابتسم طيف بلطف وسحب هاتفه وهو يقول :
- طيب بعد اذنك
ابتعد عنه وهو يجيب بصوت مرتفع متعمدًا وصول اسمه إلى «يوسف» :
- أيوة يا مازن ، معلش يا معلم كنت هرد بس انشغلت
أتى صوت مازن على الجهة الأخرى قائلًا :
- ايه ياعم اتصلت بيك فى وقت غير مناسب ولا ايه؟
هز رأسه وهو يرمق «يوسف» من بعيد قائلًا :
- أبدا ، أنت اتصلت فى الوقت المناسب أوى
- ها طمنى ايه أخبار شهر العسل معاك ، الجواز حلو ولا ايه قبل ما ألبس
جلس على مقعد بالاستقبال وهو يجيبه قائلًا :
- حلو جدا يا باشا ، اتجوز بقلب جامد
- طيب ياعم أنتم السابقون ونحن اللاحقون
ارتفع حاجبيه وأردف معترضًا على جملته قائلًا :
- ايه يا مازن هو أنا بقولك موتنا فى حادثة ؟
ضحك من جملته الأخيرة وردد :
- خلاص ياعم روح لعروستك وادعيلى اتجوز أنا كمان على خير
- ماتقلقش يا كبير نحن السابقون وأنتم اللاحقون

***

ما إن أنهى المكالمة حتى ألقى بهاتفه أمامه بعدم اكتراث فاعتدلت «هايدي» ورمقته بضيق قبل أن تقول معترضة :
- مش هنخلص من حوار الست ياسمين بتاعتك دى ؟
ابتسم بحب لها وهو يمسح على يدها كي يبعد أي فكرة برأسها وأردف :
- يا حبيبتي أنتِ عارفة إن اللى بيني وبين ياسمين مصلحة مش أكتر ، أبوها كان واكل السوق بالشركة بتاعته وقربى منها هيساعدني أضحك عليها وأخدم شركتي .. ماتقلقيش بمجرد ما أوقع الشركة بتاعتها وأسيطر أنا على كل الشغل هرميها وأفسخ الخطوبة وبعدين أنا بحبك أنتِ ولا أنتِ عندك شك في كدا ؟
نظرت إليه بابتسامة وقد انطفت النيران المشتعلة بصدرها وهدأت بفضل كلماته المعسولة لها ، رفعت كفها وقبضت على كفه الذي يداعب كفها الأيسر وأردفت بحب :
- لا ماعنديش شك يا حبيبي ، يارب كل حاجة تعدي بسرعة علشان نخلص منها بقى

***

- بصى بقي يا رورو احنا هنمشى خطوتين بس ونعكس الطريق ولو غلطتي ودوستى برا المربع تخسري تمام ؟
قالتها «نايا» التي كانت تلعب مع الصغيرة «رقية» التي كانت وحدها بالفيلا في هذا الوقت حيث يكون «زين» بعمله وأيضًا «ياسمين» بالشركة ، أومأت الصغيرة رأسها بالموافقة وكادت أن تبدأ اللعب إلا أنها توقفت عندما رأت شقيقها الأكبر «زين» يدخل بسيارته من الباب الخارجي للفيلا فرددت بصوت مرتفع :.
- زين جه
التفتت «نايا» برأسها لتتفاجأ به بالفعل مما جعل تلك الابتسامة تتسرب إلى وجهها بشكل تلقائي ، انتظرته حتى ترجل من سيارته واتجه إليهم وهو يقول :
- أنا ماما الله يرحمها كان بتقول روح ياابنى ربنا يسعدك ويريح قلبك ، دلوقتى بس اقتنعت إن الدعوة استجابت لما جيت ولقيتك هنا ده غير وشك الجميل اللى بقيت أشوفه كل يوم
ابتسمت بخجل ووقفت لتستقبله وهي تقول متسائلة :
- ايه اللى رجعك بدرى أوى كدا !!
جلس على أرضية الحديقة وسحب يدها لتجلس هي الأخرى وما إن تأكد من اعتدالها فى الجلوس حتى أجابها :
- أصل عندى مأمورية كمان ساعتين ولقيت نفسي فاضى قلت اجي أجيب شاحن الموبايل علشان هيفصل وبالمرة أتطمن على رورتى
ثم نظر إلى الصغيرة «رقية» وداعب وجنتيها بحب فردت هي عليه قائلة بصوت طفولى محبب :
- أنا بحبك يا زين علشان بتحبنى وبتلعب وبتهزر معايا لكن مش بحب ياسمين لأنها بقت وحشة
اقترب منها أكثر وضمها إلى حضنه ورفع وجهها برفق حتى تنظر إليه وأردف بابتسامة :
- ياسمين حلوة مش وحشة يا رورو بس هي تعبانة الأيام دى شوية ومش بتقدر تلعب معاكى ، ينفع لما نلاقي حد تعبان نقول عليه وحش !؟
هزت رأسها بالنفى قائلة :
- لا مش ينفع
هنا ابتسم وداعب وجنتيها بحب وهو يقول :
- خلاص يبقى ياسمين حلوة مش وحشة صح ؟
أومأت رأسها بالإيجاب قائلة :
- أيوة ياسمين حلوة

كانت تنظر إليه بحب وقد غرقت كليًا فى سحر حبه ، كانت تراقب كل حرف يتفوه به إلى تلك الصغيرة ، كان الكلام يخرج منه ويعرف طريقه إلى قلبها وليس أذنها ، أحبت معاملته الحنونة لتلك الطفلة البريئة .. ظلت تتابعه بصمت وعلى ثغرها تلك الابتسامة التي لم تفارقها قط حتي نظر هو إليها وتعجب لنظراتها لكنه سرعان ما حاول تجاهل ذلك حتي لا يشعرها بالحرج ومن ناحية أخرى تحدث بغزل إليها :
- أما بقى عن طفلة قلبى التانية فـ هي ساكنة جوا قلبى ومش راضية تمشى أبدا ، تدري ليش !! لأنى بحبها حب مش عادى
نظرت إلى الأسفل بحرج فرفع وجهها إليه برفق وتابع :
- بعشق الكسوف ده
احمرت وجنتيها وحاولت التهرب من غزله الذي لم ولن ينتهى لذلك ذكرته بعمله قائلة :
- أنت مش قلت عندك مأمورية !! قوم يلا علشان متتأخرش
قالتها رغمًا عنها فهي لا تريد رحيله أبدا من جوارها ، ودت لو يبقى هكذا بجوارها دائمًا فهي تجد فيه ملجأها ومسكنها كما تشعر بالحب والأمان بجانبه ...

***

- يا هدير قلتلك مية مرة إن المشروع ده مش أنا اللى مسئول عنه نهائى
قالها جاسر لـ هدير التى أصرت على طلبها له فأخفضت صوتها وقالت بهدوء شديد يجذبه :
- يا حبيبى عارفة بس باباك هو اللى مسئول وأنت دراعه اليمين فى الشغل ومش بيرفضلك طلب ، ممكن بقى تكلمه فى الموضوع ده علشانى !
أضعفت قوته بتلك الكلمات الممزوجة بالدلال فابتسم لها قائلًا :
- حاضر يا هدير هكلمه علشان خاطرك ، يلا بقى أوصلك

***

«جاسر أمجد الخياط» ، الابن الوحيد لرجل الأعمال «أمجد الخياط» ، توفت والدته بمرض السرطان وتولى والده تربيته حيث قام بتربيته على شدة الطباع والعمل الجاد ، ابن خالة «نيران ، رماح ، نرد» لكنه بعيدًا كل البعد عن عائلة والدته خاصة بعد وفاة والدته

***

عاد إلى منزله مرهقًا بشدة بسبب يومه الطويل وما إن وصل حتى فوجئ بوجود «نرد» التى كانت تلعب مع كلبه بحديقة الفيلا فاقترب منها برفق حتى وصل إليها وردد :
- نرد !! بتعملى ايه هنا
تركت الكلب يرحل والتفتت إليه لتواجهه قائلة :
- بتعملى ايه هنا ؟ طيب قل لى ازيك عاملة ايه تشربى ايه ليكى وحشة يا بنت خالتى
ابتسم مجاملًا قبل أن يقول :
- معلش أصل جاى تعبان من الشغل ، طمنينى عاملة ايه ؟
رفعت كتفيها لتجيبه قائلة :
- الحمدلله بخير ، ايه محدش بيشوفك ليه
تحرك وجلس على المقعد لكى يريح ظهره وهو يقول :
- معلش غصب عنى انشغلت وأنتِ عارفة أنا اللى ماسك الشغل كله وبابا رامى الحمل كله عليا
ابتسمت بمكر وهى تضيف :
- سمعت إنك خطبت أو ارتبطت
رفع إحدى حاجبيه بتعجب والتفت نصف التفاتة وأردف :
- مين اللى قال الكلام الفارغ ده ؟ أنا مش فاضى لارتباط ولا خطوبة
نظرت إليه بنصف عين وهى تضغط على أسنانها بقوة :
- كلام فارغ ! اه طيب ياابن خالتي

***

حان وقت الاستراحة لجميع موظفي الشركة ، منهم من توجه إلى الكافيتريا ليتناول وجبة خفيفة مع كوب من الشاي أو فنجان من القهوة ومنهم من بقى مكانه لينهى عمله الذى لم ينته ، أُضِيء هذا المصباح الصغير باللون الأحمر مع جرس خفيف فنظر إليها «نائل» متعجبًا وهو يقول :
- عم وحيد اللمبة دى بتنور وبتطلع صوت
أسرع إليها وضغط على زر أسفلها وردد :
- أيوة يا ست ياسمين تؤمري بحاجة
ظهر صوت ياسمين التي لم تترك مكتبها منذ الصباح :
- عايزة ليمون يا عم وحيد وياريت اللي يجيبه ناهل
- حاضر يا بنتى
ثم ترك الزر مرة أخرى ونظر إلى «نائل» وقد كتم ضحكاته فوضع هو يديه على رأسه وردد بقلق :
- عايزة ايه من نائل !! كدا الحكاية وضحت .. عايزة ليمون علشان متعصبة وعايزة تهدا وبالمرة تهزقنى شوية وبكدا الليمون وأنا نبقى عامل تهدئة ليها .. واضحة زى الشمس وبعدين ناهل ايه بس
لم يستطع كتم ضحكه لأكثر من ذلك وانفجر ضاحكًا قبل أن يربت على كتفه بحنو قائلًا :
- ياابنى ياسمين طيبة جدا ، ماأظنش إنها عايزة تهزقك .. يلا اعمل الليمون وروحلها ، يلا خايف كدا ليه
تركه وتوجه ليقوم بتجهيز طلبها وهو يدعى الله بأن تمر تلك المقابلة بينهما على خير ، انتهى أخيرًا من تجهيز كوب الليمون الخاص بها واتجه إلى مكتبها بخطوات متمهلة وقلقة ، وصل إلى المكتب وطرق الباب فصاحت من الداخل :
- ادخل
فتح الباب بحذر شديد ثم تقدم إلى الداخل وقام بوضع الكوب أمامها مباشرة وهو يقول :
- الليمون يا أنسة ياسمين
ثم أدار وجهه مستعدًا للرحيل قبل أن تتحدث لكنها أوقفته على الفور قائلة :
- استنى
أغلق عينيه وعلم أنها ستفرغ شحنة غضبها فيه ، التفت بحذر وهو يقول :
- أيوة يا أنسة ياسمين في حاجة تانية ؟
رمقته بغضب ثم رجعت لتستند بظهرها على مقعدها بأريحية وأردفت :
- أنا قلتلك أمشى ؟
هز رأسه بالنفي ليجيبها قائلًا :
- لا ، آسف ماكنتش أقصد و ..
تأففت بضجر ثم رفعت يدها فى الهواء وهي تشير إليه بالصمت ثم قالت :
- ششش بس خلاص ماتحكيليش قصة حياتك ، خد دول مبلغ ".." نص مرتبك علشان عم وحيد بلغنى إنك محتاج الشغل علشان محتاج فلوس وكدا
مد يده ليأخذ المظروف من يدها وهو يقول مبتسمًا :
- تسلمى يا ست ياسمين والله
أشارت إليه ليصمت وتابعت :
- ده بعيد عن الخزنة علشان هي مقفولة بس هيتخصم من مرتبك فى نهاية الشهر
أومأ رأسه ثم تراجع بظهره وهو يقول :
- الله يكرمك ، تؤمرينى بحاجة تانية ؟
هزت رأسها بالنفى ثم نظرت إلى المستندات الموضوعة أمامها ورددت :
- لا ، اتفضل على شغلك

عاد إلى الكافيتريا مرة أخرى وعلى وجهه ابتسامة رضا وسعادة فاتجه إليه عم «وحيد» ليطمئن منه على الوضع وماحدث معه فى الداخل فلاحظ تلك السعادة الغامرة التي هو بها فهتف متسائلًا :
- ها ياابنى طمنى قالتلك ايه؟
أجابه بابتسامة :
- اديتنى نص المرتب ياعم وحيد ، لا فعلًا عندك حق .. هى اينعم عصبية شوية بس قلبها طيب ، ياااه الفلوس دي جت في وقتها والله
ربت على كتفيه بحب وردد بابتسامة :
- الحمدلله ، مش قلتلك ربنا كريم وهيفرجها .. يلا تعالي ساعدنى بقى فى الطلبات علشان ده وقت البريك وكلهم هنا
أومأ رأسه بالإيجاب واتجه ليساعده بحماس شديد فهو في الصباح كان في أشد الحاجة إلى المال والآن استجاب الله لدعائه ورزقه من حيث لا يحتسب

نظرت «مايا» إليه وتابعته بنظراتها ثم نظرت إلى صديقتها «سمر»
وأردفت :
- صاحبنا خام خالص ، مالهوش في أي حاجة
نظرت إلى حيث يوجد هو وأكدت على حديث رفيقتها :
- فعلًا باين عليه ، بيقول لأي حد يا فندم .. بقوله عايزة شاي راح قايلى تحت أمرك
ضحكت الاثنان معًا فاقترب منهما «جاسر» ورمقهما بتعجب وهو يقول متسائلًا :
- ايه مالكم من ساعة ما قعدتوا وأنتوا مابطلتوش ضحك ، ضحكونى معاكوا
أشارت «مايا» باتجاه «نائل» وأردفت :
- صاحبك الجديد قطة مغمضة
نظر إلى حيث تشير فوجده يعد ما يريدون من مشروبات ساخنة أو غيرها من المشروبات فنظر إليها وهو يقول بعدم رضا :
- شكله محترم وابن ناس ومش هتعرفوا تجيبوا سكة معاه ده لو بتفكروا يعنى
رمقته «مايا» بتحدى وقالت بثقة كبيرة :
- أسبوع واحد وهيقع ، والقط المغمض هيبقى مز مفتح وهفكركم

***

سار فى الرواق الطويل المؤدى إلى مكتب اللواء «كامل» وما إن وصل حتي طرق على الباب بخفة ثم دلف إلى الداخل وهو يقول :
- تمام يا فندم القوة جاهزة ومستنيين إشارة من سعادتك علشان نتحرك
نهض اللواء «كامل» من مكانه وتحرك إلى أن وقف مقابلًا له وردد بجدية شديدة :
- زين المهمة دى لازم تنجح ، لازم تقبض عليهم متلبسين من غير غلطة نهائى لأنك لو ماقبضتش عليهم متلبسين القضية هتضيع وهيبقى مالهاش لازمة نهائى ده غير إننا مش هنعرف هيخططوا للتسليم تانى امتى لأنهم هياخدوا حظرهم مننا
أومأ رأسه بالإيجاب ليقول بجدية :
- ماتقلقش سعادتك .. هنمسكهم متلبسين وقت التسليم
ربت على كتفه كنوع من التشجيع وأردف :
- تمام يا زين ، ربنا معاكوا يا أبطال
يتبع..


رواية كن ملاكي الفصل الخامس بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


ظل منتظرًا على بعد مسافة ليست بعيدة من "مرآب السيارات" وهمس للنقيب «طارق» وهو يُعيد شرح خطته لمرة أخيرة قبل تنفيذ هجومهم على ذلك المرآب وإلقاء القبض على تجار المخدرات أثناء تسليمهم للشحنة في هذا المكان الذي اعتقدوا أنه آمن وبعيد عن أنظار الشرطة
- طارق ركز معايا ، بنسبة تسعين فى المية هم اخترقوا كاميرات المراقبة فى الجراچ علشان محدش يبلغنا بس احنا عينينا في كل مكان ، هنفضل في مكانا لغاية ما أنا اديك الإشارة مفهوم ؟
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يقول بجدية مستعدًا لتنفيذ تلك المهمة الصعبة :
- تمام سعادتك ، القوة كلها مستنية إشارة منك بس سعادتك هتعرف إنهم بيسلموا ازاى البضاعة ؟
ابتسم «زين» بمكر وردد :
- مش شغلك يا طارق ، ركز على المهمة وسيب عليا أنا الكلام ده
- تمام يا باشا
لم يرغب في سرد خطته السرية على أحد ، ليست قلة ثقة بجنوده بل حرصًا شديدًا على نجاح تلك المهمة وعدم تعرضها للفشل لأي سبب كان فهو دائمًا ما كان حريصًا على عدم فشل المهام المكلف بها وهذا ما أثبت كفاءته كرجل شرطة وأسرع من ترقيته لرتبة رائد
قام بفتح هذا التطبيق الخاص على هاتفه وضغط عدة ضغطات ليظهر المرآب بالكامل ومن فيه فهو حرص على زرع كاميرا خفية منذ يومين في المكان كي يتحكم بها هو عن طريق هاتفه ويرى المكان ، انتظر حتى حضرت سيارة وتبعتها سيارة اخرى ، خرج الرجال من السيارة الأولى وكذلك الثانية وكل منهم ينظر للآخر حتي أشار قائد كل منهم على تبادل الحقائب فكان مع أحدهم حقيبة مليئة بالمال والآخر كان معه حقيبة مليئة بالمخدرات

فى تلك اللحظة أشار «زين» إلى رجاله وحاصروه بالكامل ، دلف إلى المرآب وأطلق رصاصة فى الهواء وأردف بنبرة حادة :
- اللى هيتحرك هضرب ، المكان كله متلغم شرطة .. يعنى أي حركة مش فى صالحكم
ترك الجميع أسلحتهم ورفعوا يدهم عاليا ليعلنوا استسلامهم فأشار إلى رجال الشرطة بالتقدم وإلقاء القبض عليهم بينما تقدم هو ليفتح تلك الحقائب فوجد الحقيبة الأولى مليئة بالمال الذى وقع منها بسبب كثرته عندما فتحها ، تقدم ليفتح الحقيبة الثانية فوجدها مليئة بأشرطة المخدرات المعروفة بـ "ترامادول" ، وقف وعلى وجهه ابتسامة نصر وردد :
- ما شاء الله ، كل ده ؟ واكلينها والعة يا ولاد ال***
أشار لبقية رجال الشرطة كي يقوموا بحمل تلك الحقائب فهو الآن قد نجح فى إحباط عملية تهريب جديدة ، تنفس بأريحية وردد بهدوء :
- الحمدلله ، ربنا عداها على خير

***

فاقت من نومها وتحسست السرير جوارها فلم تجد «طيف» مما جعلها تنهض من مكانها ، بحثت عنه لكنها لم تجده فبدلت ثيابها وقررت النزول إلى الأسفل بحثًا عنه ، بالفعل استقلت المصعد ووصلت إلى الاستقبال فى الأسفل ، ظلت تبحث عنه بعينيها إلى أن وجدته يجلس على مقعد ويبدو أنه يفكر فى شيء ما فاقتربت منه وما إن وصلت إليه حتى هتفت وهى تجلس جواره :
- طيف !! طيف ؟
انتبه لوجودها فنطق بتلعثم :
- هاا .. نيران ؟ ايه اللى صحاكى
لوت ثغرها وهى تنظر إليه بتعجب قائلة :
- أنت ايه اللى نزلك ؟
نظر إلى «يوسف» وأشار برأسه عليه مما جعلها تنظر إلى حيث يشير ، أردف بابتسامة :
- كنت براقب عمنا ده ووقعته فى الصنارة
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم وهزت رأسها متسائلة :
- ازاى يعنى مش فاهمة
اعتدل فى جلسته وبدأ في سرد ما حدث عليها :
- نزلت علشان أراقبه واتصادفت بيه فعملت إنى بستخدم الموبايل وحطيته قدامه وأنا فاتح رسالة مازن بس ماأخدش باله وهوب لقيت مازن بيتصل وصورته نورت الشاشة ، عمك غارم أو يوسف شاف الصورة من هنا ووشه قلب مية لون من هنا لدرجة إنه لسة مااتحركش من مكانه وكل شوية يلف يبصلى بس أنا عامل نفسى من باريس
- بنها يا طيف
ابتسم وهو يداعب وجنتيها قائلًا :
- مش هتفرق يا قلبى المهم مسألتيش يعنى عملت كدا ليه
رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تقول :
- عملت كدا ليه ؟
ابتسم وهو يرمقه بتوعد قائلًا :
- هو كدا زمانه مرعوب ، بيتمنى شهر العسل يخلص فى يوم علشان نمشى من هنا خصوصًا بعد ما عرف إنى ظابط ، الحكاية دى هتلخبطه خالص وهتوتره وبكدا يبقى نجحت أكسر سور الحماية بتاعه ودى أول خطوة ، تانى خطوة بقى هتيجى لوحدها وهفكرك
نظرت إليه ببسمة ممزوجة بالإعجاب وأردفت :
- يعجبنى فيك ذكائك اللى مفيش زيه ده
رفع كتفيه بفخر وهو يرجع إلى الخلف قائلًا :
- يا حبيبتى أهم سلاح هو التفكير ، على رأي المثل يا شايل مسدس وجاى تقتلنى بتفكيرى هبعدك عنى
رمقته بتعجب قبل أن تعترض على هذا المثل قائلة :
- ايه ده !! مثل من أمثالك تانى ؟
- طبعا يا نونى ده فيه مثل مهم بيقول يا شايل الأمثال يا شايل اللى أغلى من المال
نهضت من مكانها مستعدة للرحيل وأردفت :
- طيف بليز كفاية أمثالك دى ويلا نطلع ننام

***

خرجت من مكتبها متآخرًا على غير عادتها فهي رفضت الرحيل حتي تنهي عملها ، رحل الجميع وبقي هو فقط ليقوم بتنظيف أرضية الشركة كما أخبرته «ياسمين» وبالفعل كان مُنهمكًا في العمل حين خرجت هي من مكتبها ففوجئت به يقوم بتنظيف الأرضية بإتقان فدنت منه وهي تقول بتساؤل :
- هو مفيش غيرك ولا ايه
اعتدل وقام بمسح العرق من على جبينه ثم أجابها وهو يهز رأسه بالإيجاب :
- أيوة كله مشي
نظرت إلى الأرض فوجدتها بيضاء تمامًا فهو يُتقن العمل بشكل ملحوظ وهذا ما جعله متآخرًا إلى هذا الوقت ، رفعت رأسها ورمقته بتعجب ثم أردفت :
- الله ينور ، خلص وروح
ابتسم وهو يقوم بهز رأسه بالإيجاب وأردف :
- تمام يا أنسة ياسمين ، اتفضلي أنتِ وأنا هخلص اللي باقي وهروح

رحلت على الفور وفي رأسها يدور الكثير والكثير فهي لم تتخيل يومًا بأن هناك من يحتاج إلى المال بهذا الشكل لدرجه جعلته يقبل بأي عمل يُكلف به كما تعجبت من إتقانه الشديد في عمله فلا يوجد الآن من يتقن العمل بهذا الشكل ، ركبت سيارتها وزفرت بضيق فهي تشعر بالملل بشدة .. رغبت لو كان «يوسف» بجوارها الآن كي يخفف عنها هذا الملل قليلًا لكنه الآن بعمل خارج القاهرة ولن يعود قبل يومين ، تأففت بضجر ثم وجهت الأمر إلى السائق قائلة :
- اطلع على الفيلا

***

ارتدت أجمل فستان تملكه فكانت ألوانه هادئة ويغطي جسدها بالكامل وبه ذيل ليس بطويل أضاف لمسة جمالية عليه ، تحسست شعرها الطويل الناعم ونظرت إلى نفسها بالمرآة بابتسامة وفي تلك اللحظة سمعت طرقات على الباب فهتفت وهي مازالت مسلطة نظرها على تلك المرآة :
- ادخلي يا ماما
دلفت الأم «هيام» ورمقت ابنتها بإعجاب شديد وهي تقول بسعادة غامرة :
- ايه القمر والجمال ده ، طول عمرك أميرة يا آسيا
التفتت إليها ورمقتها ثم رمقت الفستان ورددت بتساؤل :
- بجد يا ماما شكلي حلو ! والفستان حلو عليا
ابتسمت لها وهي تدنو منها وأمسكت بكتفيها وهي تُبدى رأيها بإعجاب شديد :
- قمر يا حبيبة قلبي والفستان روعة عليكي ، أنا واثقة إنك هتاكلي عقل حسام النهاردة وهيقع
- يارب يا ماما .. أنا خايفة أوى
ربتت على كتفها بحنو وقالت بهدوء كي تبث الطمأنينة في قلبها :
- متخافيش يا حبيبتي ، يلا روحي علشان متتأخريش

***

وقف اللواء «كامل» وأسرع إلى «زين» ثم ربت بقوة علي كتفه وهو يقول بسعادة :
- عاش يا بطل ، اللي عملته النهاردة ده ماكانش سهل وتخطيطك جاب نتيجة ، برافو عليك
ابتسم «زين» وردد بسعادة :
- كلها أوامرك يا باشا وبعدين أنا تربيتك
خبط على كتفه مرة أخرى ثم عاد ليجلس علي كرسيه مرة أخرى وردد بجدية بعدما زالت تلك الابتسامة :
- اسمع يا زين ، العيال دي أكيد شغالين مع حد ومهمتك الجاية إنك تخليهم يتكلموا ويقولوا مين بيساعدهم وبيساندهم في تهريب المخدرات والأهم من كدا مين اللى بيدخلها أصلا مصر مفهوم ؟
أومأ رأسه وردد بجدية شديدة :
- تمام يا فندم اعتبرهم اتكلموا والقضية اتقفلت كمان
عادت الابتسامة إلى وجهه مرة أخرى وردد برضا :
- وأنا واثق من ده يا زين ، ودلوقتى اتفضل روح استريح وبكرا ابدأ اللى اتفقنا عليه
- تمام سعادتك

***

مر يومان لم يحدث خلالهما الكثير وفى اليوم الثالث فوجئ غيث بطرقات على باب مكتبه فهتف قائلًا :
- ادخل
دلف اللواء أيمن إلى المكتب فنهض «غيث» مسرعا من مكانه متجهًا إليه وهو يقول بتوتر واضح :
- سيادة اللواء بنفسه ؟ ايه المفاجأة دى
صافحه مصافحة حارة وأتت «ليان» صدفة ففوجئت بوجوده قائلة :
- أيمن باشا ، سعادتك نورت المطعم والله
جلس أولا ثم أشار إليهما بالجلوس فنفذا على الفور ، بدل نظراته بينهما ثم أردف :
- رماح بلغنى إنكم رافضين وده حقكم ، بس أنا هقول ليكم كلمتين وبعدها هسيبكم على راحتكم وصدقونى قراركم مش هيزعلنى
صمت قليلًا ثم استطرد قائلًا :
- أنت يا غيث ، لو كنت اتدربت على ايد حد تانى غير ليان ..ساعتها كنت هتعمل ايه ومصيرك كان هيبقى ازاى ! هقولك أنا .. كنت هتبقى فرد فى مافيا عالمية وكنت هتقبل شروطهم فى النهاية لأن دى حياتك وهم هيهددوك بيها فبالتالى كنت هتعيش بقية عمرك شغال معاهم ونهايتك هتبقى يا إما القتل فى عملية من العمليات يا إما على ايديهم
ثم وجه نظره إلى ليان وتابع :
- وأنتِ يا ليان ، لو ماكانش غيث هو اللى دربتيه ووقعتى فى حبه كان زمانك لسة شغالة معاهم وماكنتيش حسيتِ بحلاوة الحياه اللى أنتِ عايشاها دلوقتى وكانت نهايتك نفس نهايته ، خلاصة الكلام هو إنكم كنتوا هتعيشوا أسوأ أيام حياتكم فى المنظمة دى وماكنتوش هتعرفوا معنى الحياة بجد ، اعتبروا نفسكم لسة فى المنظمة بس اتضاف عليهم حاجتين مهمين الحاجة الأولى إن اللى هتشتغلوا عندها هى بلدكم والحاجة التانية هى إنكم هتعيشوا حياتكم طبيعى وهتبقوا جنب بعض ، أنا شايف إن التدريب اللى عندكم ده بلدكم أولى بيه ده غير لاقدر الله حد حصله حاجة هيموت بطل واسمه هيفضل محفوظ لآخر العمر ، أنا خلصت كلامى .. القرار يرجع ليكم وزى ما قلت مش هزعل نهائى

ثم هب واقفًا مستعدًا للرحيل فنظر «غيث» إلى ليان ثم وجه بصره إلى اللواء أيمن الذى كاد يفتح الباب وهتف على الفور :
- أنا موافق سعادتك
التفت اللواء أيمن ثم نظر إلى «ليان» التى رددت مبتسمة هى الأخرى :
- وأنا كمان موافقة
ابتسم اللواء أيمن بسعادة وردد بثقة :
- أنا كنت حاسس ، هما دول رجالتى ..

***

وصلت أخيرًا إلى المطعم الذي أبلغها به «حسام» وبحثت بعينيها يمينًا ويسارًا حتي وجدته يشير إليها بابتسامته التي طالما عشقتها وأحبت أن تراها ، تقدمت واقتربت منه فوقف هو وسحب يدها ليقبلها كتعبير منه على الرومانسية فانفرجت شفتاها بابتسامة سعيدة وشعرت بأن الكون من حولها اختفى وبقي هو فقط فهي طالما حلمت بتلك اللحظة ، أشار إليها أن تجلس ثم أشار إلى النادل الذي حضر على الفور وتلقي طلباتهما للعشاء وما إن انتهى من التدوين حتى رحل ، رمقها بنظرات مجهولة ثم أسرع وأردف :
- تعرفي إنك قمر أوي
ابتسمت بخجل وحاولت التهرب من نظراته المباشرة فغير هو مجرى الحديث وظهرت الجدية على وجهه وهو يقول :
- مش عايزك تزعلي مني يا آسيا ، أنا بعد موت ماما الله يرحمها عزلت نفسي عن الناس كلها وكنت وحيد أو بمعنى أصح كانت عايز أفضل لوحدي أكتر فترة ممكنة ، ودلوقتى أنا اتحسنت الحمدلله ورجعت تاني حسام بتاع زمان وعلشان أثبتلك ده أنا هاجي أطلب ايدك من والدك يوم الخميس الجاي
رفعت بصرها وحملقت به بعدم تصديق ، حاولت التحدث لكنها عجزت عن الكلام ولُجم لسانها فردد هو :
- قلتِ ايه يا آسيا ؟تقبلي تتجوزيني ؟
أخيرًا استطاعت إطلاق كلماتها ومشاعرها التي كبحتها لسنوات وأردفت بحب :
- طبعًا موافقة يا حسام ، أنا مش مصدقة إني عايشة حقيقة ومش بحلم
ابتسم ثم مد يده وأطبق على كفها بحب وردد :
- لا يا حبيبتي أنتِ مش بتحلمي وعايزك تعرفي والدك إني هاجي أطلب ايدك يوم الخميس وحددي معاه ميعاد
هزت رأسها عدة مرات ثم سحبت يدها باستحياء وهي تردد :
- حاضر يا حسام ، بس عايزة أعرف ايه اللي غير رأيك بسرعة كدا
ابتسم ابتسامة خبيثة يواري خلفها مُخططه الخبيث وأردف :
- العمر بيجري يا حبيبتي واقتنعت إن الحي أبقى من الميت ولازم الإنسان يكمل حياته ويعيشها علشان كدا قررت أعيشها معاكي يا آسيا ..

***

منذ ما حدث في آخر لقاء بينهما وهو يتجنبه ولاحظ «طيف» هذا الأمر مما جعله سعيدًا بنجاح خطته ... قاطعت تفكيره وأردفت بتساؤل :
- ايه يا طوفي مش هنكمل الاتفاق ولا ايه.. أنت كتبتلي طريقة عمل محشي ورق العنب وجه الدور إني أعلمك حركة من حركاتي ولا وصفة المحشي لله وللوطن بدون مقابل ؟
فاق من شروده ووقف على الفور وهو يقول بابتسامة وحماس :
- لا طبعا أنا عندي خد وهات ولا عايزة تاكلي حقي يابنت السلاموني
وقفت ورفعت كلتا كفيها في الهواء وهي تدافع عن نفسها قائلة :
- لا أبدا هو أنا وش كدا برضه يا طيف ؟ اخص عليك
ابتسم ومد يده ليداعب خصلات شعرها وقبل أن يتحدث أمسكت بيده وقامت بلفها ثم بحركة سريعة صعدت على كتفه وركلته بقوة في وجهه وقفزت مبتعدة عنه لتتركه يسقط متألما وهو يقول :
- ااااااه .. يا بنت الايه ، اااه يا وشي .. بتغفليني يا نيران ؟ أمين .. أمين يا بتاعة القطط وربنا لآخد حقي
مدت يدها لتساعده على الوقوف وهي تحاول كتم ضحكاتها التي ارتفعت وأردفت :
- يالهوي هموت من الضحك .. دي الحركة الجديدة اللي هعلمهالك
ابتسم بخبث وهو يمد يده قائلًا :
- الحركة الجديدة ؟ ماشي
وما إن أمسكت بيده حتى حاول سحبها ليوقعها بجواره لكنها تلاشت ذلك ورفعت قدمها وركلته بقوة في وجهه فوقع مرة أخرى على الأرض ولكن تلك المرة خرجت الدماء من فمه فأثارت رعبها وهرولت تجاهه لتطمئن عليه :
- طيف أنت كويس !! أنا آسفة والله اندمجت
أمسك وجهه وتألم بصوت مرتفع ثم وضع يده على فمه وأبعدها لينصدم بالدماء فنظر إليها بضيق وهو يقول :
- اندمجتِ ؟ اندمجتِ ايه يا نيران أنتِ بوظتيلي وشي خالص حرام عليكي .. لو حد شافني كدا يقول مراته بتتدرب ملاكمة عليه فوق ولا يقول ايه ؟
تركته وأحضرت المناديل الورقية ثم اقتربت منه مرة أخرى وأخذت تجفف تلك الدماء وهي تقول بأسف :
- معلش لازم قبل ما أعلمك أجرب فيك الحركة علشان تعرف هي بتوجع ازاي وبتسبب ايه وكدا ولما حاولت توقعني ماأخدتش بالي وكملت عليك
وضع يده على رأسه مرة أخرى وهتف بتألم :
- ااااه يا دماغي .. بتضربي بافتراء ده لو هتجربي كل الحركات اللي هتعلميهالي عليا يبقى الله يرحمني ، اهدي يا حبيبتي أنا مش ادك
سارت بيدها على وجهه بحب وقالت بابتسامة هادئة :
- يا حبيبي مش هتتكرر تاني .. لسة بتوجعك ؟
قبض على يدها بحب ثم تلاقت عينيه بعينيها وأردف :
- أنا ماليش في شغل السيكو موني والمحن الضايع ده بس ايدك كأنها مسكن أول ما لمستِ وشي ماحسيتش بالوجع وبعدين على رأى المثل ضرب الحبيب زي أكل الزبيب
لم ترد وظلت مسلطة نظرها عليه لأكثر من دقيقة فسألها سؤاله المعتاد والذي يعرف إجابته لكنه يعشق تلك الإجابة :
- بتبصيلي كدا ليه
رفعت كلتا يديها وحاوطت وجهه وهي تجاوب الإجابة التي لم يتوقعها :
- تعرف إنك فيك شبه كبير من القطة بتاعتي..
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السادس بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


ضرب المكتب بيده بغضب شديد ثم أمسك بهاتفه وضغط عدة ضغطات على شاشته ، ثم رفع الهاتف على أذنه وانتظر الرد

على الجانب الآخر كان يجاورها في غرفتهما بالفندق حينما أضيئت شاشة هاتفه برنين فالتقطه ونظر إليه بتردد قبل أن يأخذ قراره ويرد أخيرًا :
- أيوة يا بابا
أتاه صوت والده «محمد» الغاضب والذي اخترق أذنه :
- أيوة يا بابا !! يا روقانك يا أخي ، سيبتلي الجمل بما حمل وسافرت مع الصيع أصحابك
لم يتأثر بكلماته بل ردد بكل هدوء :
- يا بابا أنا من حقي أخرج وأتفسح وأعيش حياتي شوية مش أتسجن فى الشغل ليل نهار
أتاه الرد بنفس النبرة الغاضبة :
- اه أنت تخرج وتتفسح واللي ما تتسمي خطيبتك دي تاخد كل حاجة مننا وتبوظ علينا الصفقة
اعتدل «يوسف» بعدما انتبه لحديث والده والذي ذكر خطيبته ، ضيق عينيه وهو يقول متسائلًا :
- ياسمين !! عملت ايه يا بابا ؟
- الهانم اتفقت مع شركة "GW" وخطفت مننا صفقة أدوات التجميل الجديدة وبنفس السعر اللي كنا محددينه كمان ، أنا كنت أخدت منهم كلمة امبارح إننا نقعد ونمضي العقود بس فوجئت باعتذارهم النهاردة وإنهم مضوا مع شركة الجيار

ضغط على شفتيه بغضب وهو يتوعد لتلك الحقيرة كما يُطلق عليها هو ثم هز رأسه وهو يقول بجدية :
- تمام يا بابا أنا نازل بكرا القاهرة واعتبرها آخر صفقة هتروح منك وأنا هوريك هعمل فيها ايه بنت الجيار ، إن ما خليت الشركة دي تفلس وأرميها فى الشارع ماأبقاش أنا يوسف محمد الهواري

***

مر على تلك الصيدلية قبل عودته إلى منزله ، دلف إلى الداخل وألقى السلام فقام «هاني» برد السلام وهنا مد «نائل» يده بالنقود وهو يقول بابتسامة :
- اتفضل يا دكتور ده تمن العلاج اللى أخدته
نظر إليه بعتاب ودفع يده بخفة وهو يقول :
- ايه ده يا نائل قلتلك والدتك هي والدتي وخلي الفلوس أنا مش محتاجها دلوقتى خالص ، لما ربنا يفرجها عليك ابقى هاتها
ابتسم بلطف وهو يمد يده بالنقود مرة أخرى وأردف :
- الحمدلله ربنا فرجها ولقيت شغل وأخدت نص المرتب النهارده الحمدلله ومعايا فلوس ، اتفضل يا دكتور .. تسلم
مد يده وأخذ النقود من يده ثم ردد بابتسامة :
- طيب يا نائل ربنا يرزقنا ويرزقك يارب
- يارب

مر على تاجر الفاكهة وقام بشراء القليل من الفاكهة لأمه ولشقيقته الصغرى وهو يتخيل هذا اللقاء الحافل فهم لم يتذوقوا طعم الفاكهة منذ وقت طويل ، حمل الفاكهة وتوجه إلى المنزل وبعد عدة طرقات على الباب فتحت له شقيقته الباب لتتفاجأ بحقيبة الفاكهة التي بيده فصاحت بسعادة :
- ايه ده يا نائل ! موز ؟ الله
قفزت بسعادة فضمها إلى صدره بحب وأردف :
- ذاكرتِ؟
أومأت رأسها بالإيجاب وهي تقول مبتسمة وقلبها يرقص فرحًا :
- أيوة ذاكرت وعملت الواجب المطلوب مني كمان وخلصت الأكل واديت لماما العلاج
مسح بيده على رأسها بحب ثم ردد :
- برافو عليكي يا يويو
تركته وتراجعت للتجه للمطبخ وهي تقول :
- هحضرلك الأكل حالا
هز رأسه بابتسامة ثم اتجه لغرفة والدته فوجدها نائمة ولكن الغطاء ليس عليها بالكامل ، تقدم وقام برفع الغطاء ليغطي كل جسدها ويقوم بتدفئتها ففتحت عينيها ونظرت إليه بشوق قائلة :
- نائل حبيبي أنت جيت امتى من الشغل ؟
ابتسم وهو يجلس على طرف السرير بجوارها ثم أجابها :
- لسة جاي دلوقتي يا أمى ، كويس إنك صحيتي

نهض وسحب حقيبة الفاكهة التي قام بإحضارها ثم قام بتقشير تلك "الموزة" إلى والدته ومد يده بها إليها وهو يقول :
- خدي يا ماما ، أنا عارف إنك بتحبي الموز .. أنا أخدت نص المرتب النهاردة الحمدلله ، ربنا رزقني
تناولت منه ثمرة الفاكهة وقطمت منها قبل أن تربت على كتفه بحنو شديد وتقول :
- الحمدلله ، قلتلك ربنا هيفرجها .. ربنا يسعدك ياابنى وأشوفك فرحان على طول ، ربنا يرزقك من نعيمه
خفض رأسه ليقبل يديها وفي تلك اللحظة حضرت شقيقته الصغرى «يارا» وأردفت :
- أنا جهزتلك الأكل في أوضتك يا نائل
رفع رأسه ثم قام بسحب ثمرة ومد يده بها لشقيقته وهو يقول :
- خدي يا يويو ، تعالي كلي الموز ده كله

نظرت إليه والدته وأشارت إليه وهي تقول :
- طب خدلك اتنين أو تلاتة كلهم بعد الأكل
نهض عن جلسته ثم رمقها بابتسامة وتراجع وهو يقول برضا :
- أنا جايبهم علشانكم وماليش نفس ، المهم عندي تاكلوا أنتوا وتشبعوا
ثم رحل على الفور ، على الرغم من رغبته الشديدة في ثمار الفاكهة إلا أنه رفض تناولها حتى يتركها كلها لوالدته وشقيقته فهو قد شبع من تلك الفاكهة برؤيته لهن في تلك السعادة وهم يتناولونها

***

ظلت مسلطة نظرها عليه لأكثر من دقيقة فسألها سؤاله المعتاد والذي يعرف إجابته لكنه يعشق تلك الإجابة :
- بتبصيلي كدا ليه
رفعت كلتا يديها وحاوطت وجهه وهي تجاوب الإجابة التي لم يتوقعها :
- تعرف إنك فيك شبه كبير من القطة بتاعتي
قطب جبينه بدهشة من ردها وأردف بتلقائية :
- شبه القطة بتاعتك ؟ ده اللي ربنا قدرك عليه !
ضحكت من رد فعله وأمسكت بوجنتيه وأخذت تداعبهما وهي تقول :
- يااختشي كميلة أنتِ بتتقمصي
أبعد يدها عنه بخفة ووقف وهو يقول باعتراض :
- ايه يا نيران أنتِ بتلاعبي ابن أختك مالك النهارده هو بابا سلطك عليا ولا ايه
وقفت هي الأخرى وحاوطت عنقه بيديها لتخفف ضيقه وقالت بحب :
- بقى برضه أنا أقدر أزعلك ! ده أنت حبيبي وقلبي وكل حياتي ده أنت حتى الدكتور بتاعي وأنا المريضة اللي مجنونة بحبك
ابتسم رغمًا عنه بعدما أثرت فيه كلماتها فقرب رأسه منها وطبع قبلة على شفتيها ثم أبعد رأسه وقال :
- هو انا برضه ينفع أزعل من حبيبة قلبي وروحي نيران ! اعتبري وشي ساحة تدريب واتدربي ملاكمة عليه
قبل أن ترد على كلامه سمعا طرقات على باب الغرفة فابتعد عنها كي يفتح الباب ويعرف من الطارق وما إن فتحه حتى فوجئ ب «غارم» أمامه وبجواره النادل الذي كان مُمسكًا بعربة صغيرة موضوع عليها أنواع مختلفة من الطعام والشراب ، ابتسم بلطف وهو يقول :
- ياريت ماكنتش أزعجتك يا طيف باشا
رسم «طيف» ابتسامة مصطنعة وهو يهز رأسه قائلًا :
- لا أبدا يا يوسف بس فهمني ايه ده
أشار إلى الطعام وأجابه :
- دي هدية بسيطة من الفندق للعرسان الجداد .. عشاء مطبوخ مخصوص علشانكم ، بالهنا والشفا
نظر إلى الطعام ثم رفع رأسه وأردف :
- ماكانش له لزوم التعب ده والله
تقدم «غارم» خطوتين وربت على كتفه قائلًا :
- تعب ايه يا راجل ، يلا أسيبك أنا
ثم أشار إلى النادل الذي توجه بالطعام إلى داخل الغرفة ثم عاد إلى الخارج مرة أخرى ورحل بصحبته ، نظر طيف إلى الطعام وصمت لبعض الوقت فتحدثت «نيران» قائلة :
- غريبة يعني ! جايب العشاء لغاية هنا بنفسه
- يا إما عامل كدا علشان يكسبني في صفه ويعرف أنا عارف عنه حاجة ولا لا يا إما الأكل ده مسموم
اتسعت حدقتيها وتقدمت خطوتين حتى أصبحت مجاورة له ورددت بصدمة :
- ايه مسموم !!

***

- معقول يا فندم قدرت تقنعهم ؟ دول كانوا رافضين المبدأ نهائي
قالها «رماح» للواء أيمن الذي ابتسم وأجابه :
- مفيش حاجة صعبة يا رماح ، أنا بس فكرتهم بحياتهم قبل كدا وقارنتها بحياتهم دلوقتي وفكرتهم هما مين ويقدروا يعملوا ايه وكنت واثق إنهم هيغيروا رأيهم ويوافقوا يشتغلوا معانا المهم دلوقتي زي ما فهمتك أنت وفاطمة مسئولين عن تدريبهم على أسلوبنا وطريقتنا علشان هنحتاج ليهم قريب أوي يعني في شهر تكون خلصت مهمتك مفهوم ؟
أومأ رأسه بالإيجاب ووقف وهو يقول :
- مفهوم سعادتك .. أنا هروح أبلغ فاطمة بالكلام ده
- تمام
رحل «رماح» ورفع اللواء «أيمن» سماعة هاتفه وانتظر قليلًا قبل أن يقول :
- عايزك دلوقتي في مكتبي يا فهد
ما هي إلا ثوانٍ حتى حضر «فهد» إلى المكتب وأدى التحية قائلًا :
- تمام سعادتك
أشار إلى المقعد المقابل له وردد :
- اقعد يا فهد
جلس «فهد» وهز رأسه متسائلًا :
- اتفضل يا فندم فيه حاجة ؟
أغلق المستند الذي كان مفتوحًا أمامه وشبك أصابعه قبل أن يرفع رأسه ويقول بجدية :
- أنت أثبت نفسك في مكانك يا فهد ومن القليلين اللي بعتمد عليهم في أي مهمة أو عملية علشان كدا قررت أضمك للمجموعة السرية بتاعتي .. أنا فهمتك كل حاجة امبارح ودلوقتي جه وقت العملية اللي عايز أكلفك بيها
- أنا جاهز لأي حاجة .. سعادتك تؤمر وأنا أنفذ
أمسك بالمستند الموضوع أمامه ومد يده به إليه قائلًا :
- الملف ده فيه كل حاجة عن طبيعة المهمة وعن الناس اللي هتعمل تحريات عنهم بس ده هيتم في سرية تامة وكل حاجة أعرفها أول بأول تمام
استلم المستند من يده وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- تمام يا فندم

***

مضي اليوم وجاء يوم جديد وكالعادة حضرت «ياسمين» إلى الشركة وقدّم لها «وحيد» القهوة الخاصة بها ثم رحل وبقت هي تتابع عملها حتى حضر «يوسف» ودلف إلى المكتب دون أن يطرق الباب فرفعت هي بصرها لتتفاجأ به :
- ايه ده يوسف ؟ أنت مش قلت الشغل هياخد يومين
ابتسم إليها بمكر ثم تقدم ليجلس على المقعد المقابل لها وردد بكذب :
- خلصت باقي الشغل امبارح وجيت على طول طالما أنتِ عايزاني
ضغطت على الزر وطلبت منهم إعداد القهوة لـ «يوسف» ثم رفعت بصرها وأردفت بابتسامة حب :
- ماكنتش تتعب نفسك وتيجى ، أنا خلاص خلصت الموضوع
- طيب الحمدلله إنك خلصتي الموضوع ، ااا..صحيح بابا كلمني الصبح وأنا جاي وكان زعلان منك جامد
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب ثم نهضت من مكانها واتجهت لتجلس على الكرسى المقابل له ورددت بتساؤل :
- زعلان مني أنا ؟ لية حصل ايه

حاول سرد ما حدث ولكن بطريقته الخاصة كي لا تشك بشيء :
- كان متفق مع شركة "GW" والمفروض كانوا يمضوا العقود امبارح لكنه اتفاجأ إنك مضيتي معاهم وده ضايقه
وضعت يدها على يده بحب ثم رددت بابتسامة محاولة إرضاءه :
- معلش يا حبيبي ماكنتش أعرف إن والدك هو اللي كان بينافسني علشان يتعاقد معاهم ، لو كنت أعرف كنت سيبتله الصفقة طبعًا
لم يعلق هو على هذا الموضوع لفترة طويلة وغير مجرى الحديث كي يستمر في خطته ضدها دون أن يثير ريبتها منه ، أطبق على يدها بحب وأردف بابتسامة :
- ولا يهمك يا حبيبتي ، احنا الاتنين واحد ونجاحك هو نجاحي
في تلك اللحظة طرق أحد الباب فهتفت لتقول بعدما سحبت يدها :
- ادخل
فتح «نائل» الباب ودلف إلى الداخل وهو يحمل فنجان القهوة لـ «يوسف» ، رفع رأسه برفق فتفاجأ به يجلس على المقعد أمامها فاتسعت عينيه وهو يرمقه قائلًا :
- أنت ؟
هنا انتبه «يوسف» له ووقف من شدة صدمته وردد بصوت منفعل :
- أنت ؟ بتهبب ايه هنا ؟

***

أنهى سرد ما أخبره به اللواء «أيمن» وختم حديثه قائلًا :
- والمطلوب مننا إننا ندربهم على طريقتنا وأسلوبنا علشان هنحتاجهم قريب
لوت ثغرها وعادت بظهرها إلى الخلف وهي تقول متسائلة :
- واللواء أيمن عايزهم ليه ؟ ما هو طالما عايزهم هما مخصوص يبقى في حاجة مهمة أو عملية جديدة بيخطط ليها
مط شفتيه قبل أن يجيبها بحيرة :
- معرفش والله بس فعلا شكل الموضوع كبير ومش عارف اللواء أيمن بيخطط لايه بالظبط بس كل اللي علينا إننا ننفذ الأوامر وبعد كدا هنفهم

على الجانب الآخر نظر «طيف» إلى الطعام ثم نظر إلى «نيران» وردد :
- أيوة زي ما بقولك ممكن يكون مسموم ، مش عارف أتصرف ازاي ولا أعمل ايه
اقترب من الطعام وأمسك بالشوكة ثم وضع قطعة من اللحم بها وقربها من فمه فصرخت «نيران» قائلة :
- أنت بتعمل ايه متاكلش منه
أبعد قطعة اللحم عن فمه وسحب رغيف من الخبز ووضع به قطعتين من اللحم ونظر إليها قائلًا :
- لو مسموم مش هيرضى يقبل مني الرغيف ده ولا ياكله
أسرعت وأجابته :
- بس لو مش مسموم هياكله وهيعرف إنك كشفته
ترك الطعام من يده وجلس يفكر في حل لتلك المعضلة فهو لا يعرف ما الذي يحدث ، أغلق عينيه وأطبق عليها بقوة لكي يستطيع التفكير بالأمر فاقتربت منه ووضعت يدها على كتفه ورددت :
- ماأظنش إنه مسموم علشان لو عايز يموتنا مش هيعمل ده في الفندق بتاعه ولو كان عايز يموتنا كان حط السم في الفطار اللي بيطلعلنا كل يوم
نظر إليها ثم نظر إلى الطعام وردد :
- فعلا عندك حق ، بس متاكليش من الأكل .. هاكل منه الأول ونستنى شوية لو ماحصلش حاجة نكمل أكل مع بعض
ودت لو كانت تمنعه عن فعل ذلك لكن ما طمأنها هو تفكيرها بالأمر واستحالة ارتكابه جريمة كتلك في الفندق الخاص به ، أومأت برأسها واقترب هو وبدأ في تناول الطعام ، تناول القليل ثم جلس ونظر إليها في صمت منتظرًا ما سيحدث وأثناء نظره إليها أمسك بطنه وتألم قليلا فلاحظت هي ما حدث فاقتربت منه ورددت بخوف وتوتر :
- أنت كويس ؟
رفع صوت تألمه وضغط بيده على بطنه وهو يقول :
- اه مش قادر .. بطني بتتقطع هموت !!

***

نظرات مشتعلة وأنفس متوهجة بينهما ، كلٍ منهم يحمل الحقد والكره بداخله للآخر ، تقدم وترك فنجان القهوة من يده ثم رجع بظهره للخلف ولم ينطق بكلمة واحدة ومازالت تلك النظرات المشتعلة بينهما

قطع هذا الصمت صوتها ، نظرت إلى كلٍ منهم بتعجب وهتفت بتساؤل :
- أنتوا تعرفوا بعض ؟
انتبه «نائل» لسؤالها وردد وهو ينظر إلى عينيه بغضب شديد :
- للأسف أيوة ، يبقى أخويا
شعرت بالصدمة واتسعت حدقتيها بعدم تصديق ، بدلت نظراتها بينهما وهي عاجزة عن الكلام حتى نطق «يوسف» بغضب ليقطع هذا الصمت :
- للأسف زي ما قال ، بس تفرق أنا ابن ناس وهو ابن خدامة
ضغط «نائل» على أسنانه بقوة وغضب شديدين ، كور يديه استعدادًا للكمه بكل قواه لكنه تراجع في الثواني الأخيرة حتى لا يفقد عمله في ثاني يوم له به فهو في أشد الحاجة لهذا العمل ولن يضيعه لأجل كره بقلبه لأخيه والذي يكون من أم ثانية
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السابع بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


ضغط «نائل» على أسنانه بقوة وغضب شديدين ، كور يديه استعدادًا للكمه بكل قواه لكنه تراجع في الثواني الأخيرة حتى لا يفقد عمله في ثاني يوم له به فهو في أشد الحاجة لهذا العمل ولن يضيعه لأجل كره بقلبه لأخيه والذي يكون من أم ثانية

نظر إلى «ياسمين» وردد بنبرة مسالمة تظهر احترامه لها كونها مديرة عمله الحالي وأردف :
- أنا هسكت علشان أنا في الشغل وفي مكتبك يا أنسة ياسمين ، تؤمرينى بحاجة تانية قبل ما أمشى؟
كادت أن تجيبه إلا أنه قاطعها بصوته الحانق الغاضب ونظراته الحادة المشتعلة وأردف :
- الواد ده يمشي حالا من الشغل يا ياسمين
نظر إليه بعدم تصديق فهو يريد قطع عمله كما فعلت والدته بالسابق ثم نظر إلى «ياسمين» وهو على أتم الاستعداد لقرارها الصادم فهو علم من «وحيد» أنها خطيبته ولكن لم يكن يعرف نهائيًا أن هذا الذي يتحدث عنه هو أخيه الذي يبغضه ، انتظر ردها للحظات وأخيرًا تحدثت وهي تنظر إلى «يوسف» :
- أنا مش فاهمة الحكاية بالظبط بس ماينفعش أي مشاكل بينكم تدخل في الشغل ، الشغل مالهوش علاقة بأي خلاف بينكم
ازداد اشتعال النار التي بداخله واحمر وجهه بغضب شديد وكأنه ينذر عن انفجار ضخم بعد لحظات من الآن فقاطعته هي قبل أن يبدأ فى الكلام :
- معلش يا يوسف بس هو احترمني ومااتكلمش
كانت جملتها الأخيرة بمثابة القداحة التي قامت بإشعال النيران أكثر وأكثر ، رغم غضبه الشديد إلا أنه كبحه بصعوبة وهو يقول :
- ياسمين أنا خطيبك والواد ده حقود وقلبه وحش وعايز مصلحة الشركة ، لازم يمشي لأنه خطر ، ماتخليناش نتخانق على حتة عيل مالهوش لازمة
احترقت دمائه من هذا الحديث الذي يخترق صدره ويشعل الغضب والحزن بداخله لكن سبحان من ثبته إلى تلك اللحظة وجعله متماسكًا هكذا
عادت لتقف خلف المكتب الخاص بها ورمقته بنظرة محذرة وهي تقول :
- يوسف أنا قلت اللي عندي وأنا شايفة إنه ماغلطش واحترم وجودي ومش معنى إن في خلاف بينك وبينه يبقى أطرده من الشغل ، تمام ولا مش تمام ؟

أنهت حديثها ثم نظرت إلى «نائل» واستطردت :
- روح أنت يا نائل
أومأ برأسه ورحل على الفور دون أن يتفوه بكلمة واحدة وبقى «يوسف» الذي لم يصدق ما حدث منذ لحظات فهي لم تستجب لطلبه وقامت بإحراجه أمام هذا البغيض كما يدعوه ، هو يكرهها ويريد تدميرها لكن بعدما حدث الآن زاد كرهه لها وزاد توعده بالشر ، لم يحتمل الوقوف لوقت أكثر بل خرج وصفق الباب خلفه بقوة وغضب ليعلن عن رحيله ، أما هي فجلست على مقعدها وتأففت وهي تفرك بجبهة رأسها فقد شعرت بصداع شديد بسبب ما حدث أمامها منذ ثوانٍ ، شعرت بأنها قامت بالتقليل من «يوسف» لكنها هدأت قليلًا عندما تذكرت كل ما قالته ولم تجد به خطأ فهي قالت ما يجب أن يُقال وتصرفت بحكمة ...

***

رفع صوت تألمه وضغط بيده على بطنه وهو يقول :
- اااااه مش قادر .. بطني بتتقطع هموت !!
أمسكت وجهه بكلتا يديها ورددت بفزع :
- طيف بالله عليك رد عليا .. ايه اللي خلاك تاكل بس منه .. يارب ساعدني
وقفت وأحضرت المياه ثم ألقتها على رأسه فصرخ بصوت مرتفع :
- ياااح يابنت المجانين .. بهزر بهزر وبعدين بتدلقي المياه عليا ! أنا مسموم مش بولع يخربيتك
تركت وعاء المياه من يدها ونظرت له بغضب ورددت باعتراض :
- والله حرام عليك .. بتهزر !! أنا كنت هموت من القلق عليك
لم يستطع التوقف عن الضحك وتعالت ضحكاته فضربته على كتفه بخفة قائلة :
- بتضحك ! ماشي يا طيف
توقف أخيرا عن الضحك وقربها منه بحب ثم حاوط وجهها بكفيه وهو يقول :
- متزعليش مني اعتبريه مقلب صغنن وبعدين حد بيعالج التسمم برش المياه على الدماغ ؟ ده لو أنا اتسممت بجد يبقى مفيش أمل لنجاتي بقى
لوت ثغرها ورددت بعدم رضا :
- ماتقولش كدا بعد الشر عنك وبعدين بلاش مقالبك دي تاني
ابتسم وسرق قبلة قبل أن ينظر إلى عينيها مرة أخرى ويقول :
- يلا طيب نتعشى علشان ننزل نتمشى شوية

***

عاد إلى الكافيتريا مرة أخرى بوجه شارد غير منتبه لما يجري حوله ، ظل على حالته حتى انتبه له «وحيد» الذي اقترب منه وعقد ما بين حاجبيه متسائلًا :
- مالك يا نائل يابنى؟ من ساعة ما جيت من عند ست ياسمين وأنت سرحان وباين إنك متضايق ، هي زعقت معاك تاني ولا ايه؟
ابتسم ابتسامة مصطنعة كي يخفي ما في داخله وأجابه :
- لا أبدًا مفيش يا عم وحيد أنا بس بفكر في كام حاجة كدا ، ادعيلي يا عم وحيد ربنا يزيل الهم ده علشان تعبت بجد ، حاسس إني في سباق جري طويل مابينتهيش ومن قواعد السباق ده مفيش راحة ده غير الطريق اللي مليان طوب وازاز بيأذي ، مش عارف أوصل لنهاية السباق ده وفي نفس الوقت مش عارف أستريح شوية من الجري
ربت على كتفه بحنو بعد أن زينت تلك الابتسامة وجهه وأردف بحكمة :
- أنا حاسس إن في حاجة ضايقتك بس طالما مش عايز تتكلم خلاص ، بالنسبة للسباق ده فهو اختبار من ربنا وابتلاء .. ربنا بيختبر صبر عباده علشان بعد السباق ده كله تكون الجايزة ضخمة وكبيرة وماتكنش متخيلها ، ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
صدق الله العظيم ، مهما حصل يابني اتوكل على الله واصبر ونهاية الصبر ده خير والله
شعر وكأن النيران التي اشتعلت بداخله قد خمدت الآن بسبب حديث «وحيد» الذي طالما كان يهدئه ويبث بداخله الصبر والتحمل على الشدائد ، نظر إليه بابتسامة وردد :
- شكرًا يا عم وحيد ، بجد كلامك ده بيريحني جدا .. ربنا يعديها على خير
رجع بظهره ليتابع عمله وردد :
- يلا ماتفكرش في حاجة وارجع لشغلك .. متخليش الشيطان يشغلك
في تلك اللحظة نادت «مايا» على «نائل» باسمه :
- نائل !! نائل
هنا ضحك «نائل» وهو مازال ناظرا إليه ولم يلتفت ثم أشار إلى الخلف وأردف بصوت منخفض :
- اهو الشيطان جه
قهقه «وحيد» بصوت مرتفع وهز رأسه قائلًا :
- ده أنت مصيبة

تلتفت برأسه ليجدها أمامه وعلى وجهها تلك الابتسامة المستفزة التي لابد أن خلفها الكثير ، اقترب منها وقال بجدية شديدة حتى لا تزيد معه الحديث :
- أيوة اتفضلي حضرتك تطلبي ايه
ارتفع إحدى حاجبيها بتعجب وقالت :
- برضه حضرتك ؟ ياابنى احنا بقينا زمايل في الشغل خلاص يعني كلمني عادى وبلاش الرسمية دي وبعدين أنا جاية أسألك ايه الخناقة اللى عملتها فى مكتب ياسمين وبعدها خرج خطيبها غضبان كدا
استاء كثيرًا من تدخلها بالأمر وثرثرتها الزائدة فقرر أن ينهي الحديث وقال بغضب :
- ياريت متركزيش ومش لازم تعرفي حصل ايه وأنا هنا بقدم طلبات بس سميها خدام سميها زميل شغل سميها زي ما تسميها لكن أنا مش هبقى الشخص اللي أنتِ عايزاه وأصاحب ده وأصاحب دي وأتكلم على ده وأنم على دي ، أنا هنا في شغل وبس وياريت أنتِ كمان تقتنعي إنك في شغل وبس بدل ما تسمعي مني كلام يضايقك زي اللي بتسمعيه مني دلوقتي
ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة واستطرد :
- ودلوقتى حضرتك تطلبي ايه ؟
غضبت كثيرًا لما قال وضغطت على أسنانها بقوة وقالت بغيظ :
- مش عايزة حاجة
ثم رحلت على الفور تاركة «نائل» الذى زينت ابتسامة النصر وجهه

***

ملت من المذاكرة وتركت كتابها قبل أن تتأفف بضجر وتمسك هاتفها لتتصفح "فيسبوك" ، مر الوقت عليها وهي تتصفح حسابها على فيسبوك وأثناء تصفحها ظهر لها حساب «ذاخر» في الأشخاص التي ربما تعرفهم فأسرعت ونقرت على حسابه وبدأت تتصفحه وترى صوره المنشورة وأثناء فعلها ذلك ضغطت بالخطأ على زر الإعجاب فأسرعت ومسحته وقررت الخروج من صفحته كي لا تتعرض لهذا الأمر مرة أخرى لكنها أخطأت أثناء خروجها وأرسلت إليه "طلب صداقة" ، ألقت الهاتف من يدها وصاحت بخوف وقلق :
- يالهوي .. أعمل ايه !!أكيد هيوصله إشعار إني بعتله ادد
أسرعت والتقطت الهاتف مرة أخرى وقامت بإلغاء هذا الطلب وهي تدعي الله بأن لا يصله إشعار بهذا

لسوء حظها كان «ذاخر» مُمسكًا بهاتفه في ذلك الوقت ووصله إشعار بوجود تفاعل منها لكنه اختفى على الفور فتعجب وفي تلك اللحظة أرسلت إليه طلب صداقة فدخل على الحساب ليتفاجأ بأنها هي وقبل أن يقبل طلبها كانت قد ألغت هذا الطلب فابتسم وأرسل هو لها وقبل أن تقبله قام بكتابة رسالة لها
" وفرتي عليا .. كنت هبعتلك كدا كدا "
وصلتها رسالته ففتحتها وقرأت ما كتبه ، ابتسمت وردت عليه قائلة :
" بالغلط والله بس مش مشكلة .. ازيك ؟ "
ترك هاتفه وقام بفتح اللاب توب الخاص به ثم ولج إلى حسابه وأرسل إليها رسالة أخرى قائلًا :
" الحمدلله بخير .. صحيح ماقلتيش أنتِ في كلية ايه "
قرأت الرسالة وأجابته :
" هو أنا ماقلتلكش !! امم على العموم أنا في كلية هندسة وأنت ؟ "
ارتفع حاجبيه بدهشة فهو قد أخبرها بذلك ليلة زفاف شقيقته ومع ذلك أجابها :
" أنتِ بتنسي بسرعة على فكرة .. مش قلتلك في كلية شرطة لما سألتِ وقلتِ إنك ماشوفتينيش قبل كدا "
قرأت الرسالة وتذكرت ذلك اليوم في زفاف شقيقها فاعتذرت منه :
" اه صح سوري نسيت .. طيب ربنا معاك ، أنا هروح أكمل مذاكرة بقى علشان عندي كويز بكرا .. يلا سلام "
تعجب من سرعة إنهائها للحوار بينهما لكنه أجابها قائلًا :
" طيب ربنا يعينك .. سلام "
أنهت حديثها وألقت الهاتف بجوارها وقد توترت ، عضت على شفتيها بتوتر وقلق شديد وهي تقول لنفسها :
- زمانه بيقول بعتله ادد ويفتكرني بشقطه ولا حاجة !! لا بس أنا قفلت معاه بسرعة علشان مايقولش حاجة زي كدا وبعدين كان لازم يعني أدخل على الأكونت بتاعه .. ياربي

***

- تمام يا فندم ، تؤمر بحاجة تانية ؟
قالها أمين الشرطة للرائد «زين» بعدما أحضر هذا المجرم إلي مكتبه فأشار إليه بالرحيل وبقى هو وهذا المجرم بالمكتب وحدهما ، تحرك ذهابًا وإيابًا ثم نظر إلى عينيه وشعر بخوفه الشديد ، تقدم وعلى وجهه ابتسامة وأردف :
- كان نفسي أعزم عليك بسيجارة زي ما بيحصل في الأفلام بس للأسف مش بدخن
نظر إليه المتهم ثم نظر إلى الأسفل مرة أخرى بينما يسيطر عليه الخوف والقلق فتقدم «زين» وجلس أمامه ثم أشار إليه بالجلوس وهو يقول :
- اقعد يا مجدي ، اقعد علشان عايز أدردش معاك شوية
نفذ أمره وجلس دون أن ينطق بكلمة ، ابتسم وهو يرمقه ويرى قلقه الذي تملك منه فتقدم بجسده إلى الأمام وقال مازحًا :
- متخافش يا ميجو محدش هيديك بالقفا ويقولك كلم الباشا عدل زي ما بيحصل في الأفلام ، أنت هنا بني آدم والبني آدم بيغلط ، أنا نفسي بغلط ، محدش معصوم من الغلط بس غلط عن غلط يفرق ، الغلط اللي أنت غلطته صعب وفيه ضرر لناس كتير أوي بس حله إنك تساعدنا وتقف معانا وساعتها غلطك ده عقابه هيبقى خفيف
صمت قليلًا وهو يتابع رد فعله ثم استطرد :
- أنا عايزك تقولي مين كان شغال معاكم ومين له علاقة بالمخدرات تعرفه وأوعدك لو ساعدتني هتاخد عقوبة صغيرة وتخرج أما لو ساعدتهم ومارضيتش تقول اسمهم ساعتها هيعيشوا حياتهم وهيضحكوا وهيعملوا اللي عايزينه بس أنت هتبقى محبوس في زنزانة لمدة 25 سنة .. تخيل بقى

رفع بصره بتمهل ثم نظر إليه بنظرات مليئة بالخوف والقلق شعر بها «زين» ، تردد كثيرًا هل يعترف بأمر هؤلاء ام لا !! هو ليس له أحدًا ليقلق عليه لكنه قلق على حياته أكثر فهم يستطيعون الوصول إليه بسهولة والقضاء عليه ، اتخذ القرار الأخير وقال :
- أنا هساعدك يا باشا وهقولك على أسمائهم بس بشرط
عرف طلبه لكنه سأله لكي يتأكد من ذلك :
- شرط ايه ؟
- تحميني منهم يا باشا ، دول ايديهم طايلة وممكن يموتوني حتى لو أنا في السجن
ابتسم وهز رأسه ثم قال :
- على الرغم من إن الكلام ده بطل من أيام حرب المعيز بس ماشي أوعدك إنك هتبقى في سجن متآمن كويس وعليه حراسة مشددة وحياتك هتبقى مسئولة مني ، ها عايزك تعرفني كل حاجة بقى ..

***

اقتربت منها والدتها بعدما لاحظت شرودها وعدم تفاعلها معها أو مع أحد بالمنزل ، وضعت يدها على كفها وسألتها بحب :
- مالك يا نايا سرحانة في ايه ؟ قلقتيني عليكي
فاقت هي من شرودها وابتسمت كي تواري ما بداخلها وأجابتها :
- مفيش يا ماما سرحت شوية مع نفسي عادي ، متقلقيش يا حبيبتي
رفعت حاجبيها وأشارت بأصبعها في الهواء قائلة :
- مشكلتك إنك مش بتعرفي تكدبي ، قوليلي مالك يا نايا .. اتخانقتي مع زين ؟
هزت رأسها بالنفي واستسلمت لرغبتها وشرعت في الكلام :
- لا يا ماما ، بس بفكر في اللي جاي .. خايفة على زين من شغله وخايفة على ياسمين بتدمر نفسها واتغيرت جامد بقت شخص تاني وبتعامل الكل بحذر حتي أنا اللى كنت زي أختها .. ياسمين بعدت عن الكل ، بفكر في رقية اللي لسة صغيرة ومش لاقية أخ يقعد معاها ولا أخت تلاعبها ، بيت خالتي اللي كان جنة والروح فيه دلوقتى بقى ضلمة ومافيهوش روح .. متضايقة جامد
شعرت الأم بالأسى وتذكرت ماحدث ، خفضت رأسها ورددت بحزن :
- ربنا يرحمها ويرحم جوزها .. الله يكون في عونهم وبالذات رقية اللي مالهاش حد فعلا ، ايه رأيك تجيبيها تقعد معانا طول النهار وزين يعدى ياخدها كل يوم وهو مروح ؟
عادت الروح إلى وجهها الذي أظلم ورددت بسعادة :
- الله دي فكرة حلوة أوي يا ماما ، اهي تسليني ومتبقاش لوحدها .. أنا هروح أجيبها دلوقتي

***

أنهت حمامها وارتدت ملابسها بنفس الوقت الذي انتقى فيه «طيف» تيشيرت باللون الأسود مع بنطال باللون الأسود أيضًا وما إن انتهى حتى نظر إليها قائلًا :
- يلا يا روحي فيها ايه لما تلبسي في دقيقتين كدا زي ما أنا بعمل؟
أنهت وضع اللمسات الأخيرة من الميكاب على وجهها ثم التفتت وهي تقول :
- يا حبيبي أنت راجل بتلبس بسرعة إنما احنا كستات بنتآخر وده طبيعي علشان نظبط شكلنا ونفسنا وكدا يعني وبعدين عايزاك تجيبلي كونتور وهايلايتر
ارتفع حاجبيه بدهشة من جملتها الأخيرة وردد متسائلًا :
- ايه ! ايه أكون طور والهاي لانتر ده ؟
هزت رأسها بالنفي قبل أن تصحح له :
- كونتور وهايلايتر
ضيق ما بين حاجبيه وأردف :
- أسماء جن دول ولا ايه؟
شعرت بالضيق لجهله بتلك الأمور ثم اتجهت لتجلس على السرير وهي تقول معترضة :
- جن ايه يا طيف ده ميكاب
- ميكاب ! بتهزري ؟ طب ما تقولي عايزة ميكاب بدل المحور اللي خدتيه ده ، من عينيا هجيبلك التور والرمايتر اللي عايزاه
صححت له مرة أخرى وقالتها ببطء كي يستمع إليها جيدا :
- كونتور وهايلايتر .. قول ورايا كونتور وهايلايتر
حاول نطقها وكانت صعبة للغاية في البداية لكنه حاول مرارا وتكرارا حتى استطاع نطقهما :
- كون .. كونتور و هاي هيالايتر صح كدا ؟
صفقت له ونهضت من مكانها وهي تقول بسعادة :
- برافو عليك صح كدا
رفع رأسه إلى الأعلى بتفاخر ورفع إحدى حاجبيه قائلًا :
- عيب عليكي ده أنا ميكاب ارتيست قديم وأعجبك أوي

تحركا أخيرًا من الفندق ليقوما بجولتهما اليومية وما إن تأكد «غارم» من رحيلهم حتى اتجه إلى غرفتهما ودلف إلى داخلها ، بحث في متعلقاتهم عن أي شيء يفيده فلم يجد سوى بعض الملابس والأشياء الأخرى ، ما هي إلا ثوانٍ وطرقت إحدى الفتيات على باب الغرفة ففتح لها «غارم» وقبل أن تتحدث أشار إلى الداخل وأردف :
- طيف اللي قاعد في الأوضة دي لازم توقعيه ويتصور فيديو محترم من بتوعك .. في خلال يومين بالكتير الموضوع ده يتم مفهوم ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثامن بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


حان وقت الاستراحة لجميع العاملين بالشركة عدا «وحيد ، نائل» حيث أن لستراحتهما تلي استراحة كافة العاملين ، اقتربت «سهى» من «نائل» ورددت بابتسامة لطيفة :
- بعد إذنك يا نائل عايزة فنجان قهوة علشان مصدعة جامد
نظر إليها فوجدها تفرك برأسها بينما كانت تتألم من الصداع الذي أصابها فشعر بالقلق لأجلها وأردف :
- أنزل أجيبلك مسكن ؟
هزت رأسها بالنفي ثم نظرت إليه نظرات تدل على الألم وأردفت :
- لا ماتتعبش نفسك ، أنا هشرب قهوة وهبقى كويسة
هز رأسه بالنفي وارتفع صوته قليلًا وهو يقول :
- لا لا القهوة غلط افرضي ضغطك عالي ؟ خليكي أنا هنزل أجيبلك اسبرين علشان الصداع ده
ثم نظر إلى «وحيد» وتابع :
- معلش يا عم وحيد أنا هنزل أجيب اسبرين لسهى علشان شكلها تعبان أوى
أومأ رأسه وقال :
- طيب ياابني روح

خرج مسرعًا ولم يمض الكثير من الوقت حتى حضر مرة أخرى ومد يده بحبة الدواء وهو يقول :
- خدى .. لحظة
تركها وملأ كوب بالماء ثم مد يده به إليها وأردف :
- خدى مياه اهىه
تناولتها منه وارتشفت منها مع حبة الدواء الذي جلبه لها وما إن انتهت حتى ابتسمت له قائلة :
- تسلم يا نائل ، معلش تعبتك معايا
كاد أن يجيبها إلا أن «وحيد» قاطعه وهو يقول بجدية :
- الست ياسمين عايزاك في مكتبها يا نائل ، سألت عليك أول ما نزلت وقلتلها إنك روحت تجيب برشام لسهى
اتسعت حدقتيه وردد بقلق :
- ربنا يستر ، فيها خناقة وزعيق دي

تركه واتجه إلى مكتبها ، تردد في الدخول لكنه اتخذ قراره الأخير وطرق الباب برفق فأتاه الرد من الداخل :
- ادخل
فتح الباب ودلف إلى الداخل بخطوات متمهلة حتى وقف أمام المكتب وقال :
- أيوة يا أنسة ياسمين ، عم وحيد بلغني إنك طلبتينى
تركت ما بيدها ورفعت رأسها لترمقه بنظرات مجهولة ثم ابتسمت بسخرية وهي تقول :
- كنت فين وقت ما طلبتك ؟
زاغت عينيه في المكان وارتبك قليلا لكنه تماسك وأجابها بثقة دون تردد :
- سهى كان عندها صداع شديد وباين عليها التعب فنزلت أجيبلها اسبرين
هزت رأسها بعدما لوت ثغرها وقالت بنفس النبرة :
- اممم عندها صداع ونزلت تجيب اسبرين !
ثم غيرت نبرتها وقالت بحدة :
- وده وقت البريك بتاعك ؟
صمت قليلًا لا يعرف كيف يهرب منها ومن أسئلتها فرفعت صوتها وقالت بحدة :
- رد عليا !! ده وقت البريك بتاعك ؟
هز رأسه بالنفي وأردف :
- لا
- ولما هو مش وقت البريك بتاعك بتنزل وتسيب الشركة ليه ؟
تلجلج وتلعثم في الحديث وهو يقول :
- ما هو .. س..سهى كانت تعبانة واستأذنت من عم وحيد قبل ما أنزل
خبطت بكفها بقوة على سطح المكتب وارتفع صوتها أكثر ليشبه الريح العاصفة التي تهب دون سابق إنذار :
- مهما حصل ماتسيبش الشغل وتنزل ، ده اللي قلتلك عليه في أول يوم !! أنا هنا عايزة التزام وشغل بجد مش هزار ومرقعة ، ولا فاكر علشان نصرتك قدام أخوك هتعيش الدور وتعمل فيها باشا ؟ لا انسى ، أنا شغلتك هنا علشان تبع عم وحيد غير كدا ماكنتش هشغلك .. لو هتبقى كدا على طول ومش شايف شغلك قولي علشان أقطع عرق وأسيح دمه !
لا يعلم هو لماذا كل هذا الهجوم عليه من قبلها ، هو لم يفعل شيء يستحق كل هذا العتاب والتعنيف فهو لم يغب لأكثر من خمس دقائق فقط ، نظر لها واستجمع قواه وردد باعتراض على لهجتها وطريقتها معه :
- أنا أول يوم ليا في الشركة سمحت تعلي صوتك وتغلطي براحتك علشان كنت محتاج الفلوس فعلا ومش لاقي شغل لكن لو هتعامل كأني عبد هنا فأنا مش هسمح ، مش هتغلطي فيا بكلمة تانية ومش هسمح ليكِ تقولي عليا كلمة تانية ، أنا شايف شغلي كويس أوى وعمري ما أهملت شغلي وأنتِ عارفة ده كويس في اليومين اللي اشتغلتهم هنا ، فلوسك اللى دفعتيهالى مقابل نص شهر هجيبهالك كاملة واليومين اللي اشتغلتهم هعتبرهم صدقة على صحتي ، أنا هسيب الشركة ومش عايز أشتغل هنا تاني طالما هتهزأ بدون سبب وربنا زي ما رزقني قبل كدا هيرزقني تاني وتالت وهيفرجها من عنده ، عن اذنك

ثم ترك المكتب وصفق الباب خلفه بقوة...

***

مر يوم على غيث وليان وفي صباح اليوم التالي كان الاثنان في مركز التدريب كما أمرهم اللواء «أيمن» ، نظر إليها بابتسامة وردد :
- فاكرة أول يوم اتدربت فيه على ايدك ؟
ابتسمت بحب وهي تتذكر ذلك اليوم وأجابته :
- ياااه هو ده يوم يتنسي ، مش هنسى شكلك وأنت مش عارف أى حاجة في أى حاجة وأنا مدياك الوش الخشب
ضحك وتذكر ذلك اليوم الذي أيقظته فيه منتصف الليل فلوى ثغره وأردف :
- ولا اليوم اللي صحيتيني فيه من أحلاها نومة ورشيتي عليها مياه متلجة وقال ايه سيب نفسك للهوا .. ده أنا جالي دور برد لمدة أسبوع بعدها وأنتِ ولا هنا
تعالت ضحكاتهما على تلك الذكريات التي كانت سببًا في كونهما معا الآن وكانت سببًا لزرع الحب داخل قلوبهما ، قاطعت فاطمة ضحكهما قائلة :
- كان على عيني أسيبكم تكملوا ضحك بس حان وقت التدريب يا شباب المستقبل
أسرعت «ليان» وقامت باحتضانها وهي تقول :
- بطوط وحشتيني
بادلتها السلام والأحضان قائلة :
- وأنتِ أكتر والله ، ادينا هنتقابل على طول
في تلك اللحظة ظهر «رماح» وصافح «غيث» قائلًا :
- ايه الأخبار يا وحش .. جاهز للتدريب
بادله المصافحة وقام بتحريك كتفيه بشكل دائري وهو يجيبه بحماس :
- طبعا جاهز

في الوقت ذاته لم تستيقظ «نيران» حتى بعد محاولات «طيف» في إيقاظها ، تعجب واقترب منها ثم وضع يده على رأسها وهو يقول :
- نوني !! حبيبتي ؟
تفاجأ بالحرارة المنبعثة منها وكأنها جمر مشتعل فأسرع واقترب منها ووضع وجهها بين كفيه بقلق وخوف شديدين وهو يقول :
- نيران ! حبيبتي أنتِ كويسة ؟
لم تجبه فنهض من مكانه وأحضر وعاء من الماء البارد ثم اقترب من خزانة الملابس وسحب تيشيرت قطني خاص به ووضعه بالمياه ثم رفعه مرة أخرى ووضعه على رأسها وظل يكرر فعلته إلى أن هدأت حرارتها قليلا ، ترك ما بيده وغير ملابسه بسرعة شديدة ثم اتجه إلى الخارج وبحث عن صيدلية بالقرب من الفندق وبعد بحث لم يدم طويلا وجدها أخيرا ، دلف إلى الداخل وهتف بتوتر شديد :
- لو سمحت عايز حقنة مضاد حيوي راميتكس وحقنة كيتولاك ، وعايز اوجمنتين وكونجستال وكولدفري من كل حاجة شريط
رفع الطبيب حاجبيه وردد متسائلًا :
- حضرتك معاك روشتة ولا عارف العلاج وبتطلبه ! علشان لازم المريض يكشف الأول
زاد ضيقه وردد بانفعال :
- أنا دكتور .. لو سمحت عايز الأدوية بسرعة مراتي بتموت !!
شعر الطبيب بالحرج واتجه إلى الداخل ثم قام بتحضير ما طلبه بسرعة شديدة ، انتهى أخيرا ومد يده بحقيبة الدواء فأخذها منه «طيف» ثم أخرج النقود واتجه إلى الفندق مرة أخرى وهو يدعي الله بأن تكون زوجته بخير وأفضل حال ، وصل إلى الغرفة وجهز الحقن ثم اقترب منها وأعطاها إياها وما إن انتهى حتى اقترب وقام بمتابعة ما كان يفعله قبل نزوله ، قام بتبديل المياه وأحضر مياه باردة وتابع الكمادات حتى انخفضت حرارتها تمامًا ، أبعد وعاء المياه والتيشيرت الخاص به ثم ضم وجهها بين كفيه وقال بحب :
- قومي يا حبيبتي ماتخضينيش عليكِ قومي وأنا هعملك اللي أنتِ عايزاه وهعلمك باقي وصفات الأكل بس طمنيني عليكِ .. يلا علشان نكمل خروج وتكملي رخامة عليا .. يلا علشان أكمل تدريب على ايديكِ ، أنتِ عارفة اليوم اللي نطينا فيه في الفندق على اد ما كنت خايف بس حسيت كدا إني بعمل حاجة أتشرف بيها وأحكيها لولادنا .. أنا ماحسيتش الإحساس ده وأنا دكتور ، الواحد ساعات بيكون راسم لنفسه طريق حابه ونفسه يمشي فيه لكن سعادته ونجاحه في طريق تاني وده اللي حصل معايا ، ماحسيتش بالنجاح والسعادة غير لما دخلت شرطة وعرفتك ، أنا عايز أكمل في الطريق ده معاكي ونبقى في ضهر بعض ونعمل حاجة نفتخر بيها ونحكيها لعيالنا اللي واثق إنهم هيبقوا زينا .. أنا عرفت ليه بابا كان عايزني أبقى زيه .. نفس إحساسي دلوقتي وأنا بخطط لولادنا اللي هيكملوا طريقنا بس قومي وفوقي كدا
فتحت عينيها بضعف فوجدته يحاوط وجهها بكفيه ووجهه قريب للغاية منها ، أغلقت عينيها ثم فتحتهما مرة أخرى وهي تقول متسائلة :
- حصل ايه يا طيف ؟
تهللت أساريره لتعافيها وردد بابتسامة قبل أن يقبل جبينها :
- مفيش يا روحي دول شوية تعب كدا والحمدلله بقيتِ كويسة
حركت رأسها فوجدت وعاء المياه وبه التيشيرت الخاص به فأدركت أنها كمادات ، وجهت بصرها إليه ورددت متسائلة :
- هو أنا كنت سخنة ؟
هز رأسه بالإيجاب وأجابها قائلًا :
- أيوة وعملتلك كمادات واديتك حقنة علشان السخونية تنزل
اتسعت حدقتيها برعب من جملته الأخيرة ورددت قائلة :
- ايه حقنة !! يعني أنا أخدت حقنة يا طيف ؟
ابتسم وأجابها مازحًا :
- لا سرنجة مش حقنة .. أيوة حقنة يا نوني وبعدين كنتِ نايمة وماحسيتيش بيها
رفعت أصبعها أمام وجهه ورددت بتحذير :
- ولو .. ماتتكررش تاني ، لو بفطس جنبك ماتفكرش تديني حقنة مفهوم يا طيف
ضحك بصوت مرتفع وابتعد عنها وهو يقول :
- طيب ياستي .. اللي يشوفك وأنتِ مدخلانا من شباك الفندق ومتشعلقة على الحبل مايشوفكيش دلوقتي وأنتِ خايفة من حقنة ، بقى أنتِ اللي هتدربيني !! يا خسارة
نهضت من نومها وفردت ذراعيها في الهواء قبل أن تقول معترضة :
- مالكش دعوة أنا بخاف من الحقن وبعدين ماتتريقش عليا ده أنا خليتك تنط من الشباك بالعافية وكنت مرعوب .. خليني ساكتة بدل ما أطلع الفضايح يا طوفي يا حبيبي
رفع إحدى حاجبيه ليقول معترضًا :
- طوفي !! ماتدلعينيش تاني .. اندهيلي باسمي ينفع دلع ومنه اسم في نفس الوقت
وقبل أن يتابع كلامه سمعا طرقات على الباب ....

***
هز رأسه بعدم تصديق ثم رمقه بغضب وهو يقول :
- أنت هتهزر يا مجدي ؟ أفتحلك قناة ميكي بالمرة !
مال بجسده إلى الأمام وهز رأسه بالنفي وهو يقول بجدية واضحة :
- لا والله يا زين باشا مش بهزر ، اللي شغال معاه لقبه سبونج بوب ومحدش يعرف اسمه
ابتسم بسخرية ثم عاد بظهره إلى الخلف وهو يقول مازحًا :
- اه ودراعه اليمين جامبول ؟
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يؤكد على ما قاله :
- بالظبط كدا يا باشا
خبط بقوة على مكتبه قبل أن يصرخ فيه بقوة وغضب :
- أنت كنت شغال في المخدرات ولا سبيستون ياعم أنت ؟ أنت عايز تقنعني إنك متعرفش أساميهم الحقيقية وكل اللي تعرفه عنهم إن كل واحد له اسم بشخصية كارتونية ؟ لنفترض إنك فعلا متعرفش اساميهم اشمعنى بقى يسموا نفسهم بشخصيات كارتونية ؟ يا إما إنهم عصابة تافهة يا إما أنت اللي بتسرح بيا
- والله أبدا يا باشا هو ده اللي حصل فعلًا ومستعد أقول لسعادتك عن المكان اللي كنا بنتقابل فيه وعن حد تاني كان شغال معانا وأعرف اسمه وبيته بس هو مات وممكن حد من قرايبه يعرف حاجة

داعب طرف ذقنه وهو يفكر في حديثه ثم اتخذ القرار الأخير وأردف :
- اسمه ايه اللي مات ده ؟
أجابه بتردد وخوف :
- هاني عبدالشافي وساكن في "..." ، ده العنوان يا باشا
هز رأسه بالإيجاب ودون ما حصله من معلومات في ورقة صغيرة ثم رمقه بنظرات محذرة وهو يقول :
- لو طلعت بتكدب عليا يا مجدي أو بتلعب بيا أقسم بالله هخليك تندم ومش هعاملك بالطيبة اللي بعاملك بيها دي دلوقتي نهائى مفهوم !

***

توجه إلى الكافيتريا ومن ثم دلف إلى غرفة صغيرة وقام بتبديل ملابسه وخرج على الفور فأسرع «وحيد» إليه ومعه «سهى» ، نظر إلى ملابسه التي بدلها وصاح متسائلًا :
- فيه ايه يا نائل ! غيرت هدومك ليه ؟
نظر إلى نقطة بالفراغ وقال بغضب وحزن في آن واحد :
- مش هكمل هنا ، مش هتعامل كأني عبد عندها .. ربنا كريم وهيرزقني بشغل تاني
ثم نظر إلى عم «وحيد» وتابع :
- تسلم يا عم وحيد على الشغل ومعلش تعبتك معايا بس فعلا مش هينفع أكمل هنا
هنا تحدثت «سهى» وقالت بصوت هادئ لكن يظهر فيه تعبها وتألمها :
- ده كله بسببي صح ؟ علشان سيبت الشغل وجيبتلي علاج
هز رأسه بالنفي بعدما رسم ابتسامة خفيفة على وجهه وقال :
- لا يا سهى مفيش حاجة ، الست هانم متكبرة وشايفة نفسها شوية وأنا مش هقدر أتعامل معاها تاني

كان الجميع يتابعون بنظراتهم وتهامسهم فـ بالصباح سمعوا صوت «يوسف» الغاضب بداخل مكتب مديرة الشركة وبعدها خرج وصفق الباب خلفه بقوة وكان الغضب والتجهم يسيطران على قسمات وجهه والآن ذهب «نائل» إلى مكتبها وعاد ليبدل ملابسه استعدادًا للرحيل
نظرت «سمر» إلى ما يحدث وهي تحاول معرفة الأمر ثم نظرت إلى صديقتها «مايا» ورددت متسائلة :
- هو ايه اللي بيحصل يا مايا ؟ الصبح يوسف ودلوقتي نائل !! في حاجة مش فاهماها في الموضوع
أجابتها وهي تنظر حيث ينظر الجميع وحيث يدور الحوار بين الثلاثة «نائل ، سهى ، وحيد» :
- تقريبًا كدا والله أعلم ياسمين طردت نائل ولو جينا نربط ده باللي حصل الصبح يبقى نائل زعل يوسف ويوسف خرج متضايق ومشعلل فـ ياسمين قررت تطرده

***

تجاهل الجميع ونظراتهم ودلف إلى مكتب والده ثم جلس على المقعد المقابل له فرفع والده «محمد» رأسه ورمقه بابتسامة ساخرة وهو يقول :
- يا مرحب بالباشا أخيرا شرفت
عبث وجهه وقال بضيق واضح :
- بالله عليك يا بابا أنا مش ناقص تقطيم ولا كلام من ده كفاية اللي فيا
ارتفع حاجبه بدهشة وردد متسائلًا :
- ايه مالك ! جاي مش طايق نفسك ليه
نظر إلى الأسفل وضغط بقوة على أسنانه وأردف بغضب شديد :
- كنت عند ياسمين وابن الخدامة طلع شغال عندها و نصرته عليا
هز والده رأسه بعدم فهم ولوى ثغره وهو يقول :
- بالراحة كدا أنا مش فاهم منك حاجة .. ابن خدامة مين ونصرت مين ، فهمني
رفع بصره ليكشف عن حمرة وجهه بسبب غضبه الشديد وكأن جمرة من نار قد زادت اشتعالا وتوهجًا وأردف :
- نائل
- ايه !! نائل ؟ وبيعمل ايه عند ياسمين ! اتكلم أنت هتنقطني ؟
تابع سرد ما حدث :
- كنت عندها في المكتب وفجأة دخل نائل بفنجان القهوة واتفاجئت بيه .. طلع شغال عندها في الكافيتريا ، طبعا ابن الشغالة هيشتغل ايه ، المهم اتعصبت وقلت ليها تطرده بس مارضيتش بنت الجيار وكسفتني قدامه وقالتلي لا مش هطرده لأنه ماعملش حاجة فخرجت من المكتب وجيت على هنا ومن ساعتها بتتصل بيا ومابردش

طرق بأصبعه على سطح المكتب وهز رأسه قائلًا :
- أنت غبي وهتفضل غبي طول عمرك
ضيق عينيه وهتف متسائلًا :
- أنا ؟ ليه يعني !
- علشان اللي عملته ده ، علشان مصلحتنا لازم تكمل تمثيل على بنت الجيار وإلا هتاكل كل حاجة مننا وهنبقى ولا حاجة ، مجرد موزعين وبس .. ايه يعنى لقيت نائل هناك ما يشتغل ولا يتهبب ، تصرفك غلط ولو ياسمين رنت عليك كلمها ، حكايتها دي لازم تخلص علشان لو طولت هتبوخ أوي ، مفهوم ولا لا
فكر قليلًا في حديث والده ورغم غضبه الشديد مما حدث إلا أنه قرر تنفيذ كلام والده ومتابعة ما بدأه بعد ما زاد ما حدث اليوم من كرهه الشديد لها وزاد من رغبته أكثر في الانتقام
- مفهوم يا بابا ، ماأبقاش يوسف الهواري إن ما خليتها تمشي تكلم نفسها

***

اتجه إلى الباب وفتحه ليجد فتاة أمامه فضيق ما بين حاجبيه وهو يسألها :
- افندم ! حضرتك عايزة حد ؟
ابتسمت الفتاة وفتحت كُتيب صغير وعرضته على «طيف» وهي تقول :
- حضرتك ده العيد السنوي للفندق وبالمناسبة دي عاملين Gifts واحتفالات ومن ضمن الهدايا دي إن أي عروسين هيبقى فيه ميكاب ارتيست في الكوافير الخاص بالفندق تجهز العروسة على حساب الفندق علشان الحفلة الخاصة بالفندق النهاردة وهيبقى كله يونيفورم .. تحب زوجة حضرتك تشارك
نظر إلى «نيران» ثم عاود النظر إليها مرة أخرى وقال بابتسامة :
- لا شكرا .. هي تعبانة ومش هتقدر تحضر الحفلة دي
أسرعت نيران إليه وقالت معترضة :
- أنا كويسة ومش تعبانة
ثم نظرت إلى تلك الفتاة وتابعت :
- أنا موافقة .. المكان فين ؟
- حضرتك هتتفضلي معايا وهوصلك بنفسي
ثم نظرت إلى «طيف» وتابعت :
- ماتقلقش حضرتك .. ساعتين بالظبط وهتبقى جاهزة
استسلم لرغبتها في ذلك وابتسم بلطف لها قائلًا قبل رحيلها :
- طيب ياستي ، روحي وأنا هقضيها فيسبوك الساعتين دول وبعدين اجي اخدك
بدلت ملابسها بسرعة وقبل أن تخرج لوحت بيدها مودعة إياه وقالت :
- بااي .. ماتتآخرش
- حاضر مش هتآخر بس لو حسيتِ بتعب كلميني وأنا هجيلك على طول تمام !
أرسلت له قبلة في الهواء قبل أن تجيبه :
- تمام يا قلبي .. باي

رحلت وبقى هو وحده في غرفته فقرر تصفح حسابه على فيسبوك طوال هذا الوقت حتى لا يشعر بالملل وقبل أن يمسك هاتفه سمع طرقات على باب الغرفة مرة أخرى فرفع حاجبيه وهو يقول بصوت منخفض :
- ايه الكوافير عايزني أنا كمان ولا ايه !
فتح باب الغرفة ليتفاجأ بفتاة في غاية الجمال وشبه عارية ، رددت بدلال شديد :
- أنت طيف ؟
رفع حاجبيه بدهشة وأبعد نظره عنها وهو يقول :
- أيوة أنا طيف .. أعوذ بالله ايه الأشكال دي
دلفت إلى داخل الغرفة واقتربت منه أكثر قائلة :
- بتقول ايه ! ده أنا جاية أبسطك ومالقيتش أحسن من دي فرصة ومراتك مش موجودة
تراجع للخلف قبل أن يرفع كفيه ليدافع عن نفسه أمامها وقال وهو مسلط بصره على الأرض :
- بقولك ايه أنا ظابط وأعرف ظباط صحابي في آداب ، اقصري الشر كدا وانصرفي بدل ما أصرفك أنا
ابتسمت واقتربت بوقاحة أكثر وهي تقول :
- طب ماأنا خريجة آداب وماله ظابط ظابط .. ده حتى الشرطة والشعب في خدمة الوطن
- وطن ايه ياماما أنتِ تعبانة في دماغك ؟ غوري من هنا بدل ما أسجنك حالا أنتِ واللي باعتك
وفي تلك اللحظة عادت «نيران» من الخارج بسبب نسيانها لهاتفها وفوجئت بهذا المشهد أمامها ، رفع «طيف» بصره وهتف بابتسامة :
- اوبا .. ده ايه الفيلم العربي الفطسان ده ؟ نيران !! طبعا لو حلفتلك إني ماأعرفهاش مش هتصدقيني
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل التاسع بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

استعد للرحيل لكنه فوجئ بدخول «ياسمين» إلى الكافيتريا فتوقف مكانه وانتبه الجميع لما يحدث ، نظرت إلى ساعتها وظلت على حالتها تلك لأكثر من دقيقة ثم رفعت رأسها أخيرا وصاحت بصوت شبه مرتفع :
- كدا البريك خلص ، كل واحد يروح على شغله .. حالا
نهض الجميع وهموا بالانصراف وهم يتهامسون فهي لأول مرة منذ توليها إدراة الشركة تتصرف تصرف كهذا ، تأكدت من تنصراف الجميع وعدم تبقي أحد سوى «نائل ، وحيد» ، التفتت لتواجههما فأسرع «وحيد» يقول :
- نورتِ يا ست ياسمين ، أعملك حاجة
ابتسمت بلطف وهي تتقدم لتجلس على إحدى المقاعد ثم وضعت قدمها فوق الأخرى ورددت :
- معلش يا عم وحيد أنا عارفة إنه وقت البريك بتاعك بس هعوضهولك ، عايزاك تنزل الدور اللي تحت وتتابع مع رانيا اللي عايزاه منك ، مش هتاخد ربع ساعة
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يردد :
- حاضر يا بنتي ، أستأذن أنا
ثم نظر إلى «نائل» نظرات مجهولة وهو يحاول معرفة ما يحدث لكن الأخير أشار برأسه كي يرحل وسوف يخبره في وقت آخر ، تأكد من رحيله ثم توجه إلى المخرج كي يرحل هو الآخر فهتفت هى من خلفه :
- نائل !
وقف وظل واقفًا هكذا لأكثر من نصف دقيقة ثم التفت نصف التفاته وأردف :
- أيوة
- خد عايزاك ، ازاى تمشي كدا وأنا كنت لسة هكلمك ؟
التفت بالكامل وزاد غضبه بسبب تحكماتها وطريقتها المستفزة في المعاملة ، عقد ذراعيه أمام صدره وأردف متسائلًا :
- نعم ؟ المفروض أنا سيبت الشغل دلوقتي
أشارت إلى المقعد المقابل لها وأردفت :
- ممكن تيجي تقعد علشان أعرف أتكلم ؟
نظر إليها ثم نظر إلى المقعد وقرر أخيرًا تنفيذ طلبها وجلس قبالتها مردفا:
- اتفضلي
صمتت قليلًا لكي تستطيع تجهيز ما ستقوله ، تنهدت وأردفت بجدية :
- نائل أنا عايزة مساعدتك
عقد ما بين حاجبيه قبل أن يشير إلى نفسه قائلًا :
- عايزة مساعدتي ؟! أنا ؟
هزت رأسها بالإيجاب قائلة :
- أيوة ، هنعمل اتفاق .. هعرض عليك طلبي وأنت تعرض طلبك
نظر إليها بعدم فهم وهو يحاول فك شفرة هذا الكلام الذي يخرج من فمها وأردف :
- ها !! لغز ده ؟ طلب ايه واتفاق ايه
تبتسمت وقامت بإنزال قدمها وانحنت إلى الأمام وهى تقول :
- أخوك يوسف .. خطيبي ، هتساعدني أنتقم منه مقابل اللي تشوفه ، عايز تشتغل كأنك موظف في الشركة تمام عايز تبقي مدير لكل أعمالي تمام المهم تساعدني
ظل يرمش بعينيه عدة مرات غير مدرك لما تقوله وهز رأسه قائلًا :
- كدا المفروض فهمت يعني !!
ابتسمت بخبث قبل أن تعتدل في جلستها وتقول بجدية :
- يوسف وأبوه اللي هو المفروض أبوك أشد الأعداء ليا ، يوسف فاكر نفسه بيضحك عليا وأبوه نفس الكلام عايزين يوقعوا الشركة علشان بابا كان المنافس القوى ليهم في السوق وماكانش بيسيب ليهم صفقة نهائي وأنا بعد ما مسكت الشركة بعد ما بابا توفى بمشي على نفس الطريق .. يوسف خطبني بطلب من أبوه علشان يقدر يقرب مني وفي نفس الوقت ينتقم مني ويقدر يوصل لكل شغلي في الشركة وأنا حسسته إني مش عارفة أي حاجة وبمثل عليه أنا كمان وماتسألش عرفت ده كله منين المهم إني عرفت وبما إنك أخوه وهو أبوك ومش طايقينك كدا فطريقنا واحد ، أنا أنتقم لكذبهم وتخطيطهم لتدميري وتدمير الشركة وأنت تنتقم علشان وصلوك للحالة دي وكمان أنت ابنه وليك حق عليه وأنا مش هسأل ايه اللي وصلك لكدا ولا حصل ايه بس ده اللي هطلبه منك وفي حالة إنك تبقى معايا هتبقى اديتهم ضربة توجعهم وفي نفس الوقت تبقى في وظيفة بمرتب عمرك ما كنت تحلم بيه يعني كسبان بزيادة ... ها ؟

ظل لثوانٍ يحاول ترتيب كل ما قالته في رأسه ، نظر لها باحتقار فهو لم يعلم أنه سيدخل منزل الشياطين بقدمه فكل العاملين هنا لم يطمئن لهم إلا القليل منهم فقط وها هي تحاول جذبه لصفها كي تنتقم من والده وأخيه ، كيف يكيد الإنسان لغيره وغيره يكيد لنفس الشخص !! كل هذا من أجل المال !! لعن الله هذا المال الذي يجعل الإنسان كشيطان لا يدري ما يفعله ، هو لا يحب والده ولا أخيه لكنه لن يفعل هذا ، مهما زاد كرهه لمن ظلموه فهو لن يصبح شيطان مثلهما بل سيقف ويحاول كي يصل لغايته بطريقة تشرفه وتشرف أبنائه من بعده ولن يسير في طريق الشيطان

وقف ونظر إليها بعدما رسم ابتسامة سخرية على وجهه وهز رأسه وهو يقول بضيق واضح :
- أنا ماكنتش أعرف إن في حد ممكن يفكر في كدا للتاني !! يعني هو يضحك عليكي علشان يدمر الشركة وأنتِ تضحكي عليه علشان تنتقمي منه .. كل ده علشان الفلوس ؟ تتحرق الفلوس على اللي عايزها ، أنا ولا هشتغل معاكي ولا معاهم .. ربنا مش هيسيبني وهيرزقني بطريقة تشرفني وبتعبي مش بنصب الكماين للناس حتى لو بكرههم
وقفت ورفعت صوتها قائلة بغضب وهي ترمقه باستخفاف :
- عايز تفهمني إنك ملاك يعني !؟ ماشوفتش نظرة الحقد اللي في عينيك ليه لما شوفته ؟
تراجع بظهره خطوتين وهو يهز رأسه بعدم تصديق لما تقوله وأجابها بنفس الضيق :
- أيوة ملاك بالنسبة ليكِ ولكل اللي زيك ، عمري ما حقدت على حد ولا اتمنيت اللي معاه رغم فقري .. لما بصتله كدا كان ضيق جوايا ليه علشان غلط في أمي وأبوه طردني أنا وأمي وأختي ومارضيش يصرف علينا ، أنا يمكن بكرههم لكن عمري ما حقدت عليهم علشان هم أغنياء وأنا فقير ، بالعكس أنا فرحان إني اتولدت فقير علشان ماأبقاش زيكم كدا بمثل على الناس وأنا جوايا حقد ليهم وده كله علشان شوية ورق !
زاد غضبها بسبب جملته الأخيرة ورفعت صوتها أكثر وهي تقول :
- مابقاش غير واحد شحات ومش لاقي ياكل زيك اللي يديني نصيحة في الأخلاق ويعلمني ايه الغلط وايه الصح ، كل اللي بعمله ده بيزنس ولو ماعملتش كدا هياكلوني والشركة دي هتقع وأنا مش هسمح بده طول ما أنا عايشة

نظر إليها بعدم تصديق فهي أهانته إهانة لم يتلقاها من قبل فهي أشعرته بقلة قيمته وأحزنته كلماتها إلى حد كبير فكان يتلقاها كالسكين الذي يطعن قلبه عدة مرات متتالية ، لم يصدق بأنها إنسان بل هي شيطان متنكر في صورة بشر ، قرر الصمت والرحيل دون أن يرد الإهانة فأتاه صوتها الذي بغضه كثيرًا من خلفه :
- عايزة الفلوس اللي اديتهالك امبارح ولا فاكر نفسك هتهرب بيهم وتكوش عليهم ؟
وقف في مكانه ولم يستطع الالتفات ليواجهها مرة أخرى فتقدمت هي وواجهته بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها فرفع بصره لها وهو يقول بهدوء :
- أكوش عليها !! الفلوس هجيبهالك بكرا
ابتسمت بسخرية قائلة :
- لا أنا عايزة الفلوس ودلوقتي يا إما هدخلك السجن ، نسيت أقولك أنا أخويا ظابط شرطة
لم يستطع تحمل ما تقول فأغلق عينيه وضاقت أنفاسه وهو يقول :
- تمام بلغي الشرطة بس أمي وأختي اللي مالهمش غيري دول ذنبهم في رقبتك
ابتسمت بسخرية وشعرت بالقوة لضعفه أمامها واتجهت إلى مكتبها ثم عادت مرة أخرى وهي تحمل هاتفها و ...

***

بدلت نظراتها بينه وبين تلك الفتاة غير مصدقة ما رأته عينيها في تلك اللحظة فتحدثت تلك الفتاة وهي تلتفت مستعدة للرحيل :
- طب أسيبك دلوقتي علشان مراتك جت
ارتفع حاجبيه بدهشة قبل أن يقول معترضًا :
- وحياة أمك !! اقفي هنا يابت
ثم نظر إلى «نيران» وتابع :
- أنتِ مشيتي من هنا ولقيت المصيبة دي في وشي ، بس تقريبًا أنا عرفت فيه ايه ومش هسيبها
ضيقت نظراتها وظلت صامتة ، تأملت تعابير وجهه فقط ولم تجده في حالة توتر وهذا ما دفعها لأن تقول متسائلة :
- بجد ماتعرفهاش ؟
ضيق نظراته وقال بتحدي :
- وأنتِ عندك شك واحد في المية إني أعرفها عليكِ ؟
هزت رأسها بالنفي قبل أن تقترب من تلك الفتاة وتجذبها من شعرها قائلة :
- تعالي هنا بقى يا بت أنتِ ، مالك ومال جوزي يابت هاا
صرخت وهي تحاول الفرار من يديها لكنها أحكمت قبضتها وقامت بضربها في منتصف قدمها لتوقعها أرضًا على ظهرها بقوة ولم تكتفي بذلك بل جلست فوقها وهي تقول بغضب :
- وحياه أمك لو ما نطقتِ لأقتلك .. انطقي يابت ايه اللي جابك هنا وعايزة ايه من جوزي !! مش هتتكلمي ؟ طيب هخليكي تتكلمي في القسم
واتجهت إلى هاتفها ونقرت على الشاشة عدة نقرات ورفعت الهاتف على أذنها قبل أن تنتظر لوقت قصير وتقول :
- أيوة يا فاطمة .. الحمدلله كويسة .. اسمعيني ، عايزة بوكس قدام فندق "..." في الغردقة دلوقتي ، مش دلوقتي هقولك بعدين بس بسرعة بالله عليكِ
أنهت المكالمة ثم اتجهت إليها مرة أخرى وركلتها بقدمها بقوة وهي تقول :
- لو طلع اللي في بالي مش هرحمك
ظلت تبكي بصوت مرتفع وظهر عليها الخوف والتوتر ، نظر إليها «طيف» واقترب منها وهمس قائلًا :
- تبع غارم
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترمقها بضيق وأجابته :
- عارفة ومتأكدة من ده بس ليه يبعتها أوضتك مش فاهمة ؟
ابتسم وأجابها :
- الحكاية واضحة زي الشمس ، حكاية عيد الفندق السنوي والبت بتاعة الكوافير علشان يبعدوكي عن الأوضة وتيجي الهانم تغريني علشان أضعف ويصوروني وبكدا لو عرفت حاجة عن غارم ده يهددني بالفيديو وبكدا يبقى في أمان بس طلع غبي أوي وتفكيره قديم ولبس نفسه في حيط ، بالبت دي كدا هو وقع وهو اللي وقع نفسه ، عمري ما شوفت غباء بالشكل ده
هزت رأسها وقالت :
- فعلا عندك حق ، جت لقضاها وهو وقع ومحدش سمى عليه
وجها أنظارهما تجاهها وهما منتظران وصول الشرطة إلى الفندق وأثناء انتظارهما توقفت عن البكاء ووضعت شىء بداخل فمها ونطقت بلغة غريبة :
- على العهد .. سنكمل الطريق وستُسلم الراية لحامل العهد
نظرا لبعضهما بتعجب من تلك الكلمات التي خرجت منها وفجأة خرجت مياه بيضاء من فمها قبل أن تسقط قتيلة وسط صدمة «طيف» و «نيران» فهما لم يصدقا ما حدث في تلك الثواني القليلة.

اقترب منها «طيف» وحرك وجهها يمينًا ويسارًا ثم أمسك معصمها ليتحسس نبضها فوجدها قد فارقت الحياة ، نظر إلى «نيران» التي تتابع ما يحدث بصدمة وعدم تصديق وردد :
- انتحرت .. تقريبًا بلعت سم
نهضت من مكانها واقتربت بهدوء شديد ثم انخفضت وتأكدت من موتها ، نظرت إلى عينيها المفتوحتين وفمها الذي يخرج منه مياه بيضاء ثم نظرت إلى «طيف» ورددت :
- طيف الموضوع كبير ، مش حكاية إن مازن اتنصب عليه .. في حاجة أكبر من كدا مليون مرة بتحصل واللي قالته ده له علاقة بكدا
حرك رأسه متسائلا :
- قصدك ايه ؟ إرهابيين مثلا !
لوت ثغرها ثم نظرت إلى جثة تلك الفتاة وهي تجيبه :
- معرفش بس غارم ده خطر وبعد اللي حصل دلوقتي ده لازم نسيب الفندق وإلا هنموت قبل ما نعمل حاجة أصلا
لم يوافقها على طلبها واقترح عليها خطة بديلة :
- لا لو سيبنا الفندق هنبعد عنه وهنعرفه إننا عرفنا كل حاجة عنه وده هيخليه يبعت اللي يقتلنا ، احنا هنفضل هنا .. هنا زي ما قلتِ أكتر مكان أمان وهنا هنلاعبه على المكشوف
أمسكت بيده ونظرت إلى عينيه وقالت بحب وقلق في آن واحد :
- طيف أنت مش جاهز تتعامل مع ناس زي دي وده خطر عليك ، ماتخليش حماس الشغل يعرضك للخطر .. بعد اللي حصل النهارده ده لازم نعمله ألف حساب لأنه ماطلعش نصاب بس وضحك على مازن .. لا ده أخطر مليون مرة من كدا ، قلنا عليه غبي بس تقريبًا دي خطة من ضمن ألف خطة عنده واديك شوفت لما الخطة فشلت البت عملت ايه
قبض على يدها بقوة ليطمئنها ثم نظر إلى عينيها وردد بثقة :
- مع بعض هنقدر نوقعه ونعرف مين وراه زي ما عملنا قبل كدا ، عدت علينا مهمة أصعب من دي بمراحل وكلنا اتعرضنا للخطر بس قدرنا نوقعهم والعملية نجحت وكانت برا مصر كمان ، دلوقتي احنا هنا وسط أهلنا وزمايلنا ومش هيهمنا غارم ولا يوسف ، أنتِ ضهري وأنا ضهرك هنحمي بعض وهنضطر نوقف شهر العسل لفترة قصيرة وهنعوضه بعدين .. دلوقتي احنا في مهمة جديدة تمام ؟
ضمت شفتيها وهي تهز رأسها بالإيجاب وأردفت :
- تمام

حضرت سيارات الشرطة وتحولت الغرفة لساحة جريمة ، اقترب الضابط المسئول «هيثم» وردد بتساؤل :
- ماقدرتوش تعرفوا منها أى حاجة قبل ما تنتحر
هز «طيف» رأسه بالنفي وأجابه :
- لا مالحقناش ، في ثانية كانت بلعت السم وقالت جملة غريبة .. عهد وهنكمل طريق وراية ، مافهمتش منها حاجة بس حاجة زي طلسم من بتوع الجن والعفاريت وكدا بس مش زيه بالظبط يعني بس نفس صيغة الحوار
أومأ الضابط رأسه ثم سأل مرة أخرى :
- طب وهي ظهرت كدا بدون أي مقدمات ولا سبب ؟
ابتسم طيف وبدل نظراته بينه وبين نيران وأردف :
- احنا كنا في شهر عسل يعني أيوة ظهرت كدا وماأظنش سعادتك الأسئلة دي هتفيد بحاجة لأن احنا فعلا مانعرفش حاجة
وفي تلك اللحظة اقترب «غارم» منهم ونظر إلى «طيف» ليقول معتذرًا :
- أنا آسف يا طيف باشا أنت والمدام على اللي حصل بس احنا فعلا مانعرفش مين دي ودخلت هنا إزاي بس هنحاسب أفراد الأمن على اللي حصل ده وأوعدك اللي حصل ده مش هيتكرر تاني
لم يترك «هيثم» فرصة لطيف كي يرد عليه وبادر بسؤاله :
- ازاى فندق كبير زي ده وواحدة غريبة تتهجم على أوضة حد من المقيمين في الفندق ، أظن إنها مش صدفة وفي سبب ورا اللي حصل ده بدليل انتحار البنت .. تقريبًا علشان ماتقرش وتعترف على حد ولا أنت رأيك ايه يا أستاذ يوسف ؟
كان مسلطًا نظره على «طيف» وما إن أنهى «هيثم» سؤاله حتى نظر إليه بدهشة وأجابه :
- أنا زيي زيكم مش فاهم ده حصل ليه وازاي بس لو في تفسير فهو إن حد متضايق من طيف باشا والمدام أو له تار عنده وحب ينتقم منه بطريقة معينة بس برضه الغلط كله على الأمن اللي سمح ليها بالدخول
هنا ابتسم «هيثم» ووجه بصره إليه قائلًا :
- طيب يا أستاذ يوسف هنحتاج الفيد باك بتاع الكاميرات وسجل الناس اللي دخلت الفندق الأسبوع ده على الأقل
تبدلت تعابير وجهه لكنه سرعان ما أخفى ذلك ورد عليه :
- اه طبعا ، كل حاجة عايزها هتبقى جاهزة .. أستأذنك علشان أجهز اللي طالبينه
رحل وظل «هيثم» مثبتًا أنظاره عليه وقال بشك :
- مش عارف ليه مش متطمن له ، الراجل ده وراه حاجة أو مخبي حاجة وحاسس إنه يعرف حاجة عن اللي حصل ده

***

نظر إلى الورقة التي بيده ثم نظر إلى المنزل الذي كان بمنطقة شعبية بإحدى مناطق القاهرة ، أوقف طفل يلعب مع أصدقائه وسأله قائلًا :
- بقولك يا شبح ماتعرفش فين بيت المرحوم هاني عبدالشافي ؟
التفت الطفل برأسه وأشار إلى إحدى المنازل وهو يقول :
- اهو يا كبير ، الدور التاني
- تسلم يا غالي

اتجه إلى المنزل وصعد إلى الطابق الثاني ثم طرق الباب برفق وانتظر لثوانٍ حتى فتحت طفلة صغيرة الباب وقالت :
- أيوة ، عايز مين
انحنى قليلا وداعب وجنتيها بحب وهو يقول بابتسامة :
- عايز أقابل ماما يا قمر ، ممكن !
لم تترك الأم مجالا لها كي ترد وحضرت على الفور بعدما ارتدت حجابها وتقدمت وهي تقول متسائلة :
- أيوة .. مين حضرتك
رفع «زين» بطاقته الشخصية وهو يقول :
- الرائد زين الجيار
شعرت بالقلق وتراجعت خطوتين للخلف وهي تقول بتلعثم :
- اا...ايه يا باشا فيه ايه
- ممكن أدخل علشان عايز أسألك كام سؤال بخصوص جوزك هاني
أشارت للداخل وهي تقول بتلعثم وقلق زائد :
- اتفضل يا باشا بس هاني جوزي اتوفى الله يرحمه
دلف إلى الداخل وتقدم ليجلس على المقعد ثم رفع رأسه ليقول :
- أنا عارف إنه اتوفى ، كنت عايز أسألك على كام حاجة كدا
جلست هي الأخرى أمامه وهزت رأسها متسائلة :
- حاجة ايه يا باشا
شبك أصابعه أمامه واردف بجدية :
- جوزك مات ازاي وكان شغال ايه
ارتبكت في بداية الحديث لكنها تداركت الأمر في النهاية :
- م..مات موتة ربنا وكان شغال في الملابس ، كان بيجيب لبس ويقف يبيعه في العتبة
هز رأسه بالإيجاب واستعدت ليسألها سؤال آخر لكنه استمع لرنين هاتفه فدس يده بجيب بنطاله ورفعه أمام عينيه ليرى مَن فوجدها شقيقته الكبرى «ياسمين» ، عقد ما بين حاجبيه بتعجب ثم لمس الشاشة ورفع الهاتف على أذنه وهو يقول :
- ياسمين !! حصل حاجة ؟ ، ايه بتقولي مين سرقك ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل العاشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


ودت لو تخفي هذا الأمر على ضابط الشرطة «هيثم» لكنها أرادت المساعدة حتى لا تكون وحدها هي وزوجها في هذا الأمر لذلك نظرت إليه واردفت :
- هو فعلا محل شك .. صاحب الفندق ده تقدر تقول كان نصاب ونصب على زميل طيف واداله صورة له وبالصدفة اتفاجئنا إنه مدير الفندق هنا وطيف قرر يعرفه إنه صاحب مازن بطريقة غير مباشرة ومن ساعتها وهو مختفي بس ظهر امبارح وبعت عشاء وواثقة إنه ورا الموضوع بتاع البنت دي
نظر «هيثم» إلى «طيف» وضيق ما بين حاجبيه قائلًا :
- طيب مادام هو له سوابق كدا سهل نوقعه وبعدين أنا واثق إنه مسح كل الفيد باك بتاع الكاميرات اللي فيها إدانة له وبكدا هنضطر نحطه تحت المراقبة
هز «طيف» رأسه وأكد على كلامه قائلًا :
- فعلا ده اللي هيحصل وأنا خلاص قطعت شهر العسل بتاعي أنا ونيران وهنحطه تحت المراقبة بس في حاجة هضيفها للخطة وهي إني هروحله وأبينله إني عارف كل حاجة علشان يبقى اللعب على المكشوف وبالطريقة دي هيبطل يحاول يعمل حاجة تانية مش على طول بس مؤقتا وفي الوقت ده هدور على أي دليل ضده أنا ونيران
لوى «هيثم» ثغره وردد بتردد :
- اه بس ده في خطر كبير على حياتكم
هنا قاطعته «نيران» وقالت معترضة :
- احنا ظباط شرطة مش مدنيين وأكيد فاهمين احنا بنعمل ايه يا هيثم باشا واحنا عملنا مهمات أصعب من دي بمراحل .. احنا كل اللي طالبينه بس هو مراقبة تليفون غارم ده ، ياريت تتواصل مع حد في مباحث الانترنت وينفذ علشان ده هيساعدنا جدا واحنا هنتواصل مع زمايلنا في القاهرة يشوفوا عمليات النصب اللي تمت خلال السنتين اللي فاتوا وهنعرض عليهم صورة غارم وطبعا مازن صاحب طيف هيبقى منهم ولو قدرنا نجمع كذا شخص أجمع إنه نصاب هنقدر نقبض عليه بسهولة بتهمة النصب ونحاول نعرف منه إذا كان في وراه حاجة تانية ولا لا
هز «طيف» رأسه بالموافقة مؤكدًا على كلامها وأردف :
- بالظبط ده اللي هيتم يا هيثم باشا ولو كلنا اتعاونا مع بعض هنقدر نوقعه في وقت قياسي جدا بس كل حاجة تتم مظبوط
اقتنع «هيثم» بحديثهم وضم شفتيه وهو يهز رأسه بالإيجاب ثم قال :
- تمام جدا ، أنا همشي في كل الإجراءات وده رقمي علشان لو حصل أي حاجة أقدر أقدم المساعدة
ربت «طيف» على كتفه وردد بابتسامة :
- تسلم

***

ارتشف من فنجان القهوة الخاص به أثناء جلوسه على مقهى مع صديقه المقرب «رامي» ثم ابتسم بثقة وهو يردد :
- ياه كدا عظمة أوي ، هانت
ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وهتف متسائلًا :
- هو ايه اللي هانت يا حوس ! اوعى يكون اللي في دماغي
هز رأسه بالإيجاب وهو يؤكد على ما قاله بابتسامة :
- هو اللي في دماغك ، كلمت آسيا وأقنعتها إني بحبها وبعشقها وماليش غيرها وماكنتش متوقع سهولة الدنيا كدا ، مدلوقة على الآخر .. هتجوزها وهخلص عليها وعلى كل اللي حيلتها
- أيوة يا عم ولعانة معاك ، وأبوك يعرف الحوار ده ولا ايه!
هز رأسه بالنفي قائلًا :
- لا طبعًا بس هروح وأقوله إني قررت أشتغل وأبقى اد المسئولية وأشتغل معاه في الشركة وبعدين أعرض عليه الجواز من آسيا وهيوافق على طول وبعدين بقى أتجوزها وأكوش على الملايين اللي معاها
- وأنت ايه اللي مخليك متأكد إنها معاها ملايين
قهقه بصوت مرتفع وخبط بيده على يده الأخرى وهو يقول :
- مين قالي !! جرجرتها في الكلام امبارح وعرفت إنها مريشة على الآخر ، مش هتصدقني لو قلتلك هي بس معاها كام .. بكرا الفلوس تلعب معايا ومن غير شغل في الشركة والقرف ده وساعتها هروق عليك أنت والشلة ...

***

- ياسمين !! حصل حاجة ؟ ، ايه بتقولي مين سرقك ؟ طيب طيب أنا جاي
أنهى «زين» المكالمة مع شقيقته ونهض مسرعًا وهو يقول :
- طيب أستأذن أنا علشان في مشكلة كدا بس هرجع تاني علشان أكمل كلام معاكِ
أومأت رأسها بالإيجاب قائلة :
- تنور يا باشا .. تنور

نزل إلى الأسفل واستقل سيارته متجهًا إلى الشركة الخاصة بوالده سابقًا وشقيقته حاليًا ، ترجل منها ثم أسرع إلى الداخل ولاحظ الجميع حضوره بعد سماعهم للمشادة بين «ياسمين» و «نائل» ، اتجه إلى مكتبها فوجدها جالسة وأمامها «نائل» واققًا وينظر للأسفل ، تفحصه بعينيه قبل أن ينظر إلى شقيقته قائلًا :
- حصل ايه وعمل ايه ده ؟
أشارت بأصبعها عليه وهي تقول بغضب :
- الحرامي اشتغل امبارح واديته نص شهر والنهارده عايز يسيب الشغل ويسرق الفلوس اللي خدها
رفع «نائل» رأسه ليدافع عن نفسه وأسرع قائلًا :
- مش ده اللي حصل يا باشا ، أنا ...
صرخت فيه بصوتها الغاضب المرتفع قائلة :
- اخرس أنت .. ماأسمعش صوتك خالص
ثم نظرت إلى شقيقها وتابعت :
- أنت لازم تحبسه وحالا ، لازم تاخده على القسم دلوقتي ويتحبس يا زين علشان يبقى عبرة لكل الموظفين اللي في الشركة
رفع كفه أمامها ليحاول تهدئتها وأردف بجدية :
- اهدي أنتِ بس وأنا هعمل اللازم
ثم نظر إلى «نائل» الذي كان صامتًا لا يتحدث وأشار إليه قائلًا بصيغة الأمر :
- وأنت اتفضل قدامي .. يلا اخلص !!
استجاب لأمره وسار أمامه إلى الخارج وسط تهامس الجميع ونظرات «وحيد» الحزينة فهو يعرف أنه شخص جيد ولا يستحق ما حدث معه ، لابد وأن شيئًا ما حدث حتى تبلغ أخاها كي يُلقي القبض عليه .
فتح باب السيارة الأمامي وأردف :
- اركب
استجاب لأمره ودلف إلى السيارة فأغلق هو الباب ودار حول السيارة ليدخل هو ويقود السيارة إلى قسم الشرطة ...

"فى مكتب الرائد زين الجيار"

- ها احكيلي حصل ايه
قالها «زين» لـ «نائل» الجالس أمامه فاستجمع قواه وبدأ سرد ما حدث منذ البداية عليه دون أن ينسى أو يخفي حرف وأنهى حديثه قائلًا :
- ده اللي حصل وأنا عمري ما كنت حرامي ولا هسرق ولما رديت عليها اتعصبت عليا ومش عارف ليه اتهمتني كدا ؟ ده غير الإهانة اللي شوفتها .. أنا أول مرة حد يعايرني بفقري ، هو أنا اللي بختار أتولد غني أو فقير !! ليه تقولي أنت فقير ومش لاقي تاكل ؟ هو الفقر عيب ! أنا عمري ما استعريت من فقري بس ليه هي تهيني كدا
شعر «زين» بالخجل مما فعلته شقيقته المتهورة فهو يعرفها جيدًا فـ لقد تبدلت للأسوأ وأصبحت غليظة المعاملة ليس مع الغرباء فقط ولكن مع عائلتها أيضًا

ضغط على شفتيه بحرج قبل أن يرسم ابتسامة على وجهه ويقول بلطف :
- أنا مصدقك يا نائل وبتأسفلك على اللي أختي الكبيرة عملته ، هي مش عارفة هي بتقول ايه وهي طبعًا غلطانة في كل الحالات .. معلش سامحها هي متغيرة من ساعة وفاة والدها وكدا ، أنا كنت حاسس إنها اللي عاملة المشكلة من البداية علشان كدا خدتك هنا بعيد عن المكتب علشان أفهم منك علشان طول ماأنا قريب منها مش هتديني فرصة أسمعك ، أنا هعينك موظف في الشركة وفي منصب حلو كمان كتعبير مني عن الاعتذار للكلام اللي أختي قالته
ابتسم بلطف وهو يقول :
- تسلم يا زين باشا وأنا قبلت الاعتذار لكن اسمحلي أنا مش هشتغل في الشركة ، إن شاء الله هلاقي شغل في مكان تاني و ..
قاطعه بجدية بعدما نهض من مكانه استعدادًا للرحيل :
- أنا لما أقول كلمة تنفذها يا نائل ، أنت هتشتغل في الشركة ومش عندها ، اعتبر نفسك شغال عندي أنا .. الشركة بتاعتي زي ما بتاعتها ويلا بينا علشان أكلمها وأسلمك الشغل
صمت قليلًا فهو لا يريد العودة إلى هذا المكان لكن ليس بيده حيلة ، رفع رأسه وابتسم بلطف قائلًا :
- تمام يا زين باشا اللي تشوفه

***

نظرت إلى صديقتها وأردفت :
- النهارده يوم مش طبيعي ، حصل فيه كمية مصايب وآخرها زين اللي قبض على نائل ... الفضول هيموتني ، عايزة أعرف التفاصيل وإلا هتجنن
تدخل «جاسر» ليجيبها بدلًا عن صديقتها :
- يابنتي اهمدي أنتِ مش وراكي غير المصايب اللي بتحصل ! خلصي الشغل بدل ما الدور يجي عليكي وأنتِ عارفة ياسمين مش بترحم ولبست الواد الغلبان مصيبة
اشاحت وجهها وهي تلوح بيدها في الهواء غير مبالية وأردفت :
- شوف أنا بقول ايه وأنت بتقول ايه ، بس عندك حق في حوار الشغل .. أخلصه قبل ما تطب عليا وتطين عيشتي أما عن حكاية اللي حصل النهاردة ياخبر بفلوس بكرا يبقى ببلاش

***

رحل الضابط بعد انتهاء كافة الإجراءات وبقى «طيف» ومعه «نيران» وأثناء تفكيرهما بخطوتهما التالية سمعا طرقات على باب الغرفة فتوجهت هي لتفتح الباب ، بالفعل ففوجئت بـ «غارم» أمامها وعلى وجهه ابتسامة خفيفة وهتف قائلًا :
- ممكن أدخل ؟
أشارت إلى الداخل وهي تقول :
- اتفضل
تقدم إلى داخل الغرفة خطوتين وتوقف قبل أن يبدل نظراته بينهما وهو يقول :
- أنا جهزت ليكم أوضة تانية بدل دي بسبب اللي حصل وكدا علشان راحتكم ماتقلش ولا حاجة
ابتسم طيف ووقف قبل أن يتجه إليه بخطوات متمهلة حتى وقف أمامه مباشرة ، نظر إلى عينيه بتحدي وأردف :
- قولي يا غارم أو يوسف أو وات ايفر اسمك الحقيقي ايه.. أنت نصاب ولا إرهابي ولا دجال ولا ايه شغلانتك بالظبط !! ارضي فضولي وقولي كدا علشان نبقى متصافيين واحنا بندردش مع بعض
ارتفع إحدى حاجبيه بتعجب مما يقوله وأردف بثقة :
- أنا ولا حاجة من دي ، أنا بيزنس مان ناجح وصاحب الفندق ده .. مش فاهم ايه الكلام اللي أنت بتقوله ده الصراحة ومتفاجئ
ربت على كتفه وردد ضاحكًا :
- يا راجل ماتضحكنيش .. احنا خلاص بقينا نلعب على المكشوف ، أنت عارف إني ممكن أقبض عليك دلوقتي ومالكش حق تعترض بموجب قانون الطوارئ !! تعرف ولا ماتعرفش يا غارم
ابتسم «غارم» ورفع رأسه بثقة شديدة وهو يقول بتعالٍ :
- طب ما تقبض عليا يا طيف باشا ، ايه اللي مانعك ! أنا قدامك أهو
بادله نفس الابتسامة وقال بثقة أكبر :
- علشان أنا ماباخدش الطريق السهل ، لازم أجيب كل التهم على مقاسك علشان تلبسها وتريحك وبعدها تدخل السجن وتقضي فيه بقية حياتك ده لو ماخدتش إعدام في تهم تانية علشان كدا عايزك تفضفض كدا وتحكيلي أنت مين
نظر في كل مكان بالغرفة قبل أن ينظر إليه مرة أخرى ويقول :
- ياترى حاطط الموبايل اللي بيسجلي فين !
أخرجت «نيران» هاتفها واتجهت إلى السرير وسحبت هاتف «طيف» من فوقه وفتحتهما أمامه وهي تقول :
- احنا مش بتوع تسجيلات .. فهمنا بقى احنا بنتعامل مع مين ومين البنت اللي بعتها دي وايه الجملة اللي قالتها بعد ما انتحرت دي ؟
بدل نظراته بينهما ورفع إحدى حاجبيه ليضيف المزيد من الغموض على شخصيته وأردف :
- أنا شبح .. تقدروا تقولوا جن أو عفريت بس متجسد في دور بشر ، عملت كل وأي حاجة حرام في الدنيا دي .. عايش علشان أتبسط وأتمتع بس وعمري ما خفت من حاجة ولا خفت أقع ولو اتسجنت هخرج أنت عارف ليه ؟ علشان أنا شبح ومش لقب .. دي ميزة ، ها فهمتوا ولا احتارتوا أكتر ؟
ظل «طيف» مسلطا نظره عليه بينما تحدثت «نيران» :
- عايز تفهمنا إنك مش بني آدم مثلا يعني ! وبعدين لما أنت شبح بتعمل كل الجرايم اللي أنت مفتخر بيها دي ليه ؟ علشان شبح برضه ولا علشان دي ميزة !
قهقه بصوت مرتفع وهدأ رويدا رويدا ثم نظر إليها وردد :
- يمكن مش بني آدم وده اللي مخليني أعمل اللي أنا عايزه بس في نفس الوقت أنا واحد من البشر .. ممكن تقولي ميزة أو صفة أو انا كدا فعلا براحتك أما بعمل كدا ليه فدي بقى متعتي ، أنا عايش علشان أتمتع زي ما قلت يعني أي حاجة هتبسطني بعملها يعني أنصب مش علشان محتاج فلوس
هز رأسه بالنفي وتابع :
- علشان أتمتع .. أشوف اللي فلوسه ضاعت وهو بيتحسر وبينتحر بسببي ببقى في قمة متعتي وسعادتي
قاطعه «طيف» وقال بغضب :
- اه أنت مريض بقى .. بما أني دكتور نفسي سابقًا فـ أنا بنصحك تشوف دكتور يعالجك لأنك مريض نفسي وفي حالة خطر كمان
رمقه وردد بابتسامة :
- عايز تسميها مرض نفسي اوك تمام ، بس نصيحة بلاش تقفوا قصادي علشان هتخسروا .. هتخسروا جامد أوي ودي مفيش بعدها ندم ، مش تهديد بس لو حبيت أتسلى وأكمل متعتي حد فيكم هيموت والتاني هيعيش باقي حياته يتحسر عليه حاجة كدا شبه خطيبك يا نيران اللي مات بسببك
اتسعت حدقتيها بصدمة بسبب معرفته لهذا الأمر وكذلك طيف الذي نظر إليها ثم نظر إليه وردد متسائلا :
- أنت تعرف موضوع خطيب نيران ده منين ؟

***

ظل يتحرك ذهابًا وإيابًا يفكر في حل لتلك المعضلة والتي ستودي بحياته وتنهي كل ما بدأه ، اتخذ القرار الأخير ورفع هاتفه على أذنه بعدما اتصل بأحد رجاله :
- أيوة .. نفذ كل اللي قلتلك عليه
- تمام يا باشا وبالنسبة لمراته وبنته ؟
جلس على مقعده ووضع قدمًا فوق الأخرى وأردف بجدية وتوعد :
- نفذ ومش عايز غلطة مفهوم ؟
- مفهوم ياكبير

***

سمعت طرقات على باب المنزل فأسرعت لتفتحه وهي تقول :
- حاضر حاضر ، ما تصبر يالي على الباب
وصلت إليه وفتحته ففوجئت برجلين أحدهما يمسك بمسدس ويقوم بلف شىء ما بفوهته وما علمته في تلك اللحظة أنه يقوم بتركيب كاتم للصوت فهي عرفت ذلك من زوجها الذي توفى ، وكان الآخر يقف خلفه وينظر إليها نظرات مميتة ، كل هذا جعل قلبها ينخلع من الخوف فتراجعت وهي تقول :
- أنتوا عايزين مني ايه ؟ أنا ماعملتش حاجة أبوس ايديكم ارحموني أنا وبنتي
تقدما بقلب جامد ورفع الأول سلاحه واستعد لإطلاق النار فصرخت هي بخوف وببكاء :
- أبوس ايديكم بنتي مالهاش ذنب ، اقتلوني أنا بس سيبوها
لم ينتظر أكثر من ذلك وأطلق رصاصة من مسدسه لتستقر في جسدها ولم يكتف بذلك بل أطلق رصاصتين ليتأكد من موتها

كانت الصغيرة في غرفتها تذاكر دروسها حين سمعت صوت صراخ والدتها بالخارج فأسرعت لترى ماذا يحدث فوجدت والدتها على الأرض وقد فارقت الحياة وأمامها رجلان نُزعت الرحمة من قلوبهما ، انهمرت الدموع من عينيها وتراجعت للخلف بخوف فتقدم الذي يحمل السلاح حتي وصل إليها وأمسك خصلات شعرها بعنف ووضع سلاحه بداخل فمها فرفعت بصرها له كي تترجاه لكي لا يفعل ذلك لكنه أطلق رصاصته دون رحمة لتخترق فمها وتخرج من خلف رأسها ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الحادي عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


- بقولك طردته وسجنته كمان بتهمة السرقة ..متزعلش بقى
قالتها «ياسمين» هاتفيًا لـ خطيبها «يوسف» الذي قال غير مصدقًا :
- طردتيه ! بالسرعة دي ؟ وده علشاني ولا علشان حصل حاجة ؟
ابتسمت بخبث وهي تدور بالمقعد الخاص بها وتنظر إلى الأعلى ثم قالت :
- طبعًا علشانك يا حبيبي امال أنت فاكر ايه، المهم متزعلش نفسك وهستناك توصلني النهارده
لمعت عيناه وهو يجيبها بمكر :
- حاضر أنتِ تؤمري يا ياسو ، هخلص كل اللي ورايا وأجيلك
كادت أن تتحدث مرة أخرى إلا أن أخاها فتح الباب ودلف إلى الداخل ومن خلفه «نائل» فاعتدلت في جلستها وهى تبدل نظراتها بين الاثنين بعدم تصديق وصدمة ثم قالت بخفوت :
- اقفل يا يوسف هكلمك تاني
وتركت هاتفها قبل أن تنهض من مكانها وتتجه إلى أخيها ، نظرت إليه ثم أشارت إلى «نائل» وأردفت :
- البني آدم ده ايه اللي جابه هنا تاني ؟
ابتسم ابتسامة واسعة وهو يشير إليه قائلًا :
- البني آدم ده هيشتغل هنا وبما إنك مديرة الشركة ومفيش مدير عمليات يتابع الشغل وأنشطة الشركة ويساعدك فأنا قررت أعينه مدير العمليات في الشركة يعني الرجل التاني بعدك
توسطت خصرها بيدها وصرخت فيه باعتراض :
- نعم !! مدير عمليات ايه ؟ أنا الشخص ده لو فضل في الشركة أنا اللي هدخله العمليات .. زين متعصبنيش على الصبح
التفت له وأشار برأسه كي ينتظره في الخارج فاستجاب لطلبه ، انتظر خروجه وما إن خرج حتى توجه ليجلس على المقعد ووضع قدمًا فوق الأخرى وقال :
- اقعدي يا ياسمين أنا هفهمك
جلست على المقعد المقابل له وهتفت باعتراض :
- تفهمني ايه يا زين ؟ أنت عايز تمشي كلامك عليا !
- أمشي كلامي عليكي ايه يا ياسمين ؟ الراجل أنتِ ظلمتيه وده كله علشان رفض يساعدك في التمثيلية بتاعتك على يوسف .. أنتِ من امتى وأنتِ قلبك قاسي كدا ؟ هو حكالي كل حاجة وأنا مصدقه لأني بعرف اللي بيكدب من اللي بيقول الحقيقة وماينفعش اللي قلتيه ليه ده ، هو اختار فقره بنفسه علشان تعايريه بفقره ؟ بابا عمره ما علمنا كدا ولا ربانا على كدا
ظلت تهز قدمها بحركة انفعالية دون أن ترد عليه فتابع هو :
- أنا عرفت إنه خريج تجارة وده هينفعك وينفع الشركة لو فهم الشغل وهخلي سهى تتابع معاه وتفهمه كل حاجة علشان يمسك هو الشغل لأن اللي زي نائل ده موثوق منه ومضمون عن أي حد تاني في المنصب ده
انتظرت حتى أنهى حديثه ثم قالت باعتراض واضح وقوي :
- خلصت كلامك ؟ أنا مش موافقة وأنا وهو مش هنبقى في شركة واحدة وبعدين أنت متمسك بيه أوي كدا ليه !! ده أنت لسة عارفه وكمان اشتغل يوم واحد في الشركة مش من زمن يعني علشان تصر على كلامك كدا
لوى ثغره وأردف :
- دماغك ناشفة ، متمسك بيه علشان باين عليه محترم و اد الشغل ده غير إني بلغت ظابط صاحبي يعمل تحريات عنه علشان أبقى واثق منه جدا ولما التحريات تخلص هعرف إذا كانت نظرتي صح ولا غلط وهو هيشتغل هنا سواء برضاكي أو رفضك .. أنا عينته هنا في الجزء الخاص بيا واللي عندك اعمليه
ثم نهض من على كرسيه واستعد للرحيل وفي نفس الوقت فكرت هي في الأمر وابتسمت بخبث قبل أن تقول :
- خلاص موافقة إنه يبقى مدير عمليات الشركة بس بشرط
تحمس هو للأمر وقال مبتسمًا :
- شرط ايه؟
وضعت قدمها فوق الأخرى وقالت :
- يجي يعتذر دلوقتي عن كل اللي قاله
ارتفع حاجبيه بدهشة لما تقوله وهتف معترضًا :
- يعتذر !! يابنتي أنتِ اللي شاتماه ؟
رفعت إحدي حاجبيها وأصرت على كلامها قائلة :
- ولو هيجي يعتذر برضه ، ده لو عايز تديله المنصب ده وأنا ماأطفشهوش وأهينه أكتر
رفع كفيه أمام وجهها وقال بضيق :
- خلاص يا شيخة هجيبه يعتذر .. يارب يرضى

على الجانب الآخر قص «نائل» ما حدث على «وحيد» فربت على كتفه بحنو قائلًا :
- متزعلش يابني ، مش عارف والله أقولك ايه بس هي اتغيرت أوى من ساعة ما مسكت الشركة ، طالما زين قالك كدا يبقى هينفذ وعده وأقدر أقولك مبروك على المنصب الجديد من دلوقتي ، زين ده أطيب واحد في ولاد الجيار ودمه خفيف ويتحط على الجرح يطيب وكويس إنك حكيتله كل حاجة
نظر إلى الأسفل وردد بحزن :
- والله قلقان يا عم وحيد لو اشتغلت هنا مش هترحمني ، دي مش بني آدمة أبدا دي شيطانة على هيئة بشر
كاد أن يتحدث إلا أن «زين» قد فتح الباب وخرج فلاحظ «وحيد» فتقدم منه وهو يصيح :
- عم وحيد وحشتني والله ، ازيك يا راجل يا طيب
عانقه بحب وهو يربت على ظهره فهتف «وحيد» بحب وود :
- ازيك يا زين ياابني والله أنت اللي واحشني ، مابقيتش تيجي الشركة خالص زي الأول
اعتدل وربت على كتفيه وهو يجيبه بابتسامة :
- والله غصب عني الشغل مطلع عيني
- ربنا يعينك يابني ويحفظك
ثم نظر إلى «نائل» وردد :
- مش هوصيك على نائل ، ده زي ابني وأنا أضمنه برقبتي
هز رأسه بابتسامة قبل أن ينظر له ويقول :
- طبعًا ياعم وحيد أنت تؤمر وعلشان توصيتك دي أنا هعينه مدير عمليات الشركة
اتسعت حدقتيه وردد بصدمة غير مصدق لما قاله :
- أنا ! هبقى مدير عمليات الشركة !! ازاى ده أنا مش فاهم حاجة عن الشغل ولا طبيعته ازاى أبقى في منصب كبير كدا
ربت على كتفه قبل أن يقول بابتسامة :
- متقلقش يا وحش ، سهى هتدربك على كل حاجة وتفهمك الشغل بس في حاجة صغيرة .. ياسمين وافقت بس عايزاك تعتذر
خفض رأسه إلى الأسفل ثم رفعها مرة أخرى وقال بهدوء :
- بس أنا مغلطتش علشان أعتذر
ابتسم وهو يربت على كتفه قائلًا :
- أنا عارف بس خدها على اد عقلها ويلا .. أنا عارف أختي كويس أوي ، هاا
فكر قليلًا في طلبه وأخذ القرار الأخير وهو الاعتذار لها حتى ينتهي من كل هذا ، أومأ رأسه ودلف معه إلى المكتب فرمقته باستعلاء ، تنهد وحاول إخراج تلك الكلمات التي كانت صعبة عليه وأخيرًا استطاع إخراجها وقال :
- أنا آسف على اللي قلته
رمقته من رأسه لأخمص قدميه بتعالي قبل أن تقول :
- تمام بس تشوف شغلك وسهى هتعرفك الشغل كويس ومش عايزة غلطات لأنك المفروض هتراقب الموظفين وتتابع الشغل وده مش هزار
أجابها بإيجاز شديد :
- إن شاء الله
هنا تدخل «زين» ورفع صوته بابتسامة وهو يقول :
- هاااه الحمدلله ، يلا بقى تعالى أوريك مكتبك الجديد يا نائل

تحركا معًا إلى الخارج لكنهما فوجئا بـ «يوسف» الذي كان مبتسمًا وسعيدًا بسبب علمه بطرد أخيه من الشركة لكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة وعاد وجهه للعبوس مرة أخرى عندما وجده أمامه مرة أخرى ، ابتسم «زين» بخبث وقال متصنعًا :
- ايه ده يوسف ازيك يا عم عاش من شافك
ابتسم إليه بتصنع ثم عاد ينظر إلى «نائل» مرة أخرى بغضب فتدخل «زين» قائلًا :
- أعرفك بـ نائل مدير عمليات الشركة الجديد ونائب رئيس مجلس الإدارة
اتسعت حدقتيه بعدم تصديق وظل يبدل نظراته بين الاثنين وقد عجز عن الرد

في هذا الوقت شعر «زين» بالسعادة لشعور الصدمة الذي ظهر على وجهه بشكل كامل فهو يبغضه كثيرًا وكان ضد خطوبة شقيقته لهذا الفاشل كما يدعوه والآن بعد معرفته حقيقة خداعه لشقيقته زاد كرهه له وتوعده بكل شر إن حدث لشقيقته شيء بسببه ، سحب «نائل» قبل أن يقول :
- بعد اذنك ، يلا يا نائل علشان أوريك المكتب بتاعك
تركه ورحل بصحبة «نائل» وبقى هو في مكانه غير مدرك لما يحدث ...

***

اتسعت حدقتيها بصدمة بسبب معرفته لهذا الأمر وكذلك طيف الذي نظر إليها ثم نظر إليه وردد متسائلا :
- أنت تعرف موضوع خطيب نيران ده منين ؟
ابتسم بفخر وأجابه بثقة قائلًا :
- مش بس أعرف موضوع خطيبها .. أنا عارف كل حاجة عنكم وعن آخر مهمة نفذتوها برا مصر وعن كلمة "قلب الفندق" مش دي الكلمة اللي كانت في الفندق بتاع المهمة واللي المهمة اتسمت باسمه "بنت القلب" !أنا أعرف كل حاجة عنكم وعن النفس اللي بتتنفسوه ونصيحة كل اللي بتخططوا له انسوه واشتروا حياتكم أحسن .. أنتوا عرسان وداخلين على دنيا ومش حمل حاجة أنتوا مش ادها
لم يعرف «طيف» ماذا يقول في تلك اللحظة ، اكتفى بالنظر إلى «نيران» التي كانت تستمع بصدمة ولم تستعب كم المعلومات التي كان على علم بها ، تحرك بنظره إلى «غارم» الذي لم تفارق ابتسامة الشر وجهه وردد :
- احنا عمرنا ما هنخاف وإذا كنت بتراقبنا فده برضه مش هيخوفنا بس هسألك سؤال واحد .. ايه سر ثقتك المستمرة دي وليه مقتنع إنك أنت اللي هتغلب مش إحنا ؟
بدل نظراته بينهما وتراجع للخلف خطوتين وهو يقول :
- لأني زي ما قلتلكم في الاول أنا شبح
ثم هم بالانصراف وتركهما في حيرة أكبر فهم لم يتوقعا هذا كله ، نظرت إليه وأردفت :
- معنى كلامه ده ايه؟
حرك رأسه ولوى ثغره وهو يقول :
- معرفش بس هو حاجة من اتنين ، يا إما مسنود أوي يا إما شبح زي ما بيقول
ضيقت ما بين حاجبيها ورددت بعدم رضا :
- شبح ايه يا طيف ، هو في عفريت أو شبح بيمسك فندق وبينصب على الناس
ابتسم «طيف» وأجابها :
- وده ينقلنا للخيار التاني وهو إنه مسنود أوي ، ما هو المثل بيقول ياللي ليك ضهر تتسند عليه دوس على الناس وماتقلش ليه
رفعت حاجبيها بإعجاب وأردفت :
- تصدق أحسن مثل قلته من ساعة ما اتجوزنا
- ليكي نفس تهزري وتقولي أمثال في المصيبة اللي إحنا فيها دي ؟
ارتفع حاجبيها بتعجب واتسعت حدقتيها وهي تقول :
- أنت اللي قلت المثل على فكرة
ثم ضربته في كتفه وتابعت :
- وبعدين ركز كدا وسيبك من الهزار ده علشان دخلنا في الجد والتدريب هيبقى عملي يا معلم
رفع إحدى حاجبيه ليقول معترضًا :
- ايه معلم دي ؟ إحنا شغالين في جزارة !! اسمها يا كبير
ضربته مرة أخرى في كتفه وقالت :
- على أساس يا كبير دي مش بنتاجر في المخدرات مثلا يعني ، بقولك ايه اظبط كدا واسمعني علشان أنا اللي هحط الخطة زي المهمة اللي فاتت
- ايه هتشعلقينا وندخل من الشبابيك تاني ؟
حركت رأسها بالإيجاب وأكدت على ذلك قائلة :
- برافو عليك هو ده اللي هيحصل والمرة دي هنكون لوحدنا يعني الغلطة بموتة .. هيقرأوا علينا الفاتحة لو معرفناش ننفذ صح
دفن وجهه في كفيه وأردف :
- جت الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح .. ده مابقاش شهر عسل ده بقى طحينة بحياة حزينة
أبعدت يده عن وجهه ورفعت رأسه بقوة وأردفت :
- بطل ولولة بقى واسمعني .. فين طيف الجد بتاع من شوية ولا أنت اتحولت
رسم ابتسامة واسعة على وجهه وأردف :
- اديني انشكحت أهو ، قولي خطتك اللي هتخليهم يقرأوا علينا الفاتحة بكرا .. كل من عليها فان
نهضت من مكانها واتجهت إلى حقيبتها وأحضرت دفتر ملاحظات صغير وقلم ، عادت إليه مرة أخرى وبدأت في رسم واجهة الفندق بعناية شديدة وبعدما انتهت أشارت إليه قائلة :
- بص ده الفندق واحنا هنا ، عندك كل البلكونات بعاد عن بعض بس هنقدر ننط من البلكونة بتاعتنا على البلكونة اللي جنبنا ونتنقل بين البلكونات لغاية ما نوصل للدور الرابع ده واللي فيه المكتب بتاع غارم .. هندخل من الشباك ونقلب المكتب بتاعه على أى أوراق ونرجع زي ما جينا
صفق بيديه وردد بابتسامة :
- عاش أوي ومين سوبر مان اللي هينفذ المهمة دي
رفعت إحدي حاجبيها قائلة:
- أنا وأنت يا طيف
اتسعت حدقتيه وهتف بصدمة وصوت مرتفع :
- نعم ياأختي ؟ أنتِ بتتكلمي كأننا هنتمشى خطوتين .. اللي بتقوليه ده استحالة ولو حضرتك متدربة فأنا ميح خالص ومش هعرف أتشعلق زي القرد كدا بين البلكونات
لوت ثغرها ونظرت إليه بحزن :
- طب والحل ؟ أنت فعلا مش هتعرف تنط ولا تعمل ده .. اممم طيب بص خليك أنت وأنا هروح لوحدي
أمسكها من معصمها قبل أن تقوم من مكانها وردد معترضًا :
- اقعدي يا نيران هو أنتِ رايحة تجيبي طماطم !! ايه رايحة لوحدي دي ، هنروح مع بعض بس عندي طريقة تانية وأرجوكي ماتفهميش غلط
ضيقت نظراتها ورددت بتساؤل :
- ماأفهمكش غلط ليه !! مخبي عني ايه يا ابن سيادة اللواء ؟
قلب الورقة ومسك القلم وبدأ في رسم شيء جديد وما إن انتهى حتى أشار إلى الورقة وقال :
- ده الأسانسير الخاص بغارم واللي بلاحظ إنه بيطلع منه لمكتبه وقدامه بالظبط مكتب لسكرتيرة خاصة بيه ده غير السكرتيرة بتاعة مكتبه .. إحنا لو قدرنا نطلع لمكتبه بالليل هيكون مفيش سكرتيرة تحت ولا فوق وأمر بتوع الريسيبشن أو الأمن محلول وهنقدر نختفي من قصادهم بس علشان نطلع ونعمل ده لازم حاجة تشغلهم عننا ومحدش يشوفنا واحنا داخلين الأسانسير
هزت رأسها بالإيجاب وأعجبها مُخططه :
- تمام أوي والحاجة اللي هتشغلهم دي عليا أنا ، هنطلع مكتبه ندور على أي حاجة تخصه ولو مالقيناش هنضطر نراقبه من بعيد لبعيد لغاية ما يوصلنا حاجة من هيثم ، وأنت بلغ سيادة اللواء دلوقتي بكل حاجة علشان يبقى معانا خطوة بخطوة ونحاصر غارم ده

***

خرج «فهد» من سيارته واتجه إلى ذلك المنزل المذكور بالمستند الذي تلقاه من اللواء «أيمن» ، طرق بخفة على الباب وانتظر قليلًا قبل أن يفتح رجل كبير السن الباب ، نظر إليه وردد :
- حضرتك فارس حسين
صمت «فارس» قليلًا قبل أن يجيبه بتردد :
- أيوة يابني أنا فارس .. ماقلتليش أنت مين ؟
ابتسم «فهد» ومد يده ليصافحه قائلًا :
- أنا النقيب فهد من المباحث وطبعا جايلك بخصوص قضية الديب ويب عارفها
تبدلت تعابير وجهه وظهر التوتر وردد متسائلًا :
- القضية دي عدى عليها زمن .. 15 سنة ياابني ، عايز تعرف ايه
ابتسم «فهد» وتقدم إلى داخل المنزل دون أن يأذن له «فارس» ، نظر في كل مكان والتفت إليه قائلًا :
- عدى زمن لكن بدأت تاني ياعم فارس وأنت عارف يعني ايه تبدأ تاني يعني فيها خراب وناس هتموت وهنبقى مركز للعصابات والمافيا العالمية .. أنا عايزك تقولي كل حاجة من الأول كأني بحقق في القضية القديمة

***

ظل يتحرك ذهابًا وإيابًا يفكر في حل لتلك المعضلة والتي ستودي بحياته وتنهي كل ما بدأه ، اتخذ القرار الأخير ورفع هاتفه على اذنه بعدما اتصل بأحد رجاله :
- أيوة .. نفذ كل اللي قلتلك عليه
- تمام يا باشا وبالنسبة لمراته وبنته ؟
جلس على مقعده ووضع قدمًا فوق الأخرى وأردف بجدية وتوعد :
- نفذ ومش عايز غلطة مفهوم ؟
- مفهوم يا كبير

***

فُتح باب الزنزانة التي يوجد بداخلها سجناء عملية تهريب المخدرات التي نفذها الرائد زين الجيار ، دخل سجين جديد وجلس بجوارهم ، رمقهم جميعًا بنظرات مجهولة وسرعان ما وجد أخيرًا قائدهم ومن يبحث عنه فنهض من مكانه واتجه ليجلس بجواره وما إن فعل ذلك حتى نظر إليه قائلًا :
- الباشا بيسلم عليك أنت والرجالة
انتبه «مجدي» له وزادت ضربات قلبه مع زيادة خوفه وقلقه فعو يعرف أن نهايته الآن ولا مهرب من ذلك ، عجز عن الرد ولُجم لسانه من شدة الخوف ، خلع السجين الجديد حذاءه وسحب من نعله قارورة صغيرة بها محلول ما ورفعها أمام وجهه وهو يقول بابتسامة :
- لو خايف أنت والرجالة على أهلك يبقى تخلصوا ده دلوقتي ومن غير نفس
ثم رفع صوته ليسمعه باقي السجناء :
- أهلكم تحت ايدينا ولو ده مانفذتوش هيموتوا وبعدها هتموتوا أنتوا كمان !! أنا واثق إنكم هتختاروا الاختيار الصح
نظر كلٍ منهم إلى الآخر بنظرات خوف إلى أن قرر واحدٍ منهم أن يتناول منه السُم ، فتح القارورة وارتشف منها القليل ثم مد يده بها مرة أخرى إليه وعاد ليجلس مكانه منتظرًا الموت ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثاني عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


دلف إلى المكتب ومن خلفه «نائل» وأشار إلى الداخل قائلًا بابتسامة :
- ده بقى يا سيدي مكتبك الجديد ، كل حاجة جاهزة فيه وسهى هتفهمك كل حاجة عن الشغل وهتساعدك في حاجات كتير لغاية ما تبقى كأنك شغال من زمان مش قريب
ابتسم «نائل» وهز رأسه بالإيجاب وهو يفحص المكتب بعينيه وقد نال إعجابه كثيرا ثم نظر إليه وردد :
- تمام يا زين باشا ، هعمل اللي أقدر عليه وربنا يقدرني وأشوف شغلي على أكمل وجه
ربت على كتفه وردد مازحًا :
- مش عايز أقولك على تاريخ المكتب ده .. اشتغل أيام بابا واحد وعمل حادثة ومات وبعدها بفترة اتعينت بنت في نفس المنصب ونفس المكتب وعملت بعدها حادثة وماتت
اتسعت حدقتي «نائل» بصدمة وردد بقلق وتوتر :
- ماتوا !!
قهقه «زين» لرؤية شكله القلق والخائف وربت على كتفه مرة أخرى قائلًا :
- متقلقش ياعم وبعدين أنت أكيد مبتصدقش في موضوع النحس والكلام ده .. صح ولا ايه
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- لا مش بصدق في النحس بس مجرد الموقف خضني مش أكتر .. كنت عايز أسأل سؤال كدا .. اشمعنا أنا وليه حطيتني في المنصب ده ، أكيد مش علشان اعتذارك ليا بسبب إهانة الأنسة ياسمين ووثقت فيا ازاى بالسرعة دي
هز رأسه بالإيجاب واختفت ابتسامته قبل أن يقول بجدية :
- بص هو علشان أعبر عن اعتذاري وأردلك اعتبارك سبب من ضمن الأسباب والسبب التاني هو إنك تحافظ على الشركة وتحافظ على ياسمين وتحميها من أي حد .. اديك شوفت هي بتعمل ايه ويوسف عايز يعمل فيها ايه هي والشركة ومفيش غيرك هيقدر يحمي الشركة ويحميها في غيابي علشان زي ما أنت عارف أنا معظم الوقت في شغلي وده مش بيسمحلي أقعد معاها أو اجي الشركة كتير .. أنا جيت النهاردة بسبب اللي حصل وعطلت شغل مهم جدا فـ ده سبب أما السبب الرئيسي هتعرفه بعدين مش دلوقتي .. أوعدك تعرفه بعدين
هز رأسه وابتسم بلطف قائلًا :
- إن شاء الله أكون عند حسن ظنك وأقدر أنفذ اللي عايزه مني ومتقلقش خالص .. خليك في شغلك وأنا هعمل اللي عليا
استعد للرحيل وردد :
- أنا متأكد من ده .. ربنا يعينك ومش هوصيك على ياسمين وأي حاجة تحصل كلمني على طول
- تمام إن شاء الله

***

اتجه إلى الداخل ووجه نظره إلى «ياسمين» التي هربت من نظراته وردد منفعلًا :
- ايه اللي أنا شوفته وسمعته ده !! نائب رئيس مجلس إدارة الشركة ؟ ازاي يعني ! أنتِ مش قلتِ طردتيه ايه اللي بيحصل بقى دلوقتي
وقفت ودافعت عن نفسها قائلة :
- أنا فعلا طردته واتهمته بالسرقة بس الظاهر عيط لزين وزين صدقه وعينه في المنصب ده وقال ايه أنا اللي غلطانة وهو برئ ومقدرتش أمنعه لأنه له نص الشركة .. بس ولا يهمك
جلس على الكرسي ولوح بيده في الهواء وهو يقول باعتراض وقد زاد ضيقه :
- ولا يهمني ازاي بقى ده سيطر على الشركة أهو وبكرا يكوش عليها وهفكرك
جلست هي الأخرى ونظرت إلى الفراغ وهي تقول مبتسمة :
- متقلقش مش هيعرف وهطفشه من الشركة .. هكرهه في نفسه وفي الشركة ، ماأبقاش ياسمين إن ما خليته يسيب الشركة بمزاجه من كتر اللي هيشوفه على ايدي
نظر إليها ورفع حاجبيه متسائلا :
- هتعملي ايه يعني
وضعت قدمًا فوق الأخرى ورددت بتوعد :
- سيب دي عليا بقى .. أعمل اللي أعمله وهتشوف النتيجة بنفسك

***

دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل وكان «طيف» قد أنهى كل التجهيزات وارتدى بنطالا باللون الاسود وتيشيرت باللون الأسود حتى لا يلفت الانتباه في الظلام وكذلك ارتدت «نيران» ملابس سوداء تمامًا وما إن دقت الساعة الثانية حتى نظرت إليه ورددت بجدية :
- جاهز ؟
هز رأسه بالإيجاب وأمسك هاتفه ، نقر على رقم «هيثم» وضغط على زر الاتصال ، رفع الهاتف على أذنه وانتظر الرد .. أجابه «هيثم» قائلًا :
- ها أنفذ ؟
- نفذ
ثم نظر إليها قائلًا :
- أنا جاهز .. يلا بينا
تحرك الاثنان معا في نفس الوقت الذي دلف فيه «هيثم» إلى الفندق وأشار إلى أحد العاملين بالفندق فتقدم تجاهه قائلًا :
- افندم حضرتك تؤمر بحاجة ؟
أشهر بطاقته وهتف بصوت مرتفع وغاضب :
- الرائد هيثم خالد .. اجمع بتوع الأمن كلهم هنا دلوقتي علشان أستجوبهم
رفع حاجبيه بتعجب وحاول الاعتراض قائلًا :
- بس سعادتك كل واحد في مكانه وده خط...
قاطعه بصرامة :
- نفذ اللي بقولك عليه بدل ما أعمل مشكلة وده مش ظريف علشان المقيمين بالفندق
رفع كفيه وتراجع عن رأيه وبالفعل نفذ ما أمره به وترك رجل الأمن مكانه أمام المصعد ، أشارت «نيران» إلى «طيف» الذي تبعها على الفور ودلفا إلى داخل المصعد ، ضغطت على الزر ونظرت إليه قائلة :
- قدامنا بالظبط خمس دقايق علشان أكتر من كدا هيثم مش هيقدر يتكلم معاها وربنا يستر محدش يكلم الزفت غارم ويقوله على اللي بيحصل
تجهمت تعابير وجهه وردد بعدم رضا :
- متفوليش يا حبيبتي واتفائلي خير .. غارم لو قفشنا هيعمل مننا كاتشب
نظرت إليه وقبل أن تتحدث وصل المصعد إلى الطابق الخاص بمكتب «غارم» فأسرعت وخرجت متجهة إلى المكتب ومن خلفها «طيف» الذي راقب المكان جيدًا ، حاولت فتح الباب فلم تستطع فوضعت يدها بجيب بنطالها وأخرجت قطة من الحديد وكانت صغيرة الحجم وبشكل طولي .. وضعتها مكان المفتاح وبيدها الأخرى وضعت قطعة أخرى وبعد محاولة دامت عشر ثوانٍ استطاعت فتح الباب فنظر إليها بإعجاب وردد :
- عاش يا وحش ده أنتِ لو حرامية قديمة مش هتعرفي تفتحي الباب بالسهولة دي
وضعت يدها على فمه وسحبته إلى الداخل وهي تقول :
- ششش هتفضحنا يخربيتك وطي صوتك
دلف إلى الداخل وبحث بعينيه في المكان فوجد كاميرا فأشار إليها وأشار إلى الكاميرا قائلًا :
- اضحكي للكاميرا يا نوني .. ماعملناش حساب الكاميرا
نظرت إليها وتابعت البحث وهي تقول :
- متقلقش اتصرفت وحد متخصص في الكلام ده اخترق الكاميرات وحط تسجيلات قديمة يعني محدش شايفنا دلوقتي ، يلا دور معايا مفيش وقت
ساعدها في البحث وفتح كافة الأدراج وهي أيضا بحثت في كل الأوراق فلم تجد شيئًا ، لم يتبق سوى الخزانة الموضوعة بالمكتب فاقترب «طيف» وردد متسائلًا :
- هنفتح الخزنة دي ازاى ؟
اقتربت منها وسحبت ليزر من جيب بنطالها وأنارته وأخرجت أيضًا عدسة مكبرة ، سلطت الضوء على أزرار الخزانة وقربت العدسة المكبرة منها فظهرت آثار الأصابع على ثلاثة أزرار فقط فنظرت إليه قائلة :
- آثار الصوابع على الـ 3 زراير دول بس معنى كدا إن الباسورد من الأرقام دي ولازم نجرب

على الجانب الآخر استطاع أحد رجال الأمن مهاتفة «غارم» دون أن يشعر «هيثم» وأبلغه بما يحدث فنهض مسرعًا وبدل ملابسه ، أسرع إلى المصعد واتجه إلى الأسفل وما إن وصل إلى الاستقبال تذكر مكتبه وأن هذا قد يكون مخطط لكي يستطيعوا دخول مكتبه فأسرع إلى المصعد الخاص بمكتبه ...

شعر بالخطر فأمسك سلاحه ووقف خلفها ليؤمن المكان بينما هي ظلت تحاول تخمين الرقم السري الصحيح ولكن كلما ضغطت على الأزرار تضيء باللون الاحمر ، تأففت وتابعت تخمين الرقم السري إلى أن نجحت وظهرت الابتسامة على وجهها وأثناء ذلك استمع «طيف» لصوت بالخارج فنظر إلى «نيران» وردد قائلًا :
- في صوت برا .. ده صوت فتح الأسانسير !! أكيد هو وحد بلغه .. هنعمل ايه
أخذت الأوراق وقامت بإغلاق الخزانة ثم نظرت حولها فوجدت النافذة الخاصة بالمكتب فأسرعت وفتحتها وهتفت بجدية :
- يلا
اتسعت حدقتيه وهو ينظر إلى الخارج ونظر إليها بخوف :
- يلا ايه احنا في الدور الرابع ومفيش حاجة نقف عليها .. هنموت يا نيران
هزت رأسها وسحبته رغمًا عنه وهي تقول :
- مفيش وقت .. لو فضلنا هنموت ، في سير رفيع نقف عليه ونمسك في الحديد اللي بارز ده
ازداد خوفه ووقف على هذا السير الذي كان رفيعًا للغاية وأمسك بالحديد البارز بينما هي أغلقت النافذة ووقفت بجواره ، نظر إلى الأسفل فشعر بالدوار وأنه سيسقط فهتفت محذرة :
- متبصش لتحت علشان متدوخش وتقع
التقط أنفاسه بصعوبة وأردف بخوف :
- البتاعة اللي أنا واقف عليها دي صغيرة أوي أنا حاسس إن دي آخرتنا وهنموت
نظرت إليه وقالت بجدية ونظرات حادة :
- انشف يا طيف واجمد كدا ، أنت تقدر وبعدين مش بعد كل ده هنموت واقعين من الدور الرابع .. عايزن موتة أشيك من كدا
أغلق عينيه وردد بخوف :
- هو في موتة أشيك من كدا !! يارب استرها معانا احنا غلابة .. تعالي شوفي ابنك يااما

فتح «غارم» الباب وألقى نظرة سريعة على مكتبه فلم يجد أحدا ، دلف إلى الداخل واقترب من خزانته وقبل أن يضغط على الأزرار رن هاتفه برقم رجل الأمن الذي أخبره برحيل «هيثم» فأمره بأن يوقفه واتجه إلى الخارج وأغلق الباب خلفه ...

- هنفضل متشعلقين شعلقة القرود دي كتير ؟ أنا فاضلي تكة وأنزل أحضن الأسفلت
فتحت النافذة قليلًا ونظرت إلى الداخل فوجدته قد رحل ، فتحت النافذة بأكملها وقفزت إلى الداخل ثم مدت يدها إلى «طيف» لكي تساعده على الدخول وبالفعل نجحت في ذلك ، تنفس بأريحية وأغلق عينيه قائلًا :
- ياااه أخيرا ده .. اتكتبلنا عمر جديد ، يلا بقى نرجع أوضتنا قبل ما غارم يشرف
هزت رأسها بالإيجاب وأردفت :
- تمام .. استنى هصور الورق ده بالموبايل ونمشي

***

وصل إلى الشقة التي حدث بها جريمة القتل والتي أتى إليها منذ ساعات ، دلف إلى الداخل فوجد الأم وفوقها شرشف أبيض اللون تظهر الدماء عليه ، انحنى وكشف عن وجهها ثم قام بتغطيتها مرة أخرى وتقدم إلى الأمام وعندما وقع بصره على جثة لطفلة صغيرة أسرع وتقدم ناحيتها ، كشف عن وجهها فشعر بالصدمة من هذا المشهد الذي رآه .. هو تعود على تلك المشاهد لكن تلك الصغيرة استلطفها منذ ساعات عندما حضر إلى هذا المنزل ليستجوب زوجة «هاني» ، غطى وجهها مرة أخرى وقبل أن يقوم حضر النقيب «طارق» من خلفه وردد قائلًا :
- زين باشا
نهض من مكانه والتفت إليه قائلًا :
- ايه اللي حصل ولقيتوا حاجة ؟
بدأ في شرح ماحدث من وجهة نظره هو :
- تقريبًا عرفوا إن سعادتك وصلتلهم فقرروا يقتلوهم وده اللي حصل .. ومش بس ده اللي حصل
ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وأردف متسائلا :
- هو في حاجة حصلت تاني ؟
هز رأسه بالإيجاب وأردف :
- أيوة سعادتك فيه .. المساجين المتهمين في قضية المخدرات واللي هم تبع القضية دي ماتوا كلهم مسمومين ومحدش يعرف ازاى ده حصل وامتى
شعر بالصدمة لما سمعه ومسح وجهه بكفيه بغضب قبل أن ترتسم ابتسامة خفيفة على وجهه ويقول :
- كدا كل الخيوط اتقطعت .. مفيش قضية .. مفيش متهمين .. مفيش راس كبيرة ، كله باظ
نظر «طارق» إلى الأسفل ولم يتفوه بكلمة بينما استعد «زين» للرحيل وردد بجدية :
- خلص كل الإجراءات وحصلني على المكتب
- تمام سعادتك

***

مر أسبوع ساعدته فيه «سهى» على فهم كل شيء متعلق بالشركة والعمل كما ساعدته أيضًا على التعامل مع أجهزة الكمبيوتر وكان سريع التعلم حتى إنه أصبح مدركًا لكل شيء وكأنه يعمل بالشركة منذ وقت طويل ، رددت بجدية :
- أيوة بالظبط كدا ، مبروك يا نائل أنت كدا فهمت كل حاجة عن الشغل والشركة وتقدر تتابع أي حاجة بنفسك
ابتسم بسعادة ووجه الشكر لها قائلًا :
- شكرا أوي يا سهى معلش بقى تعبتك معايا
بادلته الابتسامة وأجابته بلطف :
- مفيش تعب ولا حاجة ، يلا أسيبك بقى تكمل شغل وأرجع لمكتبي
هز رأسه بالإيجاب وتركها ترحل وبقى هو يعتمد على نفسه في العمل حتى أنه فكر في جلب صفقات جديدة للشركة لكنه أجل هذا الأمر حتى يدرسه جيدًا ليحقق نجاحًا باهرًا

على الجانب الآخر كانت «ياسمين» تفكر في ما ستفعله بـ «نائل» كي يترك الشركة فأُضيئت رأسها بفكرة ولكن قررت تنفيذها في اليوم التالي حتى تتقن عملها واستدعته إلى مكتبها فحضر على الفور وردد :
- أيوة يا أنسة ياسمين في حاجة ؟
وضعت قدمًا فوق الأخرى ورددت بجدية :
- سهى قالتلي إنها خلصت معاك وفهمت كل حاجة .. ها فهمت طبيعة الشغل وهتقدر تمشي معانا ولا ايه نظامك
أجابها بجدية واضحة :
- هقدر إن شاء الله وفي دماغي كذا حاجة كدا هقعد النهارده أدرسها وأقولهالك بكرا بعد ما أظبطها وهتفيد الشركة والشغل جدا
هزت رأسها عدة مرات وأشارت بيدها وهي تقول :
- تمام تقدر ترجع مكتبك وتكمل شغلك

***
كان «هيثم» جالسا بالاستقبال بعد إبلاغ رجال الأمن له برغبة «غارم» في محادثته وما إن رآه متجهًا تجاهه حتى وقف وانتظر قدومه ، وقف أمامه وردد بتساؤل :
- ممكن أعرف يا سيادة الرائد أنت بتعمل ايه في الفندق
نظر إليه «هيثم» بثقة وأجابه :
- جاي أحقق مع الأمن والعمال ، اظن كان في جريمة قتل في الفندق بتاعك ولا نسيت !! أنا بشوش شغلي ولو اتكلمت بالطريقة دي تاني مع ظابط شرطة هسجنك مفهوم
اشتعلت النظرات بينهما وسادت لحظة صمت بينهما ، كلٍ منهم ينظر إلى الآخر بغضب وتحدي ، قطع «هيثم» هذا الصمت ورفع أصبعه في وجهه وقال محذرًا :
- أقسم بالله لو عقلك وزك وفكرت نفسك شبح وهتقدر تضحك عليا أو تخوفني لأندمك .. وأنا بقولك أهو يا غارم مش هتلحق تقف على رجلك لأنك هتتجاب وبكرا هتشوف .. اللي مانعني أقبض عليك دلوقتي هو الرائد طيف بس متقلقش قريب أوي هقبض عليك
في تلك الفترة خرجت «نيران» بصحبة «طيف» واتجها مسرعًا إلى المصعد الخاص بالفندق ومنه إلى غرفتهما بينما ألقى «هيثم» جملته الأخيرة وانصرف تاركًا «غارم» الذي توهج وجهه من شدة الغضب

***

جلس عم «فارس» وبدأ يتذكر ما حدث في الماضي فعاود «فهد» طلبه مرة أخرى :
- ايه ياعم فارس هتفضل ساكت كتير ؟
فاق من شروده وابتسم بمجاملة قبل أن تختفي تلك الابتسامة ويبدأ في سرد ما حدث سابقًا :
- من 15 سنة فوقنا كلنا على كابوس اسمه الديب ويب .. محدش كان يعرفه أصلا بس ده كان طريق علشان يتخفوا من السلطات والشرطة ، المجرمين اللي اخترعوه علشان يقدروا يتواصلوا مع بعض من غير ما حد يراقبهم وفعلا اتطور وبقى مكان للاتفاق على استلام وتسليم المخدرات ومش بس كدا ده مع الوقت اتطور وبقى مكان لتجارة الأعضاء ومكان تقدر تأجر من عليه ناس علشان تقتل أي حد أنت عايزه وبيحصل عليه بلاوي سودا أي جريمة ممكن تتخيلها بتحصل عليه.. خطف قتل سرقة تجارة مخدرات تجارة أعضاء تجارة سلاح ضرب اقتصاد دول وحتى مكان لعبدة الشياطين والدجالين والمشعوذين ومحدش عرف يراقبهم نهائي ومش أي حد يقدر يدخل على الديب ويب ده نهائي ، مابيدخلش عليه غير المجرمين وبس ولو ظابط شرطة حاول يدخل بيعرفوا وبيغتالوه فورا ، الديب ويب مش منظمة بس مكان بيديره ناس مجهولة وفيه مواقع كتير عليه وفي ناس اتقبض عليهم عاملين مواقع على الديب ويب في أمريكا والباقي محدش عارف يوصلهم
صمت قليلًا واستطرد :
- من 15 سنة في البدايات أمجد الجزار عمل موقع وكان شخص مهم جدا على الديب ويب ده وبمرور الوقت بقى عنده تشكيل عصابي كبير جدا وبيتواصل معاهم عن طريق الموقع ده وطبعا مفيش رقابة علشان زي ما قلتلك مش أي حد يقدر يدخل على الديب ويب ده ، قدر يعمل أي حاجة وقتل ناس كتير أوي ولولا إن قيادات الديب ويب كانوا عايزينه يقع ماكانش هيقع نهائي
هنا قاطعه «فهد» وسأله :
- اشمعنى يعني .. أنت بتقول ناجح في الإجرام وعمل اللي محدش عمله ليه يوقعوه
ابتسم «فارس» وأجابه بثقة :
- علشان محدش كان يعرف عن الديب ويب ده ، عدد قليل جدا اللي كان يعرف وهم كانوا عايزين العالم كله يعرف ويبقى عندهم خلفية علشان يتشهروا أكتر وأكتر ويكسبوا مبالغ متتخيلهاش وفعلا ده اللي حصل .. بمجرد ما وقع واتقال سبب القبض عليه كله بدأ يسأل ايه الديب ويب ده ودخلوا يدوروا وفهموا وعرفوا وعدد المجرمين على المواقع دي زاد بشكل رهيب .. قيادات الديب ويب نفسهم ماكانوش متخيلين دخول العدد ده كله وعملوا نفس اللي عملوه مع أمجد بس في دول تانية على مستوى العالم لغاية ما بقى كل العالم عارف ايه هو الديب ويب ده وكل المجرمين بقوا يستعملوه بشكل أساسي في الترويج لأي حاجة غير مشروعة ونجح مخططهم بس بعد فترة أمجد محدش سمع عنه حاجة واتقال إنهم لقوه مقتول في الزنزانة بتاعته لكن الحقيقة هو مااتقتلش لأن أمجد ده هو فارس اللي قاعد قدامك دلوقتي ....
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثالث عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


استيقظت مبكرا على غير عادتها فهى تستيقظ كل يوم في تمام السادسة صباحًا أما اليوم استيقظت قبل الخامسة وارتدت ملابسها ، لم تنتظر إعداد الإفطار وانطلقت مسرعة إلى الشركة وما إن وصلت حتى اتجهت إلى الأعلى ودلفت إلى مكتب «نائل» ونظرت في كل مكان ، انتظرت قليلا ثم اتجهت إلى الكافيتريا وأعدت وعاء من خليط المياه والصابون السائل ، عادت إلى المكتب مرة أخرى وقامت بسكب المياه في مقدمة الغرفة بعد الدخول من الباب وعلى وجهها ابتسامة واسعة ، انتهت أخيرا من سكب الوعاء بأكمله ثم اتجهت إلى الكافيتريا مرة أخرى وأخفت ذلك الوعاء قبل أن تعود وتغلق باب المكتب .. رددت في نفسها :
- يلا علشان تبقى تعاند وتغلط في أسيادك تاني ، ولسة هتشوف أيام سودا على أيدي

عادت إلى مكتبها ومر الوقت وحضر «نائل» الذي بحث بنظره عن «سهى» فلم يجدها رغم تآخر الوقت ، لم يضع هذا الأمر برأسه واتجه إلى مكتبه كي يباشر العمل وأثناء دخوله انزلقت قدميه وسقط بقوة على ظهره فصرخ بتألم :
- آآآه .. آآآه يا ضهري
حاول الوقوف بصعوبة وما إن وقف وأخذ حذره انزلقت قدميه مرة أخرى بسبب كثرة المياه ، نظر إلى ملابسه فوجدها قد ابتلت بالكامل وشعر بالألم في جسده بالكامل ، وقف بحذر واتجه إلى الداخل ثم وجه بصره إلى تلك المياه وعرف مصدرها ، لوى ثغره بغضب وردد بهدوء :
- يابنت ال.. اااه ياضهرى ، بقى كدا !! ماشي ما هو يا أنا ياأنتِ اللي هينتصر
خرج من مكتبه مرة أخرى ونظر حوله حتى لا يلاحظ أحد الموظفين ابتلال ملابسه وأسرع إلى الكافيتريا وما إن وصل حتى هتف «وحيد» بتعجب :
- ايه ده يا نائل ايه اللي عمل في هدومك كدا ؟
خلع قميصه وهو يقول بغضب :
- هيكون مين يعني غيرها .. دلقت مياه بصابون على باب المكتب علشان تكسرني بس أنا وهي والزمن طويل ... منها لله القميص لسة جديد
ربت «وحيد» على كتفه وقال بابتسامة خفيفة :
- معلش ياابني ربنا يهديها .. ادخل الأوضة وأنا هغسل القميص وفي مكواة هنا هكويهولك علشان ينشف
- لا اغسله وأنا هدخل الأوضة علشان محدش يشوفني وهاته وأنا هكويه جوا
هز رأسه بالإيجاب وفعل ما يريده وبعد مرور وقت قليل عاد إليه بالقميص ومعه المكواة وهتف قائلًا :
- خد ياابني اهو .. والبنطلون هتسيبه كدا !!
نظر إلى البنطال الخاص به ثم رفع رأسه مرة أخرى وقال :
- مش مهم البنطلون مش مبلول أوي
أخذ منه القميص استعدادًا لكيه لكنه فوجئ بوجودها على باب الغرفة وعلى وجهها نظرات غير مصدقة ، خرجت من صمتها وهتفت متسائلة بغضب :
- ايه اللى أنا شايفاه ده
وقف على الفور وأخفى جسده بالقميص وهتف :
- القميص اتبل وبنشفه
لمعت عينيها بسبب نجاح خطتها ورددت :
- ازاي يعني احنا في عز الصيف ومفيش مطر برا !! فهمني أنت قاعد من غير هدوم كدا في الشركة ازاي ! الجو حر لكن مش للدرجة اللي تخليك تقلع
دافع عن نفسه مرة أخرى لكن تلك المرة ضيق عينيه وهتف بضيق :
- للأسف لقيت مياه على أرض المكتب ووقعت والهدوم غرقت مش عارف من الحمار اللي دلق مياه كدا
اتسعت حدقتيها بصدمة لكنها سرعان ما أخفت ذلك حتى لا ينكشف أمرها أمامه ورددت بضيق :
- اه.. طيب أنا هشوف المياه دي من ايه وهحاسب اللي حطها وأنت اخلص والبس بسرعة علشان تشوف شغلك
تجهمت تعابير وجهه وردد :
- حاضر

***

جلس على مكتبه ووجه بصره تجاهها ليقول متعجبًا :
- فيه ايه يا فاطمة ! ايه الحاجة الخطيرة اللي حاسة إنها بتحصل
حركت رأسها وأجابته :
- معرفش بس نيران وطيف في خطر
انتبه لحديثها واعتدل في جلسته قبل أن يميل إلى الأمام ويقول باهتمام :
- في خطر ازاي يعني ؟ حصل ايه !
تذكرت مكالمتها الأولى لها وبدأت في سرد ما حدث منذ البداية :
- نيران كلمتني امبارح وطلبت مني أبعتلها عربية شرطة على الفندق اللي هي فيه هي وطيف ولما سألتها قالتلي هقولك بعدين ، عرفت بعدها من الرائد هيثم اللي مسك القضية إنهم لقوا واحدة مقتولة في أوضة نيران وطيف بس ماقدرتش أعرف أكتر من كدا علشان الرائد هيثم كان مشغول في التحقيقات .. تعالى بقى لبعد العصر لقيت نيران بتكلمني وبتقولي عايزة هكر يهكر كاميرات مراقبة ويحط تسجيلات قديمة وكانت عايزاه في الفندق ولما حاولت أعرف السبب قالتلي مش دلوقتي وهتعرفني بعدين معنى كدا إن في حاجة غريبة بتحصل في الفندق هناك وممكن يكونوا في خطر
وقف «رماح» واستعد للرحيل قبل أن يشير إليها قائلًا بجدية :
- تعالى معايا نبلغ اللواء أيمن بالكلام ده

بالفعل أذن لهم اللواء «أيمن» بالدخول وقص عليه «رماح» ما سمعه من خطيبته «فاطمة» فابتسم وعاد إلى الخلف قائلًا :
- أنا عارق كل اللي حصل .. طيف كلمني امبارح في نفس الوقت اللي نيران طلبت فيه من فاطمة حد يعمل هاكر على الكاميرات

"قبل يوم"

وجد رقم ابنه على شاشة هاتفه فأسرع ليرد عليه قائلًا بحب :
- ايه يا عريس ايه الأخبار
أجابه بحزن قائلًا :
- عريس ايه بقى ده في حد باصصلنا في الجوازة يا بابا .. ابنك مش مكتوبله يفرح وشكلي هقضي فترة خدمتي في الشرطة في الفنادق
ضيق ما بين حاجبيه وردد بقلق :
- ليه ايه اللي حصل يا طيف ؟ احكيلي
بدأ في سرد ما حدث منذ قدومه إلى ذلك الفندق ولقائه بـ «غارم» ولم ينسى ما حدث بالغرفة الخاصة به وأنهى حديثه قائلًا :
- وطبعا قررت أنا ونيران نقطع شهر العسل ونحاول نوقع الراجل ده .. ده غريب أوي وبيتكلم بثقة رهيبة ، معترف إنه عمل كل حاجة غلط ومش خايف ومسمي نفسه شبح
صمت «أيمن» قليلًا ليفكر في خطة جديدة إلى أن خطر بباله فكرة جيدة فأردف :
- بص يا طيف كمل أنت ونيران وشوفوا هتعملوا ايه وأنا هعمل تحريات عن غارم ده وهبعت الفريق كله الغردقة علشان تلاقي مساعدة بس خلي بالك جدا لأن اللي زي غارم ده مش سهل وخطر وممكن يكون مسنود زي ما أنت بتقول ، هات بقى نيران علشان أفهمها هتعمل ايه بالظبط

بالفعل سلم الهاتف لزوجته التي أجابت على اللواء «أيمن» قائلة :
- أيوة سعادتك أنا معاك
- ركزي معايا يا نيران .. هتكلمي هيثم يجي الفندق يعمل شوشرة ويجمع بتوع الأمن علشان تقدري تدخلي المكتب أنتِ وطيف وتخلوا بالكم كويس أوي واعملي حساب إن طيف ماكملش تدريبه يعني بأسهل الطرق الممكنة تمام ؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترمق طيف قائلة :
- تمام سعادتك ماتقلقش هنجيب الأوراق اللي في مكتبه النهاردة ومفيش مجال لفشل المهمة دي إن شاء الله

"في الوقت الحالي"

أنهى سرد ما حدث عليهما قائلًا :
- ودلوقتي هتسافر أنت وفاطمة وفي حالة إن الدنيا بقت صعبة هبعتلكم غيث وليان بس عايز تركيز لأن غارم ده ممكن يكون له علاقة بالمنظمة الخارجية اللي قضينا عليها من فترة لأنه يعرف كل حاجة عن ماضي نيران وعن طيف
حرك «رماح» رأسه بالإيجاب وقال بجدية :
- تمام سعادتك ... من بكرا الصبح هنكون في الغردقة وهنسق مع الرائد هيثم علشان يسهلنا كل حاجة هناك
أومأ رأسه بالإيجاب وردد :
- ربنا معاكم

***

عاد إلى مكتبه مرة أخرى ليتابع عمله وبالفعل جلس وقام بتجهيز كافة الخطوات التي ينوي اتخاذها وطبع كل هذا ثم توجه إلى مكتب «ياسمين» وطرق الباب فهتفت من الداخل :
- ادخل
دلف إلى الداخل ووضع الأوراق أمامها فقطبت جبينها متسائلة :
- ايه ده ؟
جلس على الكرسي المقابل لها وبدأ في شرح الخطوات التي ينوي اتخاذها :
- ده كشف بكل الموزعين في القاهرة والمحافظات التانية .. احنا مش هنوزع في القاهرة بس بالعكس هنوزع لكل المحافظات وهنتعاقد مع موزعين جداد غير اللي احنا بنتعامل معاهم وبكدا منتجاتنا هتبقى موجودة في كل مكان وده هيعمل اسم أكبر للشركة وسيطها هيوسع جامد والمكسب هيزيد أضعاف .. ده بالنسبة للموزعين أما بقى الشركات أنا اكتشفت شركة أمريكية منتجاتها كويسة جدا وأسعارها مناسبة ويعتبر لسة جديدة ومحدش يعرفها أوي نقدر نتعاقد معاها ونجيب ونسد احتياجات الموزعين الجداد اللي هنتعامل معاهم وبكدا في فترة قصيرة هنبقى عملنا ميزانية كويسة جدا تسمحلنا نفتح فرع للشركة في كل محافظة وتبقى سلسلة شركات .. ده هيبقى صعب في البداية بس بمجرد ما يبقى اسمنا مع كل الموزعين اللي نقدر نتعاقد معاهم هنقدر نعمل ده
رفعت حاجبيها بإعجاب من نشاطه في العمل وقدرته على تجميع كافة المعلومات في وقت قصير جدا كما أنه يسعى إلى الارتقاء بالشركة لأفضل حال ، ابتسمت وهي ترمق الأوراق المتواجدة أمامها ثم رفعت بصرها وقالت بحماس :
- كويس أوي ابدأ نفذ على طول وابعت ايميل للشركة دي بإننا هنتعاقد معاهم يجيبولنا منتجات التجميل بكميات كبيرة علشان نقدر نوزع على كل المحافظات والموزعين الجداد
شعر بالحماس للعمل ونهض من مكانه وهو يقول :
- تمام اعتبري كل ده اتنفذ
وقبل أن يرحل التفت مرة أخرى وردد متسائلًا :
- اه صحيح هي فين سهى من ساعة ما جيت النهارده مشوفتهاش
أجابته وهي تنظر إلى الحاسوب الخاص بها :
- اتصلت وطلبت إجازة مفتوحة وماقالتش السبب
قطب جبينه بتعجب وأردف :
- إجازة مفتوحة !! امم طيب تمام أنا هروح أتابع بقى الشغل ده
لم تجبه واتجه إلى مكتبه ليتابع إجراءات العمل ، فتح الحاسوب الخاص به وبدأ ينفذ ما خطط له وأثناء اندماجه في العمل سمع طرقات على الباب فهتف قائلًا :
- ادخل
فتحت «مايا» الباب ودلفت إلى الداخل فرفع هو بصره وهتف متسائلًا :
- في حاجة يا مايا ؟
ابتسمت بخبث قبل أن تقترب منه أكثر وأردفت :
- أصل يعني ماباركتلكش على المنصب الجديد في الشركة فقلت اجي أباركلك
ابتسم بلطف وقال بإيجاز شديد :
- الله يبارك فيكِ
لم ترحل وبقت مكانها فضيق ما بين حاجبيه متسائلًا :
- في حاجة ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بابتسامة :
- احنا بقينا صحاب خلاص ولا لسة
شعر بالضيق لكثرة محاولاتها ونظر إليها قائلًا :
- مايا احنا سبق وقلنا إن ده مكان شغل وإني عمري ما هكون الشخص اللي في دماغك وريحي نفسك وركزي في شغلك
لمعت عينيها واقتربت وهي تقول بوقاحة أكثر :
- طالما هنا مكان شغل يبقى نتقابل برا الشغل ونبقى صحاب ، ايه رأيك نتغدى برا النهارده ؟
تعجب من وقاحتها وشعر أكثر بالضيق ، وقف وقال بحدة :
- للمرة الأخيرة هقولهالك .. أنا مش الشخص اللي في دماغك ولا هبقى الشخص ده وبطلي وقاحة وقلة أدب بقى .. أنا مش عايز اخد إجراء يزعلك ولا عايز أقطع عيشك لأني عمري ما كنت كدا ، ياريت تشيليني من دماغك خالص وإلا هتندمي والشخص الطيب اللي قدامك ده هيطردك من الشركة مفهوم
شعرت بالحرج وتراجعت للخلف وهي تقول :
- احم أنا آسفة ماكنتش أقصد ا...
قاطعها بحدة وهو يمد يده بمستند ورقي وأردف :
- ده كشف بالمولات والمحلات الخاصة بالتجميل وكمان المخازن ، دول الموزعين اللي في القاهرة واللي برا القاهرة ، عايزك أنتِ وجاسر وسمر واتنين كمان تروحوا للأماكن دي وتعرضوا عليهم يتعاملوا معانا وياخدوا المنتجات مننا ، بس تحذير أنا هبعت غيركم بعدكم ولو اكتشتف إنك بوظتِ حاجة أنا مش هقولك هعمل ايه لأنك هتشوفي بنفسك
تناولت منه المستند وخرجت من مكتبه بينما هو بقى وندم على حديثه بتلك الحدة معها .. هو لا يقصد التكبر أو استخدام منصبه لكنه كره طريقتها والتي أثارت غضبه

***

أنهت المحاضرة الخاصة بإحدى المواد وخرجت بصحبة صديقتها «نرمين» إلى الكافيتريا ، جلست وتأففت بضيق وهي تقول :
- على اد ما طيف بيرخم عليا ومستفز بس مفتقداه جدا في شهر العسل ده وحاسة بخنقة مفيش غيره اللي كان بيضحكني
ربتت على كتفها وقالت :
- معلش بكرا يرجعلك وتزهقي منه زي الأول ، اجهزي أنتِ بس للامتحانات علشان دكتور المادة الزفت دي مش هيرحمنا
لوحت بيدها في الهواء لتقول بعدم رضا :
- يارب يولع مطرح ما هو قاعد

انتهى اليوم وودعت «رنّة» صديقتها واستعدت للعودة إلى منزلها لكنها فوجئت بـ «ذاخر» يخرج من سيارته ويشير إليها بيده فبقت مكانها وتقدم هو حتى اقترب منها وقال بابتسامة :
- ازيك يا رنة
ابتسمت بمجاملة وهي تقول :
- الحمدلله وأنت عامل ايه
- أنا الحمدلله بخير .. أنا كنت معدي ولمحتك بالصدفة ماكنتش أعرف إن الكلية بتاعتك هنا
ضيقت نظراتها وقالت بشك :
- ماكنتش تعرف !!
لاحظ أنها تشكك في كلامه فأسرع وقال :
- اه فعلا شوفتك صدفة .. تعالي أوصلك في طريقي
ابتسمت بمجاملة وبحثت بعينيها عن سيارة أجرة كي تعود لمنزلها ثم نظرت إليه وقالت :
- لا شكرا أنا هاخد تاكسي يوصلني للبيت
أصر على عرضه قائلًا :
- تاكسي ايه وأنا موجود ده حتى عيب والله ولا أنتِ معتبراني غريب !
نظرت إليه وقالت بجدية :
- مش غريب بس مش بركب عربية مع حد وبعد اذنك
ثم أشارت إلى سيارة أجرة ودلفت إلى داخلها وتركته في وسط الطريق وعلى وجهه علامات الصدمة ، لم يصدق أنها تركته ولم تقبل بعرضه في إيصالها للمنزل أما هي فارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها وهي تنظر من الزجاج الخلفي للسيارة عليه فهو ظل واقفًا في مكانه من شدة الصدمة ولم يتحرك ...

***

أنهى الممر الطويل وانحنى يسارًا حيث مكتب اللواء «كامل» ودلف إلى الداخل بعدما أذن له ، أشار إليه لكي يجلس وما إن جلس حتى بدأ هجومه قائلًا :
- ها يا زين ايه الجديد !! بقالك أسبوع وكل حاجة باظت .. مرات هاني وبنتها اتقتلوا وعندك المساجين كلهم ماتوا تقدر تفسرلي ده وازاي أصلا يحصل كدا جوا السجن
نظر «زين» إلى الأسفل بحزن ورفع رأسه قائلًا :
- والله سعادتك مش عارف ده حصل ازاي ولما راجعت الكاميرات مالقيتش حد دخل الزنزانة وده هيجنني ، الناس دي ليهم حد جوا القسم بيساعدهم بس معرفش هم مين .. بس أوعدك إن كل حاجة تتكشف وإننا نوصل للناس دي في أقرب وقت
عاد بظهره إلى الخلف وأردف بجدية :
- ياريت يا زين علشان أنت أشطر ظابط عندي ومش ده اللي يحصل وأنت ماسك القضية ، أنا لسة ثقتي فيك كبيرة بس ياريت كل حاجة تتم بسرعة علشان الوزارة وصلها الموضوع والحكاية كبرت أوي
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يقف ويقول بثقة :
- إن شاء الله سعادتك الناس دي هتتجاب هم واللي بيساعدهم وقريب جدا ، أستأذنك

خرج من مكتبه وهو يفكر في طريقة لتلك القضية التي طالت كثيرا ولم يجد لها حل ، بعد أن كانت كل الأدلة معه اختفى كل ذلك وبقى هو يبحث عن المجهول ، وصل إلى مكتبه وجلس على الكرسي الخاص به ثم رفع رأسه إلى الأعلى وهو يفكر في حل لتلك القضية فهو لم يسبق وأن طالت قضية معه كهذه وهذا إن دل على شيء فهو مدى خطورة من يتعامل معهم لكن كل هذا لا يهم .. المهم هو الوصول لهم بأي وسيلة ، لم يقده تفكيره إلى أي شئ وقرر الذهاب إلى منزل «هاني» الذي سبق وأن ذهب إليه قبل مقتل زوجته وطفلته وبعد مقتلهما لعله يجد إجابة هناك عن ما يبحث عنه.

بالفعل قاد سيارته ووصل إلى المنزل ثم صعد إلى الأعلى ورغم وجود الشمع على باب المنزل إلا أنه فتحه وأضاء الأنوار قبل أن يتجه إلى الداخل ، سار في كل مكان إلى أن قادته قدماه إلى غرفة «هاني» ، فتح خزانة الملابس "الدولاب" وظل يبحث بين الملابس عن أي شيء .. ألقى بها على الأرض حتى يسهل بحثه لكنه لم يجد شيء، عاد وجلس على السرير وهو يرمق المكان بنظراته الحادة بحثًا عن أي شيء وأثناء ذلك لاحظ شيء غريب في خزانة الملابس فنهض من مكانه وأسرع إليه ففوجئ بوجود قطعة خشبية من ظهر الخزانة مقطوعة بشكل مربع لكنها في مكانها ، اقترب منها ودفعها بخفة لتقع خلف خزانة الملابس ، لمعت عينيه وكأنه وجد ما يبحث عنه وجذب الخزانة بعيدًا عن الحائط وبالفعل وجد ما كان يبحث عنه حيث وجد مستند به العديد من الأوراق وفي نهايته أسطوانة كمبيوتر ، تنفس «زين» بأريحية وردد :
- أخيرا .. كنت حاسس ، أما نشوف الورق الحلو ده بقى مخبي ايه....
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الرابع عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


"قبل يوم في الفندق"

صعدا معًا إلى غرفتهما بالفندق وأخرجت «نيران» هاتفها لترى محتوى الأوراق التي قامت بتصويرها فوجدتها خاصة بالفندق وخالية من أى شيء غريب ، بحثت في كل صورة جيدا فلم تصل لشيء فرددت بحزن :
- للأسف مفيش أى حاجة .. كل اللي عملناه ده راح على قلة فايدة وعرضنا نفسنا للخطر على أي كلام
لم يصدق ما سمعه منها وأخذ الهاتف ليبحث عن دليل فلم يجد شيء ، ترك الهاتف وتجول في الغرفة وهو يقول :
- والله كنت حاسس .. يامستني دليل القضية يا مستني الرز بلبن يبقى مهلبية
تحسرت على حالهم ورددت بحزن :
- أدينا ولا طولنا رز بلبن ولا مهلبية حتى
تجول ذهابًا وإيابًا ليفكر في حل لتلك القضية وأثناء تفكيره تذكر شيء فأسرع إلى نيران وردد :
- على فكرة الخزنة فيها ورق تاني
حركت رأسها وقالت متسائلة :
- ازاي يعني ؟ أنا صورت كل الورق اللي في الخزنة
هز رأسه بالنفي وتذكر شكل الخزانة ثم قال :
- الخزنة كانت عريضة جدا ولما أنتِ فتحتيها ظهر حتة منها يعني نصها ومعنى كدا إن في جزء تاني ورا الجزء ده وفيه كل حاجة
هزت رأسها وفكرت في الأمر قبل أن تقول :
- تصدق عندك حق فعلا الخزنة كانت عريضة ولما فتحناها بان جزء منها بس .. والحل !! احنا مش هنعرف ندخل مكتب غارم تاني عن طريق الأسانسير
هنا تحدث «طيف» وقال بتردد :
- مفيش غير إننا ندخل من الشباك بس هنحتاج حبال زي بتاعة الفندق القديم في المهمة بتاعة بنت القلب
هزت رأسها بالرفض وقالت معترضة :
- لا يا طيف لو حد هينفذ المهمة دي فهو أنا بس علشان أنت مش جاهز ولا متدرب علشان تعمل ده وأنا مش هجازف بحياتك أبدا
اقترب منها وأمسك يدها بحب ثم نظر بثقة وحب إلى عينيها وقال :
- في أول مرة لما دخلنا من شباك الفندق ماكنتش جاهز ولما حصل ضرب نار ماكنتش برضه جاهز ولما خرجنا من شباك غارم النهارده ماكنتش جاهز لكن في كل مرة عدت ، أنا كنت خايف في البداية لكن طالما مفيش حل غير كدا يبقى لازم ننفذ .. لو كل ظابط خاف المجرمين مش هيلاقوا اللي يقبض عليهم والصراحة غارم ده راجل خنيق وأنا عايز أبيته في السجن
ابتسمت قبل أن تقبض بيدها الأخرى على يده وتقول بحب :
- خلاص يا حبيبي هتيجي معايا .. يلا بس نستريح دلوقتي وننام علشان بكرا نخطط ونجهز كل حاجة

"في الوقت الحالي"

جهزت «نيران» كل شئ استعدادًا للمهمة في مساء اليوم وبعدما انتهت نظرت لـ «طيف» الذي رغم قلقه إلا أنه لم يظهر ذلك لها حتى لا يؤثر عليها بالسلب ، بدأت في سرد خطتها عليه :
- بص يا طيف احنا هننط من البلكونة بتاعتنا للبلكونة اللي جنبنا ومن اللي جنبنا للي جنبها وبعدين هنثبت الحبل ده فيها وننزل خمس أدوار لغاية الدور الرابع وندخل من شباك المكتب .. كل ده صعب جدا لكن المستحيل هو إنك تطلع تاني على الحبل خمس أدوار .. أنا ده بالنسبة ليا متعودة عليه لكن أنت هيبقى صعب علشان كدا هعمل عقد في الحبل علشان تقدر تمسك فيه وتقف عليه وده برضه مش سهل ولازم طول النهار النهارده تتدرب عليها علشان مايبقاش صعب تمام ؟
هز رأسه بالإيجاب وأردف بتساؤل :
- تمام بس هتدرب إزاي في الفندق والأوضة !
ابتسمت وأجابته بثقة :
- اتصل بهيثم علشان يوفرلنا مكان تتدرب فيه .. يلا كلمه دلوقتي علشان نلحق

***

حان وقت الاستراحة فقرر الذهاب إلى الكافيتريا ورغم منصبه إلا أنه وقف بجوار «وحيد» لكي يساعده على إعداد المشروبات فاعترض بشدة قائلًا :
- لا يا نائل ياابني أنت المفروض نائب رئيس مجلس الإدارة وماينفعش تبقى هنا وتقف معايا ، روح اقعد وأنا هجيبلك حاجة تشربها
لم يوافقه «نائل» وأصر على مساعدته قائلًا :
- ايه اللي بتقوله ده يا عم وحيد ! أنا عمري ما هستعر من أني كنت شغال في الكافيتريا قبل المنصب ده ومش عيب أساعدك وبعدين ليك الفضل بعد ربنا إني أشتغل هنا ، سيبني أساعدك لأني هساعدك ومش هسيبك .. يلا قُل لي أحضر معاك ايه ؟
ابتسم «وحيد» وربت على كتفه بحب قائلًا :
- اللي تشوفه ياابني .. ربنا يحميك لشبابك ويحفظك ، تعالى هقولك تعمل ايه

كانت تجلس بصحبة صديقتها «سمر» وصديقها «جاسر» وسلطت نظرها على «نائل» لتقول بغضب شديد :
- كل واحد بيحن لأصله .. وحشه شغل الكافيتريا فرايح يقف فيها .. امال ايه مهما بقى معاه فلوس وفي منصب هيفضل زي ما هو
نظرت إليها «سمر» وقالت معترضة :
- يابنتي اهدي ده لسة مهزقك النهارده ماحرمتيش !! حافظي على شغلك واسكتي
نظرت حيث يوجد وأردفت بحقد :
- حاضر هسكت ..

شعرت بالملل وقررت ترك مكتبها والتجول بالشركة وبالفعل خرجت من مكتبها لكنها قررت الذهاب إلى الكافيتريا أولا لتأخذ مشروب القهوة وترحل وما إن دخلت حتى فوجئت بـ «نائل» الذي يساعد «وحيد» في إعداد المشروبات ، ظنته في البداية يُعد مشروب لنفسه لكنها فوجئت بغسله للأكواب فتقدمت ورفعت حاجبيها متسائلة :
- أنت بتعمل ايه هنا ؟
أشار إلى ما يفعله وأجابها بتلقائية :
- بساعد عم وحيد ، تشربي حاجة ؟
تعجبت من كونه نائب رئيس مجلس إدارة الشركة ويقوم بمساعدة «وحيد» في العمل فهو لم يفكر بحاله أمام الموظفين ولم يتكبر رغم هذا المنصب .. تعجبت من شخصيته كثيرا فهو غامض بالنسبة لها ، رفع حاجبيه وعاد سؤاله مرة أخرى :
- أعملك حاجة تشربيها ؟
انتبهت لوجوده وفاقت من شرودها قبل أن تقول :
- اه عايزة قهوة
هز رأسه بالإيجاب وقام بإعداد القهوة الخاصة بها وما إن انتهى حتى مد يده بها قائلًا :
- اتفضلي
تناولتها منه ورحلت على الفور مما أثارت دهشة «نائل» الذي حيرته شخصية تلك الفتاة !

***

وصلا إلى مقر التدريب الذي حدده الرائد «هيثم» وعاينت «نيران» المكان بعينيها قبل أن تنظر إلى «هيثم» قائلة :
- ده تمام جدا .. احنا هنحتاجه النهارده وممكن على طول طول ما احنا موجودين في الغردقة
بدل «هيثم» نظراته بينهما وقال :
- المكان تحت أمركم علطول .. اللواء أيمن كلمني وفهمني كل حاجة وأي حاجة تحتاجوها في الغردقة بلغوني وأنا هساعدكم
ابتسم «طيف» وربت على كتفه قائلًا :
- تسلم يا هيثم ، لو احتجناك هنكلمك .. تقدر تمشي وتسيبنا دلوقتي
هز رأسه بالإيجاب وتركهما وحدهما ، نظرت إليه ورددت بجدية :
- شايف السور ده كله ! ده حوالي 3 أدوار ، أنا هحطلك الحبل علشان تطلع عليه وتجرب وتتدرب وعقبال ما أعمل كدا اجري شوية علشان عضلاتك تفك
ابتسم بحب وغمز لها قائلًا :
- حاضر يا قمر
ابتسمت وتابعت التجهيزات بينما ركض هو كما اقترحت عليه وما إن انتهت حتى أوقفته وقالت بجدية :
- يلا يا طيف حاول تطلع على الحبل ده لغاية فوف .. أنا عارفة إنه صعب بس أنت تقدر
نظر إلى الأعلى ثم نظر إلى نيران وأردف مازحًا :
- أنا لو وقعت من فوق هبقى أطياف مش طيف واحد .. ربنا يستر
اتجه إلى الحبل وبدأ يتسلقه بصعوبة ، كان يظن في بداية الأمر أن هذا العمل قد يكون سهلًا لكن مع تحرك الحبل وصعوده أضاف صعوبة كبيرة لكنه حاول وبعد معاناة وصل إلى قمة السور وصرخ بصوت مرتفع :
- عااااا قلتلك أنا جامد أوي ، ده احنا هنجيب غارم ده في شوال
ضحكت على فرحته المبالغة كما أنه ظل يقفز بسعادة غامرة كالأطفال ، كتمت ضحكاتها رغمًا عنها وهتفت بصوت مرتفع كى يصله :
- يلا انزل بقى
انتبه لها وبحث عن سلم كي ينزل إلى الأسفل لكنه لم يجد فقطب جبينه متسائلا :
- أنزل ازاى مفيش سلم يا نوني !
ابتسمت ابتسامة واسعة وأجابته :
- لا يا قلب نوني مش هتنزل بالسلم .. هتنزل على الحبل ، يلا انزل
- أنزل على الحبل !! استر يارب
نظر إلى الأسفل فوجد المسافة كبيرة جدا مما شعر بدوار خفيف لكنه تغلب عليه وجلس على السور بالقرب من الحبل ، ثبت قدمه على عقدة به ثم لف جسده بحذر وبدأ في النزول الذي كان أكثر سهولة من الصعود وما إن نجح في ذلك ووصل إلى الأسفل حتى صاح بصوت مرتفع :
- أخيرا ، يلا بقى نرجع .. شُوفتِ بتعلم بسرعة ازاي ؟
هزت رأسها بالرفض وفاجأته بقرارها :
- لا يا طوفي أنت هتطلع وتنزل أكتر من مرة لغاية ما أزهق أنا ، مش من مرة .. ممكن حظ مبتدئ علشان كدا مش هنمشي من هنا النهارده غير وأنت محترف تسلق حبال
استاء من هذا الأمر وقال معترضًا :
- لغاية ما تزهقي ايه يا نيران أنتِ عايزة تخليني أفطس ! ده أنا روحي طلعت في الطلوع والنزول
رسمت ابتسامة وهي تضم وجهه بكلتا يديها وأردفت :
- معلش يا حبيبي لازم .. يلا بقى اسمع الكلام بدل ما أجيبلك رماح هو اللي يدربك وأنت عارف رماح هيعمل ايه فيك
رفع كفيه أمام وجهها وردد بقلق :
- لا أبوس ايدك رماح ده ماعندوش رحمة ومجنون ده في مرة لقيته حدفلي سيف وقالي تعالى عاركني ، هطلع وأنزل زي ما تحبي .. قال رماح قال

***

بدأ في قراءة المستند الذي وجده خلف خزانة الملابس وما إن بدأ القراءة حتى شعر بالصدمة فهو لم يتوقع ما رأته عينيه ، تابع قراءة المستند حتى أنهاه ووجد في نهايته الأسطوانة فبحث بعينيه في المكان لعله يجد جهاز كمبيوتر وبالفعل وجده في ركن بالغرفة فأسرع إليه وقام بتشغيله ، وضع الأسطوانة به ووجد فيديو فقام بفتحه ليتفاجأ بجلوس «هاني» على كرسي ويبدو أنه سيقوم بالاعتراف بشيء ما ، رفع مستوى الصوت وبدأ في الاستماع
" أنا هاني عبد الشافي الفيديو ده اعتراف مني بكل حاجة عملتها ومعايا كل الأوراق اللي تدين الناس اللي شغال معاهم .. الناس دول شغالين في كل حاجة ممنوعة ، شركة أدوية مشهورة اسمها في المستند وكل الإدارة شغالين في الممنوع سواء أدوية فاسدة أو مخدرات والموضوع وصل للسلاح وكل الأدلة موجودة برضه في المستند .. انا حبيت أخلص ضميري وطبيعي مراتي أول واحدة هتشوف الفيديو ده علشان كدا مش عايزك تزعلي مني .. اللي عملته ده غصب عني وماكنتش أعرف إن ده كله هيحصل كل اللي حطيته في دماغي ازاي أسعد مراتي وبنتي لكن بغبائي عرضتكم للخطر ياريت تسلمي الفيديو والمستند ده للشرطة لأن معنى إن المستند ده معاكي يبقى أنا مت وأنتِ لقيتيه ورا الدولاب .. سامحوني وادعولي بالرحمة "
انتهى الفيديو ونزع «زين» الأسطوانة من الحاسوب وردد :
- ربنا يرحمك يا هاني ، الأوراق دي أنقذت الموقف ودلوقتي أروح وأبلغ اللواء كامل

***

حاولت مهاتفة خطيبها مرة أخرى فوجدت هاتفه مغلق ، شعرت بالقلق واتجهت إلى الأسفل فلاحظتها والدتها ورددت متسائلة :
- مالك يا نيسان ! أنتِ اتخانقتِ أنتِ وفهد تاني ؟
حركت رأسها بالنفي وأجابتها :
- لا يا ماما بس بقاله يومين تليفونه مقفول وكلمت مروة أخته وكانت بتعيط وبتقول إنه مختفي ومحدش يعرف عنه حاجة
شعرت الأم بالقلق ونهضت من مكانها واتجهت إليها قائلة :
- طيب ما تكلمي نيران تكلم حد من المديرية يعرف مكانه .. ممكن يكون في مهمة سرية أو حاجة
- اتصل بنيران وهي في شهر العسل !! بس لا شكلها هيبقى رخم أوي
اعترضت الأم عليها وأصرت على موقفها :
- لا مش رخم .. فهد شغال تحت ايد اللواء أيمن أبو طيف وبرضه نيران شغالة تحت ايده .. خليها تكلم طيف يكلم أبوه ويعرف مكانه ولا أكلم أنا طيف أو نيران أقولهم ؟
لوت ثغرها وصمتت للحظات قبل أن تقول بضيق :
- خلاص أنا هتصل بنيران أقولها

بالفعل هاتفت شقيقتها الصغرى «نيران» فأجابتها وهي في مركز التدريب قائلة :
- نوسي وحشتيني أوي
- وأنتِ أكتر والله يا نيران
لاحظت اختلاف صوت شقيقتها فضمت حاجبيها متسائلة :
- مالك يا نيسان صوتك متغير !
صمتت قليلًا وترددت في إخبار شقيقتها بالأمر لكنها انهارت وبكت وهي تقول :
- الحقيني يا نيران .. فهد مختفي بقاله يومين وأهله محدش يعرف عنه حاجة وقلقانين جدا ، أنا خايفة يكون حصله حاجة
حاولت بث الطمأنينة في قلب شقيقتها وأردفت :
- اهدي بس يا نيسان .. ممكن يكون في مهمة سرية أو حاجة أنا هكلم اللواء أيمن وأعرف منه متعيطيش بقى
مسحت دموعها ورددت بصوت ضعيف :
- حاضر بس اعرفي دلوقتي وطمنيني
- حاضر أنا هكلمه اهو وأقفل معاه أطمنك على طول يلا باي
أنهت المكالمة وقبل أن تهاتف اللواء «أيمن» اقترب منها «طيف» وعقد ما بين حاجبيه متسائلًا :
- في ايه! شكلك اتغير بعد المكالمة
ضغطت على زر الاتصال ورفعت الهاتف على أذنها وهي تقول :
- نيسان أختي بتقول إن فهد اختفى .. بتصل باللواء أيمن أعرف منه مكانه
هز رأسه بالإيجاب وظل يتابعها بنظراته أما هي فانتظرت للحظات قبل أن يجيبها قائلًا :
- نيران ! حصل حاجة عندك ؟
نفت سريعا حتى لا يشعر بالقلق حيال الوضع هنا :
- لا سعادتك مفيش حاجة بس نيسان أختي كلمتني وبتقول إن النقيب طيف خطيبها مختفي بقاله يومين ولما كلمت أهله كانوا قلقانين جدا ومايعرفوش مكانه
نهض «ايمن» من على كرسيه واتسعت حدقتيه بصدمة :
- ازاي يعني ماروحش البيت ؟ أنا كنت هبعتله حد البيت لأنه ماجاش من يومين المديرية.. أنا كلفته بمهمة ومن ساعتها مجاش !
شعرت «نيران» بالقلق ورددت بتوتر :
- ازاي يعني ! معنى كدا ايه ؟ معقول حصله حاجة
صمت قليلًا ليستعب ما يحدث قبل أن تهدأ نبرة صوته ويقول :
- أنا هتصرف .. ركزي في اللي عندك وماتشغليش بالك ، طمني أختك لغاية ما نلاقيه وماتحسسيهاش بأي حاجة تمام ؟
هزت رأسها بالإيجاب قائلة :
- تمام سعادتك
أنهت المكالمة ونظرت إلى «طيف» الذي انتظر انتهاء المكالمة حتى يعرف ما الذي حدث ، انتظر تحدثها لكنها ظلت صامتة فوجه سؤاله إليها :
- في ايه يا نيران وفهد ماله ! حصل ايه ؟
نظرت إلى نقطة بالفراغ وأجابته بشرود :
- معرفش حصل ايه بس فهد اختفى ومحدش عارف يوصله حتى اللواء أيمن .. أنا مش عارفة ايه اللي بيحصل ده
ساد الصمت لدقيقتين وفاقت هي من شرودها وهاتفت شقيقتها قائلة :
- أيوة يا نيسان .. قلتلك متقلقيش فهد بخير بس هو في مهمة سرية ولازم يفصل موبايله ، ماتقلقيش نفسك بقى يا حبيبتي .. هكلمك تاني يلا سلام

***

غربت الشمس وانتظر الاثنان حتى أصبحت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، نظرت إلى عينيه ورددت بثقة :
- جاهز يا طيف ؟
هز رأسه بالإيجاب ليعلن جاهزيته وأردف :
- جاهز يا نيران .. جاهز
ابتسمت له وضمته بحب وكأنه حضن الوداع فضمها هو الآخر وأغلق عينيه وهو يقول :
- أنا بحبك أوي
شعرت بالراحة ورأسها مستندة على صدره ورددت هي الأخرى :
- وأنا بحبك أوي
ظلا على تلك الحالة لأكثر من دقيقة فاعتدلت هي ومسحت دموعها لتستجمع قوتها مرة أخرى ورددت :
- يلا بينا
فتحت باب الشرفة الخاصة بغرفتهما وصعدت على السور بعدما وضعت الحبل على كتفها ، التقطت أنفاسها وقفزت إلى سور الشرفة المجاورة وأشارت إلى «طيف» الذي استجمع قواه وقفز هو الآخر ، نجح ووصل إلى الشرفة المجاورة ووقفت هي على سور الشرفة وقفزت إلى الشرفة المجاورة لها ، تبعها ووقف هو الآخر على السور وشعر أن المسافة تلك المرة أكبر فتردد في القفز مما جعلها تشجعه قائلة :
- يلا يا طيف أنت تقدر .. سهلة ماتبصش بس تحت ونط
هز رأسه بالإيجاب والتقط أنفاسه قبل أن يقفز إلى الشرفة المجاورة ونجح في ذلك ، أنزلت «نيران» الحبل الذي كان في بدايته خطاف ووضعته على السور وتركت الحبل يتدلى للأسفل ثم انخفضت وأدارت جسدها ونزلت عليه فتبعها طيف الذي أصبح هذا الأمر سهل بالنسبة له بسبب تدريبه طوال اليوم ، وصلت هي أولا إلى النافذة الخاصة بمكتب «غارم» وفتحتها بهدوء لكي تتأكد من خلو المكتب وما إن تأكدت حتى فتحت النافذة بأكملها وقفزت إلى الداخل وتبعها طيف ، اقتربت من الخزانة وفتحتها بسهولة بسبب معرفتها لكلمة المرور ، فتحتها وأخرجت منها الأوراق ودفعت نهاية الخزانة بقوة فسقط حائط صغير كان يغطي على النصف الآخر من الخزانة وظهر خلفة العديد من الأوراق ومعهم مسدس ، سحبت الأوراق ووضعتها بداخل ملابسها وأغلقت الخزانة مرة أخرى والتفتت لطيف قائلة بصوت منخفض :
- زي ما قلت بالظبط .. لقيت الورق ، يلا بينا قبل ما حد يجي
هز رأسه بالايجاب وصعد هو أولا على الحبل واتجه إلى الأعلى بينما هي قامت بإغلاق النافذة وتبعته ، وصلا إلى النافذة وقامت هى بالقفز إلى الشرفة المجاورة ومنها الى شرفة غرفتهما أما هو وجد صعوبة لكنها شجعته على ذلك ونجح في الوصول إلى الشرفة ، تنفس بأريحية وقال :
- يااه أخيرا
دلفت هي أولا إلى الغرفة وتبعها هو لكنه فوجئ بالعديد من الأشخاص ، امسك اثنين منهم نيران فأفلتت منهم ولكمت أحدهما بقوة لكنها فوجئت بالآخر يمسك يديها من الخلف فتذكرت هذا المشهد من قبل في فيلا رماح ، أما هو فركل أحدهم وأخفض رأسه ثم تقدم بها وأوقع الآخر على الأرض ، نفضت تلك الأفكار وحاولت الإفلات لكن الآخر ضربها بقوة على رأسها فصرخت باسمه :
- طيف
نهض طيف وصرخ بصوت مرتفع:
- نيرااان !!
وأسرع ليلكم هذا الشخص لكنه تفاجأ بمن يضربه بعصا حديدية ضخمة على رأسه ففقد توازنه وسقط أرضًا لكنه لم يستسلم ومد يده وزحف تجاهها وهو يقول بضعف :
- نيران .. سيبوها ، سيبوها !! نيراان
فقدت هي الوعي بسبب الضربة على رأسها وسحبها أحدهم إلى الخارج ، زحف بضعف تجاهها لكنه تلقى ضربة أخرى على رأسه جعلت الدماء تغطي وجهه بالكامل .. شعر بأن الضوء ينخفض من حوله وأصواتهم بدأت تتباعد وردد هو بضعف :
- ني..ران
أخذها هؤلاء الرجال وخرجوا وهو لم يستسلم أبدا رغم ما تعرض له وردد بضعف :
- نيران .. سيبوها .. نيرا....
اختفت الاضواء من حوله وسقط على الأرض وسط دمائه التي خرجت بغزارة
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الخامس عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


استيقظت مبكرا لتنفذ ما خططت له سابقا ، ارتدت ملابسها بسرعة ثم انطلقت إلى الشركة وما إن وصلت حتى اتجهت إلى أحد العاملين «سعيد» وأردفت :
- بقولك يا عم سعيد عايزاك تقفل التكييف بتاع مكتب نائل ومحدش يعرف نهائي ولو سألك قُل له إن فيه عطل وهيتصلح آخر اليوم .. تمام ؟
هز رأسه بالإيجاب وأردف :
- تمام يا ست ياسمين اللي تؤمري بيه
رحل وبقت هي وعلى وجهها ابتسامة واسعة فتلك الأيام الحرارة مرتفعة بشدة ولن يستطيع البقاء لأكثر من ساعة في مكتبه بدون هواء خاصة وأن المكتب ليس به مروحة والشركة تعتمد على مكيف الهواء فقط ، أسرعت إلى مكتبها قبل أن يحضر ويراها.
مرت دقائق وحضر «نائل» بصحبة «وحيد» ، كان العرق يغطي جبينه بكثافة وأسرع للمكتب حيث مكيف الهواء لكنه ليتفاجأ بسخونة هواء المكتب وقبل أن يدخل تأكد من خلو الأرض من المياه وما إن تأكد من ذلك تقدم إلى الداخل بحذر فهو يعلم أنها لن تتركه وستظل تفتعل المقالب حتى يرحل ، وصل إلى مكتبه ولم يجد أي شيء فتنفس بأريحية ونظر إلى الأعلى حيث مكيف الهواء فلم يجده يعمل فقرر الانتظار لدقائق وبالفعل انتظر لدقائق قضاهم في العمل ولم يعمل المكيف بعد ، ابتلت ملابسه بالعرق فنهض من مكانه وخرج متجهًا إلى الفني الخاص بالشركة وما إن وصل إليه حتى قال :
- بقولك ياعم سعيد هو التكييف مش شغال في المكتب عندي ليه ؟
تذكر «سعيد» طلب «ياسمين» منه فتوتر قليلا قبل أن يجيبه :
- التكييف بتاع المكتب يا نائل بيه عطلان وهيتعمله صيانة آخر النهار إن شاء الله
صمت قليلًا ولم يعرف ماذا يقول لكنه في النهاية قرر العودة إلى مكتبه ومتابعة العمل فهو طالما عمل تحت أشعة الشمس ولن يعيقه ذلك ، دلف إلى داخل المكتب وفتح النافذة ووجد الهواء ساخن للغاية فقام بإغلاقها مرة أخرى واتجه إلى الحاسوب الخاص به ليتابع العمل.

ظل يعمل لأكثر من ثلاث ساعات وابتل القميص الخاص به بالكامل بسبب العرق وأثناء اندماجه بالعمل رن الهاتف الخاص بمكتبه فرفع سماعته قائلًا :
- أيوة ؟
فوجئ بصوتها الذي يميزه عن آلاف الأصوات :
- عايزاك في مكتبي حالا
وأنهت المكالمة قبل حتى أن يجيبها لكنه لم يتعجب فهو اعتاد على طريقتها في المعاملة ، ترك ما بيده واتجه إلى مكتبها ودلف إلى الداخل بعدما أذنت له بالدخول ، اقترب من مكتبها وردد متسائلًا :
- افندم ! في حاجة ؟
رفعت بصرها ففوجئت بقميصه المبتل مما جعلها تقول ساخرة :
- ايه وقعت في مياه تاني النهارده ولا أيه
نظر إلى القميص ثم رفع رأسه ونظر إليها ليقول بابتسامة :
- لا دي مش مياه .. ده عرق
تجهمت تعابير وجهها وقالت بغضب :
- ايه القرف ده ! عرق؟ ومش مشغل التكييف ليه بدل ما أنت قارفنا بعرقك كدا
تمالك أعصابه فهو يعلم أنها المتسببة في عطل مكيف الهواء وأردف :
- التكييف عطلان للأسف وسألت سعيد قالي إن الصيانة بليل يعني القرف ده مش بمزاجي
شعرت بالسعادة داخلها لنجاح خطتها لكنها أخفت ذلك ومثلت شفقتها عليه قائلة :
- يا حرام زمانك مش عارف تشتغل والحر مبهدلك على الآخر ومخليك مش طايق نفسك ولا طايق الشركة
ابتسم ليثير غضبها وأجابها بسعادة :
- لا أبدا بالعكس أنا كنت بشيل رمل وزلط تحت الشمس في الشارع في عز الحر ومتعود على كدا جدا .. ده بالنسبالي الجو حلو جدا وبعدين كويس ده حتى التكييف بيجيب أمراض وكدا
نجح في إثارة غضبها فهي بعد أن كانت سعيدة شعرت بالضيق من كلامه وضغطت على أسنانها وهي تقول :
- اه طيب كويس ، قُل لي بقى ايه أخبار الموزعين اللي قلت عليهم والشركة الأمريكية ردت ولا لسة
جلس على الكرسي المقابل لها وأجابها :
- الموزعين نصهم اتعاقدنا معاهم خلاص والنص التاني هيتعاقدوا النهارده وبكرا إن شاء الله ، بعت كذا حد من الشركة وهيجيبولنا الأخبار الكويسة بكرا يعني موضوع الموزعين خلصان أما بقى عن الشركة الأمريكية فهم ردوا بس عندهم شرط وهو إن حد من الشركة اللي يسافر أمريكا يمضي معاهم مش هم اللي هيجوا
صمتت قليلًا بعد أن لوت شفتيها بتفكير واتخذت قرارها النهائي :
- خلاص ابعتلهم وقولهم إني هسافر على الأسبوع الجاي
قطب جبينه بتعجب وأردف :
- والشركة !! هتروحي وتسيبي الشركة لوحدها ؟
نظرت إلي بتعجب وقالت بتلقائية :
- لوحدها إزاي يعني امال أنت بتعمل ايه هنا ! أنت مش نائب رئيس مجلس الإدارة ! هتمسك إدارة الشركة عقبال ما أرجع
شعر بالسعادة لثقتها فيه وابتسم قائلًا :
- تمام خلاص هبعتلهم ايميل وأحدد معاهم ميعاد الأسبوع الجاي
ثم نهض من مكانه استعدادًا للرحيل وقال قبل أن يرحل :
- في حاجة تانية قبل ما أمشي !
هزت رأسها بالنفي وأجابته :
- لا روح أنت
رحل وبقت هي وعلى وجهها علامات الغضب فهو لم يستاء من عدم وجود مكيف الهواء ، عضت على شفتيها بقوة وابتسمت لتقول لنفسها :
- مش التكييف بيجيب أمراض ! أنا بقى هشغلهولك ومع العرق ده هتاخد دور برد يخلص عليك إن شاء الله
وبالفعل أسرعت واتجهت إلى «سعيد» وأردفت :
- شغل التكييف بتاع مكتب نائل ياعم سعيد
هز رأسه بالإيجاب وقال :
- اللي تؤمري بيه يا ست ياسمين

تابع عمله وأثناء كتابته على الحاسوب فوجئ بعمل المكيف فرفع حاجبيه بدهشة وهو يقول :
- معقولة صعبت عليها وقررت تشغل التكييف !!

***

فتح عينيه بصعوبة ونظر إلى سقف الغرفة بتعب شديد فتفاجأ بمن يمسك يده وسمع هذا الصوت الذي يعرفه جيدا :
- ابني حبيبي أنت كويس ! اجري يا رنة بلغي الدكتور إنه فاق
حضر الطبيب ومعه اللواء «أيمن» و «رماح ، فاطمة» ، اقترب الطبيب منه وردد متسائلًا :
- طيف أنت سامعني !! كام دول
استمع للصوت وكأنه بعيد للغاية عن أذنه وكأنه في عالم آخر وصوت الطبيب عبارة عن نداء يقتحم عالمه ، ظل على تلك الحالة كل ما يفعله هو النظر للسقف فقط فنظرت «أسماء» إلى الطبيب ورددت ببكاء :
- ابني ماله يا دكتور ؟ ابني ماله !
نظر إليها وحاول طمأنتها قائلًا :
- ماتقلقيش هو لسة بيفوق وهيفوق ويتكلم معانا دلوقتي
ثم نظر إليه وتابع :
- طيف انت سامعني ؟ تقدر تقولي كام دول !
بدأ عقله يستعب وجاب بنظره المكان وفجأة نظر إلى الطبيب وقال بضعف :
- ني..ران ، نير..ان فين ؟
لم يجبه الطبيب وكرر سؤاله :
- طيف أنت شايفني ! أنت حاسس بينا ؟
بدأت تلك الذكريات تقتحم عقله وتذكر هؤلاء الرجال الذين اختطفوا زوجته أمام عينه ولم يستطع الدفاع عنها فصرخ بصوت مرتفع :
- نيراااان ... نيرااان لااااا ، فين نيرااان .. اااااه
تسارعت دقات قلب والدته وزاد بكائها على حال ولدها بينما أسرع الطبيب وصاح قائلًا :
- الحقنة المنومة بسرعة
نفذت الممرضة طلبه وأعدت الحقنة المنومة له ، ازداد صراخ «طيف» وتشنج جسده بالكامل وسط رعب الجميع وحزنهم ، تقدم الطبيب وأعطاه الحقنة وحاول أن يثبته حتى ينام وبالفعل لم يمر وقت وبدأ جسده يهدأ وينخفض صراخه حتى هدأ تمامًا
نظرت «أسماء» إلى الطبيب وقالت باكية :
- ابني ماله يا دكتور رد عليا
ربت «أيمن» على كتفها وعاود سؤال زوجته على الطبيب :
- طمني يا دكتور ايه اللي حصله
أجابه الطبيب بحزن :
- هو حالته مستقرة بس اللي حصل معاه قبل ما يفقد الوعي عمله صدمة كبيرة وده اللي خلاه في حالة هيجان وتشنج كدا ، أنا اديته حقنة منومة ولما يفوق إن شاء الله يستوعب اللي حصل ومايحصلش معاه كدا تاني ، أستأذنكم
رحل الطبيب وبقى الجميع في حالة صدمة وحزن شديدين ، ساد الصمت في المكان إلى أن تحدث رماح :
- بعد إذن سعادتك هنتصرف ازاى وهنعمل ايه؟ طيف بقاله أسبوع فاقد الوعي بعد اللي حصل واديه فاق النهاردة لكن نيران مالهاش أثر نهائي ! ده غير فهد اللي برضه اختفى ومالهوش أثر
سلط نظره على نقطة بالفراغ ولم يعرف ماذا يفعل ، للمرة الأولى يشعر بالعجز هكذا ...

***

أخبر «زين» اللواء «كامل» بكل شيء والذي قام بدوره بجمع رجاله بمكتبه لإنهاء هذا الأمر ، وجه بصره باتجاه الرائد «هادي» وأردف :
- أنت يا هادي والقوة بتاعتك هتقتحموا الشركة وتجيب كل الكلاب دول ، كلهم بلا استثناء واللي تلاقيه مش موجود تقلب عليه الدنيا وتجيبه مفهوم
أجابه بثقة :
- تمام يا فندم
ثم وجه بصره باتجاه الرائد «محمد» وتابع :
- وأنت يا محمد أنت وقوتك هتروحوا على كل الصيدليات التابعة للشركة دي وتقبض على كل اللي شغالين فين وتشمعها
هز رأسه بالإيجاب ليقول :
- تمام سعادتك
وأخيرا وجه بصره باتجاه الرائد «زين» وأردف :
- أما أنت يا زين هتروح على المخازن وده خطر جدا لأن احتمال يحصل اشتباك لأن المخازن دي مليون في المية فيها المخدرات ، لازم تاخد بالك جدا وخد معاك رجال القوات الخاصة
أومأ رأسه بالإيجاب ليقول بحماس :
- تمام سعادتك كل حاجة هتتم على خير إن شاء الله
هز رأسه ورمقهم جميعًا قبل أن يقول جملته الختامية :
- تقدروا تتحركوا دلوقتي .. ربنا معاكم يا أبطال

***

نظرت يمينها ويسارها قبل أن تتابع طريقها إلى أن وصلت إلى صيدلية كبيرة وقبل أن تدخل راقبت المكان من حولها لتتأكد من عدم مراقبة أحد لها وما إن تأكدت من ذلك حتى دلفت إلى الداخل ودست يدها بداخل حقيبتها وأخرجت مبلغ ضخم من النقود ومدت يدها به إلى الطبيب الذي نظر إلى الخارج ليتأكد من عدم وجود أحد وما إن تأكد حتى دس يده بجيب بنطاله وأخرج علبة صغيرة بها حبوب ممنوعة ومد يده بها إليها وقبل أن تضعها بحقيبتها اقتحمت الشرطة المكان وهتف الرائد «محمد» :
- اقفي عندك أنتِ وهو ، فتشوا المكان كله
وتقدم هو بابتسامة قبل أن يسحب من يدها العلبة الصغيرة ويرى ما بداخلها ، فتحها وابتسم ووجه بصره إليها قائلًا :
- اوبااا حبوب وبرشام .. مخدرات يا قطة ؟
تلجلجت «هايدي» في الحديث :
- أنا .. أنا
صرخ فيها بغضب لكي تكف عن الحديث :
- أنتِ تخرسي خالص لأن حظك فل إنك تيجي في اليوم اللي نقبض فيه على الحلو وزمايله
ثم رفع بصره ووجه الحديث إلى الطبيب :
- ولا ايه يا دكتور !!
ظهر الخوف والتوتر على وجهه بنسبة مرتفعة وردد :
- ولا ايه! أنا مش فاهم حاجة يا باشا ممكن تفهمني وليه كل القوة دي
ضحك وتقدم إلى الداخل بخطوات متمهلة ليزيد الرعب والقلق في قلبه وتوقف فجأة ليقول :
- أحب أبشرك إن الصيدلية دي وكل الصيدليات اللي تبع شركة "..." هتتشمع وكل اللي شغالين هيتسجنوا بتهمة الإتجار في المخدرات والشركة اللي مظبطاكوا وقعت خلاص
اتسعت حدقتيه بصدمة كبيرة فهو لم يتوقع حدوث مثل هذا الأمر فردد «محمد» بإبتسامة :
- مصدوم صح !! ماكنتش تتوقع إنكم تقعوا بالسهولة دي ! يلا قدامي ..

***

اقتحمت قوات الشرطة الشركة وانتشروا بداخلها قبل أن يدخل الرائد «هادي» ويقتحم المكتب الخاص بمدير الشركة مما جعله ينهض من مكانه ويرمقهم بتعجب قبل أن يصرخ فيهم بغضب :
- أنتوا ازاي تدخلوا الشركة ومكتبي كدا ! أنتوا مش عارفين أنا مين ولا ايه أنا ...
قاطعه «هادي» الذي اتسعت عينيه وهو يقول بغضب :
- أنت ماأسمعش صوتك .. أنت مطلوب القبض عليك أنت وكل إدارة الشركة بأمر من النائب العام شخصيًا ، يلا بقى من غير شوشرة اتفضل قدامي
لم يجد مجال للدفاع عن نفسه فهذا قرار من النائب العام ويبدو أن أمرهم قد كُشف ، بالفعل تم القبض على إدارة الشركة بأكملها وفتح تحقيق مع جميع الموظفين

***

وصلت قوات الشرطة بقيادة «زين» إلى المكان المخصص للمخازن والذي كان في مكان أشبه بالصحراء مما جعل الوضع صعبًا ، خرج من السيارة وتقدم بضع خطوات ليراقب الوضع قبل اقتحام المكان حتى لا يتسبب بخسائر في الأرواح وبالفعل وجد ما كان يتوقعه حيث كانت المخازن محمية بالكثير من المسلحين المستعدين لأى هجوم وكأن أحدًا ما أبلغهم بالأمر فتراجع زين ووجه بصره إلى «طارق» قائلًا :
- مش هينفع نهجم .. لازم نحاصرهم الأول ونطلب منهم يسلموا نفسهم ولو رفضوا هنشتبك معاهم
هز رأسه بالإيجاب وقبض على سلاحه بقوة قائلًا :
- تمام سعادتك
بالفعل أشار «زين» إلى الرجال وتم محاصرة المكان بأكمله وهنا خرج زين وهتف بصوت مرتفع :
- كله يرمي سلاحه ويسلم نفسه .. المكان كله متحاصر ، متحاولوش تشتبكوا علشان هتخسروا وكل اللي شغالين لحسابهم اتقبض عليهم يعني مفيش فايدة من المقاومة
تقدم قائدهم ورفع سلاحه استعدادًا لإطلاق النار فأسرع زين واختبأ خلف الصخرة قبل أن يطلق هذا الرجل الرصاص ليعلن رفضهم التام لاقتحام الشرطة المكان ، أمسك «زين» جهاز اللاسلكي وهتف قائلًا :
- القوة تشتبك يا طارق .. القوة تتعامل
وبالفعل بدأت قوات الشرطة في التقدم وتبادلوا إطلاق الرصاص بغزارة وقفز زين إلى الصخرة المجاورة وأخذها حماية له ثم أشهر سلاحه الرشاش وأطلق الرصاص على المسلحين الموجودين أمامه وقتل منهم شخصين ، وجد من يطلق الرصاص في الأعلى فتحرك وهو منخفض الرأس حتى لا يظهر أمامهم وأطلق النار ليقتل هذا المسلح وأخيرا خرج ودخل في مرمى إطلاق النار وتقدم بقلب شجاع كالأسد وأطلق الرصاص من سلاحه في كل مكان ومعه رجال الشرطة الذين انتشروا في كل مكان وقضوا عليهم جميعًا عدا ثلاثة أشخاص ألقوا أسلحتهم واعلنوا استسلامهم ، تقدمت قوات الشرطة وألقت القبض عليهم قبل أن تقتحم المكان بقيادة «زين» الذي تنفس بأريحية وهو يقول :
- وأخيرا خلصنا من الكابوس ده ...

***

انتهى الوقت المحدد للعمل لكن «ياسمين» بقت لنصف ساعة إضافية حتى تنهي بعض الأعمال وما إن انتهت حتى أخذت كل متعلقاتها ورحلت ، مرت أمام مكتب «نائل» وقررت رؤية إذا كان قد رحل أم مازال بالداخل وبالفعل فتحت باب المكتب دون حتى أن تطرق عليه فتفاجأت به يعمل ولم يرحل حتى الآن ، انتبه لوجودها ووقف وهو يقول :
-أنسة ياسمين ! أنتِ لسة موجودة ؟ أنا افتكرتك روحتِ
هزت رأسها بالنفي وأجابته :
- لا كان في شوية شغل كدا كنت بخلصهم .. وأنت مش هتروح ولا ايه
أشار إلى الحاسوب الخاص به وردد :
- في شغل كتير وعايز أخلصه .. كام شركة كدا بكلمهم وبعمل كام حاجة تانية هقدملك عنها تقرير بكرا ، يعني قدامي نص ساعة كدا وأمشي
تعجبت من نشاطه واهتمامه بالعمل وفكرت هل ظلمته بالحكم عليه ؟ وانتهى تفكيرها بأنه يقوم بأداء واجبه ولا يفعل المستحيل ، وجهت بصرها إليه وأردفت :
- تمام كمل أنت وأنا همشي

رحلت وبقى هو يتابع عمله المتبقي وبالفعل انتهى في غضون نصف ساعة ووقف ليفرد ذراعيه في الهواء قبل أن يرحل تاركًا الشركة ، سار لمسافة ليست طويلة حتى يركب سيارة ميكروباص ويعود إلى منزله لكنه تذكر نسيانه لمفاتيحه الخاصة بمكتبه في الشركة فضرب ببطن يده مقدمة رأسه وأردف :
- اخ نسيت المفتاح ..
نظر إلى الطريق من خلفه فوجد المسافة ليست بعيدة وقرر العودة ليجلبها ، بالفعل عاد إلى الشركة مرة أخرى وأحضر مفاتيحه وأثناء خروجه من المكتب لاحظ انبعاث الضوء من أسفل باب مكتب «ياسمين» فضم حاجبيه وهو يقول متسائلًا لنفسه :
- ايه ده هي رجعت تاني ولا ايه!
اتجه إلى المكتب بخطوات متمهلة حتى وصل إليه وفتحه على الفور ونسى أن يطرق الباب ففوجئ بشقيقه «يوسف» أمامه وكان يجلس أمام الحاسوب الخاص بـ «ياسمين» ، اتسعت حدقتيه بعدم تصديق وأردف بغضب :
- أنت بتعمل ايه في المكتب هنا
نهض «يوسف» من مكانه وصاح هو الآخر :
- أنت اللي بتعمل ايه مش المفروض وقت الشغل خلص ولا ايه ياابن الشغالة !
تمالك «نائل» أعصابه وتقدم حتى وصل إليه وأشار إلى الباب قائلًا :
- شايف الباب ده !! اخرج منه دلوقتي بدل ما أندمك على كل كلمة قولتها في حق أمي
ضحك باستهزاء عليه وأردف بوقاحة :
- لو في حد هيخرج من الباب ده فهو أنت ، ده مكتب خطيبتي ومالكش دعوة وماتتدخلش في حاجة ماتخصكش ولا شوفت نفسك بعد ما زين عينك نائب رئيس مجلس الإدارة
لم يسمح له البقاء أكثر من ذلك وجذبه من يده بقوة فأوقعه أرضا ورمقه بأعين مشتعلة وهو يقول بغضب :
- خطيبتك مش موجودة يبقى مفيش سبب لوجودك علشانه .. تاني حاجة أنا ماشوفتش نفسي لأني مش زيك .. تالت حاجة أخرج من المكتب دلوقتي بدل ما أخرجك غصب عنك
نهض «يوسف» وعدل من وضعية ملابسه قبل أن يتقدم منه وهو يقول :
- وحياه الشغالة أمك لأدفنك في مكانك
وأخرج سكين "مطواه" من جيب بنطاله دون أن يلاحظ «نائل» ، نظر إلى عينيه بتحذير وغضب فبادله «نائل» نفس النظرات وهو يقول :
- أنا اتربيت على شيل الرمل والزلط وعضمي أنشف منك فلو فيه حد هيتدفن هنا فهو أنت
أثارت تلك الجملة غضبه كثيرا مما دفعه لإشهار السكين ودفعها بقوة في اتجاه جسده فاخترقت بطنه وسحبها مرة أخرى ، تفاجأ «نائل» بما حدث ونظر إلى جرحه فوجد الدماء تخرج بغزارة .. وضع يده عليها وشعر بالدوار قبل أن يسقط مغشيًا عليه.

نظر «يوسف» إلى السكين التي بيده ولم يصدق أنه ارتكب تلك الجريمة في هذا الوقت ، توقف عقله عن التفكير ونظر إلى «نائل» الذي وقع أمامه على الأرض وغطت الدماء ملابسه بالكامل ، حاول التقاط أنفاسه بدرجة طبيعية كي يستطيع التفكير ونجح في ذلك ، كل ما شغل باله هو كيفيه إخفاء جثة أخيه قبل أن يكتشفها أحد ، ألقى بالسكين ثم مال عليه ليتأكد من وفاته ففوجئ أنه على قيد الحياة ومازال يتنفس ، نظر إلى السكين وفكر في سحبها وإنهاء ما بدأه حتى لا يُكشف أمره وبالفعل أمسك السكين ورفع يده استعدادًا لطعنه مرة أخرى و ....
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السادس عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


كان يتجول على شاطئ البحر وهو يضع كلتا يديه في جيب بنطاله ، كان الهواء الذي يصطدم بوجهه رائعًا ، أحب هذه الأجواء وأثناء سيره وجدها تنظر إلى مياه البحر وشاردة تمامًا فتقدم حتى وصل ووقف بجوارها قبل أن ينظر إليها ويقول متسائلا :
- غريبة واقفة لوحدك ليه !
أجابته وهي مازالت موجهة بصرها إلى المياه :
- المياه حلوة أوي .. لما ببص للمياه بحس براحة نفسية رهيبة .. بنسى كل مشاكلي وهمومي .. بحس إن المياه بتغسل كل همومي وتعبي
ابتسم ونظر هو الآخر إلى المياه قبل أن يقول :
- وأنتِ برضه حاسة بهموم وتعب وأنتِ معايا !
نظر إليها وتابع :
- في حاجة مضايقاكي يا نيران ؟ حاسك شايلة هم كبير أوي .. حاسك زعلانة ومطفية مش نيران اللي على طول مبتسمة للحياة ومفيش أي حاجة تأثر فيها ، احكيلي مالك يمكن أعرف أمسح همومك زي ما البحر بيعمل
وجهت بصرها إليه ونزلت دمعة من عينيها وهي تقول :
- خايفة أوي يا طيف .. خايفة في يوم تبعد عني ، أنا عارفة إنك مش هتسيبني بس خايفة يبعدوك عني بالقوة ، خايفة أصحى في يوم ماألاقيش نفسي في حضنك .. خايفة ماأشوفكش تاني
زادت دموعها وتابعت :
- خايفة حلمنا الجميل يتحول لكابوس .. أنا مش عايزة أبعد عنك يا طيف بالله عليك ماتسيبنيش ، احضني وخبيني جواك ماتسيبهمش يخدوني منك
اعتدل في وقفته وحضنها بقوة وهو يقول :
- مش هسيبك يا نيران .. أنتِ كل حياتي وعمري ما هسيبك ولا هسيبهم ياخدوكي مني ، أنتِ نفسي اللي بتنفسه ومن غيرك ماتبقاش حياة .. مش هسيبهم ياخدوكي .. مش هسيبهم ياخدوكي

كانت «أسماء» تنظر إلى ابنها ببكاء وتألم وهو يكرر تلك الكلمات أثناء نومه :
- مش هسيبهم ياخدوكي يانيران .. مش هسيبهم ياخدوكي
وفجأة فتح عينيه ليجد والدته بجواره والتي أسرعت ومسحت دموعه المتساقطة وهي تقول :
- طيف حبيبي وحبة عيني طمني عليك حاسس بوجع ؟ أناديلك الدكتور
حرك بصره ورمقها بنظرات مجهولة وكأنه يتعرف على الموقف الذي هو فيه الآن وما إن أدرك حتى رفع يديه وأمسك بكفها وقبله بحب وهو يقول بضعف :
- ماما وحشتيني أوي كنت خايف ماأشوفكيش تاني .. أنتِ كويسة ؟
رفعت هي يده وظلت تقبلها بشوق ولهفة شديدين قبل أن تجيبه بحنو :
- أنا كويسة يا نور عيني وحياتي كلها ، المهم طمني أنت كويس !! حاسس بوجع أو بتعب ؟
حاول تحريك رأسه لكنه لم يستطع فاكتفي بالرد فقط :
- أنا بخير اتطمني عليا بس نيران مش بخير .. خدوها قصاد عيني وماقدرتش أعمل حاجة .. معرفتش أدافع عنها واخدها منهم ، أنا فاشل في كل حاجة .. فاشل في إني أكون دكتور وفاشل إني أكون ظابط شرطة ، انا فاشل فاااشل
تساقطت الدموع من عينيه فأسرعت أمه ومسحتها وهي تقول بحنو وحب شديدين :
- لا يا حبيبي أنت مش فاشل وكل اللي حصل ده غصب عنك وبعدين دول ضربوك على راسك جامد وجالك ارتجاج في المخ والدكتور قال إنها معجزة إنك خرجت منها على خير وهتقدر تقف على رجلك وكمان مافقدتش الذاكرة ، كل حاجة حصلت غصب عنك يا طيف ونيران هترجع إن شاء الله
لم يستطع الرد وظل مسلطا لبصره على سقف الغرفة إلى أن طرقت «رنّة» على باب الغرفة ودلفت إلى الداخل ،فوجئت بإفاقة شقيقها فأسرعت اليه وقالت بلهفة :
- طيف أنت كويس ؟! وحشتني أوي
ابتسم بلطف وهو يمسك يدها بحب قائلًا :
- وحشتيني يا لمضة .. شوفتي آخرتها بقيت فين ؟
حاولت منع دموعها لكنها لم تستطع وأردفت :
- إن شاء الله هتقوم وتبقى كويس وأحسن من الأول كمان
حاول بث الطمأنينة في قلبها حتى تكف عن البكاء :
- إن شاء الله .. ماتعيطيش بقى أنا كويس
في تلك اللحظة طرق الطبيب الباب وما إن دلف حتى فوجئ بطيف مستيقظا فابتسم وتقدم ناحيته :
- ما شاء الله احنا فوقنا وبقينا كويسين أهو
ابتسم بتكلف وهو يقول :
- البركة فيك يا دكتور .. ممكن أعرف أنا هقدر أقوم وأتحرك امتى ؟
اختفت ابتسامة الطبيب ورمقه بتحذير قائلًا :
- اوعى ترهق نفسك وتتحرك وماتفكرش تقوم دلوقتي خالص لأن الضربة كانت شديدة وعملت ارتجاج في المخ .. أنت اتكتبلك عمر جديد ، ياريت بقى ماتحاولش ترهق نفسك بأي شكل من الأشكال لغاية ما تبقى كويس وتقدر تتحرك تاني زي الأول إن شاء الله
أغلق عينيه بتعب وفتحها مرة أخرى قبل أن يقول متسائلًا :
- طيب بابا فين !
هنا تحدثت والدته واجابته :
- هو في المديرية دلوقتي وهيخلص شغل ويجي على هنا .. متقلقش
أعد الطبيب الحقنة وأعطاها إليه ثم عاد بظهره قبل أن يقول :
- لو احتاجتوا أى حاجة بلغوني وأنا تحت أمركم .. بعد اذنكم

***

نظر «يوسف» إلى السكين التي بيده ولم يصدق أنه ارتكب تلك الجريمة في هذا الوقت ، توقف عقله عن التفكير ونظر إلى «نائل» الذي وقع أمامه على الأرض وغطت الدماء ملابسه بالكامل ، حاول التقاط أنفاسه بدرجة طبيعية كي يستطيع التفكير ونجح في ذلك ، كل ما شغل باله هو كيفيه إخفاء جثة أخيه قبل أن يكتشفها أحد ، ألقى بالسكين ثم مال عليه ليتأكد من وفاته فتفاجأ أنه على قيد الحياه ومازال يتنفس ، نظر إلى السكين وفكر في سحبها وإنهاء ما بدأه حتى لا يُكشف أمره وبالفعل أمسك السكين ورفع يده استعدادًا لطعنه مرة أخرى وقبل أن ينزل بها على جسده استعاد «نائل» وعيه وأمسك بيده فحاول «يوسف» دفع السكين باتجاه جسده بقوة ورغم إصابة «نائل» إلا أنه كان أكثر قوة منه واستطاع إبعادها عنه وبحركة سريعة أخذها منه وقربها من رقبته وهو يقول :
- حركة كمان وهطيرلك رقبتك
استسلم «يوسف» ورفع يديه وهو يقول :
- أنا ... أنا ماكنتش أقصد
نظر إلى الجرح بألم ورأى كم الدماء التي سالت ثم رفع رأسه إليه وأردف :
- ماكنتش تقصد ؟ ده أنت كنت عايز تخلص عليا ! بس حسابنا مش دلوقتي ياابن الهواري .. قوم غور من هنا بدل ما أرتكب جناية ، قووم !!
نهض «يوسف» وتراجع بظهره بخوف وما إن وصل إلى الباب حتى أسرع وركض إلى الخراج هربًا من هذا المكان ، حاول «نائل» الوقوف مرة أخرى لكنه وجد صعوبة كبيرة في ذلك ، حاول عدة مرات حتى نجح لكنه شعر وكأن المكان يدور به ففقد الوعي في الحال ...

مر الوقت وأصبحت الساعة التاسعة مساءً ولم يعود «نائل» إلى المنزل ، ظلت شقيقته الصغرى تتحرك ذهابا وإيابا بقلق فهتفت والدتها :
- هيكون راح فين يعني ! ده أول مرة يتآخر كدا . أنا قلبي واكلني عليه أوي
ظلت الأجواء متوترة إلى أن تذكرت الأم «وحيد» فوجهت بصرها إلى طفلتها وقالت :
- أيوة نائل شغال في نفس الشركة اللي شغال فيها وحيد ، اجري يا يارا روحي اسأليه أكيد يعرف مكانه
هزت رأسها بالإيجاب وأسرعت بالفعل إلى منزل «وحيد» وطرقت الباب ففتح لها بعد عدة ثوانٍ ليقول متعجبًا :
- أيوة يا يارا .. مالك وشك مخطوف كدا هو في حاجة ؟
التقطت أنفاسها ورددت بتساؤل :
- ماشوفتش نائل ياعم وحيد !! أصله لسة مارجعش لغاية دلوقتي واحنا هنموت من القلق عليه
اتسعت حدقتيه بصدمة ليقول :
- ايه! نائل مرجعش لغاية دلوقتي ازاى يعني ؟

***

أنهى اللواء «أيمن» عمله واتجه إلى المستشفى ، وصل إلى غرفة ابنه وتفاجأ أنه بصحة جيدة ، تقدم إليه وجلس على الكرسي المجاور لسريره من الجهة الأخرى وأردف :
- حمدلله على سلامتك يا وحش .. يلا اتجدعن كدا وارجع زي الأول وأحسن
لم يعلق على ما قاله وردد متسائلًا :
- فين نيران يا بابا ؟
نظر إلى زوجته ولم يعرف بماذا يجيبه فعاود سؤاله مرة أخرى :
- رد عليا يا بابا فين نيران !! لما لقيتوني مالقيوتهاش ؟ راحت فين
ربت على كتفه بحنو قائلا :
- ماتقلقش يا طيف هنلاقيها .. الموضوع مش سهل والداخلية كلها مقلوبة خصوصا بعد اللي حصل من صاحب الفندق
قطب جبينه بتعجب قبل أن يسأله :
- صاحب الفندق !! اللي هو غارم ؟ أنا مش فاهم حاجة خالص .. هو أنا بقالي كام يوم هنا
- أسبوع ويومين
اتسعت حدقتيه بصدمة وبدل نظراته بين والدته ووالده وهو يقول بعدم تصديق :
- يعني نيران بقالها أسبوع ونص مخطوفة ولسة محدش وصلها !! لا لا مش مصدق .. استحالة
ربت على كتفه وحاول تهدئته قبل أن يُصاب بصدمة كما حدث بالأمس :
- اهدا بس يا طيف لو عايزني أحكيلك اللي حصل بالظبط يبقى تهدا وتاخد كل حاجة بالعقل مش على أعصابك تمام ؟
نظم أنفاسه وهتف قائلًا :
- أنا هادي أهو وكويس ممكن بقى تحكيلي حصل ايه ؟
رجع بظهره إلى الخلف وبدأ يتذكر ما حدث وما قصه عليه رجاله

"قبل اسبوع"

طرق «رماح» على باب الغرفة فلم يفتح له أحد ، نظر إلى «فاطمة» بتعجب قائلًا :
- هم مش موجودين ولا ايه؟
هزت رأسها بالنفي وأجابته :
- ازاي يعني أنا قايلة لنيران امبارح إننا هنيجي النهارده وماأظنش إنهم مش هنا .. ممكن يكونوا لسة نايمين
نظر إلى ساعته ورفع رأسه قائلًا :
- نايمين ايه يا فاطمة الساعة دلوقتي 1 بعد الضهر !
بدأ القلق يزداد عندهما فقرر «رماح» جلب مفتاح الغرفة وبالفعل جلبه بصفته رجل شرطة ، فتح الباب فتفاجأ بـ «طيف» الذي كان غارقا في بركة دماء ، صرخت «فاطمة» ولم تتحمل المشهد بينما تقدم هو وانخفض ليتحسس نبضه فوجده على قيد الحياة .. سحب هاتفه وأبلغ الإسعاف على الفور ونظر إليها قائلًا بحدة :
- انزلي اقبضي على ابن ال... اللي اسمه غارم ده .. حاالا
بالفعل أسرعت إلى الأسفل بعدما أشهرت سلاحها واتجهت إلى المصعد المؤدي إلى مكتب «غارم» فأوقفها أحد رجال الأمن قائلا :
- لو سمحت ارمي السلاح اللي في ايدك ده وإلا هبلغ بقية الأمن
وجهت السلاح إلى رأسه وقالت بانفعال :
- أنا ظابط شرطة .. فين مكتب رئيس الفندق ده
تراجع وشعر بالقلق مما دفعه لإخبارها بمكان المكتب فدلفت إلى داخل المصعد ومنه اتجهت إلى مكتب «غارم» ، لم تطرق الباب بل ركلته بقوة ليقع أمامها بكل سهولة ودلفت إلى الداخل وأمسكته من لياقة قميصه ووجهت السلاح إلى رأسه قائلة :
- وحياه أمك لتندم على اللي عملته يا غارم الكلب
رفع كلتا يديه بخوف فهو لا يعرف من تلك ولماذا هي الآن ، ظهر الخوف والتوتر على وجهه وأردف :
- غارم مين !! انا كرم ومعرفش حضرتك بتتكلمي عن ايه خالص .. ممكن أفهم ؟
نظرت إلى وجهه وتراجعت على الفور عندما لم تجده هو فهي تعرف شكله الحقيقي من الصورة التي أعطاها إياها اللواء «أيمن» ، كيف لم تميز شكله عندما هاجمته !! أنزلت سلاحها وتراجعت وهي تقول :
- كرم ازاي !! وفين يوسف اللي قبلك ؟
التقط أنفاسه وهدأ قليلا قبل أن يجيبها :
- هو فعلا اللي كان ماسك الفندق قبلي اسمه يوسف بس أنا اشتريته منه من أسبوع وسلمهولي النهارده الصبح
وضعت المسدس في مخمده وتقدمت مرة أخرى وهي تقول متسائلة :
- باعه ؟ طب ماتعرفش راح فين أو ساكن فين ده ؟
هز رأسه بالنفي وأجابها :
- للأسف معرفش .. ممكن أفهم في ايه وايه اللي بيحصل في الفندق ؟

"عودة للوقت الحالي"

تابع «أيمن» سرد ما حدث قائلًا :
- اختفى كأنه إبرة في كوم قش .. مالهوش أثر نهائي ، بعدها الإسعاف جت وأخدتك وأنا روحت الفندق بنفسي وفتحت تحقيق مع كل اللي شغالين وجبت كل الفيدباك بتاع الكاميرات لكن ملوصلتش لحاجة
قاطعه «طيف» قائلا :
- أكيد كرم ده يعرفه يا بابا .. أكيد تبعه وحطه في الصورة مكانه علشان يعرف يهرب .. أكيد يعرف حاجة عن غارم
نظر إلى الأسفل بأسى قبل أن يجيبه :
- أنا كنت فاكر زيك كدا في الأول لكن طلع فعلا مايعرفش أى حاجة عن الموضوع واشترى الفندق قبل الحادث بأسبوع زي ما قال ، واضح إن غارم كان مخطط لكل شيء وكان سابقكم بخطوات مش خطوة واحدة
حاول أن ينهض من نومه ويجلس وبالفعل نجح في ذلك بصعوبة مما جعل والدته تنهض مسرعة وتساعده في ذلك ووضعت خلف رأسه وسادة حتى لا يشعر بالتعب ، وجه بصره إلى والده وقال بحزن :
- يعني ايه !! نيران خلاص كدا ضاعت ؟ خلاص مش هشوفها تاني ؟ رد عليا يا بابا
ربت على فخذه وقال بابتسامة خفيفة كي يبث الطمأنينة في قلبه :
- هنلاقيها إن شاء الله يا طيف ، أنا متابع كل حاجة بنفسي وهنوصلها .. عايزك أنت بس تهدا ومتحاولش تتعصب علشان متأذيش نفسك

***

كانت تجلس على سريرها بغرفتها وتقوم بقراءة كتاب أثناء دخول شقيقتها الصغرى إلى الغرفة ، اقتربت الصغيرة «رقية» منها وقالت ببراءة :
- ياسمين ممكن تلعبي معايا زي زمان ؟
تركت الكتاب من يدها وابتسمت قائلة :
- معلش يا رورو أنا تعبانة وعايزة أخلص الرواية دي قبل ما أنام ، روحي أنتِ العبي في أوضتك
ثم هتفت بصوت مرتفع :
- هانم !! يا هانم ؟
حضرت «هانم» مسرعة وهي تقول :
- أيوة يا ست ياسمين
أشارت إلى شقيقتها الصغرى وقالت :
- خدي رقية تلعب في أوضتها ومتنسيش تشربيها اللبن
وقفت الصغيرة واستعدت للخروج من الغرفة وهي تقول بعدم رضا :
- أنا هروح الأوضة لوحدي ومش عايزة اللبن
أسرعت الخادمة وتبعتها إلى غرفتها بينما أمسكت هي بالكتاب مرة أخرى وتابعت ما تقرأه فقاطعها رنين هاتفها ، تأففت ضجر وهي تقول :
- اووف مش هعرف أقرأ الرواية النهارده
أمسكت بهاتفها لترى من المتصل فوجدته «وحيد» ، قطبت جبينها بتعجب وأجابته :
- أيوة يا عم وحيد في حاجة !! نائل ؟ مرجعش لغاية دلوقتي ازاي يعني ؟ ازاي في الشركة ماأظنش إنه لسة هناك .. مفيش مكان يروحه ؟ اممم مش عارفة والله ، خلاص هتصل بزين يشوفه ولو وصل لحاجة هبلغك .. مع السلامة

تركت غرفتها واتجهت إلى الأسفل وجلست على الأريكة قبل أن ترفع هاتفها استعدادًا لمهاتفة شقيقها لكنها تفاجأت بدخوله إلى الفيلا فوجهت بصرها تجاهه قائلة :
- كنت لسة هتصل بيك .. كويس إنك جيت
ضيق ما بين حاجبيه متسائلًا :
- تتصلي بيا ! ليه؟
أجابته بعدم اكتراث :
- عم وحيد اتصل بيا وبيقول إن نائل لسة مرجعش البيت وإنهم قلقانين عليه جامد .. حاولت أقوله إنه استحالة يفضل في الشركة لغاية دلوقتي بس قالي إنه ماعندوش مكان يروحه والخ
كان على وشك الجلوس لكنه وقف مرة أخرى ونظر إليها قائلًا بحدة :
- ومالك قاعدة رايقة كدا ليه !! بيقولك الراجل اختفى وأنتِ قاعدة بكل بساطة كدا تحكي !
وقفت هي الأخرى وردت عليه بنفس الحدة :
- أعمل ايه يعني هو أنا كنت ولية أمره وأنا مش عارفة ولا ايه !!
ضغط على شفتيه بغضب قبل أن يتجه إلى الخارج وهو يقول :
- أنا رايح الشركة أشوفه هناك .. ربنا يستر مايكنش حصل اللي في بالي
انتظرت لثوانٍ ثم أسرعت وركضت خلفه وما إن وصلت إلى سيارته حتى قالت :
- استنى أنا هاجي معاك
بالفعل انطلق إلى الشركة بصحبة شقيقته وهو يدعي الله بأن لا يكون قد أصابه مكروه فهو توقع حدوث شيء كهذا لكنه لم يتوقع حدوثه بتلك السرعة ، وصلا إلى الشركة وأسرع هو إلى الأعلى وهي من خلفه ، خرج من المصعد واتجه إلى مكتبه فلم يجد بداخله أحد وأثناء خروجه لاحظ انبعاث الضوء من أسفل باب مكتب شقيقته ، تقدم بخطوات متمهلة وهو يتوقع ما سيجده بداخل المكتب وبالفعل فتح الباب ليتفاجأ به على الأرض وسط دمائه ، ما إن رأت هذا المشهد حتى صرخت وتراجعت بخوف وهي تضع كلتا يديها على وجهها بينما تقدم هو وانخفض ليتحسس نبضه فوجده على قيد الحياة ، أسرع وسحب هاتفه ونقر على الشاشة ثم رفعه على أذنه قائلًا :
- أيوة يا طارق .. عايز عربية إسعاف عند الشركة حالا
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السابع عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


أبلغ الإسعاف والشرطة وبقى على حاله يفكر في الأمر فاقتربت منه شقيقته ووقفت أمام الباب دون أن تدخل وأردفت بخوف :
- حصل ايه يا زين ومين اللي عمل فيه كدا .. هو مات ؟
التفت نصف التفاتة وقال :
- لا عايش بس مليون في المية اللي عمل كدا يوسف
قطبت جبينها بدهشة لتقول متسائلة :
- يوسف ؟ ازاي يعني وليه !
وقف والتفت بالكامل وأجابها :
- أكيد نائل حس بحد في المكتب ففتح يشوف مين ولقاه هو .. حصل بينهم خناق لأن المكان متبهدل فـ يوسف طلع المطواة وطعنه وبما إن المطواة في ايد نائل يبقى شدها وحاول يقوم بس ماقدرش وفقد الوعي .. تقريبا ده اللي حصل و اشمعنى يوسف لأنه الوحيد اللي معاه مفتاح مكتبك ولا نسيتي ؟
لم تعرف بماذا تجيبه ، سندت بظهرها على الحائط وقالت :
- يعني يوسف هيقتل أخوه ! لا استحالة .. مهما توصل الخلافات ما بينهم ماتوصلش للقتل
ابتسم بسخرية وتقدم تجاهها وهو يقول :
- لا توصل للقتل .. اللي زي يوسف ده عامل زي الكلب السعران اللي ممكن يعمل أي حاجة علشان يرضي تكبره ، ليه بتعاندي مع إنك عارفة إن يوسف بيضحك عليكي !
اعتدلت في وقفتها ونظرت إليه بتحدي قائلة :
- لأني هنتقم منه وطالما دخلت الحرب دي لوحدي يبقى هكملها وأكسبها لوحدي وكله عن طريق الشغل ، مش هسمح له ولا لأبوه إنهم يشتغلوا نهائي لأني هسيطر على كل الموزعين والشركات .. هخليهم يفلسوا
تعجب من طريقة شقيقته فهو لم يكن يتوقع أن تصل لهذا الحال ، شعر وكأنها امرأة أخرى غير شقيقته التي اعتاد عليها ورغم ذلك شعر أكثر بالقلق عليها فهي في مرمى إطلاق النار ولا تدرك ذلك.

حضرت قوات الشرطة وانتشرت في المكان وأيضا حضرت سيارة الإسعاف وأخذ المسعفون «نائل» إلى الأسفل ، ترك «زين» طارق واتجه إلى شقيقته وما إن وصل إليها حتى قال :
- أنتِ واقفة هنا بتعملي ليه ؟ انزلي روحي مع عربية الإسعاف المستشفى
هزت رأسها بالرفض وقالت معترضة :
- أنا لا يمكن أروح المستشفى أبدا أو أروح معاه .. انسى أنا هروح البيت وابقى روح اتطمن عليه أنت
زاد غضبه وأوقفها قبل أن ترحل وقال بحدة :
- لازم تروحي معاه .. الناس تقول ايه ! اتضرب بسبب إنه دافع عن الشركة ومديرة الشركة سابته ولا حتى اتطمنت عليه ! هتروحي معاه يا ياسمين وكلامي هيتنفذ
ضربت بقدمها الأرض بغضب واتجهت إلى الأسفل ثم توجهت إلى سيارة الإسعاف رغمًا عنها ...

***

مرت عدة أيام على تواجد «طيف» بالمستشفى ولا جديد يُذكر ، كان «أمجد» والد «نيران» يزوره كل يومين مع زوجته للاطمئنان عليه وأيضا معرفة مستجدات الأمور حول ابنتهم.

حاول الاعتدال بصعوبة فنهضت والدته وساعدته على ذلك قبل أن ينظر لها بضعف ويقول :
- بعد اذنك يا ماما عايز أدخل الحمام ، ساعديني
- حاضر يا قلب أمك .. قوم تعال
وبالفعل ساعدته على الوقوف وسند على كتفها وأوصلته إلى الحمام وبعد مرور دقيقة خرج وسند على كتفها مرة أخرى لتوصله إلى سريره ، جلس على طرف السرير ونظر إلى نقطة بالفراغ قبل أن يقول :
- وآخرتها ! بقالي أكتر من 3 أسابيع هنا ومفيش أثر لنيران ! ياترى عايشة ولا قتلوها .. مرتاحة ولا بيعذبوها كل يوم ! هو غارم قالها .. لو مابطلناش اللي بنعمله هيخلي واحد يعيط على التاني بقية عمره .. أكيد قتلها
اقتربت «أسماء» منه وربتت على كتفيه بحب قائلة :
- ماتقولش كدا يا طيف إن شاء الله نيران ترجع وتتجمعوا تاني .. أنت طيب وقلبك صافي علشان كدا ربنا هيكرمك ويعوضك خير .. مش عايزة التشاؤم اللي بقى فيك ده .. فين طيف الكوميدي الطريف بتاع زمان !
ابتسم بسخرية وقال :
- بدون نيران مفيش طيف بتاع زمان .. دي ماكانتش مجرد زوجة ، أنا حسيتها جزء من حياتي ... لا هي حياتي كلها ولما بعدت حسيت إنى ولا حاجة ياترى عاملة ايه دلوقتي
طرقت الباب ودلفت «فاطمة» التي صافحت «أسماء» ثم جذبت مقعد وجلست أمام طيف لتقول :
- طيف أنا عارفة إنك مش قابل أي حاجة ومتضايق وكل هموم الدنيا فيك بس أوعدك إننا نلاقي نيران .. هم استحالة يؤذوها في حاجة ولو كانوا عايزين يموتوها كانوا عملوا ده وماخطفوهاش
رفع رأسه وقال معترضًا :
- وليه مايكونوش خطفوها وبعدين قتلوها علشان أفضل أموت في اليوم ألف مرة وأنا مش عارف مصيرها ايه! أنا مابقيتش فاهم احنا بنحارب مين ولا مين عدونا بس كل اللي متأكد منه هو إن خطف نيران له علاقة بخطف فهد وإن غارم ده طرف من أطراف القضية اللي كان بيحقق فيها فهد بس كل ما أقول لبابا كدا مايقتنعش .. لولا إني مش قادر أقف على رجلي كنت نزلت جريت أدور عليها في الشارع زي المجنون
نظرت إلى «أسماء» بحزن ثم نظرت إليه مرة أخرى قائلة :
- خلي عندك ثقة في ربنا إن الأزمة دي هتعدي وخليها دافع ليك إنك تقوم وتقف على رجليك تاني
هنا طرق «رماح» الباب قبل أن يفتحه ويدخل قائلًا :
- البطل بتاعنا أخباره ايه؟
نظرت إليه «اسماء» وقالت :
- كلمه يا سيادة المقدم يمكن يسمع ليك
تقدم إلى الداخل ونظر إلى «فاطمة» قائلًا :
- هش قومي خليني أريح شوية من الطريق وأكمل كلام معاه
نظرت إليه بضيق وأردفت :
- سيبتلك الكرسي اقعد يا حبيبي اقعد
جلس وبدأ كلامه قائلًا :
- فوق كدا ياطيف وروق وبعدين بص للظابط بتاعك وأنت قاعد ولا سيادتك نسيت التعليمات وكل حاجة ؟
رفع بصره وابتسم فتابع «رماح» :
- أيوة كدا .. احنا ماعندناش ظابط يقعد يحط ايده على خده زي الحريم .. مهما حصل لازم ترفع راسك لفوق وتتحمل هو ده اللي يميز ظابط الشرطة عن أي حد تاني وبعدين لما تفوق كدا هرجع أدربك أنا تاني علشان شكلك نسيت معركة السيوف وكل التدريبات اللي روحي طلعت وأنا بدربك عليها
ضحك وشعر بالطمأنينة أكثر وسط أصدقائه وعائلته لكن كل هذا كان ظاهريا فقط ، كان داخله يحترق بألم الفراق فهو لم يعد يحتمل عدم وجودها في حياته .. الآن وبعد مرور مايقارب الشهر ليس لها أثر ، شعر بأنه لن يراها مجددا وهذا ما جعله يفقد روحه
ظل الحوار قائم بينهم إلى أن دلف «مازن» وبيده حقيبتين من الطعام وصاح قائلًا :
- حماتكم داعيالكم .. جايب كباب وكفتة يستاهلوا بوقكم يا جماعة .. خدي يا ماما الشنطة دي ليكي أنتِ لوحدك علشان أكتر واحدة تعبانة
ابتسمت «أسماء» وربتت على كتفه بحب قائلة :
- تسلم يا حبيبي .. أنت ابني التاني ربنا يحميك ويحفظك
أشار إليها وقال بمرح :
- يااه هي الدعوة دي اللي عايزها يا ست الكل ، يلا يا جماعة اتفضلوا الأكل مستني اللي ياكله
ابتسم الجميع وبدأوا في تناول الطعام وسط جو أسري افتقده كلٌ منهم ، على الرغم من ألمه إلا أنه رسم البسمة على وجهه وبادلهم الحديث حتى يخفف عن نفسه قليلا

***

دلفت إلى سيارة الإسعاف رغمًا عنها وجلست أمامه قبل أن تنطلق السيارة في طريقها إلى المستشفى ، رمقته بنظرات مجهولة ثم اشاحت بصرها عنه وأمسكت بهاتفها كي تتصفح حسابها على "فيسبوك" وأثناء ذلك بدأ «نائل» يستعيد وعيه مرة أخرى وحرك يده حركة عشوائية دون قصد فسقطت على يد «ياسمين» التي صرخت وأبعدت يده عنها وظلت تضربه بيدها على ظهر يده وهي تقول :
- ايه قلة الأدب دي .. ما تحترم نفسك
لم يصدق ما حدث فتدخل المسعف الذي كان بداخل السيارة وصرخ فيها بغضب قائلًا :
- ايه اللي حضرتك بتعمليه ده ! ده مطعون ومايقصدش علشان تتهجمي عليه بالشكل ده ؟ لو هتكرريها يبقى اتفضلي انزلي وحصلينا على المستشفى
هنا تدخل «نائل» الذي رغم ألمه وضعفه قال معترضًا :
- حضرتك هي ماتقصدش هي بس اتخضت ومش مستاهلة كل الزعيق ده .. أنا مسامح خلاص
تعجبت من دفاعه عنها رغم أنها هاجمته منذ قليل فابتسمت لأنه أعاد إليها هيبتها وأوقف المسعف عند حده مما جعلها تقول معتذرة :
- أنا آسفة ماكنتش أقصد بس اتخضيت من ايدك اللي اتحطت على ايدي مرة واحدة بس حصل خير
ابتسم وصمت أما هي فغلبها الفضول لمعرفة ما حدث لذلك قطعت هي الصمت وقالت :
- هو ايه اللي حصل في المكتب ومين اللي عمل فيك كدا ؟
نظر إلى نقطة بالفراغ وتذكر ما فعله أخيه به وتحدث بألم :
- نسيت المفاتيح بتاعتي في المكتب وبعد ما مشيت رجعت تاني علشان اخدها فلاحظت إن في نور خارج من تحت باب المكتب بتاعك .. افتكرت ساعتها إنك ممكن تكوني رجعتي ولما فتحت الباب فوجئت بيوسف كان قاعد قدام الكمبيوتر بتاعك .. شدينا شوية مع بعض ولما مارضيش يمشي شديته ووقعته في الأرض فهو قام وخرج مطواة من غير ما اخد بالي وضربني بيها .. وقعت وأغمى عليا بس سبحان من فوقني قبل ما يطعني بالمطواة مرة تانية علشان يخلص عليا .. سحبتها منه وسيبته يمشي بعد ما هددته علشان حسيت إني هيغمى عليا تاني وفعلا هو جري وأنا ماحسيتش بنفسي غير دلوقتي
ضيقت ما بين حاجبيها بصدمة فهي لم تتوقع أن يقتحم مكتبها للحصول على معلومات تمكنه من القضاء عليها وهزيمتها ، لوت ثغرها وقالت :
- يوسف! وصلت بيه الجرأة والوقاحة يقتحم المكتب بتاعي ! ياترى خد حاجة من على الكمبيوتر بتاعي ولا لا
هز رأسه بضعف قبل أن يجيبها :
- للأسف معرفش عمل كدا ولا لا
هزت رأسها وعادت بظهرها للخلف وشردت بينما هو أغلق عينيه بتعب ليريح نفسه حتى يصل إلى المستشفى ...

ترك ما بيده واتجه إلى «طارق» وأردف متسائلا :
- ها بصيت على الكاميرات ؟
لوى ثغره بحزن وأجابه :
- للأسف سيستم الكاميرات كان مقفول الوقت اللي حصل فيه الجريمة .. هنعتمد على شهادة نائل والبصمات
هز رأسه بالإيجاب وربت على كتفه قائلًا :
- طيب تمام خلص أنت الإجراءات وأنا هروح المستشفى أتطمن عليه واخد أقواله
- تمام سعادتك

***

نظر إلى عينيها بتحدي وركض تجاهها بسرعة شديدة وما إن وصل حتى قفز ومد قدمه كي يركلها بقوة لكنها تفادتها وبسرعة شديدة ركلها بقدمه الأخري في قدمها وأوقعها على الأرض وهتف قائلًا :
- الضربة التانية بتبقى أهم من الأولى وأقوى .. مش ده كلامك يا سيادة المدربة !
نهضت من على الأرض ونظرت إليه بابتسامة واقتربت منه ومثلت أنها ستلكمه في وجهه لكنها التفت ومدت كلتا يديها وأطبقت على رقبته وتركت نفسها تقع على الأرض لتجذبه بقوة شديدة وأوقعته ، وقفت مرة أخرى وقالت :
- وقولت برضه تتوقع الضربة جاية منين وامتى بالظبط .. شكلك نسيت
نهض ونفض الأتربة من على ملابسه وتقدم ليلكمها لكنها صدت لكمته وحاولت هي لكمه فصد لكمتها وظلا يتبادلا اللكمات والضربات إلى أن حضر اللواء «أيمن» وصفق بيده لهما قبل أن يقول بجدية :
- برافو عليكم .. دلوقتي سيبكم من التدريب واسمعوني كويس لأن وقت المهمات الجد جه
نظر «غيث» إلى «ليان» بابتسامة ثم نظر إلى «أيمن» وقال :
- تمام سعادتك احنا جاهزين لأي حاجة
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يلتفت مستعدًا للرحيل وهو يقول :
- تمام تعالوا ورايا
بالفعل تبعوه إلى داخل مركز التدريب وانتظروا جلوسه وما إن جلس حتى جلسوا هما أيضا ، شبك أصابع يديه مع بعضهما وقال :
- طيف عنده شك إن اللي خطف نيران هو نفسه اللي خطف فهد والصراحة أنا كنت شاكك في كلامه في الأول لكن طريقة اختفاء نيران فجأة نفس طريقة اختفاء فهد .. ممكن غارم على علاقة بالناس دي أو هو قائدهم مثلا .. في كل الحالات غارم ليه علاقة بالقضية اللي كلفت بيها فهد وبما إن فهد اختفى يبقى وصل لأصل القضية وحلها علشان كدا بعدوه نهائي .. دلوقتي بقى أنتوا الاتنين اللي هتمسكوا القضية دي بس تاخدوا حذركم لأن اللي بنواجههم ماينفعش معاهم قوة وعضلات .. عايزين دماغ والف عين تتوقع كل حاجة وفي أي مكان ومفيش أنسب منكم للمهمة دي
تحدثت «ليان» وقالت بثقة وهي تبدل نظراتها بين «أيمن» و «غيث» :
- تمام يا أيمن باشا المهمة دي هتتنفذ وتنجح على ايدينا إن شاء الله وفهد ونيران هيرجعوا .. احنا هندرس القضية كويس أوي قبل ما نتحرك وننفذ
ابتسم اللواء «أيمن» وهز رأسه بالإيجاب ليقول :
- إن شاء الله .. أنا واثق فيكم وده ملف القضية زي اللي كنت مديه لفهد ، ادرسوه كويس وركزوا مع الشخصيات اللي فيه علشان حاسس إن ليهم دور

***

مر شهر على «طيف» استعاد فيه عافيته وخرج من المستشفى بعد أن أصبح يستطيع الحركة وأيضا الركض ، أنهى حمامه وارتدى ملابسه قبل أن يتجه إلى الأسفل ، أوقفته والدته قبل أن يرحل قائلة :
- رايح فين يا طيف؟ أنت لسة تعبان !
ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يجيبها :
- أنا كويس يا حبيبتي وبقالي شهرين قاعد مابعملش حاجة .. أخيرا ما صدقت أقف على رجلي تاني علشان أدور على نيران .. معلش سيبيني ومتقلقيش محدش بيموت ناقص عمر
وجدت أنها لن تستطيع منعه عن الرحيل فقالت :
- طيب قُل لي رايح فين بس علشان أتطمئن
أمسكها من كتفيها بحب وأجابها :
- ماتقلقيش يا ست الكل أنا هعدي على ڤيلا نيران وأتطمن على والدها ووالدتها وأحاول أخفف عنهم شوية وبعدين هطلع على المديرية علشان أعرف ايه اللي حصل في القضية
هزت رأسها وأطبقت على يده بحب وهي تقول :
- طيب خلي بالك من نفسك يا حبيبي
ابتسم وقبل يدها قبل أن يقول :
- حاضر يا حبيبتي
كان على وشك الخروج إلا أن شقيقته «رنّة» أوقفته وهي تركض تجاهه حتى تلحق به وهي تقول :
- استنى يا طيف
التفت وانتظرها بتعجب فوصلت إليه وتابعت :
- كويس إنك خارج .. يلا وصلني بقى في طريقك للكلية
رفع حاجبيه ليقول معترضًا :
- بس الكلية بتاعتك مش في طريقي ! أنا رايح كذا مشوار
ابتسمت ابتسامة واسعة وأردفت :
- ما طيف أخويا حبيبي مش هيسيبني كدا أتبهدل في المواصلات وهيوصلني
ثم أخفت ابتسامتها ومثلت الحزن وتابعت :
- بس شكلك مش عايز .. خلاص مش مهم بقى أنا اتعودت على البهدلة خلاص
نظر إليها بدهشة ثم ابتسم وقال :
- أنتِ بقيتِ محترفة تمثيل كدا امتى .. طيب ياستي يلا قدامي هوصلك وأمري لله
صفقت بيدها وهي تقفز في الهواء فهتف هو :
- يلا بدل ما أرجع في كلامي
- لا لا خلاص أنا خارجة اهو

أسرعت واستقلت المقعد الأمامي في السيارة بينما تقدم هو ودلف إلى داخل السيارة وأدارها وهو يقول :
- ياااه أنا نسيت العربية بتتساق ازاي
نظرت إليه «رنّة» وقالت بقلق :
- ايه يا طيف هتعمل بينا حادثة وتموتنا ولا ايه نظامك على الصبح كدا ؟
نظر إليها ورسم ابتسامة واسعة وهو يقول :
- اه ولو مش عاجبك روحي اركبي مواصلات يا قطة
أسرعت ورفعت كفيها في الهواء وهي تقول معتذرة :
- خلاص خلاص يا باشا اتوكل على الله ده حتى المثل بيقول وصل أختك للكلية باستخدام العربية
كان على وشك الحركة إلا أن جملتها أوقفته ونظر إليها متعجبًا ليقول :
- هندخل على شغل بعض ولا ايه !! الأمثال دي ليا بس وبعدين اللي قلتيه مش حلو أساسا
داعبت وجنتيه بمرح وهي تقول :
- ياأختي تافهة .. يلا اتحرك ورايا محاضرة والدكتور مش هيرضى يدخلني

***

خرج الطبيب من غرفة العمليات واتجه إلى «ياسمين» التي كانت مشغولة بهاتفها وما إن اقترب حتى رفعت رأسها قائلة :
- خير يا دكتور
ابستم قائلًا :
- ماتقلقيش الطعنة مش في مكان خطر وخطيبك هيبقى كويس إن شاء الله
أثارت جملته غضبها ورفعت حاجبيها وهي تقول بحدة :
- خطيبي ايه !! ده يبقى خطيبي أنا ؟ أنا رئيسته في الشغل يا دكتور
نظر إلى الأسفل بحرج ثم رفع رأسه وقال معتذرًا :
- آسف ماكنتش أعرف .. على العموم هو اتنقل غرفة عادية وهو بخير .. بعد اذنك

رحل وتركها وحدها فجلست على المقعد مرة أخرى وتابعت ما تفعله على هاتفها قبل أن يدخل «زين» وينظر إليها بدهشة قائلًا :
- ياسمين ! نائل خرج من العمليات ؟
هزت رأسها بالإيجاب وأشارت إلى الغرفة الخاصة به قائلة :
- اه والأوضة بتاعته اهيه هناك
نظر إلى الغرفة ثم عاود النظر إليها قائلًا بتعجب :
- طيب مادخلتيش اتطمنتي عليه ليه؟
وقفت ونظرت إليه بتحدي قائلة :
- مش هدخل .. أنا كنت مستنياك تيجي علشان أمشي أنا .. ورايا بكرا شغل بدري وكفاية عليا لغاية كدا مش كفاية المصايب اللي جت من ورا الباشا ده
لم يصدق ما تقوله وهتف معترضًا على حديثها الذي لم ينل رضاه :
- مصايب ايه ! اللي أعرفه إن الشركة اتبدلت 180 درجة للأحسن في خلال الـ 10 أيام اللي اشتغلهم وكان بيقدملي تقارير عن اللي عمله من غير ما أنتِ تعرفي .. ده شايف شغله على أكمل وجه وشاطر وأكتر حد أمان للشركة وبعد ده كله تقولي مصايب !! يكفي إنه دافع عن مكتبك واتعرض للقتل علشان يحمي الشركة ولا أنتِ بتقولي ايه بالظبط .. مقتنعة أصلا باللي بتقوليه ؟
وضعت هاتفها بداخل حقيبتها ووضعتها على كتفها مستعدة للرحيل قبل أن تقول بضيق :
- مقتنعة ولا مش مقتنعة اهو عندك اشكره واعمل اللي تعمله .. أنا مش فاضية لكل الهبل ده علشان عندي شغل
ثم تركته ورحلت بينما وقف هو يتابع رحيلها بصدمة ...

***

كانت تتحدث بينما كان هو في عالم آخر غير هذا العالم ، كان يفكر في كيفية إعادة زوجته مرة أخرى ولا يريد التفكير بأمر آخر غير ذلك ، صاحت «رنّة» بسبب صمته :
- طيييف !
انتبه لها وقال :
- أيوة ؟
أشارت إلى المسدس الذي بيدها وقالت :
- لقيت المسدس ده في تابلوه العربية بس غريبة مش شبه المسدس بتاعك .. أنت غيرته ولا ايه؟
انتبه إلى المسدس الذي بيدها واتسعت حدقتيه بصدمة قبل أن يوقف السيارة على الفور ، نظر إلى السلاح وأخذه من يدها وظل محدقا به بصدمة شديدة مما بث الرعب والقلق بداخل قلب شقيقته التي قالت متسائلة :
- فيه ايه يا طيف ومالك بتبص للمسدس كدا !! في ايه؟
رفع بصره ونظر إلى الفراغ وهو يقول :
- المسدس ده بتاع نيران .. ازاي جه هنا وهو كان معاها وقت ما اتخطفت ؟ ازاي !
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثامن عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


أوصل شقيقته «رنّة» إلى الجامعة الخاصة بها ثم انطلق إلى منزل عائلة نيران ، ترك سيارته وطرق على الباب ففتحت له الخادمة الباب وقالت بسعادة :
- أهلا أهلا طيف باشا .. اتفضل وأنا هطلع أبلغ أمجد بيه
ابتسم وتقدم إلى الداخل وهو يتذكر هذا المنزل الذي حضر فيه حفلة عيد ميلادها وأيضا عندما تقدم لطلب يديها من والدها ، ابتسم بألم قبل أن يأتي «أمجد» من خلفه ويقول مرحبًا :
- أهلا أهلا يا طيف ياابني .. واقف كدا ليه ! تعال اقعد
تقدم طيف وجلس على المقعد المجاور له وقال بلطف :
- ازيك يا عمي أخبارك ايه وأخبار حماتي ؟
ربت على كتفه وقال بابتسامة رغم الحزن الذي بداخله :
- الحمدلله كويسين بس حالتنا صعبة أوي بعد اللي حصل خصوصًا أنهار علشان بنتها ونيسان علشان خطيبها وأختها
نظر إلى الأسفل للحظات قبل أن يرفع رأسه ويقول :
- والله ياعمي اللي حصل ده غصب عني .. أنا جوايا نار بتحرق فيا كل يوم ومش هتخمد غير لما ألاقيها حتى لو كان التمن حياتي
- أنا عارف ياابني إن اللي حصل ده أنت مالكش دخل فيه وإن ده حصل غصب عنكم ونيران مش أول مرة تقع في مصيبة بس المرة دي غير أي مرة وواثق إنك زي ما ساعدتها قبل كدا هتساعدها دلوقتي وترجعها
هز «طيف» رأسه بالإيجاب وقال بثقة :
- إن شاء الله ده اللي هيحصل ياعمي .. حياتي كلها فدا نيران وهعمل أى حاجة علشان أرجعها
في تلك اللحظة جلست «أنهار» وقالت :
- ازيك يا طيف يا حبيبي .. مفيش أخبار عن نيران بنتي ؟
ابتسم بلطف كي يبث الطمأنينة في قلبها وأجابها بهدوء :
- الحمدلله يا حماتي .. نيران هترجع قريب أوي إن شاء الله أوعدك ، أنا هتابع كل حاجة بنفسي وهوصلها هى وفهد ، اتطمني أنتِ بس وطمني نيسان وكل حاجة هتعدي بإذن الله
انهمرت دمعة من عينيها وهي تقول :
- يارب ياابني .. يااارب
نهض «طيف» وبدل نظراته بينهما وهو يقول :
- أستأذن أنا بقى .. بعد اذنكم

***

دلف إلى غرفته وجلس على المقعد أمام سريره وأردف بابتسامة :
- حمدالله على سلامتك ياوحش
ابتسم «نائل» بضعف وقال :
- الله يسلمك
كان على وشك استجوابه لمعرفة من تسبب في ذلك لكنه فضل أن يخبره بهذا الأمر أولا فابتسم قائلًا :
- أنا بعت عربية تجيب والدتك وأختك هنا المستشفى علشان الدنيا ليل ومايقلقوش عليك
- أنا مش عارف أقولك ايه والله .. أنا كنت شايل هم مجيهم جدا بس الحمدلله .. تسلم
ربت على كتفه بود وأردف :
- على ايه يا نائل ده أنت اللي دافعت عن الشركة وحصلك كل ده بسبب كدا أنا اللي المفروض أشكرك .. صحيح عايزك تقولي بقى مين اللي عمل كدا وحصل ايه بالظبط وبالتفصيل الملل
سرد كل ما حدث عليه ولم ينس شيء فتبدلت ملامح «زين» وظهر الغضب والضيق على وجهه ليقول :
- أنا كنت حاسس إن ده اللي حصل وكنت متأكد إنه هيحصل بس مش بالسرعة دي .. تمام وحياة أهله لأعلمه الأدب وأسجنه
وقف واستعد للرحيل إلا أن «نائل» أوقفه :
- بلاش .. سيبه وأنا هحاول أنهي الخلاف اللي بينا بعد ما أخرج ، هنهيه خالص علشان كل واحد فينا يستريح
اتسعت حدقتيه بتعجب وقال بعدم تصديق :
- بتدافع عنه بعد اللي حصل ! خلاف ايه اللي يوصل للقتل ده ! لو أنت مسامح في اللي حصلك فـ أنا مش مسامح في اللي حصل لشركة أختي ، توصل بيه أنه يقتحم مكتب أختي وكمان يطعن واحد شغال فيها ! أنا بقى هعرفه مين زين الجيار ، بعد اذنك يا نائل وألف سلامة

تركه ورحل فنظر هو أمامه بحزن فهو لم يظن أن الأمور ستسوء إلى تلك الدرجة وأثناء تفكيره دلفت والدته إلى الغرفة بصحبة ابنتها واقتربت منه بلهفة قائلة :
- ابني حبيبي وروحي أنت كويس ؟
أمسك يديها بحب وأجابها بابتسامة حتى يبث الطمأنينة في قلبها :
- أنا بخير ياست الكل ايه القلق ده كله ده أنا زي القرد وكويس أهو
ظلت تقبل رأسه وتضمه بلهفة وحنين قبل أن تجلس وتقول متسائلة :
- احكيلي حصل ايه ومين اللي عمل فيك كدا؟
بدأ في سرد ما حدث ولكنه أخفى الجزء الذي يتعلق بشقيقه حتى لا تنشغل بخلافاتهما معًا ويزيد قلقها :
- اتفاجئت بحرامي في الشركة وضربني بالمطواة وهرب بس الحمدلله الجرح سطحي ومفيش حاجة ، مفيش داعي للقلق ده كله يا ماما
ابتسمت وأخرجت مصحف من حقيبتها ومدت يدها به إليه وقالت :
- خد يا حبيبي جبتلك المصحف بتاعك معاك علشان تقرأ فيه وقت قعدتك في المستشفى
ابتسم وقبل يدها بحب قبل أن يقول بسعادة :
- تسلمي ياست الكل فعلا ماكنتش عارف هقضي الوقت اللي هقعده في المستشفى ازاي ...

***

وصل إلى مديرية الأمن وتوجه إلى مكتب والده وقبل أن يطرق الباب تفاجأ بـ «رماح» الذي تقدم تجاهه وهو يقول :
- يا ألف مرحب بالشبل الصغير .. المديرية نورت من تاني
ابتسم «طيف» وأردف :
- تسلم يا باشا على الاستقبال الحافل ده بس فرحان علشان جيت ولا علشان هترجع تدربني تاني ؟
اتسعت ابتسامته وأشار بأصبعيه قائلًا :
- الاتنين ياأبو الأطياف .. بعون الله هخرجك دبابة بشرية من تحت ايدي .. تدخل تضرب عشرين واحد وأنت مفيش في قلبك ذرة خوف
ارتفع حاجبيه بدهشة وأردف مازحًا :
- ده أنا هبقى خارق بقى .. ما تحولني ايرون مان أنا بحبه أوي
اختفت ابتسامته واستقام في وقفته قائلا برسمية :
- احنا هنهزر ولا ايه! يلا شوف شغلك وبلاش مرقعة
ثم تركه ورحل ، استعت حدقتيه بصدمة وهو يقول لنفسه :
- ما كان بيهزر ومبسوط دلوقتي ماله اتحول فجأة كدا ليه ! هو الراجل ده مجنون ؟ كانت ناقصاه على الصبح
ثم توجه إلى مكتب والده ودلف إلى الداخل بعدما أذن له بالدخول ووقف مرحبًا :
- يا ألف مرحب بالشبل الصغير .. حمدلله على سلامتك يا وحش ، المديرية نورت من تاني
جلس وهو يقول بصوت خافت غير مسموع :
- أنتوا متفقين على الجملة دي ولا ايه !
رفع «أيمن» إحدى حاجبيه ليقول متسائلا :
- بتقول ايه؟
رسم ابتسامة خفيفة على وجهه وقال :
- لا أبدا يا بابا بقول نورك ، قُل لي بقى وصلتوا لايه في قضية نيران ؟
تبدلت تعابير وجهه وتجهمت فعرف «طيف» أنهم لم يصلوا لشيء لكنه قرر الصمت والاستماع لما سيقوله والده ، سادت لحظة من الصمت قبل أن يجيبه والده قائلًا :
- ادينا ماشين في القضية وكل واحد ماسك جزء وإن شاء الله قريب هتسمع أخبار كويسة
لوى ثغره وهز رأسه بعدم رضا قبل أن يقول بحزن :
- عدى أسبوع هاا يا بابا ايه اللي حصل ... شغالين في التحقيقات وهنوصلها إن شاء الله ، عدى شهر هااا يا بابا حصل ايه في القضية .. لسة ماوصلناش لحاجة بس قريب هتسمع خبر كويس ، عدى شهر هااا يا بابا ايه اللي حصل هشوف مراتي تاني ولا لا .. لسة كل واحد ماسك جزء في القضية .. لغاية امتى هستنى يا بابا ! لغاية امتى هفضل حاطط ايدي على خدى ومستني الفرج ! لغاية امتى هفضل أتخيل نيران وهي بتتعذب وأنا مش قادر أعملها حاجة ! لغاية امتى هفضل أحلم بكوابيس ! لغاية امتى هفضل عايش في الكابوس اللي مالهوش نهاية ده ؟ أنا عارف إن الغلط كله عليا علشان سيبتهم ياخدوها بس والله غصب عني .. حاولت اخدها منهم .. حاولت أروحلها رغم الضربة اللي شلت جسمي كله عن الحركة .. حاولت أروحلها حتى بعد الضربة التانية على دماغي .. ولو كان فيا وعي كنت هحاول أزحف وراهم .. ماكنتش متخيل إن حاجة زي دي هتحصل ، يا بابا أنا بحاول أهزر وأضحك وأتكلم على طبيعتي زي زمان لكن أقسم بالله أنا جوايا نار بتحرق فيا وبتموتني بالبطئ .. بضحك لكن من جوايا بتوجع ألف مرة تعرف لو كانت بعد الشر ماتت كانت النار دي هديت شوية مع الوقت اينعم هبقى موجوع طول عمري بس مش بالدرجة اللي أنا فيها دلوقتي لكن أنا معرفش هي عايشة ولا ميتة ! بتفكر فيا وفي الهروب من المكان اللي هي فيه ولا لا ! بيعذبوها ازاي ! بتاكل ولا مجوعينها ، جوايا ألف سؤال وطول ما أنا ماشي بحاول أطمن نفسي وأجاوب على الأسئلة دي إجابات تريح لكن الواقع غير كدا .. هو أنا بيحصل معايا كدا ليه يا بابا ! هو أنا وحش ؟ أنا ماعملتش حاجة وحشة في حياتي بس يمكن فيا حاجة وحشة وأنا مش واخد بالي .. رد عليا يا بابا أنا وحش ؟

تأثر والده كثيرا بكلام ابنه الذي تساقطت الدموع من عينيه ، نهض من على كرسيه وجلس على الكرسي المقابل له قبل أن يربت على فخذه ويقول بحب :
- أنت عمرك ما كنت وحش ياطيف ولا عمرك هتكون وحش .. أنت شخصية نقية صعب تكون موجودة كتير في زمن زي ده ، اوعى تفتكر إن كل اللي بيحصلك ده بسبب إنك وحش أو عقاب من ربنا ليك .. ليه ماتقولش ده اختبار من ربنا علشان يشوف صبرك وإيمانك .. مش أي حاجة وحشة تحصلنا نقعد نقول أنا عملت ايه وحش في حياتي وتقعد تفتكر أنت عملت ايه ، ده بيبقى اختبار من ربنا وربنا بيبتلي اللي بيحبه علشان لو صبر يرفعه درجات ويهاديه ويكسب في النهاية ، أنت اتحمل واصبر وأنا واثق إنك هتلاقيها وكل حاجة هتتحل أما بقى عن الدموع دي فـ أنا مش هحاسبك علشان اللي أنت فيه لكن مفيش ظابط شرطة بيعيط ،أنت راجل وكمان ظابط يعني تقف على رجلك ومهما جت الرياح الشديدة وخبطت فيك تفضل واقف في مكانك أسد .. أنا عايز ابني يكون راجل يتحمل اللي يحصله ويقف يواجهه بقلب جامد مش يعيط زي الحريم ، فوق يا طيف وفكر في اللي قلته ليك وعايزك زي أبوك مهما حصل مايهمكش وقاوم ، أنت عارف لو ظابط عيط قدام اللواء اللي شغال تحت أيده بيعمل ايه؟ أقلها هيروحك تقعد جنب أمك ده لو ماسجنكش أو حولك للتحقيق كعقاب .. هنا مكان الرجالة وبس .. عايز قلبك يقوى وتتحمل مفهوم
نهض «طيف» من مكانه استعدادًا للرحيل وقال برسمية :
- تمام سعادتك

***

عاد «يوسف» إلى منزله ودلف إلى الداخل ، لم تساعده قدماه على التوجه إلى غرفته في الأعلى فجلس على المقعد بالطابق الأول ووضع وجهه بين يديه بخوف وقلق مما حدث ، دلف والده إلى الداخل ولاحظ وجود ابنه وهو في تلك الحالة فاقترب منه وقال بتعجب :
- يوسف ! قاعد كدا ليه! مالك ؟
رفع رأسه وقال بخوف شديد بينما كانت يده ترتجف :
- قتلته يا بابا .. قتلت نائل
اتسعت حدقتيه بصدمة مما سمعه واقترب منه أكثر حتى جلس بجواره وقال متسائلا :
- قتلته ! حصل امتى ده وازاي يا يوسف ؟ ازاي تتصرف من دماغك كدا !
نظر إلى الفراغ وقال بخوف :
- كنت في مكتب ياسمين بعد ما كله خلص شغل والشركة قفلت وفجأة لقيته في وشي معرفش ايه اللي رجعه تاني .. شدينا مع بعض في الكلام واتعصبت عليه وضربته بالمطواة .. معرفش حصل ايه وهل لسة عايش ولا مات بس حد هناك بلغني إن الشرطة مالية المكان وعربية إسعاف خدت نائل .. مش عارف أتصرف ازاي وأعمل ايه ، زين مش هسيبني
ربت والده على كتفه ليطمئنه وأردف :
- ماتقلقش .. زين أنا هعرف أتصرف معاه وإن شاء الله مايكونش نائل مات لأنه لو مات هضطر أسفرك برا .. قُل لي جيبت حاجة أو معلومات من الكمبيوتر بتاعها ؟
هز رأسه بالإيجاب ودس يده في جيب بنطاله وأخرج ذاكرة خارجية "USB" ثم مد يده بها إلى والده وهو يقول :
- كل معلومات الشركة وأي حاجة تخص الشركة على الفلاشة دي
ابتسم وتناولها منه وهو يقول :
- كويس أوي .. دي بقى اللي هتبعد زين عنك
قطب جبينه بتعجب وقال بتساؤل :
- ازاي يعني ؟
اتسعت ابتسامته أكثر وقال :
- هتشوف بنفسك ..

في تلك اللحظة خرج «زين» من سيارته وطرق على الباب الخارجي للفيلا فتقدم الحارس وفتح الباب وهو يقول :
- أهلا زين باشا ..
لم يجبه وقاد سيارته إلى الداخل بغضب ثم ترجل منها وتقدم ليطرق بغضب على الباب ، أسرع «محمد» وفتح الباب وهو يقول بغضب :
- ايه الهمجية اللي أنت فيها دي يا زين ! في حد يخبط على الباب بالطريقة دي ؟
لم يجبه وأشار إلى الداخل وهو يقول بحدة وغضب :
- عايز ابنك .. ابنك فاكرها سايبة ودخل مكتب أختي في الشركة ولما نائل شافه طعنه وهرب ، نائل اللي هو المفروض ابنك هو كمان بس أقول ايه
رفع أصبعه في وجهه وقال محذرًا وبحدة :
- اسمع يا زين .. ماتتدخلش في اللي مالكش فيه وابني أنت مش هتاخده من هنا علشان لو لمسته بس شركة أبوك وأختك اللي فرحان بيها دي هتفتحوها كشك .. كل حاجة عن الشركة معايا وقسما بالله لو قربت من يوسف لأخليك تفلس أنت وأختك .. جرب وشوف
لم يصدق أنه يهدده مثل هذا التهديد ، لم يكن يعرف بأنه حصل على معلومات الشركة لذلك تراجع عن فكرة إلقاء القبض على «يوسف» ليس خوفًا منه بل خوفًا على الشركة والعاملين بها .. سيتركه في الوقت الحالي لكنه سيعود له وقبل أن يرحل نظر إلى «محمد» بتحدي وقال :
- أنا هسيبه بس أقسم بالله الشركة لو اتضرت بأي شكل أنا هضيع مستقبل ابنك ده في السجن ، هحسرك عليه وعلى فكرة أنا حقي وحق أختي لسة مجاش وابنك ينسى إنه كان خاطب أختي .. كل حاجة انتهت ولو شوفته في الشركة تاني هخليك تتحسر عليه
تركه ورحل وسط أجواء متوترة وقلق شديد من قبل «محمد» الذي لم يكن ينوي وضع «زين» في قائمة الأعداء في الوقت الحالي خاصة أنه ضابط شرطة ولن يترك ابنه ...

***

نظر إلى الفراغ ولم يجد إجابة لأسئلة كثيرة غزت عقله ، أصبحت تلك القضية غامضة خاصة بعد اختفاء الشاهد الرئيسي بها وكأنه لم يكن له وجود ، اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وقالت متسائلة :
- مالك يا غيث سرحان كدا ليه ؟ أول مرة أشوفك سرحان ومش حاسس بالعالم حواليك كدا
نظر إليها قبل أن يجلس على المقعد ويقول :
- اديكي شايفة يا ليان .. بندور على إبرة في كوم قش ومعانا كل المعلومات عن القضية وشهادة الناس وقتها لكن ولا واحد فيهم عايش واللي عايش محدش يعرف عنه حاجة واختفوا كلهم
نظرت إلى الأسفل بحزن ثم رفعت رأسها وقالت :
- أكيد هنلاقي حل الناس دي اينعم طريقتهم جديدة وغريبة لكن أكيد منظمة من ضمن المنظمات العالمية ، اللي أنا كنت شغالة فيها كان ليهم طريقتهم ودول بقى ليهم طريقتهم المختلفة بس اللي مش عارفة أفسره هم بيعملوا ايه ولا بيخططوا لايه ... دول لو أشباح مش هيبقوا كدا
رنت الكلمة في رأسه واتسعت عينيه ووقف بعدما ارتسمت ابتسامة على وجهه وعاد كلمة «ليان» مرة أخرى :
- أشباح .. السر هو ده السر
وقفت هي الأخرى وضيقت عينيها بتعجب وهي تقول متسائلة :
- سر ايه يا غيث ! مش فاهماك
نظر إليها ومسكها من كتفيها وهو يقول بحماس كبير :
- فاكرة طيف قال غارم ده شبه نفسه بايه !!
صمتت قليلًا لكي تتذكر ثم قالت على الفور :
- شبح .. قال على نفسه شبح
ترك يدها وأشار بأصبعه قائلًا :
- بالظبط كدا شبح .. ازاى ماأخدتش بالي قبل كدا !!

***

ظل شاردًا بمكتبه إلى أن تفاجأ بـ «فاطمة» التي دلفت إلى داخل المكتب وجلست على المقعد أمامه وأردفت :
- ايه يا باشا سمعت إن رماح شقلطك واداك وش خشب .. هل هذا الكلام صحيح !؟
نظر إليها بعدما رسم ابتسامة على وجهه وقال :
- والنبي خلي خطيبك ده يهدا عليا شوية أنا مش قده .. ده أنا ما صدقت بقى يهزر ويفك شوية هوب ألاقيه زعق وقلب .. صدق اللي قال يامستني رماح يبقى فرفوش يا مستني الأسد يشوف الخروف وماياكلوش
ضحكت بشدة على جملته الأخيرة وقالت :
- وربنا أنت مصيبة ده ا....
قطع كلامها صوت وصول رسالة على هاتف «طيف» الذي أسرع وفتحها ففوجئ أنها رسالة صوتية .. شعر قليلا بالقلق لكنه ضغط على زر تشغيل ليتفاجأ بما سمعه ، هذا الصوت يعرفه جيدا .. هذا صوت «نيران» !!

"طيف أنا في مكان ضلمة أوي .. أنا خايفة .. أول مرة أكون خايفة كدا ، أنا اتخطفت .. أيوة اتخطفت ، طيف أنا سامعة صوت برا .. صوت خطوات بتقرب مني .. طيف خليك فاكر إن العهد الأول تم تنفيذه"

***

كانت شاردة وغير مدركة بالعالم من حولها ، كانت تفكر في المصائب التي حلت عليها وعلى عائلتها فـ لقد فقدت شقيقتها وخطيبها في وقتٍ واحد وأثناء تفكيرها تلقت رسالة على هاتفها فاستيقظت من شرودها وأمسكته ففوجئت بأنها رسالة صوتية ، ضغطت على زر التشغيل وكانت ..

" نيسان أنا فهد .. أنا في مكان ضلمة أوي .. أنا معرفش حصل ايه وجيت هنا ازاي .. أنا معرفش ازاي معايا موبايل أصلا .. أنا سامع صوت خطوات بتقرب مني .. نيسان خليكِ فاكرة إن العهد التاني تم تنفيذه"

يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل التاسع عشر بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

 "نقطة تلاقي الأحداث"

في صباح اليوم التالي اتجهت «ياسمين» إلى الشركة ودلفت وسط همس العاملين بسبب ماحدث فهم علموا بكل ما حدث ليلة أمس بالشركة ، لم تعطهم أي اهتمام واتجهت إلى مكتبها بينما نظرت «مايا» إلى «سمر» وقالت :
- الراجل كان هيموت بسببها وهي جاية ولا على بالها
- فعلا أنا كنت فاكرة إن النهارده مش هيبقى في شغل بسبب اللي حصل
تدخل جاسر وقال :
- سيبكم من الكلام ده .. في أكتر من كدا ، أنا سمعت إن نائل ويوسف أخوات بس من أم مختلفة وحصل بينهم خلاف ويوسف هو اللي عمل كدا في نائل
اتسعت حدقتيها بصدمة مما سمعته لكن سرعان ما رسمت ابتسامة على وجهها وهي تقول :
- بقى يوسف أخو نائل !! ده كدا كل حاجة وضحت على الآخر ...

فتحت الحاسوب الخاص بها وباشرت عملها إلا أنها توقفت لفترة من الوقت بسبب وصول بريد الكتروني من الشركة التي كانت تنوي التعاقد معها ، اخطرتها الشركة بإلغاء نية التعاقد معهم بسبب تعاقدهم مع شركة مصرية أخرى مما سبب صدمة كبيرة لها ، تركت مكانها واتجهت إلى مكتب «نائل» لتخبره بالأمر لكنها تفاجأت بعدم تواجده فتذكرت في الحال ما حدث بالأمس وأنه لن يأتى للعمل إلا بعد فترة زمنية لا تقل عن أسبوع

على الجانب الآخر دلف «زين» إلى مكتب زميل له ليتابع التحقيقات فأسرع «محمد» وقال :
- اتفضل يا زين باشا
كانت «هايدي» تبكي بصوت مسموع فصاح الضابط المسئول «محمد» قائلًا :
- ممكن تنقطينا بسكاتك وكفاية عياط !
تحدثت من بين بكائها بصوت متقطع :
- أ..نا ليا الحق أكلم المحامي بتاعي ، لو سمحت عايزة أكلم المحامي بتاعي
مل من بكائها المستمر وطلبها لمهاتفة المحامي الخاص بها فمد يده بالهاتف الخاص به قائلًا :
- خدي الموبايل اهو كلمي المحامي .. يارب نخلص بقى
تناولت منه الهاتف وكتبت رقم «يوسف» وضغطت على زر الاتصال قبل أن تنتظر للحظات حتى أجابها :
- أيوة يا يوسف الحقني أنا اتقبض عليا في قضية مخدرات .. يعني ايه مش هينفع !! مشاكل ايه اللي أنت فيها ؟ بقولك اتقبض عليا .. تصدق أنت ندل وجبان
نظر «زين» إلى «محمد» وقال مازحًا :
- ايه ده يا باشا هي بتكلم الاكس بتاعها ولا المحامي
نهض وأخذ منها الهاتف وهو يقول :
- كفاية عليكِ كدا
وقبل أن يضعه بجيب بنطاله مد «زين» يده قائلًا :
- بعد اذنك يا محمد باشا عايز بس أشوف الرقم يمكن حد تبعهم
وبالفعل أخذ الهاتف وكتب الرقم على هاتفه فتفاجأ أنه رقم «يوسف» ، ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره وهو يقول :
- ما شاء الله ده أنا فيا حاجة لله .. تعرفي يوسف ده منين يا قطة
صمتت قليلًا بسبب قلقها وأجابته :
- ده .. ده خطيبي
وقف واتجه إليها بعدما رفع إحدى حاجبيه بابتسامة :
- خطيبك !! هو يوسف ده بيخطب كام واحدة بقى على كدا !
حاولت تغير مجرى الحديث وقالت :
- والله يا باشا أنا الحبوب دي باخدها تعاطي مش تجارة
رفع حاجبيه وقال مازحًا :
- يعني هو تعاطي شاي بلبن ! دي مخدرات يا ماما ... وبعدين بقى خلي الباشا يكمل التحقيق معاكِ وأنا هشوف الأمور خطيبك ده

***

"طيف أنا في مكان ضلمة أوي .. أنا خايفة .. أول مرة أكون خايفة كدا ، أنا اتخطفت .. أيوة اتخطفت ، طيف أنا سامعة صوت برا .. صوت خطوات بتقرب مني .. طيف خليك فاكر إن العهد الأول تم تنفيذه"

استمع لهذا التسجيل مرارا وتكرارا ولم يمل منه ، كان يفكر في صوتها ويدقق السمع لعله يجد ما يفهمه من حديثها ، كانت جملتها الأخيرة غير مفهومة ، لماذا تحدثت بهذه الطريقة ؟ وما هذا العهد الذي تم تنفيذه ؟ ، زادت أسئلته حتى إنه قام بإحضار ورقة وقام بكتابة كل الأسئلة التي تدور برأسه وكتب أيضا تلك الرسالة التي اعتقد أنها كلمة سر لتتواصل بها معه وأثناء انشغاله بهذا دلف اللواء «أيمن» إلى المكتب ومعه «رماح ، فاطمة» واقترب منه قائلًا :
- طيف معني الرسالة دي إنها لسة عايشة وده المهم عندنا
هز رأسه رافضًا لحديث والده ونظر إلى الورقة التي بيده وهو يقول :
- الرسالة دي مش دلوقتي .. مش معقولة هتبقى محبوسة أو مخطوفة بقالها شهرين وتيجي تقولي أنا اتخطفت .. على الأقل كانت هتقول أنا بقالي فترة كبيرة في المكان ده وصيغة الرسالة كانت هتتغير ... الرسالة دي اتسجلت أول ما اتخطفت وبعتوها دلوقتي وأكيد في حاجة ورا كدا ، عايزين يخلونا نلف حوالين نفسنا ، في مليون سؤال أهمهم هي جابت الموبايل منين أصلا وايه الصيغة اللي قالتها في نهاية الرسالة دي ! دي نفس طريقة كلام البنت اللي انتحرت في الفندق .. جابت سيرة عهد برضه ، أنا مابقيتش فاهم حاجة
في تلك اللحظة دلفت «نيسان» إلى المكتب وكانت تتنفس بصعوبة وهي تقول :
- ج..الي رسالة من ف..هد
تجمد «طيف» في مكانه بينما تقدمت «فاطمة» وأخذت منها الهاتف قبل أن تنقر على زر التشغيل ..

" نيسان أنا فهد .. أنا في مكان ضلمة أوي .. أنا معرفش حصل ايه وجيت هنا ازاي .. أنا معرفش ازاي معايا موبايل أصلا .. أنا سامع صوت خطوات بتقرب مني .. نيسان خليكِ فاكرة إن العهد التاني تم تنفيذه"
انتهى التسجيل ونظر «طيف» إلى كلٍ منهم وهو يقول :
- زي ما اتوقعت .. اللي خطفها له علاقة بالقضية اللي كان بيحقق فيها فهد .. نفس صيغة الرسالة وعهد برضه بس نيران عهد أول وطيف عهد تاني
نظرت «نيسان» إلى اللواء «أيمن» وقالت بخوف شديد :
- معنى الكلام ده ايه! نيران هي كمان بعتت رسالة ؟ ازاي أنا مش فاهمة حاجة
اقترب منها ورسم ابتسامة على وجهه ليبث الطمأنينة في قلبها وأردف :
- روحي أنتِ دلوقتي واحنا هنحاول نعرف مصدر الرسالتين دول وهنوصل لمكانهم قريب إن شاء الله

***

نظرت إليه بصدمة وهي تحاول إقناع عقلها بما قاله لكنها لم تقتنع ، هزت رأسها وقالت بعدم تصديق :
- ازاي يعني يا غيث ! أنا مش فاهمة كلامك ، أنت مقتنع باللي بتقوله ؟
هز رأسه بالإيجاب وقال بثقة :
- أيوة مقتنع .. مفيش حل ليها غير كدا لو عندك حل ليها غير كدا قوليه
جلست ونظرت إلى الفراغ بتفكير ثم رفعت رأسها وقالت :
- أنت عايز تفهمني إننا بنتعامل مع أشباح وعفاريت ! والنبي أنت شكلك اتجننت .. أشباح ايه يا غيث ! وايه علاقة الأشباح أصلا بقضية الديب ويب ، في نقط كتيرة محتاجة تتحط على الحروف
جلس هو الآخر وأمسك يديها وهو يقول :
- لو قرأتي كلام طيف اللي في الملف غارم قال بالنص كدا أنا شبح وبعمل اللي بحس فيه بمتعة ليا وفي نفس الوقت هدد أنه يبعد حد منهم عن التاني وده حصل ، معني كدا إن غارم شبح فعلا أو جن وفي الحالة دي احنا خسرانين مهما عملنا .. دول مش عصابة ماسكين أسلحة واحنا بنطاردهم زي ما كنا بنعمل .. لو اللي بقوله ده صح يبقى نيران وفهد عمرهم ما هيرجعوا تاني ولو مش مصدقاني شوفي على النت قواضي اختفاء الناس مرة واحدة ومحدش بيسمع عنهم حاجة
سحبت يدها وقالت معترضة :
- يعني أنت عمرك سمعت عن عفاريت بتخطف ظابط شرطة ! سيبك من فيلم الرعب اللي فتحته ده وفكر بعقل شوية

***

مر يومين وقام «زين» بإعادة «نائل» ووالدته إلى المنزل بسيارته ، نظر «نائل» إلى والدته وقال :
- اطلعي أنتِ يا ماما وأنا جاي
- طيب يا حبيبي
صعدت واتجه هو إلى «زين» قائلًا بابتسامة :
- تسلم يا سيادة الرائد على كل اللي عملته
- على ايه يا نائل مفيش حاجة ، المهم ريح أنت ومترجعش الشركة غير لما تبقى كويس
هز رأسه بالرفض وقال :
- أنا هرجع بكرا إن شاء الله ، أنا كويس ومفيش حاجة
خرج من سيارته وقال معترضًا :
- يا نائل هتاخد إجازة بمرتب عادي المهم ريح نفسك بس كام يوم كدا وبعدين ارجع عادي
ابتسم وأصر على موقفه قائلًا :
- مش حكاية مرتب .. أنا لازم أروح علشان أكمل كذا حاجة كنت بجهزها وأنا والله كويس ومش حاسس بتعب ولا حاجة ، أنا خلاص قررت أرجع بس مستغرب إني من ساعة ما خرجت من العمليات مشوفتش أنسة ياسمين خالص ولا حتى اتطمنت عليا
توتر قليلا من جملته لكنه أخفى ذلك وقال بابتسامة :
- بالعكس هي اتطمنت عليك وكانت عايزة تيجي تزورك بس كانت مشغولة جامد في الشركة وبتقولك ألف سلامة
ابتسم «نائل» بلطف قائلًا :
- الله يسلمها
دلف إلى داخل السيارة مرة أخرى وهو يقول :
- طيب هضطر أمشي أنا وحمدلله على سلامتك يا بطل
- الله يسلمك يا باشا

اتجه بسيارته إلى المنزل ليلحق بـ «نايا» قبل أن تصطحب شقيقته الصغرى إلى منزلها ، وصل فوجدها تمسك بيد شقيقته وتسير على الطريق فقاد سيارته حتى وصل إليها وخرج منها وهو يقول :
- في قمرتين يمشوا تحت الشمس دي ! أنتوا ماشين في نار جهنم دي ازاي ده الجو نار
تفاجأت بوجوده وضحكت وهي تقول :
- ماله الجو يا زين ما هو جميل اهو .. مفيش أحسن من الصيف أصلا
تجهمت تعابير وجهه وقال بعدم رضا :
- طيب يلا هوصلكم في عربيتي حيث التكييف والدلع والروقان بدل الفرن اللي ماشيين فيه ده
بالفعل اتجهوا إلى السيارة واستقلت هي المقعد الأمامي بجواره بينما استقلت شقيقته المقعد الخلفي ، تنفس بأريحية وهو يقول :
- ياااه ما أحسن التكييف وما اجمله
ثم نظر إليها وقال بحب :
- وحشتيني يا قمر
أشارت بوجهها على «رقية» فتحدثت هي :
- نحن هنا يا زين
نظر إلى الخلف حيث توجد ثم وجه بصره إلى الطريق أمامه وهو يقول :
- ما تسدي ودنك يا رورو وبحبحيها علينا شوية ده أنا بقالي أسبوعين في قضايا ومهمات وماشوفتهاش ماتبقيش قاسية كدا
ضحكت «نايا» ونظرت إلى «رقية» قائلة :
- لا يا رورو ماتسمعيش كلامه وقوليله عيب كدا
نظرت شقيقته إليه ورددت ما قالته «نايا» :
- عيب كدا
- عيب !! ماشي ماشي ده أنا كنت ناوي اخدكم أنتوا الاتنين ونتغدى بكرا مع بعض بس خلاص بقى مالكمش في الحلو نصيب
نظرت «نايا» إليه وقالت :
- نتغدى بكرا ايه يا زين ! بكرا أول يوم في رمضان ياابني ! صباح الخير
اتسعت حدقتيه وخبط بيده جبهته وهو يقول :
- اخ .. نسيت خالص والله ، طب ايه رأيكم نفطر مع بعض كلنا .. أنا وأنتِ ورقية وخالتي
هزت رأسها بالموافقة على الفور وقالت بسعادة :
- طبعا موافقة بس كلم ياسمين تفطر معانا
اختفت ابتسامته وقال بضيق :
- ياسمين مش هترضى أنا عارف أنا بقولك ايه وعلى العموم كلميها وأنا هكلمها ولو رضيت تمام

***

حل المساء وغير «نائل» ملابسه واتجه إلى الخارج فأوقفته والدته قائلة :
- رايح فين يا نائل ؟
ابتسم وهو يجيبها :
- نازل أجيب سحور يا ماما .. مش عايزة حاجة أجيبهالك معايا ؟
هزت رأسها بالنفي واقتربت منه وهي تقول :
- لا بلاش تنزل أنت .. ابعت يارا تجيب هي السحور واستريح انت .. ده أنت حتى لسة خارج من المستشفى النهارده
تقدم ورفع يدها ليقبلها قبل أن يقول بابتسامة :
- أنا كويس جدا وبخير يا ماما .. أنا أقدر أجري كمان أنتِ بس قلقك زيادة وبعدين أنا زهقت من المستشفى وقعدة البيت عايز أنزل أشم شوية هوا كدا
وافقت على طلبه وربتت على كتفه قائلة :
- طيب يا ضنايا ربنا يسترك دنيا وآخرة ويحفظك من كل شر يارب
قبل يدها مرة أخرى ثم انطلق إلى الأسفل واتجه إلى مطعم صغير بالقرب من منزله وهتف بصوت مرتفع :
- عايز بـ 7 جنيه فول ياعم رفعت واتوصى
- حاضر يابني
بالفعل أعد له ما طلبه ثم اتجه إلى أحد المحلات وقال :
- معلش يا ست أم نعمة عايز 6 بيضات
- طيب يا حبيبي .. خد اتفضل
أخذ منها ما طلبه وعاد إلى المنزل مرة أخرى ، نادى على شقيقته التي حضرت على الفور وقال :
- خدي يلا يا يويو جهزي السحور .. اخ نسيت أجيب عيش
تدخلت والدته التي خرجت من غرفتها وقالت :
- مالهوش لزوم يا نائل في هنا عيش كتير هنسخنه ونتسحر
ابتسم ثم نظر إلى شقيقته وقال :
- طيب يلا جهزيه يا يارا وأنا هسخن العيش عقبال ما تجهزيه

***

أعدت الخادمة السحور وجلس «زين» على السفرة وتبعته شقيقته التي جلست بجواره ، تعجب من غياب شقيقته الكبرى «ياسمين» فوجه بصره إلى «هانم» وسألها عنها قائلًا :
- امال فين ياسمين يا هانم ! هي لسة نايمة ولا ايه ؟
نظرت إلى الأسفل وهي تجيبه :
- طلعت أصحيها يا زين باشا بس قالتلي إنها مش عايزة تتسحر
نظر إلى الأمام وشرد للحظات فهو افتقد اجتماع العائلة وخاصة في شهر رمضان ، انتهى كل هذا بفقدانه لوالديه والآن شعر بأنه فقد شقيقته الكبرى أيضًا ، فاق من شروده على صوت الصغيرة «رقية» وهي تقول :
- هي ياسمين مابقتش تحبنا خالص !
حاول رسم ابتسامة لكنه فشل وقال بحب :
- ياسمين هتبقى كويسة وترجع زي زمان تاني .. ماتقلقيش يا رقية ويلا نبدأ سحور علشان عاملك مفاجأة حلوة أوي بعد السحور
تحمست الصغيرة وبدأت في تناول الطعام ، مر الوقت وانتهوا من تناول الطعام وغسل الاثنان أيديهم قبل أن تقول الصغيرة بحماس :
- فين المفاجأة دي يا زين .. احنا خلصنا أكل اهو
ابتسم واصطحبها إلى الخارج بعدما وضع يده على عينيها حتى تكتمل المفاجأة وما إن وصل إلى الخارج أمام الفيلا حتى نزع يده لترى هذا المشهد الرائع فنظرت إليه بانبهار وسعادة ، نظر إليها بحب وسعادة وقال :
- ايه رأيك في الزينة والفوانيس دي ؟ أنا فضلت أعلقهم ساعتين كاملين علشان يعجبوكي
قفزت في الهواء بسعادة غامرة ثم حضنت قدميه وهي تقول :
- حلوة أوي .. أنا بحب الفوانيس والزينة
انخفض حتى يقترب منها ووضع رأسها بين كفية وهو يقول :
- ها بتحبيني اد ايه ؟
أشارت بيدها وهي تقول بسعادة :
- اد العالم كله
ابتسم وضمها بسعادة إلى صدره وهو يفكر ما الذي سيحدث لها إن أصابه مكروه بسبب عمله

***

أعدت «أسماء» السحور بمساعدة «رنة» واقترب «طيف» من السفرة وجلس ، كان بداخله حزن شديد فهو كان يخطط لقضاء شهر رمضان الأول معها لكن ماحدث لم يتوقعه أحد ، فاق من شروده على صوت «رنة» التي قالت :
- بقولك ايه يا طيف تعرف حد في مباحث الإنترنت ؟
ضيق حاجبيه بتعجب وأيضا كان ذلك نفس رد فعل «أيمن» وقال الاثنان في وقت واحد :
- ليه ؟
حاولت رسم ابتسامة وهي تمد يدها بهاتفها وتقول :
- الرقم ده بيغلس عليا وشتمته مرة وحطيته على البلاك ليست بس كلمني من رقم تاني .. الرقمين أهم
هز «أيمن» رأسه بالإيجاب وقال :
- بعد ما نخلص سحور اكتبي الرقمين في ورقة وهاتيها وأنا هتصرف
نظر «طيف» إليها وقال مازحا :
- ده أكيد أمه داعية عليه علشان يعاكس بنت لواء وأخوها رائد .. لما تجيب الواد ده قُل لي يا بابا علشان أمسي على قفاه شوية
هنا تحدثت أسماء قائلة :
- يلا كلوا بلاش كلام فاضل على الفجر نص ساعة علشان تلحقوا تشربوا مياه
بدأوا في تناول الطعام وكانت «رنة» تأكل بسرعة شديدة فصاح «طيف» :
- ايه يابنتي هتفطسي كدا هو حد بيجري وراكِ ؟
لم تنظر له وأجابته وهي تضع الطعام في فمها :
- أعوذ بالله .. عايزة أخلص علشان ألحق آكل الأيس كريم بتاعي
ارتفع حاجباه بتعجب وقال بتردد :
- قصدك الأيس كريم اللي كان في الفريزر ؟
تركت الطعام ونظرت إليه بقلق وهي تجيبه :
- اه هو اللي في الفريزر .. اوعى يكون اللي في بالي ؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه لم يستطع إخفائها وقال :
- للأسف كنت زهقان وبفتح الفريزر بالصدفة لقيته في وشي بس ايه ماأقولكيش .. طعمه تحفة أنتِ بتجيبيه منين الأيس كريم ده ؟
رمقته بغضب وقالت بعدم رضا :
- حرام عليك يا طيف ده سابع أيس كريم ليا تاكله .. أخبيه منك فين بس
ضحك رغمًا عنه وأيضا ضحكت «أسماء» ومعها «أيمن» قبل أن يقول «طيف» :
- ماهو في حل وهو إنك تجيبيلي معاكِ وبالتالي مش هطمع في نايبك ، ولا أنتِ عندك رأي ت....
قاطعه صوت رنين هاتفه فسحب منديل ليمسح يده ثم دس يده بجيب بنطاله وسحب هاتفه ليتفاجأ برقم غير مسجل لديه فضغط على زر الرد ورفعه على أذنه وهو يقول :
- أيوة !
جاء الصوت من الجهة الأخرى :
- سيادة الرائد طيف أيمن معايا
هز رأسه بالإيجاب وهو ينظر إلى والده وأجاب :
- أيوة أنا الرائد طيف
جائه الخبر الذي لم يكن يتوقعه على الإطلاق من هذا الشخص الذي تحدث برسمية :
- احنا لقينا زوجة حضرتك نيران ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل العشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


- احنا لقينا زوجة حضرتك نيران
كانت تلك الجملة كافية بأن تجعله يقوم مسرعًا من مكانه وهو يقول بلهفة :
- فين المكان ! بعد اذنك فين المكان وهي كويسة ولا لا ؟
أجابه المتصل بجدية :
- قسم شرطة الدرب الأحمر وهي كويسة أيوة لكن مش فاكرة حاجة
- مش فاكرة حاجة ! طيب طيب أنا جاي حالا
أنهى المكالمة وقبل أن يصعد ليبدل ملابسه أوقفه والده الذي سأله على الفور :
- في ايه يا طيف ! لقوا نيران ؟
هز رأسه بالإيجاب ليقول :
- أيوة يا بابا لقوها وهي دلوقتي في قسم شرطة الدرب الأحمر .. أنا هطلع أغير هدومي علشان أروحلها
وصعد مسرعًا إلى الأعلى حيث شقته دون أن ينتظر رد والده وبدل ملابسه بسرعة شديدة ثم اتجه إلى الأسفل فوجد والده أيضًا قد بدل ملابسه وردد بجدية :
- يلا أنا جاي معاك
هز رأسه واتجه إلى سيارته واستقل والده المقعد الأمامي بجواره ثم انطلق بسرعة شديدة إلى القسم الذي كان قريبًا من مديرية أمن القاهرة ، وصل واتجه إلى رجل الأمن الذي كان يسد الباب وقال :
- الرائد طيف أيمن
فأفسح له الطريق ليمر إلى الداخل ومعه والده ، صعدا إلى الطابق الثاني وتحدث والده تلك المرة قائلًا :
- فين المقدم أحمد خالد ؟ قُل له اللواء أيمن ضياء برا ومعاه ابنه الرائد طيف أيمن
أدى التحيه ودلف إلى داخل المكتب ليبلغه بما قاله «أيمن» فأسرع إلى الخارج وقال مرحبًا :
- اللواء أيمن بنفسه ! اتفضل سعادتك اتفضل
ثم وجه بصره إلى رجل الأمن وقال بلوم :
- ازاي مادخلتش سيادة اللواء على طول ! اتفضل سعادتك
دلف «أيمن» إلى مكتبه وخلفه «طيف» الذي تسارعت ضربات قلبه لأنه سيراها أخيرا بعد فراق دام أكثر من شهرين .. لم يتحمل الانتظار ونظر إلى المقدم «أحمد» وقال بلهفة :
- فين نيران يا سيادة المقدم
ابتسم وأشار إليه بالجلوس ثم قام بإحضار زجاجتين من المياه ومد بهم يده وهو يقول :
- هي في المكتب التاني خدوا اشربوا بس مياه علشان فاضل دقيقتين على الفجر وأنا هروح أجيبها
تحدث «أيمن» وقال بابتسامة :
- تسلم يا أحمد
- على ايه سعادتك أنا ماعملتش حاجة والله أنا لو أعرف إن حضرتك جاي كنت استقبلتك بنفسي على باب القسم .. بعد اذنكم هروح أجيبها
لم يجلس «طيف» وظل يتحرك ذهابًا وإيابًا بتوتر وخوف شديدين خاصة أن الضابط أخبره بأنها لا تتذكر أي شيء ، لا يعرف كيف يتصرف وماذا سيفعل عندما يراها كل ما يفكر فيه الآن هو رؤيتها وضمها إلى صدره مرة أخرى ، نظر إليه والده وقال :
- اقعد ياابني خيلتني بحركتك دي .. ماتفضلش رايح جاي كدا
نظر إليه وأجابه قائلًا بتوتر شديد :
- مش قادر يا بابا .. أقعد ازاي ومراتي اللي ماشوفتهاش بقالي شهرين موجودة هنا وهشوفها كمان لحظات .. أنا مش مصدق نفسي وحاسس إني متوتر ومش عارف أظبط نفسي
ابتسم وارتشف المياه وهو يقول :
- طب خد اشرب علشان الفجر خلاص هيأذن
هز رأسه بالرفض وقال :
- لا لا أنا مش عطشان وماليش نفس أشرب .. عايز أشوف نيران بس .. يارب استر أنا قلبي هيخرج من مكانه
وفي تلك اللحظة فتح المقدم «أحمد» الباب ودلف إلى الداخل وهو يقول :
- تعالي يا نيران
دلفت إلى الداخل وهي تقول بغضب غير موافقة على هذا الاسم الذي يناديها به :
- لو سمحت أنا مااسميش زفت نيران ومش عارفة أنا بعمل ايه هنا .. ممكن تسيبني أمشي
رآها طيف ولم يصدق ما رأته عيناه ، إنها هي نعم هي ، هي من احببها وافتقدها لشهرين مروا عليه سنتين ، التقت أعينهما للحظات لكن بدت له أعوام ، لم يشعر بنفسه وانطلق إليها ليضمها بحب شديد وهو يقول :
- نيران حبيبتي وحشتيني أوي ، مش مصدق نفسي ومش مصدق إنك في حضني دلوقتي .. قولي إني مش بحلم .. قولي إن ده حقيقة وأنتِ معايا دلوقتي
أبعدت نفسها عنه بصعوبة وتراجعت وهي تقول بغضب شديد :
- أنت حيوان .. ازاي تحضني كدا ؟ أنا هبلغ عنك الشرطة وأقول إنك كنت بتتحرش بيا
اتسعت حدقتيه بصدمة مما قالته وصحح لها :
- أتحرش بيكِ ايه يا نيران أنا جوزك يا حبيبتي
خبطت بكلتا يديها على بعضهما وقالت بعدم رضا :
- برضه هيقول نيران .. ياعم أنت أنا مش نيران بتاعتك ، أنت مُصر ليه إنها أنا ؟
نظر «طيف» إلى والده بتعجب الذي قام بدوره ونظر إلى «أحمد» وقال متسائلا :
- أنتم لقيتوها فين وازاي ؟
جلس «أحمد» وبدأ سرد ما حدث :
- جالنا بلاغ من بيت قريب من هنا إن في بنت قاعدة قدام البيت ومش بتنطق ولا بتتحرك ولما يسألوها هي مين تحدفهم بالطوب فروحنا جيبناها وفوجئنا إنها نيران اللي المواصفات بتاعتها وصورتها عندنا .. باين عليها فقدت الذاكرة أو حصل مشكلة معاها
هز «أيمن» رأسه بالإيجاب ونهض من مكانه وهو يقول :
- شكرا يا سيادة المقدم على الاهتمام ده ، احنا هناخدها ونمشي
نهض مسرعًا واتجه إليه وهو يقول :
- لا أبدا سعادتك أنا عملت الواجب واسمحلي أوصلك لبرا
ابتسم واتجه إلى الخارج وخلفه طيف الذي اصطحب نيران التي رفضت أن يمسك يدها وفضلت السير وحدها ، استقلت المقعد الخلفي للسيارة واستقل «أيمن» المقعد الأمامي بجوار «طيف» الذي قاد سيارته عائدًا للمنزل ...

***

اتجه «زين» إلى المسجد ليؤدي صلاة الفجر واصطحب شقيقته الصغرى معه بسبب إصرارها ، بالفعل أنهى الصلاة ونظر إلى الصغيرة «رقية» وقال مبتسمًا :
- مبسوطة يا ستي إنك جيتِ معايا ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت :
- أيوة مبسوطة
قبل رأسها ونهض من مكانه واتجه إلى سيارته وفتح الباب الأمامي وهو يشير بيده بطريقة لطيفة :
- اتفضلي يا سنيوريتا
ابتسمت الصغيرة ودلفت إلى السيارة فأغلق الباب ودلف هو من الجهة الأخرى وقاد سيارته عائدًا إلى الفيلا ، وصل وساعدها على الخروج واتجه إلى الداخل بصحبتها فتفاجأ بـ «ياسمين» التي ارتدت ملابسها استعدادًا للذهاب إلى الشركة ، لم يتحدث معها لكنها صاحت قائلة بغضب :
- رقية صاحية لغاية دلوقتي ! ازاي تسهرها كدا
نظر إلى شقيقته وقال :
- اطلعي يا حبيبتي أوضتك ونامي يلا تصبحي على خير
ابتسمت وقالت :
- وأنت من أهل الخير
اتجهت إلى الأعلى ونظر هو إليها وقال بهدوء :
- أولا أنا ماسهرتهاش وصحيتها على السحور واتسحرنا وخدتها معايا المسجد علشان نصلي الفجر ثانيا بقى من امتى وسعادتك مهتمة بيها ؟ دي البنت كرهتك بسبب إهمالك ليها ولولا إني بقولها إن كل ده غصب عنك كان زمانها مش طايقاكي دلوقتي
تألمت من جملته الأخيرة لكنها أخفت ذلك وردت عليه بغضب :
- طيب يا سيدي أنا الشريرة اللي عايشة معاكم هنا .. خليكوا بقى كدا ونايا كلمتني علشان أفطر معاكم النهاردة بس أنا رفضت وياريت ماتدخلونيش معاكم في الحوارات العائلية الفاضية دي .. وسع بقى علشان أروح الشركة
تركته واتجهت إلى الخارج وبقى هو مكانه غير مصدق الحالة التي وصلت إليها شقيقته ...

***

خرج من سيارته وفتح لها الباب فخرجت ، أشار إلى الطريق أمامه وقال :
- اتفضلي البيت أهو .. ماتخافيش أنا ظابط شرطة على فكرة يعني مش هأذيكي وادي البطاقة بتاعتي
نظرت إليها وتابعت الطريق معه إلى المنزل ، فتح الباب وجذبها للداخل فصاحت «رنة» بعدم تصديق :
- ايه ده نيران وحشتيني أوي
وضمتها بحب لكن «نيران» كانت تنظر إليهم بخوف ، هي لا تعرف مَن هؤلاء ولماذا يدعونها بهذا الاسم ، اكتفت بالصمت فقط حتى حضرت «أسماء» وقبلتها وضمتها وهي تقول :
- يا ألف نهار أبيض .. نورتِ بيتك يا حبيبتي
لم تجبها فنظرت إلى «طيف» وقالت بتعجب :
- هي مش بترد ليه هي زعلانة مني ولا حاجة ؟
ابتسم واستعد لاصطحابها إلى الأعلى وهو يقول بهمس :
- معلش يا ماما أصلها فقدت الذاكرة
اتسعت حدقتيها بصدمة وقالت بحزن :
- ياعيني عليكِ يابنتي مالحقتيش تفرحي بشبابك
صعد درجتين من الدرج ونظر إليها قائلًا :
- ايه يا ماما أنتِ هتشحتي عليها
ثم نظر إلى والده وقال :
- بعد اذنك يا بابا
هز «أيمن» رأسه بالإيجاب وقال :
- طيب وماتنساش علشان الشغل .. هاتها معاك هنوديها لبيتها علشان يتطمنوا عليها وأنت راجع من الشغل عدي عليها وهاتها
هز رأسه بالإيجاب واصطحبها إلى الأعلى فوقفت في منتصف الدرج وهي تقول :
- أنت رايح بيا على فين ؟
ابتسم وقال بحب :
- على الشقة يا عروسة
اتسعت حدقتيها بصدمة وابتعدت عنه حتى التصقت في الحائط وقالت بخوف :
- أنت واخدني على شقتك ليه! أنا مابدخلش شقة حد غريب وبعد اذنك رجعني بيتي
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بتحدي :
- وفين بيتك ده وأنا مستعد أرجعك له
صمتت قليلًا لتفكر لكنها لم تجد إجابة فتحدث هو مرة أخرى :
- شوفتِ يبقى ده بيتك بقى .. يلا يا حبيبتي وأنا هفهمك كل حاجة علشان برضه تفهميني كل حاجة
ترددت كثيرا لكنها تحركت في النهاية معه إلى الأعلى ودلفت إلى داخل الشقة بخوف شديد ، أمسكها من يدها وجذبها إلى الداخل بحب قائلًا :
- نورتِ شقتك يا عروسة ، يلا علشان أحميكي من التراب اللي على وشك ده
سحبت يدها وتراجعت بخوف وهي تقول بصدمة :
- أنت قليل الأدب .. ايه تحميني دي !! أنت اتجننت ولا ايه ، اوعى تكون فاكريني زي كل البنات اللي تعرفهم يا حلو
ارتفع حاجباه ورفع كفيه ليدافع عن نفسه قائلًا :
- أنا آسف ، أيام سو سوري .. هتستحمي أنتِ لوحدك ، مبسوطة كدا ولا لسة هتردحيلي كمان ؟
هدأ خوفها قليلا وتقدمت إلى الأمام وهي ترمق الشقة بإعجاب فلاحظ هو ذلك وقال بابتسامة :
- دي كانت شقتي قبل ما نتجوز وبعدين لما اتخطبنا أنتِ اللي اختارتِ الديكور ده ودي أول مرة تدخليها بعد ما اتوضبت علشان كنا في شهر العسل
نظرت إليه بحيرة وقالت متسائلة :
- ازاي يعني ده كله حصل وأنا مش فاكراه أساسا .. أنت بتجيب الكلام ده منين
جلس وأشار إليها بالجلوس لكنها ترددت قليلا قبل أن تأخذ قرارها وتجلس بجواره ، نظر إليها بحب وقال متسائلًا :
- عايزك تقوليلي فاكرة ايه بقى ؟
أغلقت عينيها وفتحتها عدة مرات وهي تتذكر ما حدث معها لكنها تعجبت وقالت :
- أنا كنت قدام بيت وبعدين ناس كتير اتلمت عليا وأنا اتعصبت عليهم
تابع هو :
- اه وحدفتيهم بالطوب .. أنا أقصد قبل كدا
نظرت إليه ولم تعرف ماذا تقول فهي لا تعرف متى أتت إلى هذا المكان وما الذي حدث قبل ذلك ، هزت رأسها وقالت :
- مش عارفة .. هو أنا فعلا زي ما بتقول ! ولو أنا ناسية كل حاجة زي ما الظابط قال فده كله حصل ليه ! ممكن تفهمني ؟

***

ارتدى ملابسه الخاصة بالعمل واتجه إلى غرفة والده ليطمأن عليها فوجدها مستيقظة ، اقترب منها بحب وقال :
- ايه اللي مصحيكِ يا ست الكل
ابتسمت وأجابته بحب :
- صليت الفجر وفضلت شوية أقول الأذكار .. هنام دلوقتي بس قُل لي أنت لابس كدا ليه
أجابها بتلقائية :
- رايح الشغل
اتسعت حدقتيها وقالت معترضة :
- لا يا نائل أنت لسة تعبان شغل ايه اللي تروحه ! بلاش شغل دلوقتي لو بتحبني
رفع يدها وقبلها وأقنعها بهدوء :
- يا ماما أنا بقيت كويس جدا وزي ما قلتلك امبارح أقدر أجري كمان .. علشان خاطري سيبيني أروح وماتقلقيش خالص
ترددت كثيرا لكنها وافقت في النهاية وقالت بقلق :
- طيب خلي بالك من نفسك علشان خاطري
قبل يدها مرة أخرى وقال بابتسامة :
- حاضر يا حبيبتي ، يلا هسيبك بقى علشان ماأتآخرش عن الشغل

تركها واتجه إلى العمل بصحبة «وحيد» الذي تعجب من عودته سريعا ، وصلا إلى الشركة فوجد البعض ينظرون إليه بتعجب والبعض الآخر يتهامسون فلم يعط أي اهتمام لهم واتجه إلى مكتبه ، جلس على مقعده وبدأ في العمل لكنه قرر الذهاب إلى مكتب «ياسمين» لمعرفة ما تم خلال أيام غيابه عن العمل ...

تعجبت من عطل مكيف الهواء فنهضت من مكانها وخرجت من مكتبها متجهة إلى الفني الخاص بالشركة وأثناء مرورها من أمام مكتبه فتح هو الباب فصرخت بصوت مرتفع لأنها تعلم بغيابه والآن فاجأها بوجوده ، تسارعت دقات قلبها ونظرت إليه بغضب قائلة :
- أنت حيوان !! ازاي تخضني كدا ؟
رفع يده ليدافع عن نفسه وقال بهدوء :
- أنا آسف والله مقصدش .. كنت جايلك المكتب ومعرفش إنك معدية من قدام الباب وماأقصدش أخضك خالص
هدأت من غضبها قليلا ونظرت إليه بحدة ثم رحلت من أمامه ، لم يتعجب فهو اعتاد على طريقتها في المعاملة وانتظر حتى عادت إلى مكتبها مرة أخرى ثم توجه إليها ودلف إلى الداخل بعدما أذنت له ، جلس على المقعد المقابل لها وقال :
- عايز أعرف ايه المستجدات اللي حصلت في الأيام اللي أنا ماجيتش فيها علشان أقدر أتابع الشغل .. ممكن ؟
مدت يدها وفتحت إحدى الأدراج ثم سحبت ملف وألقت به إليه وهي تقول :
- الشركة الأمريكية بخ .. اتعاقدوا مع شركة تانية غيرنا
ارتفع حاجبيه بصدمة وتذكر في الحال ما حدث في المكتب ، مَن فعل هذا ؟ مؤكد هو لا أحد غيره ، لاحظت صمته فقالت بتساؤل :
- سرحان في ايه ! مش عارف تبرر فشلك صح
نظر إليها بتعجب ونهض من مكانه بعدما أخذ الملف ، قال بشيء من الحدة :
- أولا أنا مافشلتش .. ثانيا أنا كنت هموت علشان الشركة .. ثالثا وده الأهم ياريت تغيري طريقتك دي معايا لأني مابحبهاش
ثم تركها ورحل على الفور دون أن ينتظر أي إجابة منها ...

***

أخذت حمامها وكان هو في انتظارها بالخارج وما إن خرجت حتى اتجه إليها وقال :
- قمر وربنا .. ايه الجمال ده
ابتعدت قليلا عنه بعدما رفعت يديها بخوف :
- بعد اذنك يا أستاذ سيف
نظر إليها بدهشة قبل أن يصحح لها :
- طيف يا نيران .. طييييف وبعدين منا قلتلك إني جوزك مالك بقى ، طيب ايه رأيك أوديكي لبابا وماما وأختك يتطمنوا عليكِ ؟
شعرت بالغرابة قليلا من حديثه لذلك قالت متسائلة :
- أنا عندي أب وأم وأخت ؟
هز رأسه بالإيجاب وقال بابتسامة :
- اينعم .. هوديكي عندهم علشان أروح الشغل وبعدين وأنا راجع هاخدك علشان نفطر مع بعض يا قلبي
هزت رأسها بالإيجاب ولم تقول شيء ، ارتدى هو ملابسه وانتظر حتى تنتهي من ارتداء ملابسها ، خرجت أخيرا بعدما ارتدت ملابسها فاتجه إليها وقال بابتسامة :
- طول عمرك بتتآخري في اللبس بس هتفضلي جمل يابا الحاج جمل
اشارت إلى الباب وقالت :
- مش هنمشي بقى
اقترب أكثر منها حتى شعرت بأنفاسه المحترقة وقال :
- ياما نفسي ألتهم هاتين الكرزتين بس هتقولي عليا متحرش وتلمي عليا الخلق فأنا هعمل بأصلي وأدوس على نفسي وهستنى لغاية ما تاخدي عليا
ابتعد قليلا ثم اقترب مرة أخرى فتراجعت بخوف قبل أن يقول هو :
- بذمتك ينفع أروح الشغل بعد ما لقيت حب حياتي ! انا هعيط يا ناس .. هروح أشوف رماح والمجرمين وأسيب العسل ده .. يرضيكي كدا ؟
هزت رأسها بالنفي دون أن تتحدث فابتسم بخبث قائلًا :
- طب ايه رأيك في لبسي ؟
رمقت ملابسه بنظرة سريعة و أجابته باقتضاب :
- حلوة
- حلوة علشان أنا اللي لابسها صح ؟
ضيقت نظراتها وقالت بتحدي :
- لا حلوة علشان حلوة وبس
ابتعد عنها ومثل البكاء وهو يقول :
- ياعيني وأنا اللي فاكرك هتقولي أيوة أنت قمر ومز ، أنا على طول الدنيا جاية عليا .. ايه يا نيران كل دي أحزان ؟
حاولت التحدث فقاطعها ببكاء كاذب :
- اقفلي الموضوع أصل أنا موجوع
مدت يدها بحذر ولمست كتفه وهي تقول بحزن :
- آسفة مش قصدي أزعلك .. خلاص أنت قمر ومز ماتعيطش بقى
اتسعت ابتسامته ونزع يده من على وجهه وهو يقول :
- وربنا ما في قمر ومز غيرك يا نيران قلبي .. أنا شمعة تحترق لأجلك يا قطتي
انتبهت لكلمته الأخيرة وقالت بسعادة :
- أنت قلت قطة صح ؟
اختفت ابتسامته وتبدلت تعابير وجهه ورجع خطوتين إلى الخلف قبل أن يشير بيده قائلًا :
- لا لا اوعي يكون اللي في دماغي صح أصل لو اللي في دماغي صح يبقى أنتِ شايفاني معزة قدامك !!
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الحادي والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


- أنت قلت قطة صح ؟
اختفت تبتسامته وتبدلت تعابير وجهه ورجع خطوتين إلى الخلف قبل أن يشير بيده قائلًا :
- لا لا اوعي يكون اللي في دماغي صح أصل لو اللي في دماغي صح يبقى أنتِ شايفاني معزة قدامك !!
اتسعت ابتسامتها وقالت بسعادة :
- تصدق فعلا حاساك من معزة
خبط بيده على يده الأخرى وقال بحزن :
- لا حول ولا قوة إلا بالله ..الناس كلها لما بتفقد الذاكرة بتنسى كل حاجة ماعدا أنتِ بتنسي كل حاجة وتشوفي الناس حيوانات يلا يا نيران .. يلا ياحبيبتي علشان أوديكي لأهلك وربنا يستر الزمن مايكررش نفسه
بالفعل اصطحبها إلى منزل عائلتها وطرق الباب ليفتح له «أمجد» الذي كان متجها إلى شركته فتفاجأ بها بجواره ، ظل لثوانٍ يحاول تصديق ما رأته عيناه قبل أن يقترب منها ويضمها إلى صدره بحب وهو يقول :
- بنتي حبيبتي .. مش مصدق إنك هنا ، أنا كنت فقدت الأمل في إني أشوفك تاني
حاولت التخلص منه وابتعدت لتقف خلف «طيف» خوفًا منه فنظر هو إلى «طيف» وحرك رأسه بمعنى ماذا يحدث ولماذا هي خائفة فأجابه بابتسامة :
- معلش يا عمي أصلها فقدت الذاكرة زي ما حصل زمان للأسف بس أوعدك إنها تبقى كويسة ، أنا جيبتها تقعد معاكم اليوم كله لغاية ما أخلص شغل وهعدي عليكم قبل الفطار اخدها
هز رأسه بالإيجاب وأشار إليها بالدخول وهو يقول :
- ادخلي يا نيران .. أنا أبوكي يا حبيبتي
نظرت إلى طيف بقلق فابتسم وحرك رأسه بالإيجاب قبل أن يقول :
- متخافيش ده أبوكي ودي الفيلا بتاعة عيلتك كلها .. ادخلي
تحركت إلى الداخل بحذر وكانت والدتها تنزل الدرج إلى الأسفل أثناء دخولها فلاحظتها ولم تصدق عينيها فأسرعت إليها وضمتها بحب وظلت تقبل رأسها وجبينها بحب قبل أن تقول :
- نيران روحي وعقلي وحياتي كلها .. وحشتيني أوي
استسلمت تمامًا لها دون أن تبادلها نفس الشعور فنظرت إلى عينيها وقالت بتعجب :
- مالك يا حبيبتي ! أنتِ تعبانة أو فيكِ حاجة ؟
أقترب «أمجد» منها وضمها إليه بحب قبل أن يقول ما سيحزنها :
- نيران فقدت الذاكرة .. طيف كان لسة هنا وسابها وفهمني كل حاجة
شهقت بصوت مرتفع وهي ترمق ابنتها بصدمة :
- ياعيني يابنتي ، أنتِ ذنبك ايه يحصلك كل ده
ثم مدت يدها وقالت :
- تعالي يا نيران أنا أمك يا قلبي ، تعالي نطلع لأختك نيسان فوق دي هتفرح أوي أول ما تشوفك ...

***

أنهى مراجعة كافة الأعمال التي حدثت أثناء غيابه وباشر عمله حتى حان وقت صلاة الظهر ، ترك مكتبه واتجه إلى المسجد الملحق بالشركة وأدى صلاته ثم عاد إلى مكتبه وتابع عمله حتى جاء وقت الاستراحة فقرر عدم ترك مكتبه واستغلال هذا الوقت في قراءة القرآن ، بالفعل سحب المصحف من جيب بنطاله وبدأ في تلاوة القرآن بصوت شبه مرتفع فهو يعشق قراءته بصوت مسموع ، كان صوته عذب وجميل ووصل إلى جميع العاملين في هذا الطابق من الشركة ...

دققت «مايا» السمع قبل أن تنظر إلى صديقتها «سمر» وتقول بتعجب :
- أنتِ سامعة اللي أنا سامعاه ؟
حاولت الاستماع فوجدته صوت تلاوة القرآن ولكن بصوت رائع وجميل ، نظرت إلى صديقتها وقالت :
- الله ده حد بيقرأ قرآن بس صوته حلو أوي .. مين ده
أشارت إلى مكتب «نائل» وأجابتها :
- الصوت جاي من مكتب نائل .. الصراحة صوته حلو بس هو فاكر نفسه في المسجد ؟
رفعت «سمر» كتفيها وقالت بتلقائية :
- عادي يعني ده وقت استراحة واحنا في رمضان يعني عادي مافيهاش حاجة
لم تقتنع بما قالته وظلت مسلطة نظرها على المكتب وهي تفكر في شيء ما ...

ملت «ياسمين» من البقاء في مكتبها خاصة أن هذا وقت استراحة فقررت ترك مكتبها والتجول في الشركة قليلا ، بالفعل خرجت من مكتبها وأثناء مرورها من أمام مكتب «نائل» استمعت إلى هذا الصوت الذي أشعرها بالراحة فتوقفت ونظرت إلى الباب لتتفاجأ أن هذا صوت «نائل» ابتسمت ووقفت تستمع لهذا الصوت العذب والذي أخفى توترها وحزنها ، استندت بظهرها إلى الحائط وعقدت ذراعيها أمام صدرها وظلت تستمع إلى صوته الجميل في تلاوة القرآن ، مر أكثر من خمسة عشر دقيقة وهي لم تتحرك من مكانها حتى أنها نست نفسها إلى أن حضر ما لم تكن تتوقع حضوره ، رفعت رأسها لتجده أمامها وعلى وجهه ابتسامة وقال :
- ايه يا حبيبتي واقفة كدا ليه
نظرت إليه بضيق وأردفت :
- مالكش دعوة واقفة ليه وبعدين ايه اللي جابك هنا بعد اللي عملته ؟
مثل عدم معرفته بالأمر وقطب جبينه بدهشة وهو يقول :
- أنا !! أنا عملت ايه مش فاهمك يا ياسمين
ضيقت نظراتها وقالت بتحدي :
- دخلت مكتبي وطعنت نائل بالمطواة ! ولا حضرتك مش عارف أنت عملت ايه !
أتقن دوره ومثل عليها الصدمة وهو يقول :
- مين اللي قالك الكلام ده ! الكلام ده ماحصلش نهائي ، أنا مش مصدق .. أنتِ جيبتي الكلام ده منين
ارتفع صوته في جملته الأخيرة فشعرت هي بالصدمة وتراجعت قليلًا عن إتهامها قبل أن تقول :
- نائل هو اللي قال إنك ضربته بالمطواة وشافك في مكتبي وقال كدا لزين وهو صدقه .. أنت بجد ماعملتش كدا !
في تلك اللحظة فتح «نائل» الباب بعد سماعه لصوت مجادلة أمام باب مكتبه فتفاجأ بأخيه أمام عينيه لكنه تماسك حتى قال «يوسف» :
- ده كداب أنا ماجيتش مكتبك ولا عملت كدا نهائي ازاي تصدقيه
لم يستطع «نائل» التماسك أكثر من ذلك وأمسك لياقة قميصه ودفعه بقوة حتى التصق بالحائط وقال بغضب شديد :
- أنت ماكفكش اللي عملته وجاي تكذب كمان ! يا بجاحتك يا أخي .. أنت ايه ؟ شيطان ! أنت مش بني آدم أبدا
صاحت هي وحاولت تخليصه من يده وهي تقول بغضب :
- سيبه أنت مجنون ! ازاي تمسك خطيبي بالشكل ده ؟ أنت نسيت نفسك ولا ايه ده أنت حتة شحات ولا راح ولا جه ، سيبه بقولك بدل ما أطردك وارميك رمية الكلاب
اتسعت حدقتاه بعدم تصديق وتركه من يده قبل أن ينظر إليها بنظرات حادة مشتعلة جعلها تتراجع بخوف شديد وصاح هو بصوت مرتفع بعدما فقد صبره ولم يعد يتحمل الإهانة أكثر من ذلك :
- أولا أنا اسمي أستاذ نائل ومش شحات ولا راح ولا جه .. أنا اتحملت إهانتك ليا بما فيه الكفاية لكن طفح الكيل .. أنتِ مين علشان تغلطي فيا ؟ سايبة واحد حاول يهد شركتك وحاول يقتلني وبتغلطي فيا أنا ؟ اسمعي بقى أنا اتعينت هنا في الشركة بأوامر من الرائد زين وأنا هنا نائب رئيس مجلس الإدارة يعني تاني منصب بعدك ومش هسمح تتطاولي عليا تاني أنتِ فاهمة ! والكائن ده لو جه الشركة تاني أنا هكسرله رجله وأنتِ مالكيش كلمة غير في الشغل وبس .. أنا هعمل اللي يحافظ على الشركة وبعد كدا أي قرار مش هيتاخد غير باذني ولو مش عاجبك روحي اشتكي لزين ..
ثم التفت ونظر إلى «يوسف» وتابع :
- وأنت لو شوفتك بالصدفة هنا في الشركة لأي سبب هزعلك أوي لأن أنا لسة ماأخدتش حقي ، غور من هنا
لم يتفوه بحرف واحد ورحل من أمامه وسط تجمع العاملون بالشركة ورؤيتهم لما يحدث فتابع «نائل» :
- وأنتِ بعد كدا تحترميني ويلا على مكتبك البريك خلص
لم تستطع النطق وكأن لسانها قد اُلجم وأفزعتها جملته الأخيرة فعادت إلى مكتبها على الفور
نظر إلى العاملين وقال :
- كل واحد على مكتبه يلا ...

***

وصل إلى مديرية الأمن وقبل أن يتجه إلى مكتبه أوقفه رماح وأشار إليه قائلًا :
- استنى يا طيف .. تعالى ورايا
تركه ورحل فلحق به وهو يقول :
- على فين يا رماح باشا أنا لسة جاي وكنت هدخل للواء أيمن مكتبه
لم يتحدث واتجه إلى الأسفل فلحق به ، وصل إلى سيارتين للشرطة وأشار إلى «طيف» بالدخول فنفذ ما طلبه وما إن دلف إلى الداخل حتى دلف هو الآخر وجلس بجواره ، صمت «طيف» قليلًا لكنه لم يستطع الصبر أكثر من ذلك فعاد سؤاله مرة أخرى :
- احنا رايحين فين يا باشا ؟
نظر إلى الطريق وأجابه بجدية :
- جهز نفسك وجهز سلاحك علشان احتمال نشتبك معاهم
ارتفع حاجباه بدهشة وقال :
- أيوة اللي هم مين ؟
- فارس الريان .. كنا مراقبينه من زمان وده اللي فهد راح يحقق معاه وبعدها اختفى يعني له علاقة بالقضية وغارم ولو مسكناه أعتقد القضية بنسبة كبيرة هتتحل ونقدر نمسك الناس دي
صمت «طيف» وفكر في الأمر ، لم يقتنع بفكرة وجوده فهذا من الممكن أن يكون كمين للإيقاع بهم ، تعجب «رماح» من صمته وقال بتساؤل :
- مالك بتفكر في ايه؟
لوى ثغره ولم يستطع شرح وجهة نظره لكنه قال :
- مش عارف بس حاسس إن الموضوع ده غريب ولو فارس ده موجود أساسا فأكيد زمانه هرب أو إن ده كمين لأنك لو شوفت غارم وطريقته هتعرف قصدي .. في احتمال من تلاتة .. الأول نروح ونلاقي فارس ده مقتول والتاني نروح نلاقيه مش موجود أساسا والتالت يكون كمين لينا ، بص أنا مش فاهم دماغ الناس دي وليه سابوا نيران في الوقت ده وبيخططوا لايه بس ادينا هنشوف لما نوصل ...
هز «رماح» رأسه بالإيجاب بعدما اقتنع بكلامه فهو أيضا يشعر بوجود شيء غريب وغامض في تلك القضية لكن في النهاية سينكشف كل شيء

وصلت قوة الشرطة إلى المكان وأشار «رماح» إليهم ثم تقدم إلى الأمام حيث المنزل ، نظر إلى «طيف» وأشار برأسه بمعنى استعد ثم دفع الباب بقدمه ودلف هو وطيف وخلفه القوة ، وجه سلاحه في كل مكان بحثًا عن «فارس» لكنهما وجدا ما لم يتوقعاه ، كان «فهد» يجلس على الأرض ويضم قدميه إلى صدره بخوف ورعب شديدين فانطلق «طيف» تجاهه وانخفض وهو يقول :
- فهد أنت كويس ! فهد بصلي أنت كويس ؟
لم ينطق وأبعد وجهه عنه بخوف فنظر «طيف» إلى «رماح» وقال :
- كانوا عايزينا نيجي علشان نلاقي فهد بس ايه المعنى من إنهم يسيبوهم في الوقت ده ؟
أخفض سلاحه ورمق «فهد» بحيرة قبل أن يقول :
- مش عارف .. هاته وهنروح على المديرية يمكن يقول حاجة مع إني أشك في ده
بالفعل عادت قوة الشرطة إلى المديرية مرة أخرى ومعهم «فهد» الذي لم ينطق بحرف واحد وكلما كلمه أحد رفع يده ليدافع عن نفسه بخوف ...
نظر اللواء «أيمن» إليه بحزن وقال :
- وصله يا رماح بيته هو مش هيفيدنا دلوقتي على الأقل وابعتله دكتور يحدد حالته وهو ماله
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول :
- تمام سعادتك
نظر إلى نقطة بالفراغ وتابع :
- احنا بنواجه حد مش شايفينه سابقينا بخطوات كتير أوي ، لازم ناخد بالنا كويس من كل حاجة بتحصل حوالينا .. لازم نتوقع أي حاجة وفي أي مكان
في تلك اللحظة اهتز هاتف «طيف» برنين فرفعه ليرى من المتصل فوجدها «أنهار» ، شعر بالقلق وقاطع والده قائلًا :
- بعد اذنك يا باشا في مكالمة مهمة جدا هرد عليها
أشار إليه بيده بالموافقة فاتجه إلى الخارج وأجاب على المكالمة قبل أن يرفع الهاتف على أذنه ويقول :
- أيوة يا حماتي في حاجة حصلت ؟
- الحقني يا طيف نيران سابت البيت وطلعت تجري ...

***

عاد «نائل» إلى مكتبه وشعر بالحزن مما قاله فهو رد الإساءة بالإساءة وهذه ليست شخصيته ، شعر بالندم على صوته المرتفع وغضبه على «ياسمين» فهي مديرة تلك الشركة وليس له الحق في الانفعال عليها بهذا الشكل ، حدث نفسه بحزن :
- ايه اللي عملته ده يا نائل ماكانش ينفع تزعق بالشكل ده ليها قدام الموظفين .. ياربي أنا عملت ايه بس .. هي أيوة غلطت بس ده مايدينيش الحق أرد عليها بالزعيق ده ، يارب سامحني .. أنا لازم أكلم زين وأحكيله على كل اللي حصل
بالفعل اتجه إلى هاتف مكتبه وكتب الرقم الذي أبلغه به من قبل وانتظر الرد حتى جائه :
- أيوة يا زين .. أخبارك ايه يا بطل؟
صمت قليلًا قبل أن يجيبه :
- أنا عملت مصيبة ومش عارف اللي عملته ده صح ولا غلط بس والله غصب عني
- مصيبة ايه يا نائل أنت قلقتني كدا .. فهمني حصل ايه؟
بدأ في سرد ما حدث منذ البداية إلى تلك اللحظة وأنهى حديثه قائلًا :
- أنا غلطت وهروح أعتذرلها .. أنا ماكانش ينفع أزعق فيها كدا قدام الموظفين
ابتسم «زين» وقال ما لم يكن يتوقعه على الإطلاق :
- بالعكس اللي أنت عملته ده مافيهوش غلط نهائي وهي غلطت وكان لازم ترد .. أنت بني آدم ومعاملتها دي معاملة حيوانات وأنت لو كنت سكت يبقى معلش تستاهل .. ماتروحش تعتذر وزي ما فهمتك احمي الشركة واحميها من الزفت اللي هيضيع صيامي اللي اسمه يوسف ده
هز رأسه بالإيجاب وقال بتردد :
- طيب يا زين باشا اللي تشوفه .. مع السلامة
أنهى المكالمة وانتظر لبعض الوقت وهو يفكر في أخذ قراره النهائي وأخيرا قرر الذهاب إلى مكتبها والاعتذار منها ...

على الجهة الأخرى كانت هي في مكتبها تبكي بشدة فهي لم تبكي هكذا منذ وفاة والدها ، هي لم تتوقع رده الحاد عليها لكن حدته أفاقتها من الظلام التي غرقت فيه فهي تغيرت كثيرًا منذ وفاة والدها ، لم تكن يومًا تسئ لأحد مهما كان ، لم تتكبر يومًا على أحد لكن الآن لا تعلم ما الذي حدث لها ، خسرت عائلتها وخسرت من حولها ، هي الآن وحيدة في هذا الظلام الذي أوقعت نفسها فيه بإرادتها ، تفاجأت بطرقات على الباب فأسرعت وجففت دموعها وما إن انتهت حتى قالت :
- ادخل
فتح الباب وتقدم بهدوء وهو ينظر إلى الأسفل ثم رفع رأسه تدريجيا وأردف :
- أنا آسف على اللي حصل مني برا ، أنا عمري ما كنت كدا ولا زعقت ولا غلطت في حد .. اللي حصل غصب عني وأنا آسف
هزت رأسها بالنفي ومنعت دموعها قبل أن تقول :
- أنا اللي آسفة .. أنا اللي غلطت فيك وغلطت فيك قبل كدا وماعملتش حساب إنك إنسان بتحس وبتتوجع من الغلط .. والله أنا ماكنتش كدا
انهمرت دموعها وتابعت :
- أنا مش وحشة بس الظروف هي اللي عملت فيا كدا وبغبائي خسرت حب أختي الصغيرة وأخويا الصغير وخسرت كل اللي حواليها .. أنا بقيت لوحدي ومطالب مني أخلي بالي من كل اللي عايزين يأذوني بس أنا أستاهل .. انا اللي عملت في نفسي كدا وبدل ما أتغير للأحسن اتغيرت للأسوء .. ياريت تسامحني على الغلط اللي غلطته فيك وعلى شكي في كل اللي قلته عن يوسف
لم يصدق أنها تبكي فتحدث بصوت هادئ قائلًا :
- أولا كويس إنك عرفتِ ده وانك تعترفي إنك غلطتي يبقى أنتِ مش وحشة ولو على الرائد زين فأنتِ ماخسرتيهوش ولا حاجة بالعكس ده كل يوم بيكلمني ويطمئن عليكي مني من قبل الحادثة ولو على أختك الصغيرة فأنتِ تقدري تخليها تقرب منك تاني .. أنتِ مش لوحدك وأنا هنا في الشركة هتصدر لأي حد يحاول يأذيكي وماتستغربيش لأن ده طلب الرائد زين مني بأني أحميكي وأحمي الشركة وده اللي هعمله

حاولت رسم ابتسامة خفيفة على وجهها وقالت :
- تسلم يا نائل وآسفة على أي إساءة خرجت مني وأوعدك إن ده مش هيتكرر تاني
هز رأسه بالإيجاب وأشار إليها قائلًا :
- تمام ودلوقتي ممكن تتفضلي معايا هنعدي نتابع كل شغل الموظفين علشان يشوفونا مع بعض ويعرفوا إن مفيش حاجة حصلت وعلشان ماأكونش اتسببت في إني أهز صورتك قدامهم .. هفضل معاكِ بس أنتِ اللي هتتكلمي وتدي التعليمات
لم تصدق بأنه سيقوم بفعل كهذا فهو الآن أثبت لها أنه محل ثقة وكان من الواجب عليها تصديقه منذ البداية لأنه طيب القلب ومختلف تمامًا عن شباب هذا العصر كما تعجبت أيضًا أنه أخ لـ «يوسف» فشخصيتهما مختلفة تمامًا ، ابتسمت وتحركت معه إلى الخارج وتعجب الجميع من هذا الأمر ، ظل جوارها بينما هي كانت تضيف بعض التعليقات على العمل للموظفين ولم يتدخل إلا بطلب منها هي وما إن انتهت جولتهما بالشركة نظرت إليه بابتسامة قائلة :
- شكرًا يا نائل على الحركة الكويسة دي أنا فعلا ماكنتش متخيلة إن ده هيخرج منك ، أنا بتآسفلك تاني على اللي حصل وكان لازم أثق فيك من زمان
بادلها الابتسامة ونظر إلى الأسفل قائلًا :
- ماحصلش حاجة يا أنسة ياسمين ، أنا نسيت كل اللي فات وإن شاء الله اللي جاي يكون كويس للشركة
هزت رأسها بالإيجاب وهي تقول :
- إن شاء الله .. بعد اذنك هرجع مكتبي
أشار إليها وهو يقول :
- اتفضلي

***

اتسعت حدقتيه بصدمة مما سمعه واستعد لإنهاء المكالمة قبل أن يقول :
- طيب طيب يا حماتي أنا جاي حالا وهشوف هي راحت فين
دس هاتفه بجيب بنطاله وانطلق مسرعًا إلى الأسفل حيث سيارته وما إن استقلها حتى سحب هاتفه مرة أخرى وضغط على الشاشة عدة ضغطات قبل أن يقول بابتسامة :
- كنت عارف .. جايلك يا نيران
بالفعل قاد سيارته حتى وصل إلى هذا المكان الذي يحمل ذكريات كثيرة ...

في عيادة الطبيب النفسي استلقت نيران أمامه وقالت بحزن :
- مش عارفة مالي يا دكتور .. فوقت لقيت نفسي قدام ناس بيقولوا إنهم عيلتي وأنا مش فاكرة حد فيهم والمشكلة الأكبر إني شايفاهم حيوانات مش بني آدمين ، أنا حاسة إني لوحدي في العالم ده ومش فاكرة أي حاجة .. مش عارفة أتقبل أهلي اللي هم بيقولوا إنهم أهلى ولا عارفة أتقبل الشخص اللي بيقول إنه جوزي .. مش عارفة أتقبل حاجة خالص
نظر إليها وهز رأسه بالإيجاب قبل أن يقول متسائلًا :
- وأنتِ مش فاكرة حاجة عنهم خالص ؟ ولا أي معلومة نهائي !
هزت رأسها بالنفي قائلة :
- مش فاكرة أي حاجة خالص بس حاسة إني عارفة المكان ده واستغربت لما وقفت التاكسي وقلتله على العنوان .. ازاي فاكرة العنوان ومش فاكرة أهلى ؟

اتجه «طيف» إلى المبنى الذي كان به مكتبه السابق والذي باعه لطبيب نفسي آخر صديق له ، صعد عن طريق المصعد واتجه إلى العيادة ومنها اتجه إلى مكتب الطبيب «وائل» ودلف للداخل ليجد السكرتيرة جالسة
نطق طيف بهدوء بعدما اتجه إليها :
- لو سمحتِ أنا عايز أقابل الدكتور ضروري وعارف إن عنده حالة مش هعطله
وقفت السكرتيرة الخاصة بالطبيب وقالت :
- طيب ممكن اسم حضرتك؟
أجابها بسرعة :
- طيف أيمن قوليله كدا هيعرفني
أومات رأسها واتجهت إلى المكتب ثم طرقت الباب ودخلت الغرفة ثوانٍ وخرجت وخلفها الطبيب
ابتسم وقال بترحيب :
- أهلا أهلا دكتور طيف نورت مكتبك السابق
ابتسم «طيف» ونظر إلى الداخل بحثًا عنها مما أثار دهشة «وائل» الذي قال متسائلًا :
- بتدور على حاجة ؟
أشار إلى الداخل وقال :
- مراتي نيران عندك .. بعد اذنك عايز بس أكلمها
أفسح له الطريق للدخول واتجه إليها «طيف» قبل أن يقول بابتسامة :
- بقى ينفع كدا يا نوني تسيبي البيت وتطلعي تجري ؟ وبعدين عرفتِ المكان ده منين ؟
نظرت إلى الطبيب «وائل» ثم نظرت إلى «طيف» وقالت متسائلة :
- هو أنت كنت دكتور قبل كدا ؟
وقبل أن تتلقى الإجابة شعرت بأن تلك الجملة تتردد بداخل رأسها
" مش أى حاجة حلها الموت ، لنفترض إنك فقدتِ الذاكرة كدا الحياة انتهت ؟!! الطفل لما بيتولد ويلاقى نفسه مش عارف أى حاجة ولا عارف حد ومش عارف يتكلم وماعندوش أى معلومة بيروح ينتحر !! ولا بيتعلم ويعيش حياته ويكملها ويكتسب خبرات ويتعرف على ناس جديدة ويعمل علاقات وإلخ "
لم تعرف مصدر تلك الكلمات وأمسكت رأسها بتألم فأمسك هو كتفيها وهو يقول بتساؤل :
- مالك يا نيران ! في حاجة ؟ حاسة بحاجة
انهمرت دموعها وقالت بخوف :
- مش عارفة بس حاسة بحاجة غريبة .. حاسة إن في كلام اتقال وبيتكرر جوا دماغي
اقترب منها أكثر وسألها بفضول :
- كلام مين ده يا حبيبتي !
أشارت إليه وقالت بتردد :
- أنت !
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثاني والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


استأذن من الطبيب «وائل» قبل أن يصطحب نيران إلى سيارته ، استقلت المقعد الأمامي بجواره وظلت صامتة لا تتحدث إلى أن تحدث هو :
- ادينا بقينا لوحدنا ممكن تقوليلي بقى صوت ايه اللي بتسمعيه في دماغك ليا ؟ قوليلي وأنا هفهمك وهجاوبك عن أسئلة كتير بتدور في بالك
نظرت إلى الطريق أمامها وبدأت في سرد ما يحدث معها :
- الصبح لما هربت من الفيلا وقفت تاكسي وقلتله على عنوان الدكتور هنا وأنا أصلا مش فاكرة حاجة عن حياتي القديمة .. مش عارفة ازاي افتكرت العنوان وقلته لسواق التاكسي .. قلته بتلقائية كأني حافظاه ومخي كان متبرمج إني هاجي لدكتور نفسي هيساعدني في حالتي ..أول ما جيت هنا حسيت إني جيت المكان ده قبل كدا أو أعرفه حتى لقيت نفسي دخلت الأسانسير ودوست على دور العيادة من غير ما أعرفه ولما أنت جيت وشوفتك في مكتب الدكتور حسيتك الدكتور بتاعي أو شوفتك قبل كدا في نفس المكان وكنت بتقولي إن فقدان الذاكرة مش نهاية الحياة وإن الطفل بيتولد مش فاكر حاجة وكنت بتنصحني أتقبل حياتي وأعمل علاقات جديدة مع الناس ... أنا مش فاهمة ايه اللي حصل ده .. هو أنا فقدت الذاكرة قبل كدا وأنت عالجتني ؟
لوى ثغره وعاد بظهره إلى الخلف ونظر إلى الأعلى وهو يقول :
- أنا اتعرفت عليكِ أصلا في العيادة دي ، العيادة دي كانت بتاعتي وأنا كنت دكتور نفسي قبل ما أبقى ظابط شرطة ، عمري ما هنسى اليوم ده كأنه امبارح كنتِ نايمة قدامي وبتحكي عن إنك متضايقة علشان بتعاملي الناس وحش وبعدها كذبتِ عليا وقلتِ إن سبب حالتك إنك سيبتِ حبيبك في الكلية والخ وأنا قلتلك أنتِ كدابة وساعتها أنتِ شتمتيني وجريتِ على تحت وأنا دخلت البلكونة بالصدفة ولقيتك قاعدة بتعيطي ونزلت أعتذرلك وبعدين بدأتِ تصارحيني إنك فاقدة الذاكرة ساعتها قلتلك الكلام اللي بيتردد في دماغك ده ونصحتك تتعاملي مع الكل بطبيعتك .. عرفتِ بقى سبب الكلام اللي بيتردد في دماغك ده ؟ وعرفتِ سبب مجيك لهنا بدون ما تفتكري حاجة ! تقريبا دي ثابتة في دماغك وتلقائي عملتيها من نفسك .. أظن كدا جاوبتك
اندمجت كثيرًا مع حديثه وما إن انتهى حتى قالت بلهفة :
- وايه كان سبب فقداني للذاكرة في أول مرة ؟ والذاكرة رجعتلي ازاي وحصل ايه بعدها
رفع حاجبيه وهو يقول معترضًا :
- حيلك حيلك ايه ده كله يا سيادة الظبوطة .. اهدى هفهمك واحدة واحدة بلاش مليون سؤال مع بعض علشان عندي زهايمر
هزت رأسها بالإيجاب وخبطت على كتفه قائلة بفضول :
- طيب يلا قول أنا سامعة أهو
ابتسم وتابع ما حدث في السابق لها بينما كانت هي منصتة إليه باهتمام :
سبب فقدانك الذاكرة إن خطيبك الأول كان في مهمة هو وابن خالتك رماح وأنتِ برضه كنتِ ضمن الفريق وروحتِ الفيلا تدي هدية لخطيبك ولقيتيهم بيتفقوا مع تجار مخدرات وافتكرتِ إنهم خاينين والخ لكن دي كانت مهمة ليهم بس فشلت وخطيبك مات وبعدها أنتِ طلعتي تطاردي حد منهم وفجأة حد ضربك على دماغك ساعتها أنتِ فقدتِ الذاكرة ورجعتلك ازاي فده حصل لما أنا وديتك لفيلا رماح يمكن تتعرفي عليها وفعلا ده حصل ورجعتلك الذاكرة بس أنتِ فضلتِ مخبية علشان تنتقمي منهم لكن قابلتك أنا وساعتها كنت اتخرجت من شرطة وفهمتك كل حاجة .. هيييح أنا تعبت من الكلام وريقي نشف والجو نار يا مفترية كفاية استجواب وبعد الفطار هفهمك كل حاجة
هزت رأسها بالإيجاب وظلت صامتة تمامًا فأدار هو محرك السيارة وانطلق وهو يقول :
- صحيح ماقلتيليش جيبتِ فلوس الجلسة منين ده أنا ماكنتش مديكي غير متيناية
نظرت إليه وأجابته :
- أخدت من ماما فلوس وأول ما أخدتها طلعت أجري
حاول كتم ضحكاته لكنه لم يستطع وانفجر ضاحكًا ، نظرت إليه بتعجب قبل أن تقول متسائلة :
- ايه اللي بيضحكك ؟
أجابها بصوت متقطع من بين ضحكاته :
- أصل اتخيلت شكلك بعد ماأخدتِ الفلوس وطلعتِ تجري مجرد التخيل مسخرة .. يالهوي نفسي أشوف شكل حماتي ساعتها
نظرت إلى الطريق أمامها وقالت بعدم رضا :
- الموضوع مايضحكش للدرجة دي على فكرة بطل رخامة بقى واطلع بينا على مطعم علشان جعانة
اتسعت حدقتاه بصدمة قبل أن يقول :
- نعم ياما ! احنا في رمضان يا قطة النهارده أول يوم
نظرت إليه بدهشة قبل أن تقول :
- طيب أنا دلوقتي ماكنتش أعرف ومااتسحرتش أعمل ايه بقى ؟
فكر قليلًا ثم أجابها :
- في حالتك دي وإنك مريضة وماكنتيش تعرفي يبقى عادي تفطري بس اعملي حسابك يا قطة هتصومي معايا من بكرا اشطا ؟
هزت رأسها بالإيجاب قائلة :
- اشطا ، اقف بقى في مطعم أهو عايزة فرخة ونص كفتة ولو في ممبار هاتلي
اتسعت حدقتاه بصدمة قبل أن يقول مازحًا :
- مش عايزة بسبوسة وكنافة علشان التحلية بالمرة
صفقت بيدها بسعادة وقالت بحماس :
- ياريت تبقى عملت معايا الصح
- مع كرشك مش معاكِ بقى ، أنا لو أعرف إن فقدان الذاكرة بيفتح النفس كدا كان زماني خابط دماغي في حيطة من زمان .. خليكِ هنا وأنا هنزل أجيب الأكل ...

***

أنهى ما جهزه من أجل العقود الجديدة للشركة واتجه إلى مكتبها وطرق الباب فهتفت من الداخل :
- ادخل
فتح الباب وتقدم إلى الداخل ثم قام بوضع المستند أمامها فرفعت إحدى حاجبيها متسائلة :
- ايه ده ؟
جلس وبدأ في سرد ما جهزه طوال الساعات الماضية :
احنا اتعاقدنا مع موزعين من معظم المحافظات بس المرة دي هدفنا هيبقى كل المحافظات ده غير إننا هنحاول نتعاقد مع كل الموزعين اللي نقدر نتعاقد معاهم وفي المستند ده كل الموزعين اللي في مصر وعناوينهم أما بقى الشركات اكتشفت خمس شركات كل شركة في دولة مختلفة أهمهم شركة في فرنسا وكل الشركات بعتلها ايميل ووافقوا إنهم يبعتوا وفد خلال أسبوع للتعاقد ومضي العقود وبكدا يبقى ملكنا السوق المصري كله من حيث أدوات التجميل
اتسعت عيناها بسعادة وإعجاب من نشاطه وقالت برضا :
- حلو جدا يا نائل .. بالطريقة دي فعلا هنبقى أهم شركة في مصر ونقدر بعد كدا نعمل كذا فرع ونكبر الشركة
هز رأسه بالإيجاب وقال :
- إن شاء الله بس في حاجة صغيرة .. بلاش كل التعاقدات دي تتسجل على السيستم .. نكتفي بأوراق في الوقت الحالي بس لغاية ما نتطمن تمامًا
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت متسائلة :
- مش فاهمة ! قصدك ايه إننا مانسجلش حاجة على السيستم ؟
صمت قليلًا فهو لا يود أن يشعرها بالقلق لكنه اتخذ قراره وقال :
- أقصد إن الفترة اللي فاتت حصل حاجات كتير منها وصول يوسف لجهاز الكمبيوتر بتاعك وممكن جدا يبقى معاه كل معلومات الشركة وكل حاجة على السيستم بدليل الشركة الأمريكية اللي عرفت من شوية إن اللي اتعاقدوا معاهم تبقى شركة الهواري
هزت رأسها بتفهم وأيدت رأيه قائلة :
- صح عندك حق في ده ، خلاص اكتفي بتسجيل كل حاجة على الأوراق ومش هنسجل حاجة على السيستم لغاية ما الحوار ده يتحل

***

خرج «طيف» من المطعم بعدما قام بشراء الطعام لها ثم اتجه إلى السيارة ودلف إلى داخلها ، سحبت حقائب الطعام من يده بسرعة وهي تقول :
- اتآخرت كل ده ليه أنا جعانة
دفع الطعام باتجاهها وهو يقول بعدم رضا :
- طيب قولي كلمة حلوة .. اشكريني ده أنا خارج في النار دي والمطعم جوا مافيهوش مروحة حتى .. أنا جالي تسلخات يا شيخة
لم تجبه وبدأت في الأكل حتى امتلأ فمها بالطعام ، اتسعت حدقتاه بصدمة مما يراه ثم أدار وجهه وهو يقول :
- يالهوي على الفجع .. ريحة العربية اتقلبت أكل وأنا جعان .. فاضل كام ساعة على المغرب
نظر إلى ساعته فوجد الساعة الخامسة ، نظر إلى الطريق مرة أخرى وقال :
- يا مسهل الحال يارب .. هانت
رن هاتفه برقم والده فأجاب وقبل أن يتحدث صاح فيه بغضب :
- أنت فين يا زفت أنت وازاي تسيب الشغل وتمشي كدا ؟
- معلش يا بابا .. الزفت مراته هربت من بيت أهلها وراح يدور عليها
هدأت نبرته قليلا وقال متسائلًا :
- ولقيتها ولا لا ؟
ابتسم ونظر إليها وهي تأكل ثم أجاب والده :
- لقيتها ومارضيتش تسيبني غير لما أجيبلها أكل وبسم الله ما شاء الله قامت بنص الفرخة في 3 دقايق .. بقولك ايه يا بابا أنت عايزني النهارده تاني ؟ أصل الساعة 5 ومافرقتش من ساعة يعني
ارتفع صوت والده مرة أخرى قائلًا :
- أنت مش شغال في بقالة .. لو ماجيتش خلال عشر دقايق أنا هتصرف معاك تصرف مش هيعجبك
وقبل أن يجيب أنهى المكالمة بسرعة فنظر إلى «نيران» وقال بحزن :
- عاجبك كدا .. امسكي نفسك بقى علشان هطير وهاخدك معايا .. عايزني أوصله في عشر دقايق فاكرني فلاش ده ولا ايه

***

ترك ما بيده وتحرك من مكتبه إلى المكتب المجاور له وطرق الباب قبل أن تقول له :
- ادخل
دلف «غيث» إلى المكتب وابتسم قائلًا :
- عندي ليكِ مفاجأة روعة يا لينو
تحمست «ليان» كثيرا واتسعت عيناها وهي تقول بحماس :
- مفاجأة ايه قُل لي ؟
جلس على المقعد المقابل لها وقال بحب :
- فرحنا هيبقى بعد رمضان على طول .. ايه رأيك
نهض من مكانها وقفزت بسعادة وهي تقول :
- يس يس
ضحك عليها وتابع :
- كفاية علينا كدا ..احنا كاتبين كتابنا بقالنا شهرين ، ندخل دنيا بقى
جلست مرة أخرى وهي في قمة سعادتها لكنها تذكرت شيء أخفى ابتسامتها وقالت :
- بس احنا لسة ماحليناش القضية ويعتبر ماعملناش فيها حاجة .. كلها افتراضات
هز رأسه بالإيجاب وقال بجدية :
- القضية دي صعبة جدا ومحدش عارف يحدد مين عدونا بالظبط ده حتى نيران وفهد رجعوا زي ما اختفوا وأنا كلمت اللواء أيمن وفهمته إن اختفاء الشاهد الرئيسي اللي هو فارس خلى التحقيق في القضية شبه مستحيل وهو تفهم ده وقالي أوقف كل حاجة لغاية ما يحصل جديد
حاولت رسم ابتسامة على وجهها لكنها لم تستطع وقالت بحزن :
- غيث أنا خايفة أوي من القضية دي ، أنت عارف لو حد احنا شايفينه هو معاه سلاح واحنا معانا سلاح كنت هبقى عادية ومش خايفة لكن لما تحس إنك بتواجه حد شايفك بس أنت مش شايفه ده يخليك خايف لأن الكفة مش متوازنة ، هم سابقينا بمراحل وعارفين تحركاتنا وشايفينا بس احنا كل اللي بنعمله إننا بنفترض افتراضات بس وعلى أساسها بنتوقع ايه الخطوة الجاية لكن هم مخططين لكل حاجة تحس فعلا إنهم عفاريت أو أشباح
ابتسم وقال بهدوء شديد لبث الطمأنينة في قلبها :
- مهما حصل مفيش شر بينتصر على خير أبدا حتى لو اتهزمنا وموتنا دلوقتي هيجي غيرنا وينتصر عليهم .. أنا يمكن كنت مقتنع بفكرة إنهم أشباح بس زي ما أنتِ قلتِ مفيش شبح هيعمل كل ده من باب إنه يبسط نفسه .. الناس دي عبارة عن منظمة ليها أعضاء كتير وباين إنهم منتشرين في مصر بطريقة كبيرة ده إن كان أصلا مالهمش فروع برا مصر بس بنسبة كبيرة الناس دي هيضطروا يظهروا في وقت من الأوقات وساعتها هنواجههم واحنا عدينا من مواقف صعبة كتير .. صح يا حبيبتي ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بحب :
- صح يا حبيبي

***

خرج «زين» من سيارته وسند بظهره عليها منتظرًا خروج ابنة خالته وخالته ، سحب هاتفه ليقوم بمهاتفتها لكنه تفاجأ بخروجهما معًا فاتجه إلى خالته وقال مبتسمًا :
- وحشتيني يا خالتي وربنا
ربتت على يده بحب وقالت :
- وأنت أكتر يا حبيبي بس أنت اللي مش بتيجي ولا بنشوفك خالص
أجابها بتبتسامة :
- والله غصب عني أنتِ عارفة طبيعة شغلي بس المهم إني هعوض ده النهارده ونفطر مع بعض
ثم نظر إلى «نايا» وتابع :
- جاهزة يا بنت خالتي ؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت :
- جاهزة طبعا

***

وصل إلى مكتبه مرة أخرى ولكن تلك المرة اصطحب معه «نيران» التي نظرت حولها بسعادة قبل أن تنظر له وتقول :
- الله هو أنا كنت شغالة مع الظباط اللي هنا وكنت بمسك مسدس وأطخ بيه كدا ؟
ضيق عينيه وقال بعدم رضا :
- وكنتِ بتدخلينا من شبابيك الفنادق ، تعالي معايا أقول لبابا إني هنا بدل ما يصدر أمر بالقبض عليا أنا وأنتِ ويرمينا في الحجز
قطبت جبينها بتعجب قبل أن تقول متسائلة :
- ايه ده هو باباك شغال هنا ؟
أمسك بيدها واتجه بها إلى مكتب والده وهو يقول :
- امال أنا بقول ايه من الصبح ، بابا رئيسي في الشغل ورئيسك أنتِ كمان ورتبته لواء
طرق الباب ثم اتجه إلى الداخل بعدما اذن له بالدخول ، وقف «أيمن» وبدل نظراته بينه وبين «نيران» ثم قال متسائلًا :
- نيران ! ايه اللي خلاك تجيبها معاك ؟ مارجعتهاش البيت ليه
أشار إليه وقال بتردد :
- سعادتك قلت اجي في خلال عشر دقايق ولو كنت وصلتها وجيت كنت هاخد نص ساعة بالكتير فجيبتها معايا وماتقلقش هي مش هتعمل صوت
نظر إليها وردد بتساؤل :
- مش هتعملي صوت صح يا نيران ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بسعادة :
- مش هعمل صوت بس اوعدني إنك تخليني أطخ بسلاحك
أشار لها بتعابير وجهه كي لا تتحدث في هذا الأمر أمام والده فابتسمت وقالت :
- فهمتك فهمتك .. قصدك ماأتكلمش قدام أبوك علشان مايعترضش ومايدخلكش الحجز صح .. ماتقلقش أنا هسكت خالص علشان ماياخدش باله
رفع إحدى حاجبيه وقال بصدمة :
- لا ناصحة .. وديتينا في داهية يا فضيييحة
نظر والده إليه وقال بصرامة :
- روح على مكتبك وخلي بالك كويس علشان مش ناقص مصايب
- تمام سعادتك
نظرت «نيران» إليه وقلدته قائلة :
- تمام سعادتك
جذبها «طيف» من ملابسها واتجه إلى الخارج قبل أن تقول شيء آخر ، تراجعت بظهرها قبل أن تقول «فاطمة» من خلفها :
- ايه ده مش مصدقة عيني .. نيران أنتِ هنا ؟ وحشتيني أوى
أفزعتها كلماتها الأولى قبل أن تلتفت وتقول لها بعتاب :
- حرام عليكِ خضيتيني وبعدين أنا أعرفك ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بابتسامة :
- ده احنا أصحاب جدا وياما نفذنا مهمات مع بعض وضربنا نار مع بعض حتى اسألي طيف
نظرت إلى «طيف» وقالت متسائلة :
- هي بتتكلم جد ؟ يعني صاحبتي ؟
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب قبل أن يجيبها مازحًا :
- صاحبتك جدا لدرجة إنها في مرة عطلت عربيتي على الطريق ونشفت دمي لما افتكرتها عفريتة وده كله علشان تطمن عليكِ لما كنتِ فاقدة الذاكرة في أول مرة
كادت أن تتحدث إلا أنها فوجئت بجهاز اللاسيلكي الذي بيد «فاطمة» يصدر صوت :
"عايزين دعم .. وقع مننا رجالة كتير ...حول ، الو عمليات .. محتاجين دعم ضروري"
أسرعت ورفعت الجهاز وهي تقول تطمئنه :
- الدعم هيوصلك .. هبلغ سيادة اللواء حالا
بالفعل اتجهت إلى مكتب «أيمن» ونظرت «نيران» إلى «طيف» وهي تقول متسائلة :
- هو في ايه ومين اللي اتكلم ده ؟
شرد قليلا وشعر بالقلق كما أنه شعر بحدوث شيء غريب ، نظر إليها وأجابها بتفكير :
- مش عارف .. ده صوت رماح بس ازاي راح مهمة واشتبك وهو كان هنا من حوالي ساعة ونص ! أنا مش فاهم حاجة
خرجت «فاطمة» واتجهت إليه وهي تقول بجدية :
- اجهز يا طيف حالا هنطلع أنا وأنت مع القوة علشان نساعد رماح
كاد أن يسألها عن السبب لكنها قاطعته قبل أن يتحدث :
- هفهمك كل حاجة بس مش دلوقتي
ثم نظرت إلى نيران وقالت :
- تعالي معايا هتقعدي في مكتب طيف ماتتحركيش لغاية ما نيجي مفهوم ؟
هزت رأسها بالإيجاب واتجهت معها إلى المكتب ، عادت إلى «طيف» مرة أخرى وقالت :
- يلا بينا
بالفعل تحرك هو وهي إلى الخارج بينما فتحت «نيران» باب المكتب وراقبتهم من بعيد قبل أن تقرر الذهاب خلفهم ...

وصل «طيف و فاطمة» ومعهما قوات الشرطة وتقدموا إلى هذا المبني المليء بالمسلحين ، كان الكثير من رجال الشرطة على الأرض فأحزن هذا الأمر «طيف» الذي قبض على سلاحه بقوة مستعدا للانتقام ، كان رماح ومعه القليل من رجال الشرطة المتبقيين يطلقون النار على هؤلاء المسلحين قبل أن يحضر الدعم ، ساعده «طيف» وأطلق الرصاص على هذا المكان الذي يطلق عليه بينما تقدمت «فاطمة» إلى أسفل البناية وألقت قنبلة في نافذة إحدى الشقق واشتعل الوضع ..

خرجت «نيران» من سيارة الأجرة ونظرت إلى المبني الكبير وإلى الاشتباك الذي يحدث الآن ، تحمست كثيرا وتحركت بهدوء من جانب البرج المجاور ووجدت باب صغير يؤدي إلى حديقة صغيرة خلف هذا البرج الذي يتواجد بداخله المسلحون فتقدمت إلى الداخل وتفاجأت بالكثير من الأسلحة والذخائر ، استعت حدقتيها بإعجاب وتقدمت إلى الأمام قبل أن يأتي أحد المسلحين من خلفها ويقيد حركتها ، حاولت الصراخ لكنها لم تستطع بسبب كتمه لأنفاسها ، وجه السلاح إلى رأسها واستعد لإطلاق النار ..

أطلق «طيف» الرصاص بشكل مكثف على نوافذ البناية بعد أن لاحظ البرج المجاور ، لمعت عيناه وركض تجاهه قبل أن ينظر حوله بحثًا عن مدخل إلى تلك البناية التي كان بابها مغلق كما كان الكثير من المتفجرات على الباب منعت رجال الشرطة من اقتحام المكان ، فكر في وجود مكان آخر للدخول وهذا ما وجده عندما توجه للبناية المجاورة ، اكتشف باب صغير فتقدم ودخل منه بحذر قبل أن تتسع حدقتاه ويقول بصدمة :
- نيران !!!
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثالث والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


اكتشف باب صغير فتقدم ودخل منه بحذر قبل أن تتسع حدقتيه ويقول بصدمة :
- نيران !!!
كان هذا المسلح يقوم بتوجيه السلاح إلى رأسها وهتف بلهجة مهددة :
- سيب سلاحك يا إما هقتلها
ترك «طيف» سلاحه ورفع يده مستسلمًا فحضر مسلح آخر من خلفه وأخذ السلاح الذي تركه ثم ضربه بقوة في قدمه مما أسقطه أرضا ، قيد حركة يده ووجه السلاح إلى رأسه قبل أن يقول لصديقه الآخر الذي يقيد «نيران» :
- أخلص عليه ! احنا معانا هي ونقدر نخرج من هنا لو هددناهم بقتلها
حرك رأسه بالنفي وقال معترضًا :
- لا دي مدنية وده ظابط .. هيهتموا بالظابط اكتر ، أنا هخلص عليها
وقبل أن يطلق الرصاصة من سلاحه رجعت «نيران» برأسها بقوة إلى الخلف لتصطدم في وجهه وبحركة سريعة أخذت السلاح وأطلقت عليه الرصاص ثم التفتت بسرعة شديدة وأطلقت رصاصة من السلاح لتستقر في رأس المسلح الذي يقيد «طيف» ، اتسعت حدقتاه بعدم تصديق ونظر لها بدهشة ، كيف فعلت ذلك وهي لا تتذكر شيء ! وجه نظره إليها وقال متسائلًا :
- نيران أنتِ رجعتلك الذاكرة !
نظرت إلى نفسها وإلى السلاح الذي بيدها وتعجبت مما فعلته منذ لحظات ، لم تصدق أنها قامت بهذا الأمر دون أي تدريب أو تجهيز هي فقط شعرت بشيء داخلها يدفعها لفعل ذلك ، نظرت إليه وأجابته بسعادة :
- لا مارجعتش ومش عارفة أنا عملت كدا ازاي بس فرحانة أوي .. أنا ضربته وقتلت الاتنين
ابتسم لسعادتها ونهض من مكانه قبل أن يمسك سلاحه مرة أخرى ، وجه نظره إليها وقال بجدية :
- خليكِ هنا والمرة دي بجد .. أنا هطلع من السلم ده .. أكيد السلم ده سري وكانوا بيطلعوا منه ، نيران متتحركيش مش علشان قتلتِ اتنين تتشجعي دي حركة كدا متعودة عليها في حياتك وحضرت دلوقتي لكن بعد كدا هتبقي بطة بلدي
هزت رأسها بالإيجاب وقالت :
- متقلقش مش هتحرك من مكاني .. اطلع أنت بس الحقهم علشان صوت ضرب النار عالي جدا

هز رأسه بالإيجاب وانطلق إلى الأعلى بحذر عبر الدرج ، توجه إلى الطابق الأول فوجد قتلى ولا يوجد أحد على قيد الحياة فتابع تقدمه إلى الأعلى إلى أن وجد شقة بها مسلحين فأطلق الرصاص على الأول الذي انتبه لوجوده وحاول إطلاق الرصاص عليه ، وجه سلاحه إلى الثاني وهتف بقوة :
- ارمي سلاحك
تراجع وقام بإلقاء سلاحه فتقدم هو وقيد يده خلف ظهره بكلبش وتركه مكانه ثم اتجه إلى الأعلى وكان الطابق الأخير ، كان به أربعة مسلحين خرج منهم اثنان ووجدا «طيف» فأطلقوا الرصاص بكثافة ، اختبأ خلف الحائط وانتظر حتى هدأت النيران وخرج مرة أخرى وهو يطلق الرصاص بكثافة حتى أوقع أحدهما ثم اختبأ خلف الحائط مرة أخرى ، التقط أنفاسه وقام بتبديل خزانة الرصاص للسلاح الخاص به ثم تقدم إلى الداخل بقلب شجاع غير خائف وأطلق الرصاص بكثافة حتى أوقع الآخر وتقدم إلى الداخل إلى أن وجد أحد المسلحين يطلق الرصاص من النافذة على رجال الشرطة فأطلق الرصاص عليه وأوقعه ، شعر بحركة خلفه فالتفت مسرعًا ليجد هذا المسلح الذي كاد يطلق الرصاص عليه إلا أن نيران دلفت إلى الداخل بسرعة وأطلقت الرصاص عليه لتوقعه أرضا ، نظرت إليه بابتسامة قائلة :
- مفيش داعي للشكر .. أنقذت حياتك للمرة التانية
ابتسم ثم أتجه إليها وضمها بحب قائلًا :
- دايما وطول عمرك بطلة .. وعد مني مش هسيبك تضيعي مني تاني حتى لو فيها موتي
رغم عدم تذكرها له إلا أنها شعرت بالراحة والطمأنينة بين أحضانه ، ودت لو لم تتركه وتظل هكذا لكنه تركها واتجه إلى النافذة ثم أشار إلى رجال الشرطة ليخبرهم بأن الوضع تحت السيطرة.

***

أنهى «نائل» عمله ونظر إلى الساعة فوجدها السادسة والربع فترك ما بيده وأسرع إلى الخارج متجهًا إلى منزله حتى يلحق الافطار مع عائلته وأثناء خروجه وجدها تخرج هي الأخرى من مكتبها فنظرت إليه بتعجب قبل أن تقول متسائلة :
- ايه ده يا نائل أنت لسة هنا ؟ فاضل أقل من ساعة على الفطار !
ابتسم وأجابها بهدوء :
- معلش كنت بنهي كام حاجة من اللي بلغتك بيهم علشان ننجز وإن شاء ألحق الفطار بس ماقلتيش أنتِ طولتِ كل ده ليه ؟
ضمت يديها إلى بعضهما وقالت بحماس :
- كنت بظبط لحاجة كدا بما إننا داخلين على كذا صفقة كويسة وهيبقى لينا اسم كبير
رفع إحدى حاجبيه ليقول بتعجب :
- حاجة ايه ؟ تخص الشركة وكدا يعني ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بحماس شديد :
- أيوة ، هنعمل إعلان وندخل بيه إعلانات رمضان السنة دي وكنت بفكر في حاجة كرييتيف وتكون كويسة في نفس الوقت وتشد العملاء لينا وتساعدنا نكبر أكتر وأكتر وفعلا لقيت الحل وهكلم كذا حد بالليل ونتفق على كل حاجة علشان من بكرا نبدأ التنفيذ علشان الإعلان ينزل في خلال يومين بالكتير أوي
تحمس للأمر كثيرا وقال بابتسامة :
- حلو جدا الموضوع ده وزي ما قلتِ هيساعدنا كتير مع الصفقات الجديدة اللي الشركة هتعملها ، توكلي على الله وخير إن شاء الله
هزت رأسها بابتسامة وقالت :
- إن شاء الله ، يلا الحق روح بقى علشان فاضل وقت قليل على المغرب وأنا يادوب ألحق برضه

***

أشار «طيف» إلى «نيران» وقال بابتسامة :
- أنقذتني مرتين من الموت ، هي دي نيران اللي أعرفها
اقتربت منها «فاطمة» وربتت على كتفها بابتسامة قائلة :
- رغم إني قلتلك ماتتحركيش وصممتِ على اللي في دماغك بس اللي عملتيه أنقذ حياتنا كلنا
ابتسمت «نيران» بسعادة وقفزت كالأطفال بينما اقترب «رماح» ونظر إليها بعدم رضا قائلًا بغضب :
- احنا مش بنلعب .. اللي بنعمله ده فيه حياة أو موت وإن سعادتك تنزلي وتيجي وراهم من نفسك ده غلط ومش صح وكنتِ هتودي نفسك في داهية .. أنا مش معاهم إنهم يشجعوكي لأن ده اسمه هبل
نظر إليه «طيف» وقال بضيق :
- لو هتكلمها تكلمها عدل لأن دي مراتي تمام !
رفع صوته أكثر وتابع :
- ثانيا بقى وده الأهم فهي أنقذتني مرتين من الموت ولولاها ماكناش عرفنا ندخل ولا نطلع لفوق وكان زمان في كتير مننا وقعوا أكتر من اللي وقعوا وأظن الدنيا عدت على خير ، ياريت توفر عصبيتك دي لنفسك
اتسعت حدقتاه بغضب قبل أن يقول مهددا :
- أنت اتجننت ؟ ازاي تكلمني كدا ! أتكلم عدل يا سيادة الرائد
سحب «طيف» نيران من يدها وقال بغضب :
- ده كلامي وطالما سيادتك شايف نفسك علينا كدا أنا مش هسمح ونيران خط أحمر ، أنا مش عارف أنت شايف نفسك زيادة عن اللزوم كدا ليه ! بتعلي صوتك على الفاضي والمليان كدا ليه ! عايز تروح تقول للواء أيمن روح وأنا كمان هروح واطلب منه أخرج من المجموعة دي لأني زهقت ونيران كانت هتضيع مني .. أقولك أنا هقدم استقالتي وأرجع لشغلتي القديمة تاني لأني مش مستعد أخسرها تاني

سحبها من يدها ورحل بعيدًا تاركًا «رماح» في صدمة كبيرة مما قاله وفي تلك اللحظة نطقت «فاطمة» وقالت معترضة :
- ماكانش له لزوم عصبيتك وكلامك ده ! طيف عنده حق ولولاها ياعالم كان حصل ايه سواء طيف جراله حاجة أو رجالة كتير وقعوا مننا ، أيوة هي غلطانة بس ماتنساش إنها كانت مننا وأكيد مهما حصلها أو فقدت الذاكرة فهي متعودة على التدريبات وكل حاجة اتعلمتها
لم يتحمل سماع أكثر من هذا فرحل ليتابع بقية الإجراءات وهو يقول :
- ده احنا مابقيناش شغالين في شرطة .. احنا كدا بنهزر .. بعد اذنك أشوف شغلي

أوقف سيارة أجرة لتوصله هو وهي إلى المنزل لكن في تلك اللحظة رُفع أذان المغرب فنظر إلى السائق وقال :
- طيب معلش يااسطا لحظة هجيب حاجة أفطر بيها
ترك السيارة واتجه إلى كشك صغير وقام بإحضار العصير والكيك له ولزوجته وللسائق ثم اتجه إلى السيارة مرة أخرى ومد يده للسائق بالعصير والكيك الخاص به فابتسم وقال بحب :
- تسلم يا باشا أنا مش صايم .. أنا مسيحي واسمي أبانوب
ابتسم «طيف» وقرب يده أكثر وهو يقول :
- وايه يعني يا أبانوب خد ياعم احنا أخوات .. يلا ماتكسفش أيدي
ابتسم وأخذها من يده بينما هو عاد إلى الخلف بعدما أخبره بالعنوان ومد يده لـ «نيران» بما أحضره فرفعت إحدى حاجبيها قائلة :
- بس أنا فطرت .. أنت ناسي ولا ايه
تركهم على قدمها وقال مازحًا :
- عادي يا قلبي الكرش يحب الزيادة
بدأ في تناول الكيك مع ارتشاف العصير قبل أن يهتز هاتفه برنين ، سحبه من جيب بنطاله ورفعه على أذنه وهو يقول :
- أيوة يا ماما .. معلش .. لا لا هنيجي نفطر طبعا هو في أحسن من أكل البيت .. عارف إن أكل برا مش مضمون وفيه جراثيم .. وربنا عارف إنه بيجيب تسمم .. حاضر مش هاكل برا واحنا جايين أهو .. يوووه اندومي ايه يا ماما هو أنا بطيقه أصلا ! متخافيش .. حاضر

***

بدأوا في تناول الإفطار وتحدث «زين» بجدية قائلًا :
- بالمناسبة دي يا جوز خالتي أنا فكرت ولقيت إننا نعمل كتب الكتاب والفرح بعد العيد إن شاء الله ، ها رأيك ايه؟
فكر قليلًا قبل أن يجيبه برضا :
- كويس جدا وتكون كل حاجة جهزت إن شاء الله ، أنتِ رأيك ايه يا نايا ؟
ابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب قائلة :
- كويس جدا يا بابا وأنتِ يا ماما رأيك ايه
ابتسمت بحب قبل أن تجيبها :
- اللي تشوفوه يا حبايبي وأنا معاكم ، نبدأ نجهز للفرح من دلوقتي وللدعوات وكدا .. ربنا يسعدكم
ابتسم «زين» وربت على يدها بحب وهو يقول :
- تسلميلي يا أمي التانية
هنا تحدثت الصغيرة «رقية» وقالت بسعادة :
- أنا هلبس فستان أبيض في الفرح علشان أبقى عروسة زي نايا
ضحك الجميع وأجابتها «نايا» بحب :
- طبعا يا رورو ده أنتِ أجمل وأحلى عروسة
داعب «زين» وجنتيها بحب وقال بابتسامة :
- ربنا يديني العمر يا رورو وأسلمك لعريسك وأفرح بيكي يارب

***

جلست على السفرة وحدها لتناول الإفطار ، شعرت بالوحدة الشديدة فهي الآن وحدها على عكس السابق لكن هي من وضعت نفسها في هذا الموقف ، هي من رفضت تناول الإفطار مع العائلة وفضلت البقاء وحدها ، تعجبت من تفكيرها السابق ، ظلت شاردة تفكر هل ستستطيع إصلاح علاقتها مع عائلتها أم لا ، انهمرت دموعها ورفعت يدها إلى السماء وهي تقول :
- يارب أنا عارفة إني كنت غلطانة ووحشة وزعلت أختي الصغيرة وأخويا وغلطت كتير بس عرفت غلطي ده ، يارب سامحني وساعدني أصلح كل المشاكل اللي بينا ، يارب ساعدني أرجع ياسمين بتاعة زمان وابعد الشر والحقد والكره من قلبي ، يارب

***

أنهى المكالمة ونظر إلى «نيران» التي وجدها تضحك عليه فرفع إحدى حاجبيه وهو يقول :
- ايه هو أنا أراجوز ولا ايه ؟
هزت رأسها بالنفي وأجابته :
- تؤ بس شكلك مضحك ولما بتتكلم بحسك تافه .. مش عارفة أنت ازاي ظابط وكنت دكتور بالتفاهة دي
رفع إحدى حاجبيه وقال بعدم رضا :
- ايه يا نيران هنقضيها تنمر ولا ايه وبعدين الحياة تحب الخفية دي مش تفاهة ده أسلوب حياه .. في مثل بيقول خليك ايزي ميزي وابسط وماتبقاش مزاميزي
رفعت حاجبيها بتعجب وقالت بتلقائية :
- مزاميزي ؟ يعني ايه ؟
ابتسم واجابها :
- مزاميزي يعني حزايني ومدية للدنيا قفاكِ ولما تدي للدنيا قفاكِ هتمسي عليكِ بأحلى كف فخلينا احنا ايزي ميزي ونبص للدنيا بوشنا بس أنتِ عارفة هتدينا بالكف احنا كمان بس على وشنا مش قفانا لأن الدنيا غدارة
صمتت للحظات حتى تستطيع فهم ما يقوله فتابع هو :
- ماتحاوليش تفهمي أنا نفسي مش عارف أنا بهبد وبقول ايه المهم أمك كلمتني وأنا طمنتها عليكِ واجهزي علشان في جلسة عند الدكتور النفسي بتاعك النهارده بليل
قطبت جبينها وقالت بتلقائية :
- وائل ؟
هز رأسه بالنفي وأجابها بابتسامة واسعة :
- لا أنا .. العبد لله رجعلك الذاكرة مرة وبإذن الله هكررها مرة تانية بس أنتِ حطي ايدك في ايدي وساعديني علشان نهزم الأشرار ونرجعلك الذاكرة
اختفت ابتسامتها وقالت :
- أنا خايفة يرجعلي الذاكرة .. خايفة أفتكر حاجة تكون وحشة ليا أو حصلتلي .. خايفة أكون عشت فترة وحشة ولما أفتكر اتأذي وأتعب .. هو أنا فقدت الذاكرة المرة التانية ازاي ؟
أطبق بيده بحب على يديها حتى يشعرها بالطمأنينة والحب وقال :
- ماتخافيش طول ما أنا جنبك .. أنا مستعد أموت علشان خاطرك وعلشان أنتِ تعيشي أما عن سبب فقدانك للذاكرة فأنا ماأعرفهوش بس هفهمك حصل ايه النهارده بالليل في الجلسة تمام !؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت :
- تمام

***

كان يتناول الإفطار مع والدته وشقيقته عندما قالت والدته :
- طمني يا حبيبي أخبار الشغل ايه
ابتسم وأجابها بهدوء :
- بخير الحمدلله يا ماما وكل حاجة تمام ، ربنا عوضني خير في الشغل ده .. بعد ما كنت ماشي أكلم نفسي ومش لاقي شغل ربنا فتحها عليا ورزقني بالشغل ده ومش بس كدا ده أنا بقيت نائب رئيس مجلس إدارة الشركة ، عوض ربنا جميل أوي بس احنا نصبر وندعي ومانزعلش على الحاجة الوحشة اللي تحصلنا ، ده غير دعاكي طبعا يا ست الكل
ابتسمت ورفعت يدها إلى السماء وقالت :
- ربنا يرزقك كمان وكمان ويوقفلك ولاد الحلال في طريقك يا نائل ياابني ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك وتكون سندك وكل حياتك في الدنيا
مال برأسه على كتفها بحب وقال :
- أنتِ سندي وكل حياتي يا ست الكل ، من غيرك أنا ولا حاجة .. ربنا يقدرني وأكون سبب في فرحتك زي ما بتفرحيني على طول بدعاكي ليا
رفت «يارا» حاجبيها وقالت بعدم رضا :
- يعني ماليش أنا في الدعاوي دي جانب ولا ايه؟
ابتسمت والدتها ورددت بحب :
- ازاي يعني يا يارا ده أنتِ الخير والبركة كلها ، ربنا يحميكي يا حبيبتي وأفرح بيكِ يارب

***

وصل إلى المنزل بصحبة نيران وجلس لتناول الإفطار وسط عائلته وقص على والدته ما حدث بعد إلحاح شديد منها ثم نظر إلى والده وقال بدون مقدمات :
- بابا أنا هقدم استقالتي بكرا
اتسعت حدقتيه وترك الطعام من يده وهو يقول بعدم تصديق :
- تقدم ايه !! هو لعب عيال ؟
ترك هو الآخر الطعام ونظر إلى والده وهو يقول بجدية تامة :
- لا مش لعب عيال يا بابا بس مش هينفع أشتغل مع رماح ده أولا وثانيا وده الأهم أنا مش عايز أخسر نيران تاني وأظن هي هتقتنع بده لأني هكلمها تقدم استقالتها هي كمان ، أنا عارف إنك كلمتني وقلتلي كلام كتير يصبرني بس أنا خواف .. خايف أخسر حد بحبه بسبب شغلي ، لو هخسر نفسي أنا بس فأنا موافق بس خوفي مش على نفسي وحضرتك عارف كدا كويس ، مش هنكر إني نجحت في شغلي ده أكتر ما نجحت كوني دكتور بس ماكنتش متوقع إني في يوم من الأيام ممكن أخسر حد زي نيران .. طول ما أنا وهي ظباط هنكون عرضة للخطر علشان كدا لازم أنا وهي نستقيل .. سميها خوف أو سميني جبان بس ده حقي إني أستقيل
نظر إليه والده بغضب وهو يقول :
- وسعادتك بقى هتشتغل ايه لما تستقيل ! وبعد كل اللي عملته ده والترقية تستقيل بالسهولة دي ؟
ابتسم بتألم قبل أن يجيبه :
- هرجع أشتغل دكتور تاني مش هغلب ومش هستقيل بسهولة ده بعد ما حسيت إن نيران ممكن تضيع مني وضيف على ده رماح اللي شايف نفسه زيادة عن اللزوم
هز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- اللي يريحك يا طيف بس راجع نفسك علشان ماتندمش إنك أخدت قرار غلط
نظر إلى «نيران» التي كانت شاردة لا تتحدث ثم نظر إلى والده مرة أخرى وأجابه :
- ماتقلقش يا بابا أنا مش هندم .. ده قرار نهائي
تابع تناول الإفطار ثم صعد إلى الأعلى بصحبة «نيران» التي نظرت إليه بتعجب وهو لم يستطع تفسير تلك النظرات ، جلس أمامها وقال :
- مستعدة للجلسة ؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت :
- مستعدة بس قبل ما نبدأ الجلسة عايزة أقولك حاجة
قطب جبينه بدهشة وهو يقول :
- حاجة ايه ؟
مدت يدها وأمسكت بيده بحب وابتسمت قائلة :
- أنا لو منك أفضل في الشغلانة دي .. مفيش راجل شرطة مش بيتعرض للخطر ولو بتعمل ده كله علشاني فأنا بقولك أهو كمل ، اينعم أنا مش فاكرة حاجة ولا فاكرة أنا كنت بعمل ايه بس واثقة إني كنت بحبك أوي قبل ما أفقد الذاكرة ، في حاجة شداني ليك بطريقة رهيبة .. أقولك على حاجة ! أنا بحب أبصلك أوي .. فاكر لما ضحكت عليك في العربية ! كان نفسي أحضنك ، مش عارفة ايه الأحاسيس دي كلها .. أنا في يوم واحد حبيتك أوي ودخلت قلبي
زادت من قوة قبضتها على يده وتابعت :
- أيوة أنا مش فاكرة حاجة بس بتعامل كأني فاكرة كل حاجة .. حاسة إني في أمان معاك .. الصبح لما حضنتني ماكنتش عايزة أسيب حضنك .. كنت عايزة أفضل في حضنك طول عمري .. طيف أنا مش عارفة قلتلك كدا وأنا فاكرة كل حاجة ولا لا بس هقولك دلوقتي .. أنا بحبك .. أيوة في يوم واحد حبيتك أو قلبي هو اللي حاجز لحبك مكان ومهما فقدت الذاكرة هيفضل المكان ده محجوز .. أنا مش فاهمة ولا عارفة أفسر حاجة بس هطلب منك طلب .. ممكن تحضني ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الرابع والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد



نفذ رغبتها وضمها إلى صدره بحب ، أغلقت عينيها وشعرت براحة وطمأنينة افتقدتها كثيرا ، لا تعلم كم من الوقت بقيت هكذا لكن ما يريحها الآن وجودها بالقرب منه ، ظلت هكذا لفترة طويلة زادت عن نصف ساعة وقرر «طيف» عدم إبعادها لأنه افتقدها هو الآخر كثيرًا ، ابتعدت قليلا عنه ونظرت إلى عينيه قائلة :
- آسفة .. كدا اتآخرنا على الجلسة صح ؟
هز رأسه بالنفي وأجابها بحب :
- حضنك ينسي أي جلسة وينسي الدنيا بحالها ، مش قادر أوصفلك أنتِ وحشتيني اد ايه ، أنا كنت حاسس إن الدنيا اتسحبت مني يوم ما بعدتِ عني ولما شوفتك تاني وجيتِ في حضني بقيت حاسس إن الدنيا كلها تحت رجلي ... يلا يا حبيبتي نبدأ الجلسة علشان ترجعلك الذاكرة إن شاء الله
ابتسمت بحب وعادت إلى الخلف قبل أن تستلقي أمامه وتقول :
- أنا جاهزة يا دكتور
ابتسم هو الآخر واقترب قليلا منها وبدأ حديثه قائلًا :
- عايزك تنظمي نفسك .. اتنفسي بصورة طبيعية .. اسحبي الهواء وطلعيه بهدوء ونظام .. يلا ورايا شهيق زفير
نفذت ما قاله وبدأت تتنفس بنظام فتابع هو :
- غمضي عينيكِ واتخيلي نفسك واقفة في وسط الظلام اللي أنتِ شايفاه ده .. اتخيلي نفسك بتتحركي ومش شايفة حاجة .. دوري على مصدر ضوء يخرجك من الضلمة دي .. ماتيأسيش ودوري كويس في كل مكان واتخيلي إن النور ده هو حياتك اللي قبل كدا ولو شوفتي حاجة بلغيني
نفذت ما قاله وشعرت أن أنفاسها المنتظمة بدأت في الزيادة رغمًا عنها ، حاولت السيطرة عليها لكنها لم تستطع وأصبحت تتنفس بصورة عشوائية ولاحظ هو ذلك لكنه تركها كي تستطيع الوصول إلى هذا الضوء ، حركت رأسها بعشوائية كأنها ترى كابوس مزعج ولا تستطيع الاستيقاظ منه ، بدأ جسدها يرتعش وينتفض وبدأ العرق يتصبب من جبهتها فأمسك كلتا يديها وهتف بصوت شبه مرتفع كي يفيقها :
- نيران !! نيران فوقي أنا جنبك
فتحت عينيها ونظرت حولها بقلق ثم نظرت إليه بخوف قبل أن يمسح على رأسها بحنو قائلًا :
- اهدي خالص ماتخافيش أنا جنبك .. أنا جنبك يا حبيبتي ماتقلقيش .. قوليلي بقى شوفتي ايه
أخذت وقت حتى استطاعت تنظيم أنفاسها مرة أخرى وهدأ خوفها قليلا ، نظرت إليه وبدأت في سرد ما رأته :
- أنا سمعت كلامك وفعلا حسيت إني موجودة فعلا في مكان كله ضلمة .. حاولت أمشي وكنت ماشية بحذر وخايفة أتكعبل في حاجة أو أقع لغاية ما شوفت ضوء خفيف جدا بس لونه أحمر ساعتها حسيت إن الأكسجين اللي في المكان كله اتسحب وباخد نفسي بالعافية بس كملت لغاية ما لقيته .. كان مديني ضهره ومش ظاهر منه غير أجزاء بسيطة جدا في وسط الضلمة .. كان لابس زي جلبية بس سودة وطالع منها ظعبوط أسود ومغطي راسه .. شكله عامل زي بتوع الهاكر كدا وفجأة لف ليا بس وشه ماكانش ظاهر .. هدومه والظعبوط ده بس اللي باين وهمس بصوت كأنه في ودني وقال العهد الأول تم تنفيذه .. قريبا سوف يحل الدمار بعدها لقيت جسمي بيترعش وفجأة لقيتك بتصحيني
ضمها إليه وربت على ظهرها وهو يقول :
- ماتخافيش يا حبيبتي مفيش حاجة ، ده ممكن اللي حصلك في فترة ما كنتِ مخطوبة .. اهدي بس وبكرا نكمل علشان ماتتعبيش تمام ؟
هزت رأسها بالإيجاب قائلة :
- تمام تمام

***

لم تترك مكانها وظلت شاردة تفكر في حل لهذا الأمر وتذكرت الماضي السعيد ، تمنت لو تعود بالزمن للماضي حيث عائلتها وطيبة قلبها ونقائها ، تمنت لو طال هذا الحلم الجميل لكنه انقضى ورحل معه شخصيتها المرحة والمُحبة ، رفعت رأسها إلى الأعلى وظلت شاردة إلى أن حضر «زين» وبيده شقيقته الصغرى «رقية» تعجب من جلسة شقيقته فاقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بقلق :
- ياسمين أنتِ كويسة ؟ تعبانة ولا حاجة أكلم الدكتور ؟
رغم سوء معاملتها له إلا أنه مازال يحبها ويخاف عليها ونسى ما قالته في الصباح له ، انهمرت الدموع من عينيها ونهضت من مكانها قبل أن تلقي بنفسها في أحضانه وتنفجر في البكاء ، زاد قلقه ومسح بيده على رأسها بحب ليقوم بتهدأتها وردد :
- اهدي يا ياسمين ماتعيطيش يا حبيبتي .. فهميني بس حصل ايه وايه اللي مزعلك كدا ؟ الواد اللي اسمه يوسف ده أذاكي في حاجة أروح أطلع عينه واخدلك حقك ؟
هدأ بكائها قليلا وابتعدت حتى تنظر إلى وجهه وقالت :
- لا بس أنا آسفة على كل حاجة عملتها .. أنا عارفة إني زعلتك أنت ورقية كتير بس والله غصب عني وأوعدك هكون ياسمين بتاعة زمان الحنينة وأم قلب طيب بس ماتزعلوش مني
تأثرت الصغيرة بحديثها وتقدمت لتحضن قدمها بحب فابتسم «زين» وضمها هو الآخر قائلًا :
- أنا عمري ما زعلت منك ولا هزعل يا ياسمين ده حتى بابا موصيني عليكِ وعلى رقية وأنا مستعد أموت علشان تتبسطوا وتعيشوا أحسن حياه ، أيوة أنا أصغر منك بس بحس إني أكبر واحد ومسئول منكم .. خليكِ عارف إن محدش هيحبك ويخاف عليكِ أدي ومش عايز أشوف دموعك دي تاني .. عايز أشوف ياسمين بتاعة زمان أم دم خفيف واللي الابتسامة مابتفارقهاش
مسح دموعها بيده ووضع وجهها بين كفيه وتابع :
- اعتبري مفيش حاجة حصلت وأنا جنبك طول الوقت وعمري أبدا ما هسيبك
رسمت ابتسامة على وجهها ثم نظرت إلى الصغيرة وانخفضت لمستواها ثم ضمتها إليها بحب وهي تقول :
- مش عايزاكِ تزعلي مني يا رورو .. أنا آسفة على كل اللي عملته وزعلك ، من النهارده هرجع ياسو بتاعة زمان وهنلعب مع بعض ومش هنزهق ونرجع نضحك تاني

مرت الأيام ولم يحدث شيء جديد ..

كان «طيف» يساعد زوجته كل يوم في استرجاع ذاكرتها لكنه فشل في ذلك بسبب رؤيتها لهذا المشهد المكرر كل جلسة.

لم يتحسن «فهد» وظل على حالته التي احتار الأطباء في تحليلها حيث كان شديد الخوف ولا يتحدث ، كان يسرق النظرات إلى خطيبته «نيسان» لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة.

تبدلت حالة «ياسمين» وأصبحت الابتسامة دائمة الظهور على وجهها ، تحسنت طريقتها مع موظفي الشركة ودائما ما كانت تستعين بـ «نائل» الذي أثبت وجوده في وقت قصير جدا واستطاع النهوض بالشركة وأصبحت من أكبر الشركات في مصر وبدأ التخطيط لبناء فرع آخر كما تبدل حال «نائل» كثيرًا ورزقه الله من حيث لا يحتسب بعد أن كان يعاني من ديونه الكثيرة وعدم حصوله على عمل.

تراجع «طيف» عن الاستقالة بسبب نصائح «نيران» له لكنه قرر ترك فريق والده السري والعمل وحده حتى لا يحتك بـ «رماح» كما حاول هو الاعتذار عما بدر منه تجاه «طيف» وتقبل اعتذاره لكنه رفض العودة إلى الفريق مرة أخرى.

أعد «غيث» دعوات حفل زفافه على «ليان» والتي كان من المقرر لها أن تكون ثالث أيام العيد وقام بكل التجهيزات للزفاف.

كان دائما ما يقص عليها أشياء كثيرة من ماضيها وكانت تستمع إليه بابتسامة وحماس زائد وزاد حبه في قلبها ، تعرفت أكثر عن عائلتها لكنها لم تتعرف على «ذاخر» بسبب تواجده الدائم بكلية الشرطة.

ترك ما بيده واتجه إلى والدته وهو يقول :
- أنا عملت صاج الكحك ده أنا ومازن يا ماما أحطه فين ؟
كانت جالسة وتقوم بإعداد البسكويت فأشارت إلى غرفة وقالت :
- دخله هنا مع الباقي ويلا شدوا حيلكم شوية ده كله صاج واحد ؟
عاد إلى صديقه مرة أخرى وهو يقول بعدم رضا :
- معلش يا ماما أصل مش على طول بعمل كحك يعني .. كويس إننا عملنا صاج واحد وبعدين ماتخافيش هنخلصهم كلهم بسرعة بس يارب يقولوا العيد بعد بكرا
نظرت إليه «نيران» التي كانت تساعد «أسماء» في إعداد البسكويت وقالت باعتراض :
- أنت مش عايز العيد بكرا ليه؟ يا عدو الفرحة سيبنا نفرح بكرا
رفع إحدى حاجبيه وقال :
- ياستي هو أنا بقول يارب مايجيش خالص !! أنا بقول يبقى بعد بكرا علشان بالشكل ده مش هنخلص الكحك على بكرا حتى
في تلك اللحظة جائت «رنّة» من الداخل وصاحت بصوت مرتفع وسعيد :
- العيد بكرا يا جماعة .. قالوا دلوقتي على التليفزيون
نظرت «نيران» إلى طيف مرة أخرى وأخرجت لسانها وهي تقول :
- ياعيني عليك اتصدمت صح ؟
نهض من مكانه وأشار إلى «مازن» وهو يقول :
- قوم يا مازن .. وسعي كدا يا ماما .. تعالي اعملي الكحك أنتِ ونيران وأنا ومازن هنعمل البسكويت أسهل .. دي المكنة بتطلعه جاهز أنتوا هتضحكوا علينا
وافقته والدته واتجهت لصنع الكحك مع زوجته واتجه هو إلى البسكويت في جو أسري جميل ، مر الوقت وانتهوا من كل شيء ونهض «مازن» وهو يمسك ظهره بتعب :
- اااه يا ضهري أنا مش حاسس بيه
وقف «طيف» هو الآخر وأمسك بظهره وهو يقول بتعب :
- عندك حق أنا مابقيتش حاسس بالعمود الفقري .. الحمدلله خلصنا وهما بقى يسوا الهيصة دي بمعرفتهم
في تلك اللحظة رفعت «أسماء» صوتها وقالت :
- خد ياطيف أنت ومازن نص الصاجات دي في عربيتك وروحوا سووها في الفرن علشان مش هنلحق وأنا ونيران هنسوي الباقي
لوى ثغره ونظر إلى صديقه قائلًا :
- اشرب يامعلم أدينا هنلبس في التسوية كمان
ضحك «مازن» وأشار إلى الداخل قائلًا :
- طيب يلا بينا ناخدهم علشان عايز أروح آخد دش قبل الصلاة
بالفعل حمل الكحك والبسكويت هو وصديقه واتجه به إلى سيارته ثم قادها إلى إحدى الأفران وانتظرا في السيارة ...
نظر «طيف» إلى صديقه «مازن» وقال :
- ايه ياعم مش ناوي تفرحنا كدا وتقولنا إنك هتتجوز نامي قريب ؟
ابتسم وأجابه بجدية :
- بفكر أعمل الفرح كمان شهرين .. أنت رأيك اية ؟ طبعا مش هعمله غير لما آخد رأيك
ضم حاجبيه بتعجب وقال مازحًا :
- هو أنا اللي هتجوز ولا أنت ياعم .. كمان شهرين حلو جدا تكون أنت جهزت اللي ناقصك والعروسة جهزت اللي ناقصها ونخلص منكم بقى
ضيق عينيه وقال بدهشة :
- تخلصوا مننا ! هو الجواز بيموت ولا ايه ماتقلقنيش يا طيف
أشار «طيف» إلى نفسه وقال :
- أنا ! أبدا ده الجواز ده جميل ياابني .. اتجوز بس وأنت هتدعيلي أو هتدعي عليا أيهما أقرب .. تعالى نشوف الكحك استوى ولا لسة في سنتنا دي

***

أسرع إلى المطبخ بعدما اشتم رائحة حريق ودلف إلى الداخل وهو يسعل من شدة الدخان المتصاعد ، نظر إلى شقيقته وقال بصعوبة :
- يخربيتك يا ياسمين بتعملي ايه ؟
حاولت إبعاد الدخان عن وجهها وأجابت :
- عملت أنا وهانم الكحك وسابتني وراحت تجهز حاجة وأنا نسيته واتحرق
اتجه إلى النافذة وفتحها ثم فتح باب الفرن بحذر وأخذ يبعد هذا الدخان وساعدته هي على ذلك إلى أن حضرت «هانم» وفتحت عينيها بصدمة وهي تقول :
- يالهوي حصل ايه؟
أشار إليها «زين» قائلًا :
- تعالي يا هانم ساعدينا .. ياسمين حرقت الكحك
بالفعل ساعدتهما إلى أن اختفى الدخان تمامًا وجلس «زين» على المقعد وهو يقول بتعب :
- اووف .. من امتى وأنتِ بتعرفي تعملي حاجة في المطبخ يا ياسمين ! كنتِ قوليلي وأنا هشتري الكحك زي ما بنعمل كل سنة .. كنا هنموت مخنوقين
ثم نظر إلى «هانم» وقال بعتاب :
- وأنتِ يا هانم ازاي طاوعتيها على كدا ؟
أشارت إلى «ياسمين» وقالت بتوتر :
- ست ياسمين هي اللي أصرت
نظرت إليها «ياسمين» وأشارت إلى نفسها قائلة :
- بتفتني عليا يا هانم ! بتبيعيني من أول قلم كدا ؟
دلفت الصغيرة رقية إلى المطبخ وهي تقول بعدم رضا :
- ايه ريحة الحريقة والدوشة دي كلها !
دلفت من خلفها «نايا» التي هتفت بشكل تلقائي دون أن تلاحظ وجود «زين» :
- ايه يا ياسمين أنتِ حرقتي الكح....
انتبهت لوجوده فتراجعت أما هو فرفع إحدى حاجبيه ليقول بتعجب :
- حتى أنتِ شاركتيها في الجريمة دي يا نايا
ابتسمت ابتسامة واسعة وأشارت الى «ياسمين» وقالت :
- هي اللي أقنعتني .. أنا بريئة وماليش ذنب
رفعت حاجبيها بتعجب وقالت بإعتراض :
- حتى أنتِ يا نايا بيعتيني من أول قلم .. طيب بعد اذنكم بقى شوفوا اللي اتحرق ده عقبال ما أعمل حاجة

على الجهة الأخرى كانت والدته تقوم بعمل الكحك بينما كان هو في غرفته يحدق بهاتفه ، تذكر كيف حصل عليه من البداية ، عاد بالزمن إلى هذا الموقف حيث كان يجلس بمكتبه وطرقت «ياسمين» الباب ، هتف بصوت مرتفع :
- ادخل
دلفت إلى الداخل وجلست على المقعد المقابل له قبل أن تقول بابتسامة :
- كدا مافاضلش غير آخر شركة هنتعاقد معاها وبكدا هنبقى فعلا ماسكين كل حاجة في مصر
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يقول بسعادة :
- فعلا .. الأيام اللي فاتت على اد ما كانت متعبة وكلها اجتماعات مع الشركات بس قدرنا في فترة صغيرة نعمل اسم كبير للشركة وبقى حلم أي موزع إنه يتعاقد معانا وده هيدينا الحق نحط الشروط اللي احنا عايزينها .. بعد العيد نمضي مع الشركة الألمانية ونبدأ في التخطيط للفرع التاني للشركة
شعرت بالسعادة داخلها وتنفست بأريحية وهي تنظر له قبل أن تقول :
- شكرا يا نائل .. من غيرك ماكانش كل ده ممكن يحصل ، أنا بعترف إنك غيرت الشركة 180 درجة للأحسن .. حد مكانك كان هيفرح بالمنصب وكان هيأدي دوره وشغله بس مكانش هيفكر ازاي يرفع الشركة زيك
وقبل أن يتحدث غيرت مجرى الحديث وقالت متسائلة :
- صحيح أنا لو عوزت أتصل بيك علشان لو حاجة حصلت أو كدا أتصل بيك إزاي ؟
رفع إحدى حاجبيه ونظر إليها لبضع ثوانٍ قبل أن يجيبها :
- الصراحة مافكرتش خالص أجيب موبايل خاصة إني مش بحتاجه خالص وقبل كدا ماكانش معايا تمنه أصلا
- ازاي بس .. لازم تحتاجه .. افرض حبيت تطمن على حد عندك في البيت ! افرض حصل حاجة في الشغل وأنا حبيت أكلمك ده غير أرقام ناس كتير في الشغل هتحتاج تسجلها وتكلمهم علشان تقدر تتعامل معاهم وكدا .. بص هات موبايل وهيكون على حساب الشركة
ثم ابتسمت وتابعت :
- علشان احنا يهمنا راحة كل اللي شغالين هنا
ابتسم ثم أخفى ابتسامته قبل أن يقول بجدية :
- هجيب موبايل بس على حسابي .. أنا الحمدلله اشتغلت فترة ومعايا فلوس وأقدر أجيب موبايل
شعرت بحرجه فقالت مسرعة :
- خلاص براحتك بس بشرط أنا اللي هنزل معاك تشتريه علشان أنا فاهمة في الموبايلات وكدا وعلشان محدش يضحك عليك
ضحك على جملتها الأخيرة وقال :
- طيب تمام .. بعد الشغل هروح البيت أجيب فلوس تكمل وننزل نشتريه

مر الوقت وعاد إلى المنزل ليجلب النقود وقامت هي بتوصيله بسيارتها ثم عاد إلى السيارة مرة أخرى وقال :
- يلا بينا .. أنا جاهز
قادت السيارة إلى إحدى المولات التجارية المشهورة وخرجت من السيارة قبل أن تشير له ، خرج هو الآخر ونظر حوله بإعجاب ، دلف إلى الداخل معها وأثناء سيره كان ينظر في كل مكان بتعجب وإعجاب في آن واحد ولاحظت هي ذلك قبل أن تقول :
- مالك مستغرب كدا ليه وبتلف حوالين نفسك
ابتسم ونظر لها قبل أن ينظر إلى المكان من حوله مرة أخرى وهو يقول :
- أول مرة أشوف أماكن زي دي .. ناس زي دي .. ياااه ده الواحد مش عايش على كدا
ضحكت على طريقته وقالت :
- كل واحد وحظه .. في بيتولد ويتعود على الأماكن اللي زي دي وفي اللي عمره ما شافها بس في فرق بسيط وهو إن اللي اتعود على الأماكن اللي زي دي مابيحسش بفرحة أو سعادة لمجرد المكان لكن اللي مااتعودش بمجرد ما يدخل مكان زي ده بيفرح وبيحس إنه في مكان مختلف وسعيد بس أقولك حاجة .. المهم مش الشكل ولا الغنى .. المهم نكون كويسين من جوانا وقلبنا يكون أبيض ساعتها هنملك العالم كله حتى لو كنا فقراء
أعجبه حديثها وهز رأسه بإعجاب قائلًا :
- عندك حق في كل كلمة .. المهم يكون جوانا نضيف وساعتها مايفرقش معانا فلوس ولا دنيا
قادته إلى محل كبير لبيع الهواتف المحمولة وعرضت عليه عدة أجهزة وهي تقول :
- ها تختار ايه
جاب بنظره لكي يختار بينهم حتى أعجبه هذا الهاتف فأشار إليه وهو يقول :
- ده شكله شيك وحلو جدا
اتسعت حدقتيها قبل أن تبتسم وتقول :
- ده ايفون 11 برو ماكس !! أنت عارف تمنه كام ده ؟
رفع إحدى حاجبيه بتعجب قبل أن يقول بتلقائية :
- بكام ؟
ضحكت وأشارت إليه قائلة :
- دي نسخة 512 جيجا ب 35 ألف جنية والنسخة الأقل في حدود 25 ألف
اتسعت حدقتيه بصدمة قبل أن يقول :
- ايه !! ليه بيطير ولا بيسافر بالزمن ؟
ضحكت على جملته وقالت :
- ولا بيطير ولا بيسافر بالزمن بس هو كدا غالي بس أنا عند كلامي .. ممكن أجيبهولك على حساب الشركة هااا ؟
هز رأسه بالنفي وقال بجدية:
- لا معلش أنا عايز أعتمد على نفسي ومش عايز مساعدات من حد لو مش هضايقك يعني
ثم ابتسم وقال :
- وبعدين مش أنتِ فاهمة ! اختاريلي حاجة كويسة وبسعر حنين شوية
هزت رأسها بالإيجاب وقالت مبتسمة :
- طيب يا سيدي وهو كذلك .. ايه رأيك في ده ؟ أحدث حاجة وسعره معقول وحلو

فاق من ذكرياته على صوت رنين هاتفه وكانت هي المتصلة ، ارتبك قليلا ولم يعرف ماذا يفعل لكنه في النهاية ضغط على زر الإجابة وقال :
- أنسة ياسمين ! ازيك ؟

***

تحرك بخطوات متمهلة إلى المقعد الخاص به ، كان المكان شديد الظلام لكن ما يضيئه أضواء الشموع التي كانت موزعة بشكل منظم في كل مكان ، كان يرتدي سترة طويلة باللون الأسود تغطي من أعلى رأسه لقدمه ، لم يظهر وجهه بشكل واضح بسبب هذا الظلام لكنه يظهر عليه الهيبة والوقار ، جلس أخيرا على المقعد المخصص له قبل أن يحضر أحدهم «ج» وينحني إليه وهو يقول :
- انتهى الاجتماع ويرغب الجميع في الرحيل ، هل تأمر بذلك ؟
رفع «ع» رأسه بشموخ ونظر إليه قائلًا :
- أنا صاحب العهد والميقات آمرك بأن تسمح لهم بالرحيل ولكن قبل ذلك هل تشكك في قدرتي على تنفيذ العهود ؟
توتر «ج» قليلا لكنه حاول إخفاء ذلك قبل أن يقول :
- لا يشكك أحد في قدراتك يا صاحب العهد والميقات .. أنت أملنا في النجاة ومحرر العهود ، إذا أمرت بأن نضحي بأرواحنا لك سنفعل ذلك دون تردد
ابتسم وعاد بظهره إلى الخلف ثم وضع قدما فوق الأخرى قبل أن يقول :
- أعرف هذا جيدًا لكن على صاحب العهد تجديد عهده كل يوم وكل ساعة ولتجديد هذا العهد يجب على العهد الثالث أن يُنفذ ، العهد الثالث يجب تنفيذه ...
انحنى «ج» مرة أخرى قبل أن ينزل على إحدى ركبتيه ويرفع رأسه للأعلى قائلًا :
- عهد نيران الأول تم تنفيذه .. عهد فهد الثاني تم تنفيذه .. عهد زين الثالث سيتم تنفيذه ، لتبقى العهود حاضرة وليبقى حامي العهود حاضرًا ولتبقى أرواحنا دائمًا مسيطرة .. حان الوقت وحان الزمان لكي تُحقق العهود وتختفي الأوزان ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الخامس والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

"العهد الثالث"

فاق من ذكرياته على صوت رنين هاتفه وكانت هي المتصلة ، ارتبك قليلا ولم يعرف ماذا يفعل لكنه في النهاية ضغط على زر الإجابة وقال :
- أنسة ياسمين ! ازيك ؟
ابتسمت وقالت بهدوء :
- الحمدلله بخير ، ازيك أنت .. كل سنة وأنت طيب
ابتسم رغمًا عنه وهو يجيبها :
- وأنتِ طيبة وبخير وسلامة .. صحيح كويس إني افتكرت علشان نسيت أسألك الصبح
رفعت إحدى حاجبيها قائلة :
- تسألني عن ايه؟
تنفس بأريحية قبل أن يقول :
- هي إجازة العيد أول يوم بس ولا أيام العيد كلها علشان أبقى عارف بس ؟
ضحكت وأجابته بغموض :
- أنت شايف ايه؟ أول يوم بس ولا الأيام كلها
صمت قليلًا لكي يفكر ثم أجابها :
- الأيام كلها ! على ما أعتقد يعني
تابعت بنفس الابتسامة :
- خلاص اديك جاوبت على نفسك أهو ، صحيح قُل لي عارف تستخدم الموبايل وتتعامل معاه ولا لسة زي ما أنت بتعرف تسجل أرقام وتتصل بس ؟
ضحك وقال بتلقائية شديدة :
- والله زي ما أنا ولا فاهم فيه حاجة .. قدامي طول الوقت ومش عارف أعمل فيه ايه أو حتى ألعب عليه ازاي كل اللي عرفته ازاي أتصور سيلفي زي البشر غير كدا مركون .. مش عارف الناس اللي بتفضل 24 ساعة ماسكين الموبايل ومش بيزهقوا دول بيعملوها ازاي
ضحكت وأجابته :
- عندهم نت وأكونت على الفيسبوك والواتساب ده غير الألعاب وباقي الابلكيشن الكتير .. بعد العيد هفهمك ازاي تتعامل معاه وهعملك أكونت على الفيسبوك
هز رأسه بالإيجاب وقال :
- إن شاء الله

انتهت المكالمة بينهما ونظر كل منهما إلى الفراغ وداخلهما سعادة لا يعرفان مصدرها.

***

مر الوقت وانتهت صلاة العيد وعاد «طيف» بصحبة عائلته إلى المنزل ونظر إلى الأعلى قبل أن يقول بأريحية :
- أنا نفسي مفتوحة أوي .. عايز آكل .. ريلي عايز أكل جامد
نهضت والدته واتجهت إلى المطبخ وهي تقول :
- غيروا هدومكم عقبال ما أحضر الفطار أنا ورنة
أسرعت «نيران» ولحقت بها وهي تقول :
- استني يا ماما أنا هساعدكم
بقى هو ووالده فقط فحاول الهروب قبل أن يفتح هذا الموضوع عليه مرة أخرى ، نهض من مكانه لكن أوقفه والده قائلًا :
- استنى يا طيف ماتهربش .. أنت متحاصر
التفت ورفع إحدى حاجبيه قبل أن يقول :
- كله متحاصر ؟ ايه يا بابا هو حد قالك إني تاجر حشيش .. أهرب ايه بس
اتجه إليه وجلس بجواره مرة أخرى وتابع :
- ايه عايزني أجيبلك كحك ! ولا أنت صح بتحب البسكويت
وقبل أن ينهض مرة أخرى أمسك والده معصمه وقال :
- اقعد هنا عايز أكلمك
جلس مرة أخرى ونظر إلى والده بحاجبين مرتفعين قائلًا :
- ماذا ! لمَ تلك النظرات ؟ أتفكر حقا في قتلي ؟
ضربه بخفة على رأسه وقال :
- اسمعني أنا بتكلم بجد .. أنا عايزك ترجع الفريق تاني خصوصا بعد ما أنت كملت تدريبك على ايد حازم .. أنت دلوقتي جاهز وأنا محتاجك جدا وماتقلقش رماح مش هيبقى له دعوة خالص بيك .. أنت هتاخد الأوامر مني أنا بس
صمت قليلًا لكي يفكر في الأمر لكنه أعرب عن رفضه وقال :
- مش حكاية رماح يا بابا .. مش عارف أوصلك قصدي ازاي بس حكاية الفريق دي صعبة جدا ومهماتها أصعب .. في لحظة كنا بننفذ مهمة برا مصر وكنت هروح فيها وأنا بدافع عن نيران ولولا ستر ربنا كان زماني انتقلت إلى الرفيق الأعلى .. أنا في مكاني كدا كويس لو في خطر تمام ولو في قضية عادية تمام برضه
لم يفهم والده مقصده فهنا خطر وهنا خطر ! حاول فهم السبب الرئيسي لكنه لم يستطع ، نظر إليه ورفع حاجبيه بتعجب وأردف :
- مش فاهمك يا طيف ! أنت كدا يعني مش في خطر ؟ أنت في الفريق زي ما أنت كظابط شرطة عادي .. الفرق إن الفريق بينفذ مهمات صعبة شوية وبرضه ده مش سبب .. أنت المفروض قبل ما تدخل شرطة عارف إن روحك شايلها بين ايدك ومهدد في كل ثانية إنك تموت !! ولا أنت فاكرها شغلانة سهلة وخلاص ! طيف أنت المفروض تحمي الناس وتحمي بلدك وممكن تعمل مهمة صعبة في الفريق وربنا ينجيك وتيجي في مهمة سهلة جدا كظابط عادي وتموت .. مش بالصعوبة ، ربنا لو مقدرلك تموت دلوقتي وفي اللحظة دي مش هتقدر تهرب من ده ولو خايف على فراق نيران فده قدر ربنا ، دي حياتنا كرجال شرطة ولازم تبقى عارف ده كويس .. أنت قدرك تبقى مهدد طول الوقت بأنك تفقد حياتك علشان تحمي الناس وتحافظ على بلدك ولو فقدت حياتك يبقى يابختك بقيت شهيد .. أنت عارف ! أنا بتمنى كل يوم أموت وأنا بأدي خدمتي كظابط شرطة علشان أبقى شهيد ومش هاممني الدنيا ولا الحياه دي .. هل معنى كدا إني مش بحبك أو بحب تنة ورنة أو حتى أسماء !! مش بالمنطق ده خالص ، لازم تفكر يا طيف وتقرر هل هتقبل حياتك كظابط شرطة ولا هترجع دكتور تاني ولو اخترت إنك تكون ظابط شرطة يبقى تعمل كل اللي قلته وتسيب كل حاجة بايد ربنا وتأدي شغلك على أكمل وجه ولو ربنا قدر واستشهدت مش هتخسر نهائي بالعكس أنت هتكون كسبت كتير أوي
فكر في كلام والده الذي أثر فيه كثيرا ثم نظر إليه واتخذ قراره قبل أن يقول بابتسامة :
- موافق يا كبير .. هنضم الفريق وهعمل كل ده ، أما أروح بقى أفتح الفريزر يمكن ألاقي أيس كريم ولا حاجة
بالفعل نهض وفتح الباب فتفاجأ بوجود الكثير ، نظر خلفه وردد بصوت مرتفع :
- ايه ده يا رنة أنتِ عاملة حفلة أيس كريم ولا ايه؟
أجابته بصوت مرتفع من الداخل :
- أيوة عملت حسابكم كلكم علشان نايبي مايتاكلش زي كل مرة .. على الله يطمر فيك

***

عاد إلى الفيلا بصحبة شقيقتيه وخطيبته وصاح بصوت مرتفع :
- يا هااانم .. إنني أتضور جوعا
نظرت إليه «ياسمين» ورفعت حاجبيها قائلة :
- ياابني هانم أخدت إجازة ال3 أيام بتوع العيد ومشيت قبل الفجر أنت عندك زهايمر ولا ايه؟
خبط بيده مقدمة رأسه وقال :
- اوبس .. كدا مفيش حد يعمل أكل ، هطلب دليفري .. عايزين بيتزا ولا شاورما؟
وقفت «ياسمين» وأشارت إلى «نايا» وهي تقول :
- ولا ده ولا ده .. أنا ونايا هنتهور وهنعمل فطار ، يلا يا نايا
تحمست كثيرا ونهضت من مكانها فنظر إليها «زين» قائلًا بترجي :
- لا بلاش .. علشان خاطري مش هيجيلي تسمم أول يوم العيد أنا ! أنا فرحي كمان أسبوع بليز
أصرت «ياسمين» وسحبت يد «نايا» واتجهت إلى المطبخ وهي تقول :
- قضي الأمر .. هنعمل الفطار يعني هنعمل الفطار
نظر إلى شقيقته الصغرى وقال باستسلام :
- جهزي رقم الإسعاف يا رورو علشان أول ما نحس بأعراض التسمم نتصل على طول وحطي الموبايل جنبك علشان مانفضلش ندور عليه واحنا بنموت
رفعت هاتفها وقالت بابتسامة :
- متقلقش أنا مجهزة كل حاجة والموبايل في ايدي

***

لم تعد إلى منزلها بعد أداء صلاة العيد واتجهت إلى فيلا ابن خالتها «جاسر» فوجدته يجلس بحديقة الفيلا شاردًا ، اقتربت منه وقالت متسائلة :
- ايه يا جاسر أنت ماصليتش العيد ولا ايه ؟
فاق من شروده ونظر إليها قائلًا :
- لا صليت ولسة جاي من شوية .. ايه ازيك محدش بيشوفك يعني
ابتسمت «نرد» وجلست أمامه وهي تقول :
- أنا موجودة بس سعادتك اللي ماكنتش مديني فرصة أكلمك فقلت أسيبك براحتك ، قُل لي بقى ايه اللي شاغل بالك .. شكلك زعلان أو متضايق !
نظر أمامه وتذكر ما حدث معه أو ما بدر من «هدير» تجاهه لكنه أخفى ذلك وقال :
- مفيش .. شوية مشاكل بس في الشغل ماتشغليش بالك أنتِ
هزت رأسها بالإيجاب ولم تضغط عليه أكثر من ذلك ، رسمت ابتسامة على ثغرها مرة أخرى وقالت :
- وأنا جاية كلمت دليفري وهيجيب أكل .. زمانه جاي دلوقتي أنت مش جعان !
رفع حاجبيه بدهشة وأجابها :
- تصدقي فعلا أنا هموت من الجوع
ابتسمت بسعادة وعادت بظهرها إلى الخلف وهي تقول :
- أنا عارفة إنك بتحب البيتزا علشان كدا طلبت بيتزا .. كل سنة وأنت طيب
بادلها الابتسامة وقال :
- وأنتِ طيبة .. خالتي عاملة ايه؟ وحشتني
- كويسة بس زعلانة إنك مش بتسأل .. وبتقول إن شكلك نسيت إن ليك خالة
نظر إلى نقطة بالفراغ واختفت ابتسامته ليعلن عن حزنه وألمه قبل أن يقول :
- معلش غصب عني ، بعد موت ماما حسيت إني في دوامة كبيرة أوى واللي طلعني منها بابا .. ساعتها طلب مني أشتغل معاه وأركز وفعلا مسكني كل شغله وبقت شغلتي في الحياه إنى أشتغل وأشتغل علشان ماأفكرش في حاجة تانية .. لغاية ما قابلتها ويارتني ما قابلتها ...

***

مر يومان وجاء اليوم الثالث ، ارتدى «طيف» ملابسه ونظر إلى نفسه في المرآة قبل أن يبتسم ويقول :
- الله على شياكتك ياض يا طيف
خرجت «نيران» من غرفتها فالتفت ليجدها أمامه وعلى وجهها ابتسامة خفيفة ، اقترب منها بهدوء إلى أن وصل إليها وأمسك كلتا يديها بحب وهو يقول :
- ايه الجمال ده ! أنا بقول نسيبنا من الفرح اللي رايحينه ده ونبقى مع بعض يا قطتي
رفعت وجهها بهدوء ونظرت إلى عينيه قائلة :
- يلا نروح أنا عايزة أشوف شكل الأفراح وبعدين صاحبك ده ممكن يزعل صح ولا ايه !
هز رأسه بالإيجاب ورفع يدها ليقبلها ثم ردد :
- عندك حق النهارده فرح غيث وليان ودول أصحابنا في الفريق ، أقولك حاجة بس ماتقوليش لحد
رفعت إحدى حاجبيها قائلة :
- مش هقول .. حاجة ايه ؟
ابتسم وقال :
- بعد ما الفرح يخلص هنهرب منهم وهوديكي مكان فيه أسرار كتير أوي
لمعت عينيها بسعادة وهتفت بفضول :
- مكان ايه ؟ فيه أكشن وكدا ؟
هز رأسه بالإيجاب وقال :
- أيوة ، يلا اسبقيني على تحت وأنا هجيب حاجة وأحصلك

بالفعل تحركت وتابعها هو بعينيه المشتعلتين ، كان الشر ينبعث منهما لكنه تمالك نفسه حتى تمر تلك الليلة ويقوم بإنهاء ما بدأه منذ وقت طويل ، لابد من وضع نهاية للأمر .. لابد من إنهاء الأمر سريعا قبل أن يجد نفسه دُمية لهم ، وقف قليلا يفكر من هؤلاء وما هي خطتهم لكنه لم يجد إجابة واضحة لكنه سيسعى للحصول على إجابة تلك الليلة

***

"قبل ساعات تحديدا في السادسة صباحًا من هذا اليوم"

- الو مين معايا !!
لم يتلق إجابة فأعاد سؤاله مرة أخرى لعله يتلقى رد :
- مين معايا ؟
كان الوضع تلك المرة مختلفا، سمع صوتا خفيفا لكنه لم يعرف مصدره فحاول تركيز سمعه ليميز هذا الصوت فوجده صوت أقرب لخطوات القدم ، ود لو يستطيع إغلاق المكالمة لكنه لم يستطع فهذا الرقم ليس بغريب عليه ، مل من الانتظار وقرر إنهاء المكالمة في الحال لكنه تفاجأ بصوت واضح يقول بنبرة غريبة :
- طلب رقم اثنان تحول إلى رقم ثلاثة
عقد حاجبيه بدهشة وهو يحاول تفسير ما قاله لكنه لم يفهم مقصده فسأله بحاجب مرتفع :
- طلب ايه واتحول ايه؟ مين معايا
ظهر الصوت مرة أخرى ولكن بجملة مختلفة :
- تم تنفيذ الطلب ، مقدار العائد واحد ونصف
نزع الهاتف من على أذنه ونظر إليه بتعجب فوجد الرقم قد اختفى وانتهت المكالمة ، خرج من القائمة وولج إلى المكالمات الواردة ليرى هذا الرقم وبالفعل حصل عليه وتوجه إلى تطبيق شهير ليعرف لمن هذا الرقم ، وضع الرقم فظهر هذا الاسم الغريب والذي لم يفهمه "العهد الثالث (طلب رقم اثنان تحول إلى ثلاثة)"
ضحك وخرج من التطبيق وهو يقول لنفسه :
- هي ناقصة جنان على الصبح ، ناس فاضية
ترك الهاتف وقرر إنهاء ارتداء ملابسه لكنه استمع لصوت رنين هاتفه مرة أخرى وتلك المرة كان رقمًا مختلفًا وفي نهايته رمز قفل ، ارتفع حاجباه بتعجب فـ هو لم يرَ رقمًا مثل هذا من قبل وقرر الإجابة :
- أيوة ؟
- طلب رقم ثلاثة ، سيقوم المُنفذ بسحب العينة .. ستسمع طرقات على باب منزلك الآن ، قم بتستلام الطلب
وفي تلك اللحظة استمع طرقات على باب غرفته فبدل نظراته بين هاتفه وبين الباب بتعجب ، اتجه إلى الباب وفتحه بحذر وما إن فتحه حتى ظهر هذا الرجل المُلثم أمامه ومد يده بسلاحه وأطلق رصاصة اخترقت جسده لتوقعه أرضًا في الحال
ألقى بالسلاح ثم أشار إلى جثته وهو يقول :
- طلب رقم ثلاثة تم التنفيذ ، مقدار العائد واحد ونصف .. جاري سحب العينة

***

وصل الجميع إلى القاعة واتجه اللواء «أيمن» إلى «غيث» الذي وقف في الحال ورحب به بشدة قائلًا :
- سيادة اللواء والله نورت القاعة كلها
ابتسم «أيمن» وربت على كتفه بحب قائلًا :
- الف مبروك يا عريس .. ربنا يسعدكم
اقتربت «ليان» هي الأخرى وقالت بسعادة :
- سعادتك نورت المكان كله
هز رأسه بابتسامة قائلًا :
- تسلمي يا ليان .. ربنا يتمم ليكم على خير ومش عايزين الجواز ياخدكم مننا .. يادوب أسبوع علشان داخلين على شغل جامد جدا
- طبعا طبعا يا سيادة اللواء
اقترب طيف وبارك هو الآخر للعروسين ثم اتجه نيران وجلس بجوارها ، لاحظ والده نظراته المجهولة لها فرفع حاجبيه متسائلًا :
- في حاجة يا طيف ؟
نظر إلى نيران لمرة أخيرة ثم نظر إلى والده قائلًا :
- مفيش حاجة يا بابا .. مفيش حاجة
مرت ربع ساعة قبل أن ينهض بشكل مفاجئ ثم نظر إلى والده وقال :
- بابا أنا هضطر أروح مشوار كدا أنا ونيران .. وهنروح من برا برا ..
شعر «أيمن» بوجود سبب مريب لأنه لم يعتد تلك النبرة الجادة في صوت «طيف» مما جعله يقطب جبينه بدهشة وهو يقول :
- في حاجة ؟ متخانق أنت ونيران !! فهمني
رسم إبتسامة كاذبة ونظر إلى «نيران» قائلًا :
- لا أبدا أنا بس عامل مفاجأة لنيران وكنت واعدها من الصبح .. صح يا نوني ؟
وقفت ونظرت إليه بسعادة ثم نظرت إلى «أيمن» الذي ازداد خوفه وقلقه وقالت :
- أيوة يا بابا .. طيف قالي عاملي مفاجأة ، يلا باي
وأمسكت بيد «طيف» ثم سحبته إلى الخارج ، ظل يتابعهم بنظراته وازداد خوفه أكثر وأكثر عندما لاحظ بروز المسدس الخاص بـ «طيف» أسفل سترته التي يرتديها.

***

ملأت قوات الشرطة الفيلا وصور أحدهم بقعة الدماء التي توجد أمام غرفته بينما انشغل الباقون بسحب البصمات من كل مكان ، اتجه «طارق» إلى «ياسمين» التي كانت جالسة على مقعد بإحدى الأركان وتبكي بشدة وصوت مرتفع ، تردد في التحدث معها وهي بتلك الحالة لكنه اتخذ قراره وقال متسائلًا :
- لو سمحتِ يا أنسة ياسمين ممكن أسألك كام سؤال علشان يساعدنا ؟
مسحت دموعها بصعوبة وحاولت التماسك وهي تقول :
- اتفضل ..
جلس على المقعد المقابل لها وقال :
- سيادة الرائد زين ماقالش حاجة امبارح أو كان متغير ! وهل النهارده سمعتوا صوت غريب في الفيلا .. حرامي مثلا أو حصلت حاجة مريبة الفترة اللي فاتت
مسحت دموعها مرة أخرى وهزت رأسها بالنفي وهي تقول بصوت ممزوج بالبكاء :
- لا ماسمعناش أي صوت غريب الصبح وماقالش حاجة ومفيش أي حاجة مريبة حصلت الفترة اللي فاتت بالعكس ده كان فرحان طول اليومين اللي فاتوا جدا علشان فرحه كان النهارده
ازداد بكاؤها وتابعت :
- ليه يحصل كدا يوم فرحه ! ليه يتحرم من الحاجة اللي بقاله عمر بيتمناها !! أنا مش عارفة هل هو اتخطف ولا مات ولا حصل ايه .. أرجوك رجعهولي أنا ماليش غيره في الدنيا دي
نظر إلى الأسفل بتأثر ثم رفع بصره مرة أخرى وقال بهدوء :
- هيرجع إن شاء الله ، أوعدك إنه يرجع تاني ومايكونش حصله حاجة ..

***

كان يقود سيارته ولا يتحدث ، كان ينظر إلى الطريق بوجه شارد وكأنه يفكر بالذي سيحدث بعد دقائق ، نظرت هي له بتعجب فهي لم تعتاد هذا الصمت منه ، نظرت إليه ورفعت حاجبيها متسائلة :
- طيف أنت ساكت كدا ليه! هي مفاجأة وحشة ولا ايه
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وقال :
- بالعكس دي هتعجبك أوي .. مش هتتخيلي أنا عرفت وفهمت وكشفت في وقت صغير ازاي
حاولت فهم حديثه الذي يبدو وكأنه لغز لكنها لم تستطع وشعرت بقليل من القلق الذي تسرب إلى قلبها قبل أن تقول :
- هو لغز ده ولا ايه ! أنا كدا قلقت على فكرة
ابتسم بسخرية ونظر إليها نظرة لم تفهم معناها ونظر إلى الطريق أمامه وهو يقول :
- ماتستعجليش .. هانت كلها خمس دقايق ونوصل وتفهمي كل حاجة
صمت قليلًا وتابع :
- وكلنا نفهم كل حاجة .. المجهول والايد الخفية وحتى اللعبة ، أخيرا هنفهم يا حبي
ازداد خوفها ونظرت إلى الطريق أمامها بقلق ، فتحت حقيبتها وسحبت هاتفها فنظر إليها قائلًا :
- بتعملي ايه ؟
نظرت إلى هاتفها ثم نظرت إليه :
- هكلم ماما اتطمن عليها عقبال ما نوصل
ضحك وسحب الهاتف من يدها ووضعه أمامه وهو يقول :
- خليها بعد المفاجأة .. مش عايز حد يشاركنا الليلة المميزة دي
أوقف سيارته أخيرا وترجل منها وانتظر خروجها ، نظر إليها وقال :
- ايه يا نوني مش هتخرجي ولا ايه ؟
تركت حقيبتها وترجلت هي الأخرى من السيارة ونظرت حولها فوجدتها منطقة شبه مهجورة ، لم تجد أحد فنظرت إليه وقالت بتردد :
- أنا بخاف من الأماكن اللي مافيهاش ناس وضلمة دي ! يلا نمشي من هنا
التف حول السيارة وأمسك يدها بهدوء قائلًا :
- ماتخافيش طول ما أنتِ معايا يا حبيبتي
اصطحبها واتجه إلى بناية سكنية وصعد طابق واحد قبل أن يخرج المفتاح من جيب بنطاله ويضعه في الباب ، أدار المفتاح وفتح الباب ثم ضغط على زر بالحائط وأضاء المكان ، أشار بيده إلى الداخل وقال :
- ادخلي
دلفت إلى الداخل بتردد وخوف وما إن تقدمت بضع خطوات حتى أغلق الباب وأخرج سلاحه ووجهه إلى رأسها وهو يقول :
- أنتِ مين ؟
تسارعت أنفاسها بخوف شديد ونظرت إليه بقلق وهي تقول :
- أنت بتعمل ايه يا طيف ! أنا مش فاهمة حاجة ؟
شد أجزاء مسدسه بحركة عنيفة ثم وجهه إلى رأسها مرة أخرى وقال بغضب وصوت مرتفع :
- بقولك انطقي !! أنتِ مين ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السادس والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

"العهد الرابع"

دلفت إلى الداخل بتردد وخوف وما إن تقدمت بضع خطوات حتى أغلق الباب وأخرج سلاحه ووجهه إلى رأسها وهو يقول :
- أنتِ مين ؟
تسارعت أنفاسها بخوف شديد ونظرت إليه بقلق وهي تقول :
- أنت بتعمل ايه يا طيف ! أنا مش فاهمة حاجة ؟
شد أجزاء مسدسه بحركة عنيفة ثم وجهه إلى رأسها مرة أخرى وقال بغضب وصوت مرتفع :
- بقولك انطقي !! أنتِ مين ؟
تراجعت إلى الخلف بهدوء وهي تقول بتعجب :
- أنت اللي بتسألني ! المفروض أنا اللي عارفة الإجابة صح ؟ لو فاكر أنا اللي لما شوفتك سألتك نفس السؤال اللي هو أنا مين ! ساعتها أنت اللي عرفتني على نفسي بعد ما كنت ناسية كل حاجة حتى ناسية نفسي ولما أنت جاوبتني قلت تمام أنا هحاول أعيش طبيعية باسمي ده يمكن فعلا كان عندي حياه تانية وفعلا عملت كدا وكنت طبيعية جدا .. تنكر إني كنت بتعامل كأني أعرفك من زمان ! ده أيوة كنت حاساه لكن الإحساس لوحده مايكفيش .. إحساس إنك بتحس بالأمان مع شخص أنت ماتعرفهوش صعب .. هو حلو لكن تقنع نفسك إنك كنت ماضيه ولازم تعيش الحاضر بتاعه ، أنت بتسألني على أساس ايه ها ؟ أنا اللي بسألك دلوقتي أنا مين ؟
هز رأسه بالنفي وهو مازال موجها مسدسه إلى رأسها وقال بغضب وصوت مرتفع :
- معرفش !! معرفش أنتِ مين .. كل اللي عرفته إن احنا كلنا اتضحك علينا .. اتلعب بينا كأننا لعبة واتحكموا فينا واحنا فاكرين إننا ماشيين الطريق للآخر بنفسنا .. شوية انتشر مرض وخوف ورعب وشوية حياتنا باظت وفجأة أنتِ ظهرتِ من تاني أنتِ وفهد ! ليه ظهرتوا ؟ ايه اللي حصل أصلا ! ليه الغموض ده ؟ جاوبيني ليه؟
انهمرت دموعها واقتربت منه أكثر حتى التصق السلاح برأسها وقالت :
- أنا معرفش بس لو موتي هيريحك أنا ماعنديش مانع .. أنا أصلا تعبت .. تعبت من تمثيل إني عادية وعايشة حياتي القديمة عادي .. تعبت من محاولات التفكير المستمرة في الماضي اللي مش عارفاه .. تعبت من إن الكل عارفني وأنا مش عارفاه ، اتفضل اقتلني علشان أستريح .. دوس على الزناد ، رصاصة واحدة هتريحك وهتريحني
ارتفع صوتها الممزوج بالبكاء :
- اضرب .. ساكت ليه ؟ قلبك مش مطاوعك ! هات المسدس وأنا هخلصك من نفسي لو مش عايز ايدك تتغرق بدمي ، هات المسدس !
تراجع بضع خطوات إلى الخلف وهو يحرك رأسه حركات عشوائية وتساقطت دموعه وهو يقول :
- لا لا في حاجة غلط ، في حاجة غلط .. أنا مش فاهم حاجة .. دماغي هتنفجر ! دماغي مش مستوعبة اللي بيحصل ! لو أنتِ بريئة مين له ايد في ده ؟ والشريحة ازاي زرعوها ؟ الوشم كمان ! ده كله مالهوش علاقة ؟ لا لا
في تلك اللحظة دلف «غارم» إلى الداخل وردد بابتسامة :
- عمرك ما هتفهم ولا هتقدر تميز .. عمرك ما هتقدر توصل للحقيقة اللي بدايتها احنا ونهايتها إحنا برضه ، عمرك ما هتعرف احنا مين وبنعمل كدا ليه بس أنا هخليك تشوف وتفهم بنفسك .. هخليك تشوف الحقيقة زي ما نيران شافتها وفهد شافها .. أنت العهد الرابع يا طيف ، بمجرد ما تشوف الحقيقة أنت اللي هتطلب ده .. أنت اللي هتطلب التطهير .. هتطلب حياه نقية أنت اللي اخترتها بنفسك ، نيران شافت وطلبت ده واظن إنك هتعمل نفس ما هي عملت لأنكم رابط قوي والرابط القوي بيبين الحقيقة من الوهم

بدل طيف نظراته بين «نيران» التي كانت تنظر إلى الأرض و «غارم» الذي كان ينظر إليه بابتسامة وكأنه ينتظر إجابة منه وحرك رأسه عدة مرات بعدم تصديق وهو يقول :
- الحكاية مش زي ما اتوقعتها خالص ، مش زي ما ربطتها وحليت ألغازها الواقع مختلف كتير
ثم ثبت مكانه ونظر إليه قائلًا :
- بس أنا مستعد أشوف وأفهم .. مستعد أنفذ العهد الرابع ده ، أنا موافق اجي معاك
اقترب «غارم» وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لم تختف ووضع يده على رأس «طيف» وهو يقول :
- كنت متأكد إنك هتعمل كدا وهتفهم في النهاية ، كنت متأكد إنك هتنضم لينا وتنفذ العهد
ثم رفع رأسه إلى الأعلى وقال :
- الآن يُنفذ العهد الرابع ، الآن ينتهي عهد العهود

***

اقترب منها بحب وضم وجهها بين يديه وهو يقول :
- أخيرا يا ليان بقينا لبعض ، أخيرا اتجوزنا وبقينا في بيت واحد أنا مش مصدق نفسي ولا مصدق إننا هنا
ابتسمت ونظرت إلى عينيه بحب وكأنها تشبع نظراتها منه ثم قالت :
- رغم صعوبة كل اللي مرينا بيه وصلنا للنقطة دي وهي جوازنا ، عمري ما هنسى ازاي أنت سرقت قلبي ووقعتني في حبك ، عمري ما هنسى أنت خرجتني من الضلمة اللي كنت فيها ازاي .. أنت ملاكي يا غيث .. أنت ملاكي اللي أنقذتني من الشياطين اللي حواليا
ضمها إلى صدره بحب وقال :
- وأنا ملاكك اللي هيضحي بعمره علشانك طول الوقت ، هفضل جنبك وهتفضلي في قلبي لآخر لحظة في عمري ...

***

عاد إلى الفيلا بعد انتهاء حفل زفاف شقيقته وصعد إلى غرفته ثم ألقى بجسده على السرير ، نظر إلى الأعلى وشرد للحظات قبل أن يطرق والده الباب ويدخل ، جلس على حافة السرير ونظر إلى ولده قائلًا :
- مالك يا يوسف ؟ حتى في الفرح بتاع أختك كنت سرحان وحسيتك مخنوق مع إن ده أكتر وقت المفروض تبقى فرحان فيه ؟
هز رأسه ونظر إلى الفراغ وهو يقول :
- مش عارف يا بابا ، حاسس بملل رهيب .. حاسس إننا غلط أو مشينا طريق غلط .. حاسس إني ظلمت ياسمين علشان نوقع شركتها ولو جينا نبص على السبب هنلاقي إن مفيش سبب أصلا ! أبوها كان مجتهد جدا ووصل الشركة لمكان احنا ماوصلناش له ، هو ماعملش حاجة هو يادوب اشتغل واجتهد لكن احنا حقدنا عليه وعلى أساسه اتربى فينا الكره ده كله .. تقدر يا بابا تفهمني سبب كرهنا ده ! أو حتى تقنعني بسبب غير اللي قلته ده ؟
تعجب من طريقة تفكير ابنه مما دفعه لأن يبث سمه إلى داخل رأسه مرة أخرى قائلًا :
- ماظلمناش حد .. أبو ياسمين كان على طول بياخد مننا صفقات كتير زي ما يكون قاصد يعادينا .. احنا اللي اتظلمنا كتير أوي ولسة أصلا ماأخدناش حقنا ، مايغركش إنها عملت غلبانة أو حتى صعبت عليك ، ياسمين دي تعبان .. شيطان متنكر في هيئة بشر زي أبوها وماشية على خطاه ، دي ما صدقت خدت نائل لحضنها علشان تعادينا أكتر وأكتر وللأسف نجحت في ده والشركة بقت من أكبر الشركات في مصر خلال شهر واحد بس وتقريبا اتعاونوا مع معظم الموزعين وده كله مااتسجلش على سيستم الشركة لأنهم عرفوا إنك دخلت مكتبها ومعانا كل معلومات الشركة .. حتى لو حاولنا نوقع الشركة دلوقتي بالمعلومات اللي معانا مش هنعرف لأن ببساطة الشركة بقت متعاونة مع أكبر الشركات في العالم وده كله متسجل على أوراق مش الكتروني .. فهمت سبب العداوة !! اوعى قلبك يحن .. عايزين ندمر الشركة دي وده مش هنعمله غير لو كسبنا نائل
رفع حاجبيه بتعجب وهو يقول :
- نكسب نائل ! حضرتك بتفكر في ايه ؟

***

مر اليوم واستيقظ مبكرًا بنشاط كبير ثم اتجه إلى منزل «وحيد» الذي تعجب من حضوره مبكرًا فهو دائمًا ما كان ينتظره أمام منزله أما الآن تبدل الحال ، لاحظ نشاطه وتحمسه إلى العمل فنظر إليه وقال بابتسامة :
- مالك يا نائل شايفك النهارده ما شاء الله مبسوط وحاسك متحمس أوي
ابتسم «نائل» وتنفس بأريحية قبل أن يوضح له قائلًا :
- مفيش بس حاسس إن الشغل ده ربنا بعتهولي طوق نجاه .. بدل حياتي وبدل ما كنت على طول زعلان وشايل الهم بقيت مطمن وفرحان .. هو ده اللي مفرحني وهو إني أخيرا مابقتيتش شايل هم ولا زعلان .. الحمدلله
ربت على كتفه بحنو وأردف :
- ربنا يديم عليك راحتك وسعادتك ويرزقك كمان وكمان .. أنت طيب وابن حلال وتستاهل كل خير

وصلا إلى الشركة واتجه «وحيد» إلى الكافيتريا بينما توجه «نائل» إلى مكتبه وظل به لدقائق وهو يفكر في الذهاب إلى مكتبها ، فكر كثيرًا في الذهاب لكنه كان يمنع نفسه إلا أن قرر الذهاب بحجة سؤالها عن طبيعة استئناف العمل وبالفعل
اتجه إلى مكتبها وطرق على الباب وانتظر للحظات لكنه لم يستمع لإجابة فحاول فتح الباب بيده لكنه تفاجأ أنه مُغلق وهذا يعني أنها لم تحضر ، ظن في البداية أنه أتى مبكرا لكنه عندما نظر إلى الساعة وجدها قد تآخرت بالفعل.

عاد إلى مكتبه مرة أخرى وبداخله قلق ، حاول هو متابعة العمل حتى تأتي وبالفعل انشغل كثيرا في العمل حتى تخطت الساعة الحادية عشرة والنصف ، نظر إلى الساعة واتسعت عينيه بصدمة ثم قرر الذهاب إلى مكتبها مرة أخرى لكنه لم يجدها ! ، عاد إلى مكتبه مرة أخرى وفكر في مهاتفتها لكنه تراجع عن تلك الفكرة في الحال وظل هكذا حتى رُفع أذان الظهر فاتجه إلى المسجد المرفق بالشركة وأدى صلاة الظهر وبعدما انتهى اقترب من «وحيد» وقال بقلق :
- عم وحيد هي أنسة ياسمين مش هتيجي النهاردة ولا ايه
حاول إخفاء قلقه واستطرد :
- أصل في ورق مهم جدا عايز اخد رأيها فيها ده غير الميتينج بتاع بكرا
رفع كتفيه بتعجب وأجابه :
- والله ما عارف ياابني .. هي أصلا أول مرة ماتجيش الشركة من ساعة ما مسكت ، لعل اللي منعها تيجي خير
نظر «نائل» أمامه مرة أخرى وردد بخفوت :
- يارب تبقى بخير

***

" قبل ساعات وتحديدًا الثالثة فجرًا "

نظرت إلى المسدس الخاص بـ «طيف» حيث كان ملقى أمامها على الأرض فجلست على ركبتيها وظلت محدقة به لثوانٍ قبل أن تقرر إنهاء حياتها والتوقف عند هذا الحد ، بالفعل أمسكت به بيدها التي كانت ترتجف من شدة الخوف والقلق ثم رفعته إلى رأسها وسقطت دمعة من عينيها ...

استطاعت قوات الشرطة الوصول إلى مكان «نيران» عن طريق هاتفها الذي تركته بداخل سيارة «طيف» وقاموا بتمشيط المنطقة بالكامل حتى يتم العثور عليها هي و «طيف» وكان ذلك أمر من اللواء «أيمن» الذي شعر بوجود شيء ما يحدث ولا يعرف شيء عنه ، داهمت قوات الشرطة بقيادة «رماح» إحدى الشقق المهجورة وتفاجأ الجميع بوجود «نيران» التي كانت على وشك إطلاق الرصاص على رأسها ، انطلق «رماح» بسرعة إليها وسحب السلاح من يديها ونظر إليها بتعجب :
- أنتِ بتعملي ايه يا نيران ! فين طيف وازاي كنتِ عايزة تعملي كدا ؟
نظرت إليه بحزن ولم تستطع الرد فاقتربت منها «فاطمة» التي ساعدتها على الوقوف واصطحبتها إلى الخارج بينما وقف «رماح» ونظر حوله بحثًا عن أثر لـ «طيف»

لم تكف عن البكاء ونظرت إلى زوجها للمرة الثالثة وهي تقول بقلق وخوف شديدين :
- بالله عليك يا أيمن طمني .. أنا مش عارفة كل ده كان مستخبيلي فين بس
اقترب منها وربت على كتفها بحب ثم قال :
- ماتقلقيش يا أسماء وصلنا لمكانهم وفي قوة راحتلهم ورماح أول ما يوصلهم هيبلغني على طول
وفي تلك اللحظة ارتفع رنين هاتفه فأسرع وأجاب بلهفة :
- أيوة يا رماح طمني حصل ايه ؟
- لقينا نيران سعادتك وكانت هتنتحر لولا إننا لحقناها ، كانت في شقة شبه مهجورة أما بالنسبة لطيف فهو مالهوش أثر نهائي وموبايله جوا عربيته .. سألت نيران عن مكانه لكن مابتنطقش وبتترعش جامد
صمت لبعض الوقت وهو يفسر ما سمعه ثم تحدث أخيرا وبنبرة قلقة :
- اقلب المنطقة كلها عليه يا رماح .. ماتجيش من غيره ، أكيد عرف حاجة أو حصل حاجة وخلي فاطمة تجيب نيران على البيت عندي .. حالا

***
"في الوقت الحالي"

لم تنتبه لمن حولها واندمجت في عالمها المحزن ، غرقت في البكاء وكأنه ملجأها الوحيد ، كانت تتذكر عباراته وكأنه يتحدث بجوارها الآن ، نعم كانت مدركة بمخاطر عمله لكنها لم تتوقع أن يأتي هذا اليوم وتحديدا يوم زفافهما ، ارتفع صوت بكاءها فاقتربت الصغيرة «رقية» منها وربتت عليها بحنو قائلة :
- ماتزعليش نفسك يا نايا ، زين هيرجع وهيبقى كويس إن شاء الله ، زين دايما كان بيقولي خليكي قوية وماتخليش أصعب المواقف تأثر عليكِ وانا دلوقتي بقولك الكلام ده ، زين بيحبنا وهيرجع تاني والبوليس هيقبض على الأشرار دول
مسحت دموعها وحاولت رسم ابتسامة وهي تضمها بحب ، صمتت قليلًا ثم قالت :
- حاضر يا رورو هبقى قوية زيك وهستحمل على الأقل هحاول ، تعالي نشوف ياسمين علشان ماخرجتش من أوضتها من الصبح وماأكلتش كمان

***

فتح عينيه بصعوبة وحرك رأسه بهدوء قبل أن ينظر إلى المكان من حوله ، كان المكان أشبه بزنزانة في سجن لكنها كانت كبيرة إلى حد ما وكانت شديدة الظلام ، اعتدل في جلسته وتحسس الأرض بحثًا عن شيء وبالفعل وجد هاتف فضغط عليه لكن المصباح الملحق به لم يضئ ، كتب رقم والده وضغط على زر الاتصال لكن المكالمة لم تتم بسبب عدم وجود إشارة للشبكة بالمكان ، نهض من مكانه بحذر وحاول رؤية المكان من حوله عن طريق ضوء الشاشة الخاصة بالهاتف وبالفعل استطاع تحديد معالم المكان وأثناء سيره تعرقلت قدمه في شيء، ليس أي شيء بل كان شخصًا !! أخفض ضوء الشاشة إلى الأسفل ليرى ما هذا فوجده شابًا لكنه فاقدا للوعي ويوجد الكثير من الدماء على ملابسه.

اتسعت حدقتاه بقلق وخفض رأسه على صدره ليعلم هل مازال على قيد الحياة أم فارقها لكنه تفاجأ بنبض قلبه فهز رأسه بحركة خفيفة محاولا إفاقته وبالفعل فتح عينيه وقال بصوت ضعيف :
- نايا ! ياسمين ! رقية .. نايا ! ياسمين ! رقيــ
قاطعه «طيف» وحاول فهم ما يقول :
- أهلك دول ! طيب مين عمل فيك كدا وجيت هنا ازاي
غاب عن الوعي مرة أخرى فنهض طيف وبحث في المكان عن أي شيء يساعده وتفاجأ بوجود صندوق إسعافات ، أسرع إليه وقربه من هذا الشاب ، فتحه وأحضر المقص ثم قام بقص التيشيرت الخاص به فتفاجأ بوجود رصاصة ، تسارعت نبضاته ونظر بداخل الصندوق بحثًا عن شيء يساعده فوجد مشرط وأدوات جراحية ، لم يجد حلا سوى إخراج تلك الرصاصة وإنقاذ حياته وبالفعل أمسك بالأدوات الجراحية وبدأ في إخراج الرصاصة ووجد صعوبة في هذا الأمر لكن كونه طبيبا ومشاهدته لكثير من الفيديوهات الطبية لعمليات جراحية ساعدته كثيرا واستطاع نزع الرصاصة ، قام بتخييط الجرح ثم وضع الشاش وقام بلزق الجرح جيدا.

استغرق الأمر ساعتين كاملتين وما إن انتهى حتى تنفس بأريحية وأبعد هذا الصندوق عنه ، أسند ظهره على الحائط من خلفه ورفع رأسه لأعلى ، لا يعرف كيف أتى إلى هذا المكان ، كل ما يتذكره فقط هو اصطحابه لـ «نيران» إلى تلك الشقة ثم ظهور «غارم» الذي أنهى حديثه قائلًا :
- الآن يُنفذ العهد الرابع ، الآن ينتهي عهد العهود
ولم يتذكر شيء بعد ذلك وكأنه فقد الوعي ، غرق في النوم بسبب إرهاقه ومر من الوقت ساعتين حتى فتح هذا الشاب عينيه ونظر حوله فوجد «طيف» نائمًا ، اعتدل بصعوبة بسبب تألمه وهزه برفق وهو يقول بهدوء :
- لو سمحت .. يا شبح !
فاق من نومه ونظر بتعجب إليه ثم قال :
- أيوة ايوة الشبح صحي .. أنت كويس ؟
هز رأسه بالإيجاب ونظر حوله قبل أن يقول متسائلًا :
- هو احنا فين ؟ وأنا جيت هنا إزاي
لوى ثغره وهز رأسه بمعنى لا أعلم وأردف :
- معرفش أنا لقيت نفسي هنا زيك بالظبط ومعرفش جيت هنا ازاي ، فوقت لقيتك واقع ومضروب رصاصة فطلعتها وخيطتلك الجرح ، أنا طيف وأنت ؟
شعر بالقلق وهو ينظر حوله بحثًا عن أى شيء وأجابه بتردد :
- وأنا زين .. شكرا جدا على اللي عملته معايا أنت أنقذت حياتي بس أنا لازم أخرج من هنا دلوقتي
نهض من مكانه بصعوبة ونظر حوله ثم نظر إلى «طيف» مرة أخرى وقال :
- أنا مش شايف حاجة ! مفيش معاك كشاف أو أي حاجة أنور بيها ؟
مد يده بالهاتف الذي وجده وهو يقول :
- الشاشة دي بتنور بس ماتحاولش المكان مافيهوش باب .. أنا مش عارف احنا دخلنا هنا ازاي أصلا بس معنى إنك موجود هنا يبقى مرتبط بنفس سبب وجودي .. أنت ليك علاقة بالقضية !
تعجب «زين» من حديثه وبحث عن مخرج باستخدام ضوء الهاتف لكنه بالفعل لم يجد للمكان باب فعاد إلى «طيف» مرة أخرى وقال متسائلًا :
- قضية ايه اللي قصدك عليها ! أنا معرفش أنا جيت هنا ازاي ولا عارف أنا هنا بقالي كام يوم ! أنا اتضربت بالرصاص قدام باب أوضتي يوم فرحي الصبح بدون سبب !!
وقف «طيف» هو الآخر وحاول تحليل ما قاله لكنه لم يفسر شيئا مما دفعه لأن يقول متسائلًا :
- اتضربت بالرصاص لوحدك كدا ؟ أنا مش فاهم حاجة من اللي بتقوله .. ممكن تفهمني أنت مين وحصل ايه بالظبط يمكن نلاقي رابط لنفس القضية !!
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل السابع والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


"قبل ساعات تحديدًا الرابعة فجرًا"

أوصلتها «فاطمة» إلى المنزل ورحلت فأسرع «أيمن» إليها وهو يقول بلهفة :
- نيران حبيبتي فين طيف ؟
هزت رأسها بمعنى لا أعرف وأجهشت بالبكاء فاقتربت منها «أسماء» وضمتها إلى صدرها بحب وهي تقول :
- تعالي يا حبيبتي ماتعيطيش ... احنا جنبك بس على الأقل احكيلنا اللي حصل علشان نقدر ننقذه لو في خطر
هزت رأسها بالإيجاب وبدأت في سرد ما حدث مما جعل «أيمن» يقاطعها قائلًا :
- طيف وجه السلاح لراسك !! ازاي وليه أكيد في سبب
انهمرت دموعها مرة أخرى وهي تدافع عن نفسها :
- والله أنا بريئة وماعملتش حاجة .. مش ذنبي إني فقدت الذاكرة .. مش ذنبي إني اكتشفت إني في لعبة أنا مش ادها ولا ليا ايد فيها .. مين دول وليه طيف عمل كدا ، هو كان متلخبط وبعدين أول ما الراجل ده ظهر قعد يقول كلام مش مفهوم وطيف وافق يروح معاه وبعدها ماحسيتش بالدنيا كأني نمت وفقت مالقيتش حد جنبي .. لقيت مسدسه بس والله هو ده اللي حصل .. حضرتك مصدقني ؟
ابتسم رغم ألمه ليبث الطمأنينة في قلبها ومسح على رأسها بحب قائلًا :
- مصدقك يا نيران .. ماتقلقيش أنتِ هنا وسط أهلك وعيلتك وطيف إن شاء الله يرجع وكل حاجة هتتحل ولغاية ما ده يحصل أنا لازم أكون معظم الوقت في مكتبي .. آن الآوان القضية دي تتقفل بقى وكل حاجة تتحل .. لازم تتحل

***

"في الوقت الحالي تحديدًا الثانية عشرة والنصف ظهرًا"

أنهى «نائل» صلاة الظهر وعاد إلى مكتبه مرة أخرى لكنه تفاجأ بوجود العديد من الفتيات في الاستقبال الخاص بالشركة مما جعله يتعجب بشدة ، اقترب من إحداهن وسألها بلطف :
- أقدر أساعد حضرتك ازاي وليه كل دول موجودين
نهضت وتعجبت من كونه لايعلم شيء لكنها بدأت في شرح سبب تواجدهم :
- حضرتك نزل إعلان أول امبارح على كل وسائل التواصل والجرنال بإن الشركة محتاجة سكرتيرة ودول كلهم علشان الـ interview (مقابلة)
قطب جبينه بدهشة فهو لأول مرة يعلم هذا الأمر ، ابتسم لأنه اعتقد أن تلك حجة قوية لمهاتفتها الآن وبالفعل استأذن منها وابتعد قليلا بعدما نزع هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال بها ، زاد قلقه أكثر عندما وجد هاتفها مغلق فقرر مهاتفة «زين» ليطلعه على الأمر وأيضا الاطمئنان على «ياسمين» لكن ما أقلقه أكثر هو أن هاتفه أيضا كان مغلق ! ، فكر قليلًا ولم يعلم ماذا يفعل وكيف يتصرف بهذا الأمر ، حدث نفسه وكأنه مجنون :
- وبعدين يا نائل معقولة الاتنين موبايلاتهم مقفولة ! ممكن يكونوا سافروا ولا حاجة ! بس هي هتسافر ازاى وهي أصلا منزلة إن في مقابلة لطلب سكرتيرة وبعدين سكرتيرة ليه ما سهى كانت موجودة ولا هي مش هتيجي تاني !!
ضرب مقدمة رأسه بصدمة وهو يقول :
- يالهوي ده فرح زين كان امبارح وأنا نسيت خالص وماروحتش !! ياربي ازاي نسيت زمانهم زعلوا جدا .. اووف أعمل ايه طيب .. خلاص أنا هعمل المقابلة معاهم لغاية ما أعرف أوصلهم

وفي تلك اللحظة حضرت تلك الفتاة مرة أخرى وهتفت بهدوء :
- لو سمحت الـ interview هيبدأ امتى وهيكون مع مين بالظبط
تحدث تلك المرة بجدية بعدما فهم الأمر ووضع هاتفه في جيب بنطاله وهو يقول :
- لحظة بس ربع ساعة وهنبدأ وأنا اللي هعمل معاكم الـ interview وده المكتب ، أول ما أبقى جاهز هبلغكم
- اوك

اتجه إلى مكتبه وبدأ التصفح حتى يعلم ما الأسئلة التي تتم بالمقابلة ، هو قرأ الكثير عنها لكنه فضل معرفة كل شيء حتى يختار مِن تستحق ، بالفعل مر الوقت وفتح باب مكتبه وردد بصوت مسموع :
- ياريت حضراتكم تنظموا نفسكم واللي جاهز يتفضل
عاد وجلس على مكتبه مرة أخرى وانتظر دخول إحداهن وبالفعل دلفت إلى المكتب تلك التي سألته عن المقابلة بالخارج فأشار إليها بالجلوس قائلًا :
- اتفضلي ، ممكن الـ CV بتاعك ؟
هزت رأسها بالإيجاب ومدت يدها به وهي تقول :
- اه طبعا اتفضل
ألقى نظرة سريعة على المستند الذي أعطته اياه ثم نظر إليه وقال بجدية :
- كلمينا أكتر عن نفسك وليه اختارتِ الوظيفة دي بالذات ؟
- أنا مي خالد ، 23 سنة خريجة كلية تجارة واشتغلت في شركة قبل كدا وسيبتها للأسف
هز رأسه بالإيجاب وألقى سؤاله الثاني :
- ليه مطلوب مني أوظفك أنتِ بالذات دون عن كل اللي برا دول ؟
أجابته بثقة وبسرعة :
- أنا فاهمة الشغل كويس أوي ده غير إنى قبل ما أقدم قرأت كتير عن الشركة ودرست كل حاجة يعني لو اتعينت هقدر أفيد الشركة أكتر من أي حد ده غير إني بشتغل تحت ضغط
هز رأسه ورمق الملف مرة أخرى ثم ألقى سؤاله الثالث :
- ليه سيبتِ الشركة اللي قبل كدا ؟
صمتت قليلًا قبل أن تجيبه :
- للأسف بعيدة جدا عن البيت وساعات كنت بتآخر وده سببلي مشاكل

مر الوقت وظل على هذا الحال مع البقية حتى رُفع أذان العصر فخرج وقال :
- هنكمل إن شاء الله بعد صلاة العصر
كان يشعر كثيرا بالإرهاق فهو ظل على هذا الحال لأكثر من ثلاث ساعات ...

***

ردد أمره بجدية واضحة فمنذ ما حدث لا مجال للخطأ مرة أخرى ، حضر «رماح» على الفور وقال :
- تمام سعادتك تؤمرني بايه
نهض من مكانه والتف حول المكتب قبل أن يواجهه وجها لوجه وهو يقول :
- عايز أعرف كل الجرايم الغريبة والمجهولة اللي حصلت خلال ال6 شهور هنا في القاهرة وعايزكم واحد واحد تشوفوا أي حاجة غريبة فيها والباقي ابعتهولي أنا هبص فيه بنفسي .. لازم نوصل لحاجة وفي أسرع وقت
هز رأسه بالإيجاب وقال بجدية وثقة :
- تمام يا فندم ، كل حاجة هتتم وفي أسرع وقت
ثم هم بالانصراف وبقى «أيمن» وحده يتجول ذهابًا وإيابًا ...

***

تألم «زين» من جرحه فجلس بهدوء ثم نظر إلى «طيف» الذي جلس هو الآخر وسلط نظره عليه منتظرا إجابة منه :
- أنا الرائد زين وائل الجيار
اتسعت حدقتا «طيف» بصدمة قبل أن يقول :
- أنت ظابط !! ازاي ؟
ارتفع حاجبيه بتعجب من سؤاله وأردف :
- ازاي ايه ! ظابط أيوة ايه الغريب في كدا مش فاهم
أتته الإجابة التي لم يتوقعها :
- أصل انا ظابط برضه .. أنا الرائد طيف أيمن
صمت قليلًا ليستوعب ما سمعه ثم نظر إلى «طيف» وقال مازحًا :
- أفهم من كدا ايه ؟ إن في عصابة بتخطف الظباط اللي رتبتهم رائد يعني ولا ايه ؟
هز رأسه بالنفي وأجابه بجدية :
- أنا جيت هنا بمزاجي علشان أفهم لكن أنت هنا ليه وأنت أصلا مالكش علاقة بيهم أو بالقضية ؟
- أنت بتتكلم بالألغاز ليه يا طيف ؟ ما تفهمني قضية ايه ومين دول أصلا وليه جاي بمزاجك ، فهمني علشان أعرف أفكر معاك يمكن نحل المشكلة
بدأ «طيف» في سرد ما حدث منذ البداية إلى تلك اللحظة وما إن انتهى حتى عبر «زين» عن صدمته بالأمر قائلًا بإرهاق من جرحه :
- يااه كل ده حصل !! وده كله محدش كشفهم ؟ ازاي يعني !
رفع «طيف» كتفيه بمعنى لا أعرف وأجابه :
- علمي علمك ولا عرفنا مين دول ولا فهمنا حاجة واديني هنا يمكن أفهم أما أنت بقى هنا لية ! معقول أنت كمان ليك ماضي معاهم ولا ايه السبب
لوى ثغره وفكر بالأمر لكنه لم يجد إجابة وقال :
- أنا مش عارف أنا كان يوم فرحي وصحيت الساعة 6 الصبح علشان أجهز نفسي وكل حاجة من بدري وفجأة لقيت رقم غريب بيكلمني ...
قص ما حدث عليه وأنهى حديثه قائلًا :
- بس ده اللي حصل لكن فعلا أنا معرفش مين دول واشمعنا أنا !

صمت الاثنان ليحاولا التفكير بالأمر لكن سرعان ما تحدث «طيف» بلهفة :
- أكيد أنت هنا بسبب إنك عملتلهم حاجة .. أنت آخر قضية كبيرة عملتها ونجحت فيها كانت ايه وحصل ايه ؟قُل لي التفاصيل
لم يعرف ما علاقة هذا بما هما فيه الآن لكنه بدأ في سرد ما حدث قائلًا :
- كانوا شركة أدوية .. الأول كانت كل حاجة مبهمة وقتلوا كل الشهود حتى الشهود اللي اتقبض عليهم في قضية مخدرات قدروا يوصلولهم جوا السجن وادوهم سم وماتوا ! بعد كدا روحت شقة لواحدة مرات واحد كان شغال معاهم وبعد ما دورت لقيت مستندات مخبيها ورا الدولاب فيها كل فضايحهم وقدرنا نقبض عليهم كلهم والشركة دي اتقفلت .. ده اللي حصل يعني مخدرات مالهاش علاقة بقضيتك
فكر «طيف» بالأمر قليلا ثم ابتسم وهو يقول بحماس :
- أنت بتقول ادوهم سم جوا الزنزانة ؟
هز رأسه بالإيجاب وقال بتلقائية :
- أيوة
اتسعت ابتسامته وكأنه ربط الأمر ببعضه ثم قال :
- نفس اللي حصل للبنت اللي قلتلك عنها وانتحرت علشان ماتعترفش على حد .. بلعت السم برضه ، في ارتباط بين دول ودول وأكيد شركة الأدوية والناس اللي أنت قبضت عليهم دول مسنودين من ناس تانية أو هم دول أصلا بس ليهم ناس في كل حتة وهم السبب في اللي حصلي ، كدا أنا فهمت سبب وجودك
قطب «زين» جبينه بدهشة فهو لم يفكر بهذا الأمر مطلقًا وأردف :
- يعني ليهم حد برا غيرهم ! بس تعتقد إنهم مخدرات برضه ولا حاجة تانية ! أصل اللي يخطف ظابط من قلب بيته وقبلها خطف مراتك اللي هي ظابط وبرضه فهد اللي قلتلي عنه ودلوقتي أنت أكيد ده مش حد طبيعي ده غير الكلام الغريب اللي بيرددوه وأنت قلت عليه ده نفس اللي سمعته في المكالمة .. أنت عندك حق الاتنين مرتبطين ببعض بس هيفضل السؤال مين دول وواصلين كدا ازاي ؟

***

بدأ الجميع في متابعة القضايا ذات الطابع الغريب والتي حدثت خلال ستة أشهر ، مر من الوقت ساعتان وكان «رماح» يتابع كل المستندات إلى أن لاحظ شيء غريب فقرأ الملف وفي تلك اللحظة دلفت «فاطمة» إلى المكتب وهي تقول :
- في كارثة حصلت النهارده والدنيا والتليفزيون مقلوبين
نهض من مكانه وهو يقول بقلق واضح :
- حصل ايه ؟
تقدمت خطوتين إلى الداخل وأردفت :
- كان من 3 شهور في شركة أدوية اتكشف إنها بتوزع مخدرات وشغلها كله غير مشروع واتقبض على الإدارة والصيدليات التابعين ليها وكل ده اتقفل .. النهارده كل دول ماتوا في السجن !! كلهم ماتوا مسمومين ده غير إن اللواء المسئول عن القبض عليهم اتقتل والظابط المسئول عن القضية اختفى امبارح .. الدنيا مقلوبة
نظر إلى الملف الذي بيده ثم عاود النظر إليها مرة أخرى وقال :
- اسمه ايه الظابط اللي اختفى ده ؟
قطبت جبينها وهي تجيب بتلقائية :
- زين الجيار .. ليه ؟
أغلق المستند والتف حول المكتب استعدادًا للخروج وهو يقول :
- تعالي معايا

اتجها إلى مكتب اللواء «أيمن» وسمح لهما بالدخول ، مد يده بالملف وهو يقول :
- لو سمحت سعادتك ممكن تبص على الملف ده
أخذ منه الملف وبدأ يقرأ ما بداخله وتابع هو :
- عندك يا فندم من 3 شهور في مساجين اتقبض عليهم في قضية مخدرات ماتوا مسمومين في الزنزانة اللي هم فيها تقريبا علشان محدش يتكلم واسم الظابط المسئول عن القضية زين الجيار ، بعدها قدروا يوصلوا لشركة أدوية وراء كل ده واتقبض عليهم كلهم .. كل اللي اتقبض عليهم ماتوا بنفس الطريقة النهارده في السجن والدنيا مقلوبة ده غير إن اللواء اللي ماسك القضية اتقتل والظابط ده اختفى امبارح ولو جينا نقارن ده بالقضية بتاعتنا هنلاقي إن موضوع السم ده حصل مع البنت اللي انتحرت في الفندق قدام طيف ونيران وموضوع اختفاء الظابط نفس اللي حصل مع فهد ونيران ودلوقتي طيف
هز «أيمن» رأسه بالإيجاب ونهض من مكانه وهو يقول بجدية :
- كدا كل حاجة وضحت .. عايزكم تتابعوا القضيتين وتوصلوا لتفاصيل أكتر لأن ده كله مش هيساعدنا خصوصًا بعد موت المتهمين دول وأنا هتواصل مع الوزارة ومع القيادات وهمسك أنا القضية دي

***

فتحت «رنة» التلفاز بناءً على طلب صديقتها وجلبت تلك القناة لتتفاجأ بصورة شقيقها على التلفاز مع شاب آخر وتلك المذيعة التي رددت بجدية :
- واضح إن في حاجة احنا مش فاهمينها ولحد دلوقتي الوزارة ماعلقتش عليها ، الأول موت 70 متهم مسمومين داخل سجنهم في نفس التوقيت اللي اللواء كامل اتقتل فيه وقبلها بيوم اختفى الرائد زين الجيار والرائد طيف أيمن ، هل كل ده مرتبط ببعضه ! ياترى مين المسئول عن اللي حصل؟ ياريت حد يفهمنا لأن اللي حصل ده مش سهل ولا بسيط .. أقل وصف يتوصف بيه هو كارثة

حضرت «أسماء» وتفاجأت بصورة ولدها على التلفاز فانهمرت دموعها وقالت :
- يا حبة عيني .. وحشتني أوي
نهضت «رنة» واتجهت إلى والدتها وضمتها بحب وهي تقول :
- ماتعيطيش يا ماما .. طيف هيرجع زي ما كان كل مرة بيرجع إن شاء الله ، بلاش عياط بس وادعيله هو محتاج دعواتنا أكتر من عياطنا
- ربنا يرجعه لينا سالم وبخير .. أنا مش حمل صدمة
شاهدت «نيران» ما يحدث بحزن ثم انطلقت إلى الأعلى حيث شقتها واتجهت إلى غرفتها قبل أن تجلس وتفكر في كلام «طيف» السابق لها ...

- لازم تبقي عارفة يا نيران إنك الوحيدة اللي قادرة على رجوع الذاكرة ليكِ .. الذاكرة موجودة بس محتاجة دافع قوي ، أول مرة فقدتِ الذاكرة بمجرد ما شوفتِ فيلا رماح الذاكرة رجعتلك .. هل كدا الذاكرة طارت في الجو ودخلت دماغك !! لا صح ؟ .. الذاكرة هنا
وأشار إلى رأسها وتابع :
- دماغك مش كمبيوتر علشان المعلومات تتحذف بالكامل ، لازم علشان ترجعلك الذاكرة تشوفي حاجة أثرت في غيابها من الأساس .. فكري وشوفي ايه ممكن يرجعلك الذاكرة لأني المرة دي فشلت فعلا ونفس المشهد بيتكرر ، هي دلوقتي معاكِ وفي دماغك بس ازاي هترجعيها !!

فاقت من ذكرياتها ونظرت إلى المرآة وهي تكرر نفس السؤال :
- ازاي هرجعها ! ازاي ؟

***

طال الصمت بينهما إلى أن تحدث «زين» وقال متسائلًا :
- ياترى احنا هنا بقالنا كام يوم ؟
نظر إليه «طيف» وأجابه بتلقائية :
- حوالي يوم لأني لما لقيتك كان الدم اللي على جسمك لسة سائل يعني كنت مضروب بالرصاص من حوالي أربع خمس ساعات مثلا
اقتنع بكلامه ثم سأله مرة أخرى :
- بس قدرت تطلع الرصاصة ازاي وخيطت الجرح بسهولة كدا ؟
ابتسم واجابه :
- أنا كنت دكتور نفسي قبل ما أبقى ظابط وكنت بتفرج على كام فيديو لعمليات جراحية وفيديوهات كتير في مجال الطب ، كان صعب أطلع الرصاصة جدا بس الحمدلله عدت على خير
ابتسم «زين» وقال :
- شكرا إنك أنقذت حياتي .. تتردلك إن شاء الله
نظر «طيف» حوله وردد بسخرية :
- تترد ازاي في عشة الفراخ اللي احنا فيها دي .. أنا قربت أنسى إني بني آدم
نظر «زين» إلى الأسفل بحزن وأردف :
- ياترى هم عاملين ايه من غيري .. ياسمين ورقية ونايا ! فكرت كتير إني ممكن أسيبهم في يوم من الأيام بحكم شغلي لكن ماحطيتش نفسي في الموقف ده ، ياترى هيعملوا ايه من غيري ! يارب يا نائل تعرف توصل لياسمين
قطب «طيف» جبينه وهتف متسائلًا :
- أخواتك دول ؟ أصلك في وسط تعبك قبل ما أطلع الرصاصة فضلت تهمس بأسمائهم وبعدين غيبت عن الوعي
ابتسم «زين» وكأنه يراهم أمام عينيه وأجابه :
- ياسمين أختي الكبيرة ورقية أختي الصغيرة أما نايا بقى تبقى خطيبتي ومراتي .. كنت المفروض هتجوزها في نفس اليوم اللي اتضربت فيه بالرصاص وجيت هنا
- ونائل ؟
ابتسم وأجابه بجدية :
- نائل ده اللي بتمنى أختي تتجوزه ، محترم وقد المسئولية .. شاف كتير في حياته وده يخليه أكتر واحد يحافظ عليها هي وأختي الصغيرة لو حصلي حاجة ، يارب يقدر يوصل لقلبها ويتجوزها لأن ساعتها هبقى مستعد للموت من غير قلق

***

انتهى اليوم وعاد «أيمن» إلى المنزل بإرهاق شديد فأسرعت «أسماء» تجاهه وهي تسأله بلهفة :
- أيمن ابني حبيبي فين !! لسة معرفتوش ؟
ربت بحنو على كتفها وأمسك كلتا كتفيها بحب وهو يقول :
- هيرجع يا أسماء إن شاء الله ، الوزارة والدنيا مقلوبة وتقريبا نص اللغز اتحل ، هيرجع وكل حاجة هتبقى كويسة قريب أوي مش عايزك تقلقي وادعيله .. أنا هدخل أريح ساعتين بالظبط علشان مش شايف قدامي وبعدين هصحى أروح على المديرية تاني

بالفعل تركها وبدل ملابسه قبل أن يلقي جسده على السرير بتعب شديد ، عدل الوسادة بيده لتناسب وضعية نومه لكنه تفاجأ بوجود ورقة أسفلها ، اعتدل مرة أخرى وسحب تلك الورقة ليتفاجأ بما فيها :
- بابا معني إنك بتقرأ الورقة دي دلوقتي يبقى أنا حصلي حاجة .. خلي بالك يا بابا اللي عندك دي مش نيران !!
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثامن والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


"قبل ساعات تحديدًا السادسة مساءً"

أنهى حديثه قائلًا بإرهاق شديد :
- طيب يا إسراء شكرا إن شاء الله لو تم اختيارك هنبلغك على الايميل الخاص بيكِ
رحلت وبقى هو مكانه ، أغلق عينيه بتعب شديد ثم نهض من مكانه واتجه للخارج ليرى من متبقي فلم يجد أحدا حتى العاملين بالشركة .. رحل الجميع وبقى هو وحده ، التقت أنفاسه وهو يقول بإرهاق :
- يااه أخيرا .. ياربي ايه التعب ده ، اه يا ضهري
اتجه إلى الحمام المرفق بالشركة وقام بوضع رأسه أسفل الصنبور بعد أن فتح المياه لتنزل بغزارة، ظل على هذا الوضع لأكثر من دقيقة ثم رفع رأسه ونظر إلى نفسه في المرآة وظل على هذا الحال لأكثر من دقيقتين قبل أن يسحب هاتفه من جيب بنطاله وينظر إلى الساعة ، تفاجأ أنها السادسة فقرر الرحيل وبالفعل اتجه إلى مكتبه مرة أخرى ليحضر مفاتيحه ثم هم بالانصراف ، خرج من الشركة وسار بضع خطوات قبل أن يسمع هذا الصوت من خلفه :
- نائل !
التفت بتلقائية ليرى من يناديه فتفاجأ به أمامه ، قطب جبينه بتعجب ولم يتفوه بكلمة واحدة إلى أن اقترب والده وحضنه بحب وهو يقول :
- ياااه وحشتني أوي يا نائل
ثم ابتعد عنه وهو مازال ممسكًا بكتفيه وقال :
- ما شاء الله كبرت وبقيت راجل واد المسئولية ، كنت دايما اد المسئولية بس دلوقتي بقيت راجل يُعتمد عليك
لم يتفوه بحرف واحد وكأن لسانه قد لُجم ، لا يعلم هل يسعد بذلك أم يحزن ويبتعد ! رغم شعوره بالراحة وهو بالقرب منه إلا أن داخله يرفض ذلك ، أدرك عقله أخيرا ما يحدث فابتعد عنه وعاد للخلف خطوتين مما جعله يقول بحنو :
- أنا عارف إنك متضايق مني وده حقك ، أنا آسف على اللي عملته معاك ، أنا غلطت انا عارف بس اديني فرصة أصحح غلطي
أخيرا وجد الكلام طريقه للخروج ونظر إليه برفض قائلًا :
- غلطت ! الغلط ده لو عملت حاجة عادية زي إنك مثلا تشتم حد أو مثلا تاخد طريق غلط في الحياة ساعتها تقول غلطت لكن إنك ترفض ابنك وترميه يتعذب ويتهان ده مش غلط .. دي صفات شيطان مش بشر ، بني آدم طماع عايش حياته علشان ينسط ويمتع نفسه ووقت ما يلاقي نفسه هيتحط في مشكلة أو حاجة هتجيبله وجع دماغ يتخلص منها فورا ، غلط ايه اللي بتتكلم عنه وأنت ومراتك رمتنا في الشارع واحنا مالناش حد في عز المطرة والجو تلج !! احنا كنا هنموت اليوم ده من البرد ! متخيل شكلنا واحنا قاعدين في الشارع ضامين بعض علشان ندفي بعض والمطرة نازلة فوق دماغنا وسط الجو ده ! طيب بلاش دي .. أنا كنت بتشتم بأهلي وبتضرب في الشغل رغم إني كنت بشتغل عدل بس اللي مشغلني راجل مهزق كان بيشتمني وأنا رايح ووأنا جاي ولما اعترضت مرة ضربني بالقلم .. عمري ما هنسى القلم ده .. حسيت إني وحيد في الحياة وماليش حد ، الطفل لما حد بيزعله كان يطلع يجري على أبوه ويقوله حصل واحد اتنين تلاته فأبوه يطبطب عليه وياخدله حقه إنما أنا أجري وأروح لمين ! رد عليا أروح لمين ؟ أنا بجد شفت كل أنواع الذل .. كنت فين كل ده ؟
حاول أن يقترب منه مرة أخرى إلا أنه رجع خطوة أخرى للخلف فقال :
- أنت عندك حق أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلك بس أنا دلوقتي جايلك وبقولك أنا آسف على كل إهانة اتعرضتلها في غيابي .. آسف على تعبك وزعلك اللي حصلوا بسببي .. أنا مستعد اعوضك عن كل ده .. مستعد أجيبلك الدنيا كلها علشان ترضى ، علشان خاطري اديني الفرصة دي
ابتسم بسخرية قبل أن يقول بألم :
- مابقاش ينفع ، صدقني مابقاش ينفع خالص .. أنت اتآخرت أوي ، بعد اذنك

تركه واستقل سيارة "ميكروباص" أوصلته إلى موقف ومنه اتخذ مواصلة أخرى إلى الموقف القريب من منزله ، سار المتبقي من الطريق حتى وصل إلى منزله واتجه إلى غرفة والدته التي اعتدلت وقالت بابتسامة :
- حمدالله على سلامتك يا حبيبي ، اتآخرت كدا ليه ؟
اقترب منها وقبل يديها قبل أن يقول :
- الله يسلمك يا حبيبتي .. معلش كان في شغل كتير النهارده
ربتت على رأسه بحب وأردفت :
- ربنا يعينك ياحبة عيني
فكر في إخبارها بما حدث وتردد في ذلك فلاحظت هي صمته وقالت متسائلة :
- فيه حاجة يا نائل !! حاساك عايز تقولي حاجة .. قول يا حبيبي أنا سامعاك
انهمرت دمعة من عينيه وقال بحزن :
- بابا قابلني النهارده بعد الشغل .. اتأسفلي وقالي هعوضك عن كل حاجة وإنه ندمان وعايز يصحح غلطه بس أنا رفضت وسيبته ومشيت ، على اد ما أنا محتاج أب وحسيت بالأمان لما حضني بس مش ناسي كل اللي حصلنا بسببه .. مش قادر أسامح أبدا
ابتسمت ومسحت على رأسه بحنو وهي تقول :
- يا حبيبي طالما ندمان خلاص .. ربنا وصى الإنسان بوالديه
أجابها من بين دموعه :
- حتى لو هو ظالم ؟
مسحت دموعه بيديها وقالت :
- بسم الله الرحمن الرحيم
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا)
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
يعني تطيعهم حتى لو هم ظالمين .. ماتطعهمش في الشرك بالله بس غير كدا لازم تطيعهم وبعدين هو جايلك وندم عن اللي عمله .. سامح واديله فرصة
قبل يد والدته مرة أخرى بحب ثم نظر إليها وقال :
- حاضر يا ماما هديله فرصة كمان .. هديله فرصة

***

"في الوقت الحالي تحديدًا الواحدة بعد منتصف الليل"

- بابا معني إنك بتقرأ الورقة دي دلوقتي يبقى أنا حصلي حاجة .. خلي بالك يا بابا اللي عندك دي مش نيران !!
اعتدل في جلسته وحدق كثيرًا بتلك الورقة فهو لا يعلم المقصد من تلك الكلمات ، نهض من مكانه واتجه إلى الخارج فتفاجأ بـ «نيران» التي دلفت إلى الشقة وصافحت «أسماء» ، انتبهت لمراقبته لها فاتجهت إليه وهي تقول بحزن :
- هنلاقيه يا بابا .. هنلاقيه حتى لو انهزمنا
وكررت تلك الجملة مرة أخرى :
- حتى لو انهزمنا
اتسعت حدقتاه بصدمة بعدما استمع لتلك الجملة وتذكر كلامه قبل شهور ..

كان وسطهم بعدما تمت المهمة الأخيرة وردد بجدية :
- الحمدلله المهمة الأخيرة تمت .. أنا عارف إنها كانت مستحيلة بس رجالتي ادها ، دلوقتي هنتفق على كلمة سر بينا في أسوأ الظروف علشان لو حصل حاجة ، كلمة السر هتبقى "حتى لو انهزمنا" هتبقى كلمة طبيعية جدا بالنسبة للظروف الصعبة اللي هنستخدم فيها الجملة وفي نفس الوقت أمل بإن كل حاجة هتبقى بخير

فاق من ذكرياته عليها وهي تكرر الجملة للمرة الثالثة فحرك يده بمعنى "ما الذي يحدث ؟" فأجابته بالإشارة وأشارت إلى رأسها وأخفضت يدها بمعنى "لقد عادت لي الذاكرة" ، اتسعت حدقتاه بعدم تصديق وحرك يده مرة أخرى بمعنى "كيف ؟" فأشارت إلى ظهرها وأجابت بالإشارة "هناك شريحة زُرعت في جسدي ويقومون بالتجسس علينا .. يجب نزعها وسأقوم بشرح الأمر بعدها"
حرك رأسه بالإيجاب ودلف إلى الغرفة وبعدها قام بإغلاق الباب ثم اتجه إلى هاتفه وضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يرفعه على أذنه ، أجابه «رماح» بصوت نائم :
- مين معايا
أتاه صوت «أيمن» القوي والجاد :
- مين معاك ايه يا رماح فوق وركز كدا
انتبه رماح للصوت ونهض من سريره مسرعًا وهو يقول بأسف :
- آسف والله ساعدتك كنت نايم .. أنا معاك يا فندم ومركز
- عايز مستشفى خاص دلوقتي وكلم دكتور جراحة تبعنا وجهز أوضة عمليات ضروري وبلغني بالمكان وبعدين كلمني .. في أسرع وقت يا رماح
هز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- أوامر سعادتك .. ربع ساعة وكل ده هيبقى جاهز يا باشا
أنهى المكالمة واتجه إلى الخارج حيث الجميع ونظر إلى «نيران» التي خطر ببالها فكرة فأسرعت وقامت بإحضار ورقة وقلم ثم كتبت عليها :
- طيف كان فاكرني تبعهم بسبب إن في وشم شبه نجمة على ضهري وهو شافه وشاف مكان الجرح وعرف إنهم زارعين شريحة بيتجسسوا بيها علينا كلنا ، أنا ماكنتش فاهمة في الأول بس افتكرت كلامه قبل ما يتخطف جاب سيرة شريحة
أخذ منها الورقة وقرأها ثم أخذ منها القلم وكتب :
- الذاكرة رجعتلك ازاي ؟
أخذت منه القلم وتذكرت ما حدث منذ ساعات ..
- لازم تبقي عارفة يا نيران إنك الوحيدة اللي قادرة على رجوع الذاكرة ليكِ .. الذاكرة موجودة بس محتاجة دافع قوي ، أول مرة فقدتِ الذاكرة بمجرد ما شوفتِ فيلا رماح الذاكرة رجعتلك .. هل كدا الذاكرة طارت في الجو ودخلت دماغك !! لا صح ؟ .. الذاكرة هنا
وأشار إلى رأسها وتابع :
- دماغك مش كمبيوتر علشان المعلومات تتحذف بالكامل ، لازم علشان ترجعلك الذاكرة تشوفي حاجة أثرت في غيابها من الأساس .. فكري وشوفي ايه ممكن يرجعلك الذاكرة لأني المرة دي فشلت فعلا ونفس المشهد بيتكرر ، هي دلوقتي معاكي وفي دماغك بس ازاي هترجعيها !!

فاقت من ذكرياتها ونظرت إلى المرآة وهي تكرر نفس السؤال :
- ازاي هرجعها ! ازاي ؟
بدأت تبحث في يدها وقدمها على أي آثار للتعذيب لكنها لم تجد مما جعلها تخلع ملابسها وتنظر إلى ظهرها في المرآة فتفاجأت بتلك النجمة الغريبة وأسفلها يوجد جرح صغير ، في تلك اللحظة هاجمت رأسها ذكريات كثيرة وأولها تلك النجمة التي كانت موجودة على حائط الزنزانة التي كانت بها أثناء اختطافها ...

***

نهض «طيف» من مكانه واقترب من الحائط وهو يضيء المكان باستخدام شاشة الهاتف الذي وجده فلاحظ وجود نجمة كبيرة على الحائط من أولها إلى آخرها فالتفت إلى «زين» وقال :
- النجمة دي أنا عارفها كويس أوي .. دي بيستخدموها في السحر وتحضير الجن ! أنا قرأت كتير حاجات رعب وفيها النجمة دي ! معقولة دول دجالين ؟
نهض «زين» من مكانه بصعوبة واقترب من الحائط هو الآخر فتفاجأ بتلك النجمة ، نظر إلى «طيف» وأكد ما قاله :
- فعلا دي نجمة داوود وبيستخدموها في السحر السفلي ، أنا مش فاهم حاجة خالص
بدأ طيف في ربط كافة الأحداث ببعضها وتذكر حديث «غارم» له ..

بدل نظراته بينهما ورفع إحدى حاجبيه ليضيف المزيد من الغموض على شخصيته وأردف :
- أنا شبح .. تقدروا تقولوا جن أو عفريت بس متجسد في دور بشر ، عملت كل وأي حاجة حرام في الدنيا دي .. عايش علشان أنبسط وأتمتع بس وعمري ما خوفت من حاجة ولا خوفت أقع ولو اتسجنت هخرج أنت عارف ليه ؟ علشان أنا شبح ومش لقب .. دي ميزة ، ها فهمتوا ولا احترتوا أكتر ؟
ظل «طيف» مسلطا نظره عليه بينما تحدثت «نيران» :
- عايز تفهمنا إنك مش بني آدم مثلا يعني ! وبعدين لما أنت شبح بتعمل كل الجرايم اللي أنت مفتخر بيها دي ليه؟ علشان شبح برضه ولا علشان دي ميزة !
قهقه بصوت مرتفع وهدأ رويدا رويدا ثم نظر إليها وردد :
- يمكن مش بني آدم وده اللي مخليني أعمل اللي مش عايزه بس في نفس الوقت أنا واحد من البشر .. ممكن تقولي ميزة أو صفة أو أنا كدا فعلا براحتك أما بعمل كدا ليه فدي بقى متعتي ، أنا عايش علشان أتمتع زي ما قولت يعني أي حاجة هتبسطني بعملها يعني أنصب مش علشان محتاج فلوس
هز رأسه بالنفي وتابع :
- علشان أتمتع .. أشوف اللي فلوسه ضاعت وهو بيتحسر وبينتحر بسببي ببقى في قمة متعتي وسعادتي
قاطعه «طيف» وقال بغضب :
- اه أنت مريض بقى .. بما إني دكتور نفسي سابقًا فـ أنا بنصحك تشوف دكتور يعالجك لأنك مريض نفسي وفي حالة خطر كمان
رمقه وردد بابتسامة :
- عايز تسميها مرض نفسي اوك تمام ، بس نصيحة بلاش تقفوا قصادي علشان هتخسروا .. هتخسروا جامد اوي ودي مفيش بعدها ندم ، مش تهديد بس لو حبيت أتسلى وأكمل متعتي حد فيكم هيموت والتاني هيعيش باقي حياته يتحسر عليه حاجة كدا شبه خطيبك يا نيران اللي مات بسببك

فاق من ذكرياته على صوت «زين» وهو يقول :
- ايه ياابني روحت فين أنا بكلمك وأنت مش بترد ، هنعمل ايه في اللي احنا فيه ده ! أنا جعت الصراحة وهموت من العطش ولازم اكل وأشرب علشان أعرف أفكر كويس
هز رأسه بالإيجاب ووافقه الرأي قائلًا :
- عندك حق فعلا أنا جعان أوي ، مش هيدخلولنا أكل ولا ايه في ليلتهم المهببة دي
ضحك «زين» وهز رأسه وهو يقول :
- المشكلة مش هيدخلولنا ولا لا .. المشكلة الاكل هيجي منين ومفيش أصلا باب في أم الزنزانة دي
في تلك اللحظة تم فتح نافذة صغيرة عن طريق سحب حجر من الأسفل وأدخل أحدهم طبقين بهما طعام ثم أُغلق مرة أخرى ، نظر «طيف» إليه وقال مازحًا :
- على الأقل عرفنا احنا دخلنا هنا ازاي .. في شباك بيتفتح كدا يبقى الباب هكذا ، تعالى نشوف في أكل ايه
اقتربوا من الطعام الذي كان طبقين وفوق كل طبق رغيف من الخبز ، نزع «زين» الخبز واشتم رائحة الطعام وهو يسلط الضوء عليه وسرعان ما أبعده وهو يقول :
- ايه ده سبانخ !! لا مش واكل مابحبهاش
بدأ «طيف» في الأكل بجوع شديد ونظر إليه قائلًا :
- كل ياعم اللي ياكل على ضرسه ينفع نفسه وبعدين شايفنا في سيتي ستارز !! احنا مخطوفين
هز رأسه بالنفي وابتعد قليلا لكن رؤيته لـ «طيف» وهو يأكل أشعرته أكثر بالجوع فاقترب من طبقه مرة أخرى وأمسك بالملعقة ورفعها لفمه ، ابتلعها وأعجبه الطعم فنظر إليه وقال :
- تصدق طعمها مش وحش أوي .. عندك حق اللي ياكل على ضرسه ينفع نفسه
وبدأ في الأكل هو الآخر وبعدما أنهى جميع الطعام رفع إحدى حاجبيه وقال :
- مش ممكن يكونوا عاملين سحر في الأكل طالما هم دجالين ؟
توقف «طيف» عن الأكل ونظر إليه بتعجب ليقول بعدم رضا :
- أنت جاي تفتكر بعد ما شفطت طبقك كله ؟ وبعدين أنا بادئ أكل قبلك خلصت ازاي قبلي ؟
رفع «زين» يده وقال مازحًا :
- أعوذ بالله هتقر ولا ايه

***

اقتربت منها «نايا» وقالت بحب وهي تضع يدها على كتفها :
- كفاية عياط بقى يا ياسمين ! إن شاء الله زين هيرجع أنا حاسة بكدا وبعدين دي رقية أقوى مننا احنا الاتنين ومتحملة وهي اللي هدتني ، علشان خاطري تبطلي عياط وتروحي الشركة بكرا .. أنتِ اللي ماسكة الشركة ومن غيرك هتقع
مسحت دموعها ونظرت إلى نقطة بالفراغ وهي تقول بحزن بالغ :
- أنا زعلته كتير أوي ووقت ما نرجع زي زمان وكمان يوم فرحكم اللي مستنياه من زمان يحصل كدا ! تفتكري يا نايا زين هيرجع فعلا ؟
ابتسمت بحب كي تبث الطمأنينة في قلبها وأجابتها بثقة :
- أيوة إن شاء الله ، هيرجع وهنتجوز وأنتِ هتفرحي بيه وكأن مفيش حاجة حصلت بس لازم تروحي شغلك علشان لما يرجع مايلاقيش كل حاجة واقعة
نظرت إليها وقالت :
- لا ماتقلقيش الشركة في أمان خلينا دلوقتي نفكر في زين

***

أصبحت الثانية بعد منتصف الليل وكانت «نيسان» تجلس أمام سريره بالمستشفى بعد أن ساءت حالته ، استيقظت من نومها على صوت أنفاسه المرتفعة وكأنه يصارع الموت ، وضعت يدها على يده بعدما اقتربت منه وقالت بخوف شديد :
- أنت تعبان يا فهد ! أبلغ الدكتور ؟ قُل لي بالله عليك أنت حاسس بايه؟
بدأت أنفاسه تهدأ ونظر إليها بحزن وضعف قائلًا :
- أنا آسف أوي يا نيسان إني خليتك تشوفيني ضعيف كدا بس والله غصب عني ، غصب عني كل اللي حصل ولحد دلوقتي مش عارف حصل كدا ليه
اتسعت حدقتيها غير مصدقة أن الذاكرة قد عادت إليه فقبلت يده بحب وهي تقول :
- أنا أسعد واحدة في الدينا دلوقتي .. مش متخيل فرحتي دلوقتي عاملة ازاي لما نطقت اسمي من جديد ، أنت عمرك ما هتقل من نظري يا فهد .. عمرك ما هتقل بالعكس أنت كل يوم بتزيد في نظري وبحبك أكتر ، أنت قوي مش ضعيف أبدا .. اللي زيك شجاع وواجه صعوبات كتير ولسة زي ما أنت
ابتسم بألم قبل أن يقول بحزن :
- مش هيسيبونا في حالنا .. ماكانش ليهم وجود بس فجأة ظهروا ومش هيسيبونا غير لما يقتلونا واحد واحد
نظرت إليه بخوف وقلق قبل أن تسأله بتردد :
- هم مين دول ؟
نظر إليها وظل يحدق بها لوقت طويل كأنه يمتع بصره بالنظر إليها فعادت لتسأل السؤال نفسه :
- رد عليا يا فهد مين دول ؟
أغلق عينيه وتذكر ماحدث قبل أن يجيبها بتلقائية شديدة :
- عبدة الشيطان ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل التاسع والعشرون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


انتهى الاثنان من الطعام ونظر «زين» إلى «طيف» قائلًا :
- أنا فضفضتلك عني وعن حياتي احكيلي بقى أنت مين بالظبط واهو نتسلى بدل الخنقة اللي احنا فيها دي
ضحك «طيف» وفرد ذراعيه في الهواء قبل أن يسند بظهره على الحائط وقال :
- طيب يا معلم ، أنا طيف أيمن ضياء ابن اللواء أيمن ضياء .. كنت حابب طب نفسي ودخلته بس اكتشفت إن الشغلانة دي صعبة هنا جدا بس قبل الاكتشاف ده جتلي نيران كانت فاقدة الذاكرة وكنت أنا الدكتور بتاعها وأنا اللي ساعدتها إن الذاكرة ترجع وبعدين دخلت ضباط متخصصين وبقيت ظابط شرطة لغاية ما بقيت زي ما أنا وبعدها اشتغلت مع نيران ونفذنا عملية برا مصر ضد منظمة إرهابية وحبيتها واتجوزنا وفي نص شهر العسل حصل اللي حكيتهولك قبل كدا .. توتة توتة خلصت الحدوتة
هز رأسه بالإيجاب ثم نظر إليه ونطق بهدوء :
- ماخلصتش ولا حاجة .. إن شاء الله ترجعلها من تاني وتكملوا حياتكم ، هي حياة ظباط الشرطة كدا لازم تتعود عليها
رفع «طيف» إحدى حاجبيه ونطق مازحًا :
- أنت بتتكلم زي بابا كدا ليه اوعى يكون هو اللي مخطط يخطفني علشان أنت اللي تفهمني الكلام ده !
ضحك «زين» ورفع يديه ليدافع عن نفسه قائلًا :
- لا لا ياعم أنت هتلبسني تهمة ولا ايه وبعدين مش هضرب نفسي رصاصة يعني .. روق كدا
في تلك اللحظة فُتح باب في الحائط وكان بشكل دائري وغريب ودلف رجل لا يظهر وجهه ، كان يضع سترة طويلة تغطيه من رأسه إلى قدمه ، أضاء الضوء من الخارج المكان بنسبة ضئيلة ورفع هذا الرجل السترة من على رأسه ليكشف وجهه فتفاجأ «طيف» به ونهض من مكانه وهو يقول بغضب :
- أنت ! أنا قلت عايز أفهم مش أتخطف وأترمي هنا .. أنتوا مين وايه خطتكم ؟
ابتسم نصف ابتسامة وأشار إلى الهاتف الذي بيده وقال :
- هتعرف كل حاجة في وقتها بس دلوقتي الموبايل بقى فيه نت .. صور فيديو لنفسك وأنت بتقول لأبوك يتراجع عن اللي في دماغه علشان لو فكر يشيل الشريحة من جسم نيران هتموت
قطب جبينه بعدم فهم وردد :
- أنا مش فاهم حاجة ومش هعمل حاجة غير لما أفهم
شبك «غارم» يديه أمامه وهز رأسه بالإيجاب قبل أن يجيبه :
- تمام .. الشريحة اللي في جسم نيران دي ليها تواصل مباشر مع المخ يعني بضغطة زرار واحدة نقدر نوقف دماغها وقلبها وتموت .. الشريحة دي هي اللي كانت مانعة الذاكرة بتاعتها ومحطوط عليها معلومات عادية كتير كأنها إنسان آلى واحنا اللي بنتحكم فيه واحنا برضه اللي رجعنالها الذاكرة بضغطة زرار ، لما الذاكرة رجعتلها راحت لسيادة اللواء وقالتله وهو طبعا بيجهز دلوقتي علشان تدخل أوضة العمليات علشان يشيل الشريحة ولو أنت ماحذرتهوش هتخسرها للأبد ، الاختيار في ايدك .. يا تسمع الكلام وتقوله اللي هقولهولك بالظبط يا إما هتندم باقي عمرك واه صح الشريحة اتزرعت في فهد وفيكم أنتوا الاتنين أثناء إغمائكم
شعر «طيف» بالقلق ورفع الهاتف بتردد وضغط على تطبيق الكاميرا ثم انتقل لتصوير الفيديو ...

***

أنهى حديثه مع الطبيب الذي سيجري العملية الجراحية ثم اتجه إلى «نيران» وربت على كتفها بحب ثم أشار بيده كي لا يستمع أحد ما يحدث وكانت إشارته بمعنى "لا تقلقي سيمر الأمر بسهولة .. أنا هنا بجوارك" فابتسمت وهزت رأسها بمعنى "أنا أعرف ذلك" ثم اتجهت إلى الداخل وجلس هو أمام غرفة العمليات وعاد بظهره إلى الخلف قبل أن يستمع لصوت رسالة من هاتفه فنزعه من جيب بنطاله وفتحه ليتفاجأ بفيديو من ابنه «طيف» والذي كان يقف في مكان مظلم ووجهه فقط الذي كان واضحًا ، ضغط على زر التشغيل ليستمع إلى محتوى الفيديو الذي كان يحتوي على :
- بابا .. الشريحة اللي في جسم نيران متوصلة بالمخ ويقدروا يتحكموا فيها ولو حاولت تشيلها هتموت ، بابا أرجوك انقذها وماتخليهاتش تشيلها ، كل حاجة هتبقى بخير حتى لو انهزمنا
توقف عن الكلام قليلا ونظر وراء الكاميرا كأنه يتلقى أمر ثم عاد يتحدث مرة أخرى :
- بابا خليك فاكر .. العهد الرابع تم تنفيذه
انتهى الفيديو وأسرع «أيمن» إلى غرفة العمليات وهتف بصوت مرتفع :
- استنى يا دكتور ماتعملش حاجة !
التفت الطبيب الذي كان على وشك البدء في إجراء الجراحة وردد بتساؤل :
- في حاجة يا سيادة اللواء ؟
هز رأسه بالإيجاب ونظر إلى نيران التي انتبهت له وقال :
- الشريحة لو اتشالت هتموت ، طيف لسة باعت فيديو يحذرني دلوقتي ..

***

نهض «زين» من مكانه قبل أن يرحل «غارم» واتجه إليه وهو يقول :
- استنى هنا ازاي هتسيبنا وهتمشي ! احنا هنا ليه وأنتم مين ؟ أقسم بالله لو ما نطقت لأدفنك هنا
ابتسم «غارم» ونظر إلى مكان الجرح وهو يقول :
- ايه اخبار الجرح دلوقتي !
ثم نظر إلى طيف وتابع :
- برافو يا طيف أنت دكتور شاطر .. عقل صاحبك وقُل له إنكم هتفهموا كل حاجة في وقتها
التفت بهدوء وتحرك إلى الخارج فتقدم «زين» ليلحق به لكن «طيف» أمسك بذراعه ونظر إليه قائلًا :
- استنى يا زين ومتتهورش .. هنفهم كل حاجة
ثم غمز له بمعنى فتعجب وصمت حتى رحل «غارم» ، نظر إليه وردد بتساؤل :
- أنت في خطة في دماغك ؟
هز «طيف» رأسه بالإيجاب وأجابه بصوت منخفض للغاية يكاد أن يكون همس :
- بابا مش هيسكت وهيعرف الفيديو ده اترفع منين بالظبط وهيوصلولنا
ابتسم «زين» وهز رأسه بالإيجاب وهو يؤكد على كلامه :
- عندك حق سهل أوي يعرفوا مصدر رفع الفيديو عن طريق حجمه .. أنا نفذت الحوار ده قبل كدا في مهمة
عبث وجهه مرة أخرى وتابع :
- بس الشريحة اللي في جسمنا دي دلوقتي أكبر خطر ، احنا كدا كأننا لعبة في ايديهم يحركونا مكان ما هم عايزين ولو حبوا يتخلصوا منا هيعملوا كدا بضغطة انتراية
نظر «طيف» إلى نقطة بالفراغ وردد بتعب :
- سيبها على الله ، كل مشكلة وليها حل

***

نظر «أيمن» إلى رماح الواقف أمامه وحضرت «فاطمة» وركضت تجاههما وما إن وصلت إليهم حتى رددت :
- تمام سعادتك تؤمرنا بايه
رفع هاتفه وبدل نظراته بينهما قبل أن يقول بجدية :
- عايز مباحث الإنترنت كلها تعرف مصدر الفيديو ده واترفع منين بالظبط وتبع أنهي شركة وكل حاجة عن الفيديو ده .. في أقل وقت عايز المعلومات دي كلها
حرك الاثنان رأسهما ورددا في نفس الوقت :
- تمام سعادتك

***

مرت تلك الليلة وأشرقت الشمس لتعلن عن بداية يوم جديد ، أنهى نائل ارتداء ملابسه بعدما عاد من المسجد ونظر إلى والدته فوجدها نائمة وهذا على غير عادتها فهي دائما ما تؤدي صلاة الفجر ، اقترب ليطمئن عليها ووضع يده على رأسها فوجدها تتنفس ، هنا ابتسم وقبل رأسها وقرر عدم إيقاظها فهي من الممكن أن تكون مرهقة ، تنفس بأريحية ثم انطلق إلى الشركة بصحبة «وحيد» وما إن وصل حتى تفاجأ بعدم حضورها لليوم الثاني على التوالي تأفف بضجر واتجه إلى مكتبه ليجري بعض التجهيزات قبل اجتماع اليوم ، مر الوقت وكان هو فقط من يُعد التجهيزات حتى أصبحت الساعة الثانية عشرة فاتجه إلى المسجد ليؤدي صلاة الظهر ثم عاد ليكمل العمل مرة أخرى ، أصبحت الواحدة إلا عشر دقائق وحضر ممثلوا الشركات فأدخلهم إلى غرفة الاجتماعات وهو لا يعلم ماذا يفعل في غياب «ياسمين» اتجه إلى مكتبه مرة أخرى وأمسك بالورق ونزع الذاكرة الخارجية من جهازه والتفت ليجدها أمامه ، ظل محدقًا بها لا يتحدث إلى أن اقتربت هي منه وقالت :
- شكلك متوتر وعمال تلف حوالين نفسك
رسم ابتسامة خفيفة وهو يجيبها :
- أول مرة أحضر اجتماع وبعدين أنتِ ماجيتيش امبارح وافتكرت إنك مش هتيجي النهارده فكنت متوتر ومش عارف أعمل ايه ، المهم يارب يكون مانع حضورك خير
نظرت إلى الأسفل والتقطت أنفاسها بصعوبة وهي تجيبه :
- زين اختفى .. اتخطف يوم فرحه أول امبارح وده سبب غيابي
اتسعت حدقتاه بصدمة ونطق مسرعًا :
- طيب ورجع ولا لا !! أكيد علشان كدا ماردش امبارح لما اتصلت بيه
هزت رأسها بأسف وأجابته :
- للأسف مارجعش ولولا إن في إجتماع النهارده وعارفة إنك هتبقى متوتر وكدا ماكنتش جيت
اتسعت حدقتاها ورددت مسرعة :
- اه صح أنا نسيت الانترفيو بتاع امبارح خالص .. أنت عملت ايه
أجابها بهدوء كي لا تشعر بالقلق :
- ماتقلقيش عملت الانترفيو أنا ودخلت على النت عرفت طبيعة الأسئلة وكدا وكتبت كل التفاصيل عن كل واحد ومعاه الـ CV بتاعه علشان تختاري أنتِ منهم
ابتسمت ابتسامة خفيفة ونظرت إليه لتقول بجدية :
- اختار أنت .. أنت نائب رئيس مجلس الإدارة وأنت اللي عملت المقابلة معاهم فاختار اللي شايفها كويسة ويلا بقى علشان نلحق الميتنج
ابتسم وهز رأسه وهو يقول :
- طيب تمام .. يلا بينا

بدأ الاجتماع وبدأ كل ممثل لشركة في التحدث عن مميزات شركته وعن المكسب الكبير لشركة الجيار إن تعاقدت مع تلك الشركة وما إن انتهوا حتى وقف «نائل» وبدأ شرح خطة الشركة ومتطلباتها ثم أشار إلى «ياسمين» وقال :
- وأنسة ياسمين هتوضح ليكم طبيعة المنتجات اللي هنحتاجها بكميات كبيرة حسب احتياج السوق
بالفعل نهضت من مكانها وبدأت في شرح كافة النقاط الهامة واستمر الاجتماع لأكثر من ساعتين ، انتهى الاجتماع ورحل الجميع وبقى «نائل» الذي تنفس بارتياح وهو يقول :
- الحمدلله عدى على خير
اقتربت منه وقالت بابتسامة :
- مبروك على نجاحك في الاجتماع ، كلامك بثقة وتوضيحك لكل حاجة خلاهم متمسكين أكتر بالتعاقد معانا
ابتسم هو الآخر وردد :
- الله يبارك فيكِ .. الحمدلله كدا مابقاش باقي غير بعض الحاجات الصغيرة قبل ما نبدأ في الفرع الجديد
هزت رأسها وكادت أن تتكلم إلا أن هاتفه ارتفع صوت رنينه فنزعه من جيب بنطاله ونظر إلى شاشته فوجد رقم غير مسجل ، أشار لها قائلًا :
- بعد اذنك هرد
هزت رأسها فضغط على زر الإجابة ورفعه على أذنه وهو يقول :
- الو ! مين معايا ؟ يارا !! بتقولي ايه ! طيب طيب أنا جاي حالا
أسرع ووضع هاتفه في جيب بنطاله ثم نظر إليها وقال بلهفة :
- أنا أسف يا أنسة ياسمين هضطر أمشي علشان ماما تعبانة جدا
وقبل أن يتحرك أوقفته قائلة :
- استنى استنى أنا جاية معاك هوصلك وهكلم الدكتور يجي يكشف عليها في البيت
وقف ولم يعرف بماذا يقول لكنه ردد بعدم تركيز :
- أنا مش عايز أتعبك .. أنا هروح اخدها على المستشفى
هزت رأسها بالنفي وأمسكت حقيبتها وقالت :
- لا هاجي معاك وهكلم الدكتور ومش باخد رأيك .. يلا
تحرك معها بقلة حيلة وهو يدعو الله بأن يمر هذا اليوم على خير وأن لا يُصيب والدته مكروه ، ضغطت على الريموت الخاص بسيارتها وأشارت له قائلة :
- اركب يلا
بالفعل استقل المقعد الأمامي واستقلت هي السيارة خلف المقود قبل أن تنظر له قائلة :
- هات العنوان علشان أعرف هنمشي ازاي
أعطاها العنوان وانطلقت بسرعة إلى منزله بعد أن هاتفت الطبيب وأبلغته بالعنوان ، مرت نصف ساعة في الطريق ووصلت إلى منطقة شبه عشوائية فنظرت له وقالت :
- هنتحرك ازاي ؟
نظر أمامه وأشار بيده قائلًا :
- ادخلي شمال وبعد كدا امشي على طول وادخلي أول يمين ، بس هتضطري تركني بعدها ونكمل مشي لأن الشارع ضيق جدا والعربية مش هتدخل فيه
هزت رأسها بالإيجاب وسارت في طريقها كما أرشدها ثم أوقفت السيارة ونظرت إليه ففهم وأشار إليها لكي تسير معه إلى منزله ، سارت معه ونظرت حولها بذهول فهو أخبرها بضيق الشارع وكانت تعلم أن المنطقة عشوائية لكنها لم تتخيل هذا ، سماع الأمر شيء ومشاهدته على أرض الواقع شيء آخر ، وصلا أخيرا إلى المنزل وصعد إلى الأعلى وهي من خلفه ، كان الدرج ضيق للغاية ويسمح بشخص واحد فقط وليس اثنين مجاورين لبعضهما مما دفعها للصعود خلفه ، فتح الباب باستخدام مفتاحه وانطلق مسرعًا إلى غرفة والدته ومال عليها وهو يقول بقلق شديد :
- ماما حبيبتي أنتِ كويسة ؟
هزت رأسها بضعف وأمسكت بيده وهي تقول بصوت خافت :
- خلي بالك من أختك يا نائل
انهمرت دموعه وقبل يدها قبل أن يقول باعتراض :
- لا يا ماما ماتقوليش كدا بالله عليكِ أنتِ هتبقي كويسة زي كل مرة ، أنتِ اللي هتخلي بالك منها .. ماتتعبيش نفسك بالكلام الدكتور جاي دلوقتي
تقدمت «ياسمين» بتردد ودلفت إلى الغرفة ورأته بتلك الحالة فحمحمت قبل أن تقول :
- الدكتور على وصول ، هو على أول الشارع هنا اهو
التفت إليها وهز رأسه بابتسامة يشوبها الألم ثم عاد لينظر إلى والدته التي أغلقت عينيها فظن أنها أغلقتها من التعب وسند برأسه على يدها حتى حضر الطبيب فاقتربت منه هي وترددت في فعل ذلك لكنها وضعت يدها على كتفه وقالت بهدوء :
- الدكتور وصل يا نائل ممكن تقوم وتسيبه يشوف شغله !
هز رأسه بالإيجاب وابتعد عن السرير ومازالت عينيه متعلقة بها بينما اقترب الطبيب وبدأ في الكشف عليها واتسعت حدقتاه بصدمة قبل أن يقف ويلتفت إليهما قائلًا بحزن :
- البقاء لله
لم يصدق ما سمعته أذنه ونظر إلى والدته بعينين مفتوحتين بشدة ثم نظر إلى الطبيب مرة أخرى وهز رأسه قائلًا :
- البقاء لله !! ازاي ؟ ماما ! لا لا ماما هتقوم
وأسرع إلى سريرها وهزها بقوة وهو يقول :
- ماما قومي .. ماتسيبينيش لوحدي يا ماما بالله عليكي أنا ماليش غيرك في الدنيا دي كلها ، أنتِ هتقومي وتبقي بخير زي كل مرة صح !! ردي عليا بالله عليكي ماتسكتيش كدا .. ماما أنتِ كنتِ بتدعيلي إن ربنا يسعدني وأنتِ سعادتي في الدنيا دي .. بالله عليكي كلميني عايز أسمع صوتك علشان خاطري
خرج الطبيب واقتربت هي منه بحذر وقد انهمرت دموعها ورددت بخفوت :
- اهدا يا نائل ده أمر ربنا هتعترض !
نظر إليها بعينين غارقة بالدموع وقال بدون وعي :
- ماما ماتت يا ياسمين ! ماما سابتني ومشيت ! سابتني لوحدي في الدنيا دي .. امبارح لما اتآخرت في الشغل لقيت القلق في عينيها وهي بتسألني اتآخرت ليه ودلوقتي مش هسمع السؤال ده تاني
زادت دموعه في الانهمار وتابع :
- كانت بتحس لو متضايق أو عايز أقول حاجة وكانت مهونة عليا تعب الدنيا والحياة .. معقولة مش هتكلمني تاني
نظر إلى والدته وردد كأنه ينتظر منها إجابة :
- ردي عليا يا ماما أنا مش حمل ده والله ، والله أنا لو أعرف ماكنتش قمت من جنبك ! مااتصلتيش بيا ليه وقولتي إنك تعبانة طيب وأنا كنت هسيب الدنيا كلها وأجيلك ، ردي عليا يا ماما ، ردي علشان خاطري ..
جلست بجواره ووضعت يدها على يده وقالت :
- بالله عليك اهدا يا نائل .. ماما ماكانتش هتحب تشوفك بالمنظر ده ، أنت دلوقتي راجل البيت والمفروض تقوم وتقف على رجلك وتخلص كل إجراءات الدفن وكل حاجة مش تقعد وتعيط كدا ، ادعيلها بس دلوقتي وبلاش عياط
أمسك بيد والدته ورفعها قبل أن يقبلها بعينين دامعتين ثم أنزلها مرة أخرى بهدوء وقام بتغطية جسدها بالكامل ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


خرجت من المطبخ وهي تحمل كوب ساخن من الليمون ، دلفت إلى الغرفة وما إن رأت وجه والدتها مُغطى حتى تركت ما بيدها ليقع على الأرض واتسعت حدقتاها غير مصدقة ، هزت رأسها ونظرت إلى أخيها الذي كان ينظر لها بعينين دامعتين وانتظرت منه إجابة ، لم تتحدث لكن نظراتها كانت تعبر عن داخلها مما دفعه لأن يقترب منها ويضمها إلى صدره دون أن يتحدث ، كل هذا ولم تستوعب ما حدث فأبعدته عنها بخفة ونظرت إليه بصدمة وهي تقول :
- أنت مغطي وش ماما كدا ليه !! هتتخنق كدا
وانطلقت إلى السرير ونزعت هذا الغطاء من على وجهها وهي تقول :
- حرام عليك مش علشان تعبت شوية تغطي وشها كدا ! ماما هتقوم وتبقى كويسة
ثم نظرت إلى والدتها وتابعت :
- قومي يا ماما أنا عملتلك حاجة سخنة تشربيها بس وقعت مني غصب عني ، هعملك تاني بس قومي يا حبيبتي
هزتها بخفة لكنها لم تجبها فنظرت إلى أخيها وقالت بعينين تهددان بسقوط الدموع في أي لحظة :
- هي مش بترد عليا ليه ! رد عليا علشان خاطري ، أنتوا بتعملوا فيا مقلب صح ؟ قُل لها تتكلم بقى هعيط والله
اقترب منها مرة أخرى ومسح على رأسها وهو يقول بحزن :
- ماما في مكان أحسن دلوقتي يا حبيبتي ، وصتني عليكِ قبل ما تموت .. آخر لحظة في عمرها كانت بتوصيني عليكِ ، كانت بتحبك أوي
اتسعت حدقتاها أكثر وبدلت نظراتها بين أخيها ووالدتها ورددت تلك الكلمة التي قالها مرة أخرى :
- تموت !! ماما !
ظلت للحظات وكأن عقلها يرفض استيعاب أو تصديق هذا الأمر فهي لم تفكر في حدوث هذا مطلقًا فاقتربت منها «ياسمين» وأمسكت بكتفيها بحب وهي تقول :
- اهدي يا حبيبتي وماتفكريش كتير ، تعالي معايا برا يلا
في تلك اللحظة استوعب عقلها الموقف ونظرت إلى والدتها وألقت نفسها عليها وبكت بصوت مرتفع وهي تقول :
- قومي يا ماما .. لا ماتسيبينيش لوحدي ، ماما أبوس ايدك اصحي وردي عليا
نظرت إلى أخيها ورددت باكية :
- صحيها معايا يا نائل .. هي أكيد هتقوم وده تعب زي كل مرة ، حاول معايا وهتصحى
حاول منع دموعه لكنه لم يستطع واقترب منها ليحضنها بحب حتى تشعر بالأمان وظل لوقت ليس بطويل هكذا إلى أن تحدثت «ياسمين» :
- سيبني أنا معاها وروح حضر كل حاجة
نظر إليها بضعف فتابعت :
- يلا يا نائل قعدتك دي مش هتفيد بحاجة
هز رأسه بالإيجاب ونهض من مكانه فجلست هي مكانه وضمت شقيقته إلى حضنها ...

***

"قبل ساعتين"

طرق «رماح» باب مكتبه بعجالة شديدة فسمح له بالدخول ، دلف إلى الداخل وردد بلهفة :
- حددنا مكان رفع الفيديو يا باشا ومعانا إحداثيات المكان بالظبط
نهض اللواء «أيمن» من مكانه والتف حول المكتب وهو يقول :
- حلو أوي اجهز أنت وفاطمة وأنا هتواصل مع الوزارة وفي خلال دقايق القوة هتبقى جاهزة للتحرك

على الجهة الأخرى فتح «طيف» عينيه على صوت حوله فوجد «غارم» يقف أمامه وكلتا يديه مشتبكتان خلف ظهره وما إن وجده قد استيقظ حتى قال :
- أنا جاهز لأي سؤال والمرة دي هجاوبك بكل دقة مش غموض زي آخر مرة سألتني فيها
نظر حوله بحثًا عن «زين» فلم يجده مما دفعه لأن ينظر إليه ويقول متسائلًا :
- فين زين ؟ راح فين ؟
ابتسم نصف ابتسامة وأجابه :
- ماتقلقش هو في الزنزانة اللي جنب دي وبياخد كل الإجابات اللي عايزها زيك وبمجرد ما ننتهي هيرجع هنا تاني ، يلا اسأل واستغل الفرصة ولا أنت رجعت في كلامك
هز رأسه بالنفي والتقط أنفاسه قبل أن يسأل سؤاله المعتاد :
- أنت مين ؟ أنتوا مين ؟
ابتسم وهز رأسه بحركة خفيفة قبل أن يجيبه :
- أولا السؤال غلط علشان مفيش حاجة اسمها أنتوا مين ولا أنا مين لأننا بشر زينا زيكم بس لينا تفكير ومعتقدات غيركم شوية بس هجاوبك بكل وضوح زي ما وعدتك ، احنا بشر ولينا معتقدات غيركم زي ما قلت ، لينا تفكير خاص بينا .. عبادة خاصة بينا ، احنا كنا قلة في البداية بس انضم لينا كتير وانتشرنا في العالم كله ومنهم مصر في آخر فترة ، هدفنا ؟ هدفنا ننشر عبادتنا ومعتقداتنا عند أكبر عدد في كل الدول ونبقى جماعة كبيرة جدا لا يستهان بها ومش قصدنا أي شر لأي حد بس اللي بيحاول يقف قصادنا بنتصدى له بس على طريقتنا وطريقتنا دي متطورة عنكم شوية .. بنستخدم عقلنا وعلمنا مش سلاحنا وعضلاتنا ، ليه حصل معاك كدا ؟ علشان حاولت تقف قصادي وافتكرت إنك ممكن تهزمني أو تهزمنا ، أنا ناسي ايه ؟ ما تسأل ولا أنت مستمع بس
هز رأسه بالنفي وأجابه بثقة :
- لا مش مستمع بس ، أنت قلت إنكم ليكم عبادتكم ومعتقداتكم .. ايه هي عبادتكم ومعتقداتكم دي ؟
أغلق عينيه ثم فتحها مرة أخرى ليجيبه بثقة :
- كنت واثق إنك هتسأل السؤال ده ، عبادتنا هي عبادة لوسيفر ومعتقداتنا هي إن لوسيفر هو المحرر وهو حامي العهود الأعظم ومحدد الأقدار
شعر «طيف» بالصدمة مما سمعه واتسعت حدقتاه وهو يقول بعدم تصديق :
- لوسيفر !! قصدك إبليس !؟ الشيطان !
عبثت ملامحه بعد تلك الكلمات وردد بعدم رضا :
- ده الاسم اللي أنتوا مسميينه ليه لكن احنا بنسميه لوسيفر لأنه عمره ما كان شيطان ولا إبليس
ضحك «طيف» بصوت مرتفع وهز رأسه بأسف قبل أن يقول :
- عمره ما كان شيطان أو إبليس !! امال اتطرد من الجنة ليه ؟ مارضيش يسجد ليه ! اتكبر واتغر ليه ؟
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
أنتوا بجد بتعبدوه ؟ ازاي وليه ؟
ازداد غضبه وردد بتحذير :
- مالكش دعوة .. دي عبادتنا ومعتقداتنا ، لو أنا سألتك نفس السؤال هتقولي ايه ؟
قبل أن ينطق «طيف» أوقفه بيده وقال :
- مش عايز أسمع إجابة ، أنت اللي بتسأل وأنا بجاوبك
لم يعجبه هذا الحوار فردد بصوت مرتفع :
- لا مش أسئلة بس .. ده حوار ولازم أقنعك وتقنعني لكن لما تحس نفسك ضعيف في الإجابة ماتتهربش .. الشيطان اللي أنتوا بتعبدوه ده هيجي يوم القيامة ويتخلى عنكم ويقول إنكم اللي اتبعتوه وهو ماأجبركوش على كدا .. أجيبلك دليل من القرأن !!
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
تخيل كدا شكلك ساعتها هيبقى ازاي ؟ ده مش من عندي ، رد عليا واقنعني
لم يرد عليه وغير مجرى الحديث قائلًا :
- لو اتكلمت في الكلام ده تاني أنا هخرج ومش هجاوب على باقي أسئلتك ، اختار بقى يا إما أخرج أو أقعد وتكمل باقي أسئلتك وتفهم كل حاجة
هز «طيف» رأسه بالإيجاب وسأله سؤالا آخر بعيدًا عن هذا الحوار :
- والشرايح اللي في جسمنا دي هتخليكم تتحكموا فينا على طول ولا ايه !
ابتسم بمكر وضم شفتيه بفخر زائد قبل أن يجيبه :
- دي هتضمن إن شغلنا في مصر مش هيتضر يعني لو حد حاول يمنعنا أو يصدنا هتموت أنت وزين ونيران وفهد بكل بساطة ، وحاجة تانية .. هنتجسس عليكم منها شوفت أنا صريح معاك ازاي ! ولو حاولت تشيل الشريحة هيصدر أمر تلقائي بتوقف دماغك من غير أي تدخل منا ، يعني احنا اللي منتصرين مش أنتوا
شعر بالقلق قليلا لكن خطر سؤالا آخر بباله فأسرع وسأله :
- ايه علاقة الديب ويب بيكوا !! لما فهد حقق في القضية دخل معاكم بالصدفة كدا ؟
شبك يديه مرة أخرى وهو يجيبه :
- الديب ويب يعتبر احنا اللي أسسناه أصلا وأي شغل بيتم فيه بيبقى بشروط وأولها إنه ينضم لينا ويبقى جزء مننا وأي حد مش مننا بيحاول يدخل على الديب ويب بيموت فورا ، يلا اسأل تان....
وقبل أن يكمل كلمته استمع لصوت عبر السماعة التي يضعها بأذنه فابتسم وتقدم خطوة تجاهه وهو يقول :
- للأسف فقرة الأسئلة خلصت لأن سيادة اللواء أبوك حدد مكانك وفي قوة كبيرة جاية على هنا دلوقتي بس تفتكر هيلحقوك !!

على الجهة الأخرى قبل دقائق فتح عينيه ببطئ فتفاجأ بهذا الذي يقف أمامه ، بحث بعينيه عن «طيف» فلم يجده مما دفعه لأن يسأل بتلقائية :
- فين طيف وايه المكان اللي أنا فيه ده ؟
أتته الإجابة من الذي يقف أمامه :
- هترجع له بس دلوقتي اسأل كل الأسئلة اللي عايزها
دار الحوار بينهما كما دار مع «طيف» إلى أن سأل «زين» هذا السؤال :
- ايه علاقتي بكل ده وايه اللي جابني هنا ، أنا عمري ما اتعاملت معاكم ولا شوفتكم .. ليه أنا
ابتسم ورفع إحدى حاجبيه قبل أن يجيبه بسخرية :
- ايه علاقتك بكل ده !! ده أنت أساس المشاكل .. أنت وقعت أكبر داعم لينا في مصر ، أنت قفلت شركة الأدوية وسجنت كل اللي شغالين فيها فاضطرينا نقتلهم كلهم ، أنت خسرتنا كتير أوي .. عرفت ليه أنت هنا ؟
ابتسم هو الآخر بسخرية :
- عرفت بس عايز أقولك حاجة في نهاية الحوار
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾
خلص الحوار بينا ...

***

انطلقت قوات الشرطة بأعداد كبيرة وذلك بقيادة «رماح» ، انطلقوا إلى المكان المحدد وهم على أتم الاستعداد للاشتباك مع هؤلاء وبعد وقت قصير وصلوا أخيرا إلى هذا المكان الذي كان عبارة عن منزل وهذا ما أشعر الجميع بالتعجب ، أشار «رماح» إلى البعض بالذهاب في اتجاه اليمين والبعض الآخر في اتجاه اليسار والبقية معه ، سار بخطوات حذرة وهو ممسكًا سلاحه الرشاش ودلف إلى هذا المنزل الذي تم تحديد مكانه ، كان المنزل عبارة عن طابقين فقط لكنه كان مهجورًا ، انتهى رجال الشرطة من تفتيش المكان ولم يتم العثور على أحد مما جعل «رماح» في حالة دهشة ، هز رأسه برفض واتجه إلى الخارج لكن في تلك اللحظة تذكر تلك المهمة في السابق مع «طيف» ...

نظر «طيف» بدقة حتى وقع نظره على حائط بالطابق الأرضى اقترب منه وأخذ يتحسسه بيده بعدما لاحظ شىء غريب به ، طرق بيده عدة طرقات وهو يتحرك بجواره إلى أن سمع طرقات يده بصوت مرتفع فابتسم ونظر إلى السيدة وهتف بتساؤل :
- الحيطة كلها مش أسمنت ، في خشب ؟
هزت رأسها بعشوائية غريبة وهتفت بتلجلج وقلق :
- ده ...ده ، ده باب ، كان باب للمحلات بس قفلناه علشان بيجى منه حشرات وكدا
تحرك «طيف» بنظراته إلى «رماح» الذى فهم ما يرمى إليه وأشار إلى باقى القوات بالدخول ، أمر أحد الرجال بالتحفظ على السيدة واقترب من الباب هو و «طيف» وفى نفس اللحظة ركلا الباب الخشبى بقدميهما بقوة ليقع إلى الداخل معلنًا عن وجود رجال مسلحين ...

تذكر «رماح» هذا الموقف فالتفت وأشار إلى رجال الشرطة من حوله وردد بجدية :
- الإشارة ماكانتش موجودة في الموبايل اللي اترفع منه الفيديو يعني واي فاي معني كدا إن المكان ده تحت الأرض ، عايزكم تدوروا في الدور الأرضي كله عن باب سري ...
بالفعل بدأوا في تنفيذ الأمر وساعدهم هو و «فاطمة» في ذلك إلى أن أتى أحدهم وردد بجدية :
- لقينا باب خشب في الأرض في الأوضة اللي جوا يا فندم
ابتسم بإنتصار واتجه مسرعًا إلى الداخل وتم فتح الباب بسهولة ، جهز سلاحه واتجه إلى الأسفل ومن خلفه باقي رجال الشرطة ومعهم «فاطمة» ، كان المكان عبارة عن طرقة طويلة وفي منتصفها بابين من الحجر وكل باب لغرفة مختلفة عن الأخرى ، تقدم «رماح» بحذر ومعه بعض رجال الشرطة إلى الغرفة الأولى بينما تقدمت «فاطمة» ومعها البقية إلى الغرفة الأخرى ، دلف «رماح» إلى الغرفة بسلاحه الذي يضيء فوقه مصباح لينير له المكان فتفاجأ بـ «طيف» الذي كان مقيدًا على الأرض ولا يوجد أحدا معه ، انطلق إليه بسرعة وفك قيده وهو يقول :
- طيف أنت كويس ؟
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يقول :
- أنا كويس .. المهم بس اتأكدوا إن زين كويس لأني ماشفتهوش من ساعة ما صحيت
عقد حاجبيه بتعجب وقال بتلقائية :
- الرائد زين الجيار !! هو موجود معاك هنا ؟
في تلك اللحظة دلفت «فاطمة» إلى الغرفة ومن خلفها «زين» الذي أسرع بإتجاه «طيف» وهو يقول :
- أنت كويس ! أنا خفت يكونوا قتلوك
ابتسم بسخرية وأجابه :
- ماتقلقش عمر الشقي بقي يا وحش ، المهم إننا رجعنا لنقطة الصفر .. عرفنا كل حاجة بس يافرحتي هربوا
وقف «رماح» ومد له يده لكي يساعده على الوقوف وبالفعل ساعده على ذلك قبل أن يردد بجدية :
- نبقى نكمل كلامنا في المديرية المهم نطمن سيادة اللواء إننا لقيناكم

خرج الجميع من هذا المنزل ورفع «رماح» جهاز اللاسلكي الخاص به وردد :
- لقيناهم يا فندم .. الرائد طيف والرائد زين لكن أفراد العصابة مالهمش أثر
تنفس «أيمن» بأريحية لنجاتهما وأصدر أمره قائلًا :
- تمام يا رماح هاتهم وتعالى على مكتبي
بالفعل انطلقت قوات الشرطة في طريقهم إلى العودة وعلى رأسهم «طيف ، رماح ، زين ، فاطمة»

على الجهة الأخرى كانت تجلس بمكتبه ورددت بتساؤل :
- تفتكر سعادتك هربوا ازاي وعرفوا أصلا إننا جايين منين ومفيش أي حاجة تمت قدامي ولا حد اتكلم جنبي يعني مش الشريحة !
هز رأسه وأجابها :
- مش عارف يا نيران .. بنسبة كبيرة حد بيوصلهم أخبارنا وده اللي مخليهم متفوقين علينا
أخفضت صوتها وأشارت إلى ظهرها وهي تقول :
- معلش يا فندم حاول تقلل صوتك علشان مايسمعوش
ابتسم بسخرية وهز رأسه قبل أن يقول :
- كل حاجة بقت مكشوفة دلوقتي واللي هيكسب هو الأكتر ذكاء ، يجي طيف وزين وبعدين نفهم ايه اللي حصل

وصل الجميع وأذن لهم «أيمن» بالدخول ووقفت «نيران» متحمسة لرؤية «طيف» بعد غياب طويل ، افتقدته كثيرًا وتسارعت ضربات قلبها استعدادًا لرؤيته ، فتح الباب وكان أول الداخلين إلى المكتب وما إن رأها حتى انطلق إليها وحضنها بحب أما هي فأغلقت عينيها وهمست بشوق :
- وحشتني أوي .. ذكريات لما كنت مع نيران اللي فاقدة الذاكرة موجودة بس كأني ماشوفتكش من زمان أوي ، من ساعة اللي حصل في الفندق
- وأنتِ والله نفس الكلام .. وحشتيني أوي
تركها واتجه إلى والده الذي حضنه بشوق ولهفة قائلًا :
- حمدلله على سلامتك يا طيف
ابتسم وردد بهدوء :
- الله يسلمك يا بابا

اطمأن «أيمن» على سلامة «زين» وبدأ في سماع ما حدث منهما حتى قال «طيف» :
- شوفت طلعوا عبدة الشياطين واحنا ماكناش نعرف حاجة خالص
ابتسم «أيمن» وقال :
- أنا عرفت قبل ما تقولوا .. نيسان كلمتني وقالتلي إن فهد افتكر كل حاجة وروحتله المستشفى وقالي مين دول وعايزين ايه في نفس الوقت اللي رماح والقوة رايحين يجيبوكوا
تذكر «طيف» شيء فهتف مسرعًا :
- اه صح زين مضروب رصاصة في بطنه ، أنا شيلت الرصاصة وخيطت الجرح بس لازم برضه يكشف علشان مش ضامن ايه المضاعفات اللي ممكن تحصل وهل المعدات دي أصلا متعقمة ولا لا
نظر له «زين» بقلق وقال :
- ايه ! يعني ايه هموت ؟
ضحك «طيف» وهز رأسه بالنفي قبل أن يجيبه :
- لا يا باشا بس زيادة اطمئنان مش أكتر
ثم نظر لأبيه وردد بصوت منخفض جدا :
- وأنا هشيل الشريحة
نظرت له «نيران» بعينين متسعتين ورددت بقلق :
- تشيل ايه ! ده أنت بنفسك محذر سيادة اللواء بفيديو إني لو شيلت الشريحة هموت !
هز رأسه بالإيجاب وأكد ما قالته :
- أيوة فعلا ده حصل بس مش غريبة إنهم يطلبوا ده مني مع إن الشريحة لو اتشالت أصلا ونيران لا قدر الله ماتت ماكانوش هيبقوا مضررين بحاجة .. أعتقد ده مجرد تخويف منهم لينا علشان نفضل تحت طوعهم ويقدروا يلعبوا بينا ، أيوة الشريحة ممكن تتحكم في العقل وتحجب الذاكرة زي ما عملوا معاكِ يا نيران وعملوا مع فهد وممكن برضه بضغطة زرار يوقفوا دماغنا بس إننا نشيلها من غير ما يعرفوا مش هيحصل حاجة
هنا تحدث اللواء «أيمن» وقال باعتراض :
- أيوة بس أنا كلمت حد متخصص في الكلام ده وقالي إنه ممكن يحصل وموجود وإننا لو حاولنا نشيل الشريحة هنعرضكم للخطر
هز «طيف» رأسه بالنفي وأصر على رأيه :
- معلش يا بابا ادينا هنجرب ولو حصلي حاجة هننقذ الباقي
ثم نظر إلى «نيران» وتابع :
- وبعدين أنا جربت الأكل اللي شكينا إنه مسموم في الفندق وعدت على خير .. إن شاء الله دي كمان هتعدي على خير
ثم ابتسم وقال مازحًا :
- خلونا نخلص من فيلم اللمبي 8 جيجا اللي احنا فيه لايف ده
صمت الجميع لبضع ثوانٍ حتى تحدث اللواء «أيمن» :
- طيب تمام بس قبلها تطمن والدتك وأختك عليك
ثم نظر إلى «زين» وردد :
- وأنت يا زين اجهز علشان هبلغ الإسعاف وتروح المستشفى
وانتقل نظره إلى «نيران» :
- وأنتِ يا نيران روحي دلوقتي لأهلك اتطمني عليهم وطمنيهم برجوع الذاكرة ليكِ وبعدين تعالي
التقط أنفاسه ونظر أخيرا إلى «رماح» وهتف :
- وأنت يا رماح جهز كل حاجة ، كل حاجة لازم تتم النهاردة بالليل
- أوامر سعادتك

مر الوقت سريعًا وحضر الجميع إلى المستشفى «أسماء ، رنة ، نيران ، رماح ، أيمن ، فاطمة» ، قام بطمئنة الجميع ثم اتجه إلى نيران التي كانت تشاهد ما يحدث دون أن تتفوه بكلمة واحدة وأمسك يديها بحب وهو يقول :
- شايفك قلقانة أوي .. ماتخايفش يا نيران عمر الشقي بقي وبعدين احنا عملنا عمليات كتير كنا مهددين فيها بالموت .. اعتبري دي عملية برضه
انهمرت دمعة من عينيها ونظرت إلى عينيه قائلة :
- مالحقتش أشبع منك يا طيف ، أنت يادوب لسة راجع النهارده.. مالحقتش أتكلم معاك .. مالحقتش أبقى في حضنك لوقت طويل زي ما أنا متعودة ، خايفة تسيبني
ترك يدها وضم وجهها بين كفيه بحب قائلًا :
- أنتِ اللي كنتِ بتديني الثقة وتقوليلي انشف يا طيف وماتخافش وواجه كل حاجة ، اديني مابقيتش أخاف وبواجه مشكلة بتهددنا كلنا اهيه ولو نجحت العملية هنقذك أنتِ وفهد وزين ولو فشلت هنقذكم برضه وأنا متأكد إنكم هتلاقوا الحل ، إن شاء الله كل حاجة هتعدي زي ما عدت قبل كدا وبعدين مش أنا اللي هقولك الكلام ده .. فين نيران القوية اللي واثقة من نفسها واللي كانت بتدخلنا من شباك الفندق كأننا بندخل الملاهي
ضحكت بهدوء على كلمته وظلت هكذا تنظر إلى وجهه فسألها سؤاله المعتاد والذي يعرف إجابته :
- بتبصيلي كدا ليه؟
حاوطت رقبته بذراعيها وقالت بحب :
- بحب أبصلك .. بحب أشوفك ، بحس إني فرحانة طول ما أنا شايفاك قدامي ، علشان خاطري ماتسيبنيش وارجعلي مش هتبقى موتة زي دي
ابتسم وردد تلك الجملة التي قالتها سابقًا :
- صح احنا عايزين موتة أشيك من دي ، سيبيها على الله .. يلا علشان ألحق
حضنته بقوة وكأنه حضنها الأخير له فضمها هو الآخر بحب وظلا هكذا حتى ابتعدت عنه وقالت :
- يلا علشان تلحق .. هستناك !
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- وأنا إن شاء الله هرجعلك تاني
تراجع بظهره إلى الخلف ونظر إلى الجميع وكأنها نظرة الوداع ثم التفت ودلف إلى الغرفة .…
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الحادي والثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد

"قبل ساعات"

اطمأن الطبيب على حالته الصحية وابتسم له قائلًا :
- الحمد لله مفيش حاجة وخياطة الجرح كويسة جدا أنا من رأيي ماتتغيرش وتفضل سايبها ، بس مش معقول مش دكتور اللي مخيطها
ابتسم «زين» وهز رأسه قائلًا :
- هو دكتور متخصص وكدا بس هو دكتور نفسي وكان فاهم وكدا المهم تسلم يادكتور عايز بس علاج علشان في ألم رهيب
تركه الطبيب وجلس على الكرسي الخاص بمكتبه :
- طبعا طبعا أنا هكتبلك على مسكن وكذا حاجة للجروح ، ماتقلقش أنت بخير ومكان الرصاصة مش حرج خالص وده اللي مساعدك تقف على رجلك لحد دلوقتي
في تلك اللحظة سمعوا طرقات على الباب وبعدها فُتح لتدخل منه «نايا» التي لم تصدق عينيها ، هو أخبرها منذ قليل عن طريق هاتف «رماح» لكن سماع الخبر شئ ورؤية الحقيقة شيء آخر ، أسرعت تجاهه وحضنته وهي تقول :
- زين أنت كويس !
ابتعدت قليلا وتابعت :
- الجرح واجعك ! الدكتور قالك ايه
ابتسم لها وأشار إليها بالجلوس وبالفعل جلست وجلس هو أمامها وقال :
- ماتقلقيش أنا بخير وصحتي زي الفل وعندك الدكتور أهو اسأليه لو مش مصدقة
نظرت إلى الطبيب وقالت بلهفة :
- هو كويس يا دكتور والجرح ده عبارة عن ايه وايه سببه ؟
أنهى كتابة الأدوية التي سيأخذها ونظر إليها قائلًا بابتسامة :
- أنتِ قلقانة كدا ليه !! هو كويس وزي الفل زي ما قالك ، الرصاصة كانت في بطنه ومأثرتش على أي عضو في جسمه خالص .. هو بس هياخد الأدوية دي وهيبقى أحسن من الأول

خرج أخيرا من المستشفى وكانت هي بصحبته وما إن خطى بقدميه إلى الخارج حتى نظر إليها وقال بقلق :
- هي ياسمين مش بترد على موبايلها ليه !
ابتسمت وأجابته :
- راحت الشركة علشان في ميتينج مهم .. ده اللي قالته قبل ما تمشي بس المفروض تكون دلوقتي روحت ، يلا بينا نرجع على الفيلا وهنلاقيها هناك
هز رأسه بابتسام وبعد أن تحرك خطوتين وقف مرة أخرى ورفع إحدى حاجبيه وهو يقول متسائلًا :
- جيبتِ الموبايل بتاعي والعربية زي ما قلتلك ؟
وضعت يدها بداخل حقيبتها ورفعت هاتفه ومفاتيح سيارته أمام عينيه وهي تقول :
- موبايلك أهو ومفاتيح عربيتك أهيه .. وعربيتك هناك أهيه مركونة
ابتسم وتناولهما منها وهو يقول :
- تسلميلي يا أحلى بنت خالة وأحلى بنت وعروسة في الدنيا

اتجه إلى سيارته واستقل المقعد الأمامي خلف المقود واستقلت هي المقعد الأمامي بجواره ، نظر إلى سيارته بسعادة وقال :
- ياااه وحشتني العربية .. ريلي وحشتني
رفعت هي إحدى حاجبيها ورددت بعدم رضا :
- يعني هي بس العربية اللي وحشتك !
ضحك وداعب وجنتيها كالأطفال وهو يقول :
- يا حبيبتي أنا بتكلم عن اللي وحشني في الجماد إنما الإنسان فطبعا حبيبة قلبي ياسمين وحشتني جدا
ضربته في كتفه بخفة قائلة :
- أنت رخم على فكرة
- استني بس ماتزعليش أنا بهزر .. طبعا وحشتيني ووحشتيني جدا جدا جدا من هنا للسنة الجاية وكنت بفكر فيكِ علطول
ابتسمت ونظرت إلى الأسفل بحرج فاتسعت ابتسامته هو قائلًا :
- ياعيني عليكِ وأنتِ مكسوفة .. بتبقي مشمشاية عايزة تتاكل
ضحكت وأشارت إلى الطريق :
- طيب سيبك من المشمشاية وسوق يلا خلينا نمشي ونطمن ياسمين ورقية عليك
- أنت تؤمر يا جميل

قاد سيارته إلى الفيلا وما إن وصل حتى أسرع إلى الداخل متشوقًا لرؤية شقيقتيه وبالفعل تفاجأ بشقيقته الصغرى عندما دخل فأسرعت تجاهه وحضنته بقوة وهي تقول :
- زيين ! أخيرا جيت
ابتسم وأبعدها عنه قليلا قبل أن يقول :
- معلش يا حبيبتي غصب عني والله بس اديني رجعتلك تاني اهو ومش هسيبك تاني أبدا إن شاء الله
حضنته مرة أخرى وقالت بتلقائية :
- أنا شوفت صورتك على التليفزيون
ابعدها عنه قليلا وضيق ما بين حاجبيه وهو يقول :
- على التليفزيون !
هزت رأسها بالإيجاب وتابعت :
- أيوة أول ما اتخطفت جابوا صورتك أنت وظابط تاني اسمه سيف
قاطعها ليصحح :
- طيف
هزت رأسها مؤيدة كلامه وتابعت :
- وشفتك تاني أنت والظابط بس كان فيديو وأنت بتكلم حد وضهره بس اللي باين
هز رأسه بعدم فهم ونظر إلى «نايا» التي حركت رأسها بعدم فهم فنظر إلى شقيقته مرة أخرى وقال :
- ازاي يعني واتعرضت على قناة ايه ؟
أجابته ببراءة :
- اتعرض على كل القنوات .. كان فيديو ليك أنت والظابط صاحبك والراجل اللي كان واقف قال إنهم بيعبدوا الشيطان ، بس ليه مااتحرقش لما قلت أنت وصاحبك قرآن ؟
لم ينتبه لسؤالها ونظر إلى الفراغ بتفكير مما دفع «نايا» لأن تسأله عن سبب تفكيره :
- مالك يا زين وايه الفيديو ده أنا مش فاهمة حاجة
نظر إليها وأجابها :
- مش فاهم .. ده حوار بيني وبين الراجل اللي تبع العصابة أو المنظمة دي بس ازاي اتصورت فيديو وازاي وصل للقنوات ! أنا مش فاهم حاجة الصراحة ومش فاهم دماغهم
تذكر في تلك اللحظة شقيقته الكبرى فنظر إلى «رقية» وقال متسائلًا :
- فين ياسمين ؟
هزت رأسها بعدم معرفة وأجابته :
- لسة ماجاتش من الشركة .. من ساعة ما خرجت الصبح مارجعتش
- ازاي يعني ؟
نهض من مكانه وأمسك بهاتفه قبل أن ينقر على رقمها ويرفع هاتفه على أذنه ، انتظر لعدة ثوانٍ لكن لا يوجد رد فحاول الاتصال مرة أخرى لكنه لم يحصل على إجابة فنظر إليهم وردد :
- خليكم هنا ، أنا هروحلها الشركة
بالفعل تركهما واتجه إلى الباب وما إن فتحه حتى وجدها أمامه ، لم تصدق عينيها فهو الآن يقف أمامها .. هل هذا حلم أم واقع ! لم تشعر بنفسها إلا وهي بين أحضانه ، مسح على رأسها وهو يقول :
- اتآخرتي كدا ليه أنا اتصلت بيكِ كذا مرة ومفيش رد
ابتعدت قليلا ونزعت هاتفها من حقيبتها قبل أن تجيبه :
- كنت عاملاه صامت ونسيته المهم طمني أنت عامل ايه وجيت امتى .. أنت كويس
إبتسم وهز رأسه بالإيجاب وهو يجيبها :
- أنا زي الفل ورجعت النهارده ، هحكيلك كل حاجة بس قوليلي ايه اللي آخرك كدا وكنتِ عاملة الموبايل صامت ليه مش عوايدك يعني

تذكرت ما حدث ونظرت إليه بحزن وهي تجيبه :
- بعد الاجتماع نائل جاله تليفون إن مامته تعبانة وأنا عرضت عليه أوصله وبلغت الدكتور بس للأسف توفت أول ما وصلنا وفضلت مع أخته شوية وبعدين جيت اخد شاور وهروح تاني
شعر بالحزن لما سمعه وردد :
- لا حول ولا قوة إلا بالله ، ربنا يرحمها ويصبره .. هاخد أنا كمان شاور وأروحله .. لازم أقف معاه لأنه تقريبا مالهوش حد ، لما تخلصي ماتمشيش هنروح مع بعض

***

عاد «طيف» إلى المنزل وما إن رأته والدته حتى ضمته بحب ولهفة وهي تقول :
- طيف حبيبي .. حبة عيني
شعر بالراحة بالقرب منها وربت على ظهرها بحب قبل أن يقول :
- ماتزعليش مني يا ماما علشان خليتك تعيشي الخوف والقلق ده
تركته وضمت وجهه بين كفيها بحب وهي تقول :
- عمري ما هزعل منك يا حبيبي وده شغلك واللي حصلك ده غصب عنك ، المهم إنك رجعتلي بخير
ابتسم واتجه إلى شقيقته وحضنها بحب وهو يقول :
- ازيك يا لمضة
ابتسمت وابتعدت قليلا وهي تقول :
- أيوة ياعم بقيت تتخطف وتعيش أفلام أكشن واتشهرت على التلفزيون كمان
رفع إحدى حاجبيه وردد مازحًا :
- حتى الخطف فيه قر !! وبعدين اتقالي إني اتشهرت على التلفزيون ونزلوا صورتي .. طول عمري شبح ومشهور
- شبح ايه أنت اتخطفت وكنت في الفيديو شبه القطة البلدي اللي خايفة تقول نو
ارتفع حاجبيه بصدمة وقال بعدم رضا :
- أنا شبه القطة البلدي !! ماشي يا رنة الموبايل أنتِ
ثم انتبه لما قالته وردد متسائلًا :
- أنتِ قلتِ فيديو ! فيديو ايه ؟
أشارت إلى التلفاز وقالت :
- فيديو وأنت بتكلم حد من العصابة بتوع عبدة الشياطين .. القنوات كلها كانت عارضاه من ساعة ، بس بصراحة بعيدًا عن إنك شبه القطة بس خليته مش عارف يرد وقلت كلمتين حلوين
اتجه إلى التلفاز وأمسك بجهاز التحكم ثم قام بتبديل القنوات حتى وجد إحدى القنوات الإخبارية تقوم بعرض الفيديو الخاص بـ «زين» وما إن انتهى حتى عُرض الفيديو الخاص به ، كان في حالة صدمة وانتبه ليد والدته التي تربت على ظهره وهي تقول :
- ربنا يحميك يا حبيبي ، عجبني ردك عليهم الشياطين الأبالسة دول .. ربنا يحميك منهم وتقدروا تقبضوا عليهم وتخلصوا البلد منهم
ابتسم لها وربت على يدها بحب لكن كان عقله منشغلًا بما حدث فهو لم يعد يعرف طريقة تفكيرهم ولماذا تم تسريب هذا الفيديو لقنوات التليفزيون !
ترك والدته وأمسك بهاتفه وهاتف أبيه الذي رد عليه على الفور :
- أيوة يا طيف في حاجة ؟
- أيوة يا بابا .. شوفت الفيديو بتاعي أنا وزين اللي منتشر على كل القنوات
هز رأسه بالإيجاب وأجابه :
- اه لسة شايفة من شوية وأمرت رماح يعرف الفيديو ده وصلهم ازاي ومين وصله ليهم بس تفتكر ايه غرضهم من نشر الفيديوهين دول مع إنك أنت وزين كنتوا غالبينهم في الكلام
شرد «طيف» قليلا وتذكر حديث «غارم» معه فأسرع وأجاب والده :
- لما قال إن غرضهم هو إن أكبر عدد ينضم ليهم ويكبروا أكتر ، أكيد هو نشر الفيديوهات دي علشان يولع الدنيا وكل الناس تتكلم وبرضه ناس تنضم ليهم وينشروا فكرة إنهم منتصرين علينا ويقدروا يعملوا أي حاجة ومحدش يقف قصادهم
هز «أيمن» رأسه بالإيجاب وقال :
- فعلا عندك حق .. أكيد ده غرضهم ، اجهز أنت بس علشان عملية بليل وأنا هحاول أشوف الدنيا

***

أخفت «نيران» أمر رجوع الذاكرة لها ودلفت إلى الداخل بعدما رحبت بها والدتها ، جلست وجلست والدتها أمامها قبل أن تقول بحب :
- ازيك دلوقتي يا حبيبتي وطيف رجع ولا لسة
ابتسمت لها وأجابتها بسعادة :
- أيوة الحمدلله رجع يا ماما والذاكرة رجعت كمان
اتسعت حدقتاها بصدمة وعدم تصديق وهي تقول :
- بجد يا نيران ! بجد ؟
اقتربت أكثر من والدتها وضمتها إليها بحب وهي تقول :
- أيوة يا حبيبتي بجد .. الحمدلله
ضمتها بأريحية وهي تقول :
- ألف حمد وشكر ليك يارب ، ربنا يبعد عنك كل شر يا نيران .. أنتِ شوفتِ أيام صعبة كتير ، ربنا يعوضك خير يا حبيبتي
في تلك اللحظة نزل «ذاخر» الدرج وهو يحدق بعينيه غير مصدق وجود شقيقته التي يحبها كثيرا وهي أيضًا انتبهت له فابتعدت عن والدتها وانطلقت إليه بلهفة وهي تقول :
- ذاخر حبيبي وحشتني أوي ، أنت رجعت امتى ؟
مسح على رأسها بحب وأجابها :
- وأنتِ والله وحشتيني اوي .. أنا لسة راجع النهارده.. قوليلي صح أنتِ كويسة ! ورجعتِ ازاي
ابتسمت وابتعدت عنه قليلا وهي تجيبه :
- لا ده حوار طويل بدأ بتحديف الناس بالطوب هبقى أحكيلك بعدين على رواقة المهم هطلع أسلم على نيسان علشان واحشاني أوي
كادت تتحرك إلا أن والدتها أوقفتها وقالت :
- نيسان مش هنا .. مع فهد من امبارح في المستشفى ، ربنا يقومه بالسلامة ويشفيه
جلست وقالت بحزن :
- يارب

***

اتجه هو وشقيقته إلى منزل «نائل» وما إن وصلوا حتى وجداه يتحدث مع أحد الأشخاص أمام منزله فاقترب منه «زين» ، انتبه لوجوده ففتح عينيه بصدمة وهو يقول :
- سيادة الرائد زين ! ازيك عامل ايه ورجعت امتى
اقترب منه وصافحه :
- ماتشغلش بالك .. البقاء لله في وفاة والدتك
هز رأسه بحزن وردد :
- شكر الله سعيكم
وضع يده على كتفه وقال بجدية :
- نائل أي حاجة هتحتاجها قول احنا أخوات وأنت عارف كدا كويس
ابتسم «نائل» ابتسامة خفيفة وأجابه :
- طبعا عارف ده ، تسلم على سؤالك .. اه صح تعالى اتفضل معلش مش مركز
ابتسم «زين» وربت على كتفه بحب وهو يقول :
- ولا يهمك
لاحظت «ياسمين» الانكسار الذي يسيطر على صوت «نائل» مما أشعرها بالحزن وصعدت إلى المنزل خلفهما ...

رُفع أذان العشاء وتمت الصلاة على والدته قبل أن ينقلها عدد كبير إلى المقابر ويتقدمهم «زين» الذي كان يرفع التابوت الذي يوجد بداخله والدته وتنهمر الدموع من عينيه ، وصلوا إلى المقابر وبعد وقت قصير انتهوا جميعا وبدأ أحدهم بالدعاء لها وظل الوضع هكذا لمدة خمس دقائق ، رحل الجميع وبقى «نائل» الذي كان يقف أمام قبر والدته فاقترب منه «زين» ووضع يده على كتفه وهو يقول :
- العزاء بكرا صح ؟
هز رأسه بالإيجاب ليؤكد تلك المعلومة وأردف :
- أيوة في البيت والشارع عندي
ربت على كتفه بهدوء وردد :
- طيب أنا همشي دلوقتي علشان واحد زميلي هيعمل عملية كمان ساعة ولازم أبقى معاه ، هعدي عليك بكرا بعد الشغل إن شاء الله
ابتسم بمجاملة وهو يهز رأسه قائلًا :
- معلش تعبتك أنت والأنسة ياسمين معانا النهارده
- تعب ايه يا نائل هو الكلام ده بينا ! أنا زي ما قلتلك بعتبرك أخ كبير ... بعد اذنك
تركه واتجه إلى سيارته التي كانت بها «ياسمين» ومعها شقيقة «نائل» ، ضمت وجهها بين كفيها وقالت :
- هجيلك بكرا إن شاء الله بس مش عايزة الدموع دي يا يارا علشان خاطري ، عايزاكِ أقوى من كدا .. إن عارفة إن اللي حصل صعب عليكِ لأني عيشت الظروف دي قبل كدا لكن مع الوقت اللي حصل ده هو اللي هيديكي القوة إنك تكملي ، اسعي إنك تنجحي واتخيلي إنها قدامك في كل لحظة واتخيلي إنها بتفرح بكل خطوة بتقربك من النجاح هتلاقي نفسك عايشة وحاسة إنك بتعملي حاجة تفتخري بيها وتخلي ماما تفتخر بيها
اراحتها تلك الكلمات قليلا وابتسمت لها من بين دموعها وهي تقول :
- أنتِ طيبة اوي يا ياسمين
دمعت عيناها من كلماتها ومسحت على رأسها قائلة :
- اعتبريني أختك الكبيرة وإن شاء الله الظروف اللي احنا فيها دي تعدي وأنا هعملك مفاجأة حلوة ونبقى أصحاب تمام ؟
هزت رأسها بالإيجاب دون أن تنطق وترجلت من السيارة ذاهبة إلى شقيقها الذي كان واقفًا وكأنه منعزل عن العالم من حوله.

اتجه «زين» إلى سيارته واستقل المقعد الأمامي خلف المقود وقبل أن ينطلق نظرت إليه شقيقته وقالت متسائلة :
- نائل عامل ايه ؟
نظر إليها وقال بحزن :
- بيحاول يظهر متماسك لكن هو مش كدا خالص وخايف ينهار في أي وقت لأن والدته كانت بمثابة أمه وأبوه اللي اتحرم من حنانه طول حياته ، كانت كل حياته فخسارتها حاجة كبيرة أوي بالنسبة له ، ربنا يصبره ويعدي الأزمة دي على خير
نظرت إلى الطريق أمامها بحزن وقالت بخفوت :
- يارب
انطلق بسيارته وسار عدة أمتار قبل أن ينظر إليها ويقول :
- أنا هوصلك الفيلا وهطلع على المستشفى ، واحد صاحبي هيعمل عملية ولازم أكون جنبه
عقدت حاجبيها بتعجب وقالت متسائلة :
- صاحبك مين ؟
نظر إلى الطريق أمامه وردد بغموض :
- صاحبي من زمان .. هبقى أحكيلك بعدين
بالفعل أوصلها إلى المنزل وانطلق في طريقه إلى المستشفى ...

***

مر الوقت سريعًا وحضر الجميع إلى المستشفى «أسماء ، رنة ، نيران ، رماح ، أيمن ، فاطمة»
اقترب «طيف» من والدته التي كانت تبكي وقبل يدها بحب قبل أن يقول :
- ماتعيطيش يا ماما علشان خاطري .. كل حاجة هتعدي وأوعدك بده
هزت رأسها بحزن قائلة :
- توعدني ازاي ! وتهديدهم صريح بإنك لو شيلت الشريحة دي هـ ...
لم تستطع تكملة الكلمة فابتسم كي يبث الطمأنينة في قلبها وقال :
- سيبيها على الله .. ادعيلي أنتِ دعوتك مستجابة
ضمت وجهه بين كفيها بحب وقالت بعينين دامعتين :
- بدعيلك والله من قلبي .. كل نبضة في قلبي في كل لحظة بتدعيلك ، ربنا يعدي كل ده على خير ويرجعك لينا بالسلامة يا حبيبي
حضنها بحب ثم ابتعد عنها واقترب من أبيه وقال بابتسامة :
- أي خدمة يا سيادة اللواء حققتلك رغبتك في إني أبقى ظابط ، يارب تبقى فخور بيا
أمسك كتفيه بحب وقال بجمود :
- أنا طول عمري فخور بيك يا طيف ، فخور إني عندي ابن زيك ، فخور إنك طلعت محترم غير شباب اليومين دول ، فخور إنك بطل بتواجه كل الصعوبات وأخيرا فخور إنك أخيرا تخطيت أزمة الخوف وبقيت عارف يعني ايه تبقى ظابط
أسعدته تلك الكلمات كثيرا وقال مازحًا :
- ايهوالكلام الكبير أوي ده يا بابا ! لا لا أنا مش اد كلام الروايات والمسلسلات ده ودمعتي قريبة
ضحك والده وضمه إلى صدره بحب قبل أن يبعده قليلا وهو يقول :
- مستنينك تقوم بالسلامة يا بطل
- إن شاء الله

اتجه إلى نيران التي كانت تشاهد ما يحدث دون أن تتفوه بكلمة واحدة وأمسك يديها بحب وهو يقول :
- شايفك قلقانة أوي .. ماتخافيش يا نيران عمر الشقي بقي وبعدين احنا عملنا عمليات كتير كنا مهددين فيها بالموت .. اعتبري دي عملية برضه
انهمرت دمعة من عينيها ونظرت إلى عينيه قائلة :
- مالحقتش أشبع منك يا طيف ، أنت يادوب لسة راجع النهارده .. مالحقتش أتكلم معاك .. مالحقتش أبقى في حضنك لوقت طويل زي ما أنا متعودة ، خايفة تسيبني
ترك يدها وضم وجهها بين كفيه بحب قائلًا :
- أنتِ اللي كنتِ بتديني الثقة وتقوليلي انشف يا طيف وماتخافش وواجه كل حاجة ، اديني مابقيتش أخاف وبواجه مشكلة بتهددنا كلنا اهيه ولو نجحت العملية هنقذك أنتِ وفهد وزين ولو فشلت هنقذكم برضه وأنا متأكد إنكم هتلاقوا الحل ، إن شاء الله كل حاجة هتعدي زي ما عدت قبل كدا وبعدين مش أنا اللي هقولك الكلام ده .. فين نيران القوية اللي واثقة من نفسها واللي كانت بتدخلنا من شباك الفندق كأننا بندخل الملاهي
ضحكت بهدوء على كلمته وظلت هكذا تنظر إلى وجهه فسألها سؤاله المعتاد والذي يعرف إجابته :
- بتبصيلي كدا ليه ؟
حاوطت رقبته بذراعيها وقالت بحب :
- بحب أبصلك .. بحب أشوفك ، بحس إني فرحانة طول ما أنا شايفاك قدامي ، علشان خاطري ماتسبنيش وارجعلي مش هتبقى موتة زي دي
ابتسم وردد تلك الجملة التي قالتها سابقًا :
- صح احنا عايزين موتة أشيك من دي ، سيبيها على الله .. يلا علشان ألحق
حضنته بقوة وكأنه حضنها الأخير له فضمها هو الآخر بحب وظلا هكذا حتى ابتعدت عنه وقالت :
- يلا علشان تلحق .. هستناك !
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- وأنا إن شاء الله هرجعلك تاني
تراجع بظهره إلى الخلف ونظر إلى الجميع وكأنها نظرة الوداع ثم التفت ودلف إلى الغرفة.

في تلك اللحظة حضر «زين» واقترب بهدوء من اللواء «أيمن» وهو يقول :
- طيف دخل خلاص ؟
هز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- أيوة ودلوقتي هنستناه
ثم حرك رأسه بمغزى فهمه هو جيدًا فهز رأسه بالإيجاب وسار إلى نهاية الممر الطويل ليجد أحد الأطباء في انتظاره ، تابعت «نيران» ما يحدث بتعجب وكانت على وشك الذهاب إلى «أيمن» والتحدث معه إلا أنها سمعت صوت من خلفها :
- مدام نيران !
التفتت ونظرت إليها بتعجب وهي تقول :
- افندم ؟
أشارت إلى الممر كي تسير معها دون أن تتحدث فنظرت هي إلى اللواء «أيمن» الذي حرك رأسه بمعنى "اذهبي .. سأوضح الأمر لاحقًا" ، بالفعل سارت معها إلى نهاية الممر ثم أشارت إلى غرفة فدلفت إلى داخلها.

لم تفهم «فاطمة» ما يحدث وهمست إلى «رماح» الذي كان يتابع الموقف بجدية وينتظر دوره :
- ايه اللي بيحصل يا رماح ؟
نظر إليها وابتسم بثقة قائلًا :
- اللي المفروض كان يحصل من زمان .. اجهزي المعركة بدأت
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثاني والثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


اقتربت من أخيها الذي كان يجلس على حجر أمام قبر والدته وينظر إليه بصمت أو بمعنى أدق صدمة ، لم يمكن يتخيل أن هذا اليوم سوف يأتي وسيعيش أحداثه ، دائمًا ما كان يسمع عن أخبار الوفاة وموت أشخاص أعزاء على أقاربه لكنه لم يتخيل أنه سيكون ضمن هؤلاء الأقارب الذين فقدوا أعز ما يملكون ، لم يصدق أنه هنا الآن أمام قبر والدته التي كانت تنصحه وتتحدث معه بالأمس ، تخيل للحظة أنه في كابوس وسيستيقظ منه في أي لحظة لكنه ظل مكانه ولم يحدث شيئا فنظر إلى الأسفل بحزن ، شعر بجلوس شقيقته بجواره فنظر لها ليجدها غارقة في دموعها وهي ترمق قبر والدها بصدمة وحزن شديدين فحاوطها بذراعه وضمها إلى صدره بحنو شديد وهو يقول :
- ماما في مكان أحسن بكتير من هنا .. مكان مافيهوش وجع قلب ولا تعب ولا حزن .. مافيهوش ناس حقودة ولا بتتمنى الشر لحد .. مكان نقي وجميل ، أنا معاكِ إننا مش قادرين نستحمل فراقها ومصدومين بس المفروض بدل ما نعيط ندعيلها ونفرح إنها استريحت من التعب اللي كانت بتعيشه كل يوم ، ماما شافت سنين صعبة كتير أوي ، تقريبا عمرها كله كان تعب وشيل مسئولية ودلوقتي بس قدرت تستريح ولازم احنا نكون أولادها الصالحين اللي دايما مش ناسينها ونفضل ندعيلها في كل صلاة .. صح كلامي ؟
هزت رأسها بالإيجاب ومسحت دموعها وهي تقول :
- صح بس أنت بتبقى نص اليوم في الشغل وأنا الوقت ده كنت بذاكر وبخلي ماما تسمعلي وأحيانا كنت بقعد أتكلم معاها ونقعد نسلي بعض لكن دلوقتي هبقى وحيدة ، هتوحشني ضحكتها أوي .. هيوحشني دعاويها ليا وكلامها اللي كان بيشجعني على المذاكرة
مسح على رأسها بحب وضمها إلى صدره أكثر وأردف :
- اعتبريها معاكِ وشجعي نفسك على المذاكرة ، أقولك ! الموبايل بتاعي في أسبوع العيد ده اتصورنا مع بعض صور كتير أوي .. الموبايل ده جه في وقته علشان نتصور معاها صور كتير وتبقى ذكريات .. أنا هجيبلك موبايل وأبعتلك الصور دي ووقت ما تحسي إنك مفتقداها أوي افتحي الصور وبصيلها واعتبري نفسك بتعيشي نفس الموقف تاني .. مش هتحسي بوحدة بالعكس هتبتسمي وتحسي إنك معاها تاني وأنا لما اجي من الشغل ليكِ عليا أقعد معاكِ وأرغي زي ما تحبي وأسمعلك كمان اللي عايزاه
هزت رأسها بالإيجاب وسندت برأسها على صدره وهي تنظر إلى قبر والدتها دون أن تنطق ...

***

دلفت «نيران» إلى غرفة العمليات وقامت الطبيبة بإعطائها المخدر الموضعي وبدأت في قطع مكان الشريحة بهدوء وبعدها وضعت أداة صغيرة داخل الجرح وبحركة خفيفة انتزعت تلك الشريحة التي كانت في نهايتها مصباح صغير جدا يضئ باللون الأحمر والأزرق معا ، قامت بتطهير الجرح وقامت بتغطيه بقطن ولاصق طبي ، التفتت برأسها نصف التفاتة وقالت :
- خلاص كدا يا دكتور ؟
أجابتها وهي تقوم بلصق اللاصق الأخير :
- أيوة خلاص .. حمدلله على سلامتك
اعتدلت في جلستها بحذر ونظرت إلى تلك الشريحة بتعجب وحاولت الإمساك بها إلا أن الطبيبة قامت بمنعها قائلة :
- بلاش تمسكيها علشان منضمنش فيها ايه ، اللواء أيمن هيبعت حد متخصص يفحصها
هزت رأسها بالإيجاب وتراجعت عن مسكها ثم نهضت من مكانها واتجهت إلى اللواء «أيمن» وقبل أن تتحدث خرج «طيف» من غرفة العمليات وأسرعت والدته إليه وهي تقول بسعادة :
- حبيب قلبي حمدلله على سلامتك
حضنها بحب وقال :
- الله يسلمك يا حبيبتي .. مش قلتلك متقلقيش
تركها واقترب من والده وردد بابتسامة :
- خطتنا نجحت
بدلت نظراتها بين «أيمن» وزوجها «طيف» بتعجب وأخيرا تحدثت :
- أنا مش فاهمة حصل ايه وليه عملنا العملية كلنا في وقت واحد وخطة ايه اللي بتتكلموا عنها !
اختفت ابتسامة «طيف» ونظر إلى والده بتردد ليتحدث هو بدلا عنه لأنها ستحزن كثيرًا عندما تعرف أن الأمر تم دون علمها ، فهم والده القصد من نظرته وبدأ في سرد الخطة منذ بدايتها :
- اللي حصل إني اتفقت مع زين وطيف في المكتب الصبح بعد ما أنتِ مشيتِ وحطينا خطة إنكم كلكم هتعملوا العملية في وقت واحد وهنستخدم جهاز تشويش على إرسال الشرايح علشان نضمن سلامتكم لأني لما سألت طلع الموضوع جد ، اتفقنا ازاي بقى ! كتبنا على ورق خطتنا واتفقنا إنها تكون بينا احنا التلاتة وبعدها بلغت رماح بالتفاصيل ، مارضيتش أقولك أنتِ ولا فاطمة علشان كل حاجة تبقى طبيعية حتى توديع طيف وكلامكم لأنهم المفروض كانوا بيسمعوا ده غير إنك ماكانش ينفع تعرفي علشان مشيتِ ولو كنت كلمتك تيجي كانوا هيشكوا إن في حاجة ، حتى أسماء ماعرفتش حاجة علشان توديعها لطيف يبقى طبيعي ، بلغت زين يجي هنا وقت العملية وكلمت نيسان أختك تجيب فهد وتيجي هنا والمفروض زمانه خلص العملية دلوقتي تحت
هزت رأسها بحزن وسألت سؤال آخر :
- وازاي اشتغل جهاز التشويش ده ؟
ابتسم «أيمن» وأجابها :
- حد تبعهم حب يتعاون معانا وعرفنا تردد الشرايح وازاي نشوش على الإشارة وبناءً عليه الخطة دي اتحطت والحد ده محدش يعرفه غيري أنا وطيف وزين
نظرت إلى «طيف» بصدمة ورددت بحزن :
- أنت كنت عارف كل ده وماحاولتش تقولي حتى لو بكتابة ! ده أنا المفروض مراتك يعني تشاركني كل حاجة !!
كان على وشك النطق إلا أن والده أوقفه وتحدث عنه :
- دي كانت أوامري يا نيران علشان كل حاجة تبان طبيعية ووقت ما يقرروا يخلصوا عليكم عن طريق الشريحة يلاقوا عائق التشويش ونبقى انتصرنا عليهم في المعركة دي ، طيف كان بينفذ الأوامر بس وبعدين ركزي في الجانب الإيجابي وهو إنكم كلكم الحمدلله قمتوا بخير
هزت رأسها بالإيجاب وابتسمت نصف ابتسامة قبل أن تبتعد عنهم لتبقى وحدها خاصة بعد أن شعرت بالوحدة وسطهم.
ترك «طيف» والده واتجه ناحيتها وما إن أصبحت أمامه مباشرة حتى وضع يده على كتفه فأبعدت نفسها بسرعة ، رفع يديه أمامها وقال بأسف :
- أنا آسف إني خبيت عليكِ .. مش هقولك علشان دي أوامر بابا والكلام ده لكن أنا أصريت إني أخبي علشان خايف عليكِ أنتِ .. خوفت يعرفوا أي حاجة وده يتسبب في إني أخسرك طول عمري ، مش مهم نفسي المهم أنتِ
انهمرت دموعها وحركت رأسها بحزن وهي تقول :
- ماتحاولش تخدعني بالكلام ده لأن اللواء أيمن قال إن في جهاز تشويش يعني حتى لو اكتشفوا اللي بيحصل ماكانوش هيقدروا يعملوا حاجة أصلا
رفع إحدى حاجبيه وهو يقول معترضًا :
- مين قالك كدا !! لو كانوا عرفوا كانوا غيروا تردد الشرايح كلها وساعتها لما نشوش مفيش حاجة هتأثر وهنموت كلنا ! الراجل اللي بلغ بابا قاله إنهم هيستنوا لآخر لحظة قبل نزع الشريحة وبعدين يصدروا الأمر بالموت فورا لأن دي طريقتهم لكن باللي حصل ده احنا كلنا نجحنا وأنا عمري ما خبيت ولا هخبي حاجة عنك إلا لو كانت لحمايتك
هزت رأسها بالنفي ورددت :
- كان ممكن تقولي عن طريق إنك تكتبلي رسالة أو حتى تيجي بيت بابا وتكتب في ورق زي ماأنا عملته في الخطة
تنفس بأريحية ونظر إلى عينيها وهو يقول :
- أولا ممكن تكون رسايلنا ومكالماتنا متراقبة ومش أنا اللي هعرفك الكلام ده يا نيران ثانيا بقى لو كنت جيتلك بعد أوامر بابا بإن كل واحد يروح البيت وكدا كانوا هيشكوا إن حصل حاجة وحكاية تغيير التردد ده الراجل ده حذر بابا منها كتير وقاله إنهم لو حسوا بحاجة هيتغير التردد على طول ، كل ده كنت خايف عليكِ وعلينا والله مش علشان حاجة
ابتسمت بسخرية وتراجعت خطوة إلى الخلف استعدادا للرحيل وقالت :
- للأسف سيادة اللواء بيبلغك أنت ورماح وزين بس ومابلغناش انا وفاطمة علشان احنا كبنات ممكن نرتكب أخطاء لكن احنا زينا زي الرجالة ونقدر نمثل ونأدي دورنا كويس أوي بس أنتوا عمركم ما هتفهموا ده ، بعد اذنك
رحلت وتركته في حالة من الدهشة والتعجب مما قالته وظل هكذا إلى أن اقترب منه «زين» ووضع يده على كتفه وهو يقول :
- حمدلله على سلامتك يا بطل .. الخطة نجحت
نظر إليه «طيف» وردد بابتسامة :
- الله يسلمك ومبروك انضمامك للفريق معانا
- الله يبارك فيك ، صحيح لاحظت إن مراتك متضايقة ومشيت على طول وأنا جاي عليك
نظر إلى الأسفل بحزن ثم رفع رأسه وقال مازحًا :
- طلعت الرجالة أنانيين وبنضطهد المرأة علشان خبيت عنها الخطة ، هسيبها تهدا شوية وهروح أكلمها تاني
وضع يده على كتفه وقال بابتسامة :
- طبيعي يبقى ده رد فعلها علشان خبيت عنها ، ماتفضلش واقف كدا وروح دلوقتي راضيها
هز رأسه بالإيجاب وتحرك بالفعل وأثناء رحيله تفاجأ بـ «فهد» فأسرع وصافحه قائلا :
- حمدلله على سلامتك يا بطل
أجابه بسعادة :
- الله يسلمك يا طيف
نظر «طيف» إلى «نيسان» التي لم تفارقه منذ بداية الأزمة وقال :
- ازيك يا نيسان .. ربنا يخليكم لبعض
ابتسمت وردت عليه :
- الحمدلله بخير يا طيف .. صحيح فين نيران مش معاك ليه
عبثت ملامحه واجاب بحزن :
- شدينا مع بعض شوية في الكلام ومشيت ،
أختك دي مجنونة والله
ضحكت على جملته وأجابته بثقة :
- طول عمرها مجنونة ومتهورة وقلت هتعقل لما تتجوز بس على اد كدا قلبها طيب .. روحلها وكلمها وهتنسى أي حاجة على طول
هز رأسه بالإيجاب وبدل نظراته بينهما بابتسامة وهو يقول :
- طيب أسيبكم أنا بقى .. سلام

تركهما واتجه إلى سيارته وقادها إلى منزل «نيران» وما إن وصل حتى فتح له حارس الفيلا الباب الخارجي فتقدم بسيارته إلى الداخل وترجل منها قبل أن يتجه إلى الباب ويضغط على زر الجرس ، ما هي إلا ثوانٍ حتى فتحت له «أنهار» فابتسم وهو يقول :
- ازيك يا حماتي عاملة ايه
تعجبت من أن «نيران» ليست معه فقالت :
- الحمدلله بخير يا حبيبي .. امال فين نيران مش معاك ليه
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وأردف :
- ايه هي مش هنا ؟ أنا كنت جاي وفاكرها هنا
حركت رأسها بالنفي وأردفت :
- لا هي مشيت من ساعتها وقالت إن عندها مهمة معاك وماقالتش حاجة تانية .. هو أنتوا اتخانقتوا ولا ايه ؟
أجابها بحزن :
- حصل سوء تفاهم كدا وهكلمها ، على العموم أنا هعرف أوصلها متقلقيش
تركها واتجه إلى سيارته وأمسك بهاتفه وهو يقول :
- يارب تكون خدت الموبايل .. يارب يارب
وفجأة صاح بقوة :
- يس
انطلق بسرعة إلى مكانها الذي عرفه عن طريق تطبيق قام بتثبيته على هاتفها أثناء غيابها ، وصل إلى وجهته وترجل من سيارته أمام نهر النيل ، سار لعدة أمتار بحثًا عنها فوجدها تجلس على حجر ضخم وتنظر إلى المياه بحزن فابتسم وتقدم تجاهها قبل أن يجلس بجوارها بحركة مباغتة ، نظرت إليه بتعجب فظل موجهًا نظره إلى المياه وهو يقول :
- غريبة يعني ده أنتِ بتخافي من البحر بالليل ، اوعي تكوني ناوية تنتحري
ظلت موجهة نظرها تجاهه بدهشة وفجأة صاحت به :
- أنت عرفت مكاني منين ؟
نظر لها وابتسم بحركة مستفزة وهو يجيبها :
- عيب تسألي ظابط شرطة سؤال زي ده ودلوقتي يلا جاوبيني على سؤالي
نظرت إلى المياه أمامها بغضب وقالت :
- واحدة اتخطفت شهرين من عبدة الشياطين وكانت بتشوف طلاسم على الحيطة وبتشوفهم وهم بيحضروا جن عايزها تخاف من المياه !! وبعدين أنا ماانتحرتش وأنا فاقدة الذاكرة هنتحر يعني وأنا فاكرة ؟
ابتسم ووضع يده ظهرها وقال بحب :
- تعرفي إنك مافارقتيش أحلامي طول فترة غيابك ! أنا كنت بموت من غيرك .. والله كنت في حالة ماكانش حد يتخيل يشوفني بيها لدرجة إن بابا كلمني مرة واتنين ينصحني وأنا مفيش ، انا عمري ما خبيت ولا هخبي حاجة عنك أبدا وبعترف إني غلطان علشان خبيت عنك حاجة وبعد كدا أي حاجة هتبقى مشتركة بيني وبينك حتى الشغل ، هنطلع مهمات مع بعض ونبقى مع بعض في البيت وفي الإجازات وفي أي وقت بس ماتزعليش علشان أنا ماصدقت رجعتيلي تاني ، اطلبي أي حاجة وأنا هنفذها
أدمعت عيناها ونظرت إليه بشوق ولهفة قائلة :
- أنا كنت كل يوم بتخيل شكلك قدامي ، كنت بعد الأيام علشان أشوفك .. كنت في زنزانة ضلمة ووقت ما كانوا بيفتحوا ليا كان علشان الأكل وعلشان الرسالة اللي بعتهالك فقط ، كنت بعيش أسوأ أيام حياتي بجد لدرجة إني كنت بتخيلك قدامي وأقعد أتكلم معاك وفي نهاية حوارنا كنت بعيط وبترجاك تنقذني ، ماكنتش عارفة هل أنت عايش ولا لا من ساعة اللي حصل في الفندق .. استسلمت وقلت دي النهاية وفجأة لقيت نفسي هنا في أوضتي وكل الذكريات هاجمتني حتى ذكرياتي وأنا فاقدة الذاكرة ، على اد تعبي ومعاناتي بس كنت أسعد واحدة في الدنيا علشان هشوفك تاني ، طيف علشان خاطري اوعى تسيبني تاني .. أنا عارفة إنك دافعت عني لآخر نفس آخر مرة بس مش ده قصدي ، أقصد ماتبعدش عني وخليك جنبي .. شاركني كل حياتك زي ما أنا هشاركك كل حياتي
لف ذراعه على ظهرها وضمها إليه بحب :
- أوعدك إني هعمل ده حتى لو هيكون آخر يوم في عمري ، وحشتيني أوي .. وحشتني نيران ، جعان نيران
شعرت بالراحة والطمأنينة وهي تسند برأسها على صدره ، افتقدت هذا الحضن الذي يقربها من حب حياتها ، افتقدت الراحة والطمأنينة لكن الآن رُد إليها كل شيء ، تنفست بأريحية وهي تقول :
- وأنا جعانة طيف
جاء هذا الصوت الساخر من خلفهما حيث كان ضابطًا :
- وأنا جعان مجرمين ، قوم يالا أنت وهي .. ليلة أبوكوا سودا

***

أخيرا نهض من مكانه هو وشقيقته استعدادا للرحيل وما إن ألتفت حتى تفاجأ بوالده «محمد» أمامه فلم يعرف ماذا يقول وكأن لسانه قد لُجم ، أشار «محمد» إلى «يارا» وهو يفتح ذراعيه كي تقترب منه فأمسكت بيد أخيها ورفضت ذلك ، شعر بالحزن من رفضها وقال بشوق :
- تعالي يا يارا في حضني .. أنا أبوكي !
هزت رأسها بالنفي وتعلقت في ذراع أخيها كأنها تستنجد به فنظر إليها وقال :
- روحيله يا يارا
هزت رأسها بالنفي مرة أخرى ونظرت إليه بتعجب قائلة :
- أنت اللي بتقولي أروحله !
هز رأسه بالإيجاب وأكد ذلك :
- أيوة أنا يا حبيبتي .. دي كانت رغبة ماما الله يرحمها وهي اللي نصحتني بده خلينا نديله فرصة تانية
ورفع صوته أثناء قوله "فرصة تانية" فأسرع «محمد» وقال :
- عين العقل يا نائل .. أنا كنت عارف إنك عاقل وبحمد ربنا إني عندي ابن زيك وبحمد ربنا إني فوقت من غفلتي قبل فوات الآوان
رفع بصره ونظر إلى والده قبل أن يقول بتحذير :
- أنا غيرت رأيي علشان ماما الله يرحمها نصحتني بده وقالتلي طالما ندمان اديه فرصة كمان بس صدقني لو كان وجودك هنا جنبنا علشان مصلحتك هعتبرك ميت وعمري ما هسامحك ولا أنا ولا أختي طول عمرنا
هز رأسه بالإيجاب عدة مرات ليعبر عن موافقته وشوقه لهما في آن واحد وفتح ذراعيه مرة أخرى وهو يقترب منهما فما كان من «نائل» إلا أن يقترب هو الآخر ويحضن والده باشتياق وكأنه كان ينتظر هذا منذ وقت طويل ، انهمرت دموعه بكثرة ولم يعرف السبب لكن لقاء والده بعد كل تلك الأعوام يستحق البكاء كما أنه فقد والدته التي كانت كل حياته ووجود والده في تلك اللحظة كان دعم كبير له ، اقتربت «يارا» هي الأخرى وضمهما والدهما هما الاثنين بشوق وحنين كبيرين وهو يقول :
- وحشتوني أوي وحشني حضنكم .. أنا كنت غلطان بعد اللي عملته ده .. كنت غلطان أوي ، جه الوقت إني أصلح الغلط ده وأجمعكم من تاني ، لازم تكونوا معايا على طول

***

جاء هذا الصوت الساخر من خلفهما حيث كان ضابطًا :
- وأنا جعان مجرمين ، قوم يالا أنت وهي .. ليلة أبوكوا سودا
انتبه الاثنان لهذا الصوت ونهض طيف والتفت ليرى من هذا الذي يتحدث بتلك الطريقة فوجده يرتدي بدلته كضابط شرطة ، تحدث الضابط مرة أخرى بصوت مرتفع :
- مالك بتبصلي كدا ليه يالا ! هات بطاقتك وأنتِ قومي يا قطة ده أنتوا ليلتكم فل
هنا تحدث «طيف» وقال بلهجة محذرة :
- أولا محدش يقول لمراتي قطة غيري ثانيا وده الأهم بقى احنا الاتنين متجوزين وبرضه في نفس الوقت ظباط شرطة .. أنا الرائد طيف أيمن
تعالت ضحكات هذا الضابط قبل أن يقول :
- اه كل واحد هقبض عليه هيقولي إنه ظابط شرطة ، طب وريني بطاقتك كدا يا سيادة الرائد
وضع «طيف» يده بجيب بنطاله لكنه لم يجد شيء وتذكر أنه ترك محفظته مع والده قبل أداء الجراحة وترك هاتفه معه فقط ، شرد للحظات فصاح الضابط مرة أخرى :
- فين بطاقتك يالا !! اه مش معاك بطاقة كمان ؟ ده أنت يومك عسل أوي
- على فكرة أنا نسيتها علشان كنت ..
صمت ولم يكمل فنهضت «نيران» ونظرت إلى الضابط بغضب وهي تقول :
- على فكرة احنا الاتنين ظباط والطريقة دي في الكلام هتأذيك وبعدين احنا الاتنين متجوزين ، وهثبتلك إني شرطة حالا .. البطاقة بتاعتي في العربية ممكن تيجي معايا وأنا هوريهالك
تنفس بغضب وهو يقول بنفاذ صبر :
- اللهم طولك يا روح .. طيب اتفضلي معايا أما نشوف آخرتها
بالفعل تحركا ومن خلفهما ضابط الشرطة إلى أن وصلا إلى سيارتها ، فتحت باب السيارة ثم فتحت حقيبتها وبحثت عن بطاقتها الشخصية فلم تجدها ، اتسعت حدقتاها بصدمة وظلت تبحث عنها لوقت طويل إلى أن صاح الضابط مرة أخرى :
- ده كله بتجيبي البطاقة !
خرجت «نيران» من سيارتها ونظرت إليه بقلق وهي تقول :
- أنا نسيتها في البيت بس على فكرة أنا ظابط
تحدث «طيف» هو الآخر :
- وأنا كمان ظابط وصدقني هتندم لو قبضت علينا
ابتسم الضابط في وجههم وردد باستفزاز :
- أنا عايز أندم ، قاعدين تحبوا في بعض على النيل ومش معاكم بطايق كمان ! ده أنتوا ليلتكم مش هيطلعلها شمس
تذكر «طيف» شيئا فأسرع وقال :
- أنا مصور البطاقة بتاعتي على الموبايل وهي في العربية .. تعالى وهوريهالك
وقبل أن يتحرك أوقفه الضابط بيده قائلًا :
- هوب هوب هوب رايح فين يا شبح .. قال مصور البطاقة على الموبايل ، أنت هتهزر يا روح أمك !!
شعر «طيف» بالغضب ولم يشعر بنفسه إلا وهو يلكمه بقوة في وجهه :
- إلا أمي .. أنت متعرفهاش وأنت كدا زودتها على الآخر ومراتي تتكلم معاها عدل فاهم ؟
وقع الضابط على الأرض من قوة اللكمة ونهض من مكانه وهو يصرخ بصوت مرتفع :
- عاطف .. مهدي .. حسين
حضر عساكر الشرطة فأشار إليهم وهو يقول بغضب وتوعد :
- خد الاتنين دول على البوكس .. ده أنا هربيك وهعلمك ازاي تكلم ظابط
بالفعل أمسكه أحد العساكر وكاد الآخر أن يلمس «نيران» كي يصطحبها إلى سيارة الشرطة فدفع «طيف» يده بقوة وهو يقول :
- اوعى تلمسها .. هي هتمشي لوحدها
ثم التفت ونظر إلى الضابط بتوعد قائلًا :
- خليك فاكر علشان لما تعتذر هيبقى شكلك وحش أوي
ردد الضابط بتحدي وغضب في وقت واحد :
- هنشوف يلا يا بتاع الأحضان قدام النيل ، مليتوا البلد خلينا ننضفها منكم
جلس «طيف» وجلست أمامه «نيران» في سيارة الشرطة "بوكس" وفجأة انفجرت «نيران» بالضحك فنظر إليها بحاجب مرفوع :
- ايه هو احنا ركبنا الدودة في الملاهي ! ده البوكس يا بنتي بتضحكي على ايه ؟
نظرت إليه وضحكت مرة أخرى بشدة قبل أن تقول :
- شكلك مسخرة أوي وأنت بتتجر على البوكس
خبط بكفه على كفه الآخر وقال بغضب :
- شكلي مسخرة ؟ على فكرة دي حاجة متضحكش ، احنا متجرجرين على القسم دلوقتي وياعالم هيرضوا يدونا موبايل علشان أكلم بابا ولا لا ، في كل الحالات هتنفخ وأنتِ هتتضربي من ستات السجن زي الأفلام كدا
ارتفعت ضحكاتها مرة أخرى ونظرت إليه :
- بجد بجد شكلك مسخرة ، كنت مكتئبة خرجتني من المود وضحكتني
نظر إلى الأعلى ورفع يديه وهو يقول :
- يارب صبرني
ثم نظر لها وقال بعدم رضا :
- اضحكي اضحكي ، أنا هقدم أراجوز في سيرك طالما بضحك كدا
صفقت بيدها بسعادة وقالت بحماس :
- الله حلوة أوي الفكرة دي .. أنا هاجي أتفرج عليك كل يوم
رفع إحدى حاجبيه بصدمة وردد :
- تتفرجي عليا كل يوم ؟ لا فكي الخير الصراحة
دخل إحدى العساكر إلى السيارة وردد بغضب :
- اخرس أنت وهي مش عايز صوت
نظر هو إلى نيران وانفجرا هما الاثنان في الضحك ...
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الثالث والثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


أوصله أحد أمناء الشرطة إلى زنزانة مليئة بالمجرمين والذين يظهر على وجوههم الإجرام ، فك قيد يده وردد بصرامة :
- ادخل اترزع جوا
رفع إحدى حاجبيه بتعجب من الإهانة التي يتعرض لها وردد بنفاذ صبر :
- بقولك ايه أنا الرائد طيف أيمن ضياء ابن اللواء أيمن ضياء يعني الموضوع ده لو ماانتهاش دلوقتي هتعرض نفسك لمشكلة كبيرة أنت في غنى عنها
شعر أمين الشرطة بالقلق وقال بتردد :
- لو فعلا سعادتك رائد شرطة فأنا ماليش دعوة .. دي أوامر عمر باشا وأنا ماأقدرش أكسر الأوامر .. سامحني
قام بإغلاق باب الزنزانة ورحل ليتركه وحيدًا وسط هؤلاء المجرمين ، التفت ورمقهم باستحقار قبل أن يتجه إلى إحدى الأركان ويجلس بعدم رضا ، عبست ملامحه وهو ينظر إليهم فوقف أحدهم وقال بصوت جهوري غاضب :
- جرى ايه يا عم أنت داخل مش طايق نفسك ولا طايقنا ليه!! شكلك متعرفش حسن الضبع والحفلة اللي بيعملها للمساجين الجداد
نظر إليه «طيف» باستحقار وردد بلهجة مهددة :
- بقولك ايه أنا ميفرقش معايا ضبع ولا قطة حتى ، خليك في حالك علشان أنا خلقي ضيق ولو قمت هعملها معاك
ضحك «حسن» بصوت مرتفع ونظر إلى المساجين الموجودين فضحكوا كلهم بعد تلك النظرة ، وقف ثلاثة أشخاص آخرين واقتربوا من «حسن» ، قال أحدهم بتوعد صريح :
- شكله كدا أول مرة يدخل سجن وشايف نفسه يا معلم وأنا بقول نسيبنا من فقرة الترحيب وندخل في فقرة الحفلة على طول علشان نعلم عليه ويبقى زي أي حد شاف نفسه في البداية واتكسرت عينيه بعد كدا
ابتسم «حسن» بشر ونظر إلى «طيف» وأردف وهو يقترب منه :
- ومين قالكم إني مش هدخل في الحفلة على طول ، قوم يلا وكلمني زي ما بكلمك
ظل «طيف» مكانه ولوى شفتيه بحركة مستفزة قبل أن يقول بهدوء :
- لو قربت مني أنت أو الكلاب اللي وراك دول هتزعلوا أوي وأنا متعصب يعني هضرب بغباء.. روح مكانك واقصر الشر علشان هيبقى شكلك وحش قدام المجرمين اللي قاعدين يهيصولك وفرحانين بيك دول لما ترقد على الأرض زي البطة البلدي
هتف أحدهم :
- ده بيغلط فينا وفيك يا معلم سيبنا نربيه
أسرع وقال بغضب :
- وأنا مش هقدر عليه يعني !!
اتجه إليه وأوقفه من قميصه بقوة فتحرك «طيف» وبدون مقدمات ضربه بكلتا يديه بقوة على رأسه من اليمين ومن اليسار ففقد توازنه وفقد الوعي ، رفع رأسه وابتسم :
- بكل بساطة وسهولة المعلم بتاعكم رقد على الأرض ، ها نكمل الخناقة ولا كل واحد يرجع لمكانه بكرامته !
شعروا جميعًا بالخوف إلا أن أحدهم أخرج شفرة حادة كان يضعها أسفل لسانه وشجعهم على الهجوم فاندفع الجميع تجاهه ، حاول جرح وجهه باستخدام الشفرة لكن «طيف» تفاداها وبحركة سريعة أمسك يده وباليد الأخرى ضغط بقوة على جزء أسفل رأسه ففقد الوعي هو الآخر ، انتبه إلى الاثنين الآخرين وركل أحدهم بقوة ثم اقترب من الآخر وركله في بطنه ثم قام بفعل نفس الحركة عليه وأفقده الوعي ، اتجه إلى الأخير فصاح بخوف :
- أنا آسف يا باشا .. أنا .. أنا خدامك ومش هتتكرر تاني
ابتسم بإنتصار وعاد ليجلس مكانه مرة أخرى بهدوء ...

***

عاد إلى الفيلا بإرهاق شديد واتجه إلى غرفته وما إن رأى سريره حتى ألقى بجسده عليه بتعب ، ظل هكذا للحظات قبل أن تطرق شقيقته «ياسمين» الباب فردد بصوت منخفض :
- ادخلي
دلفت إلى الغرفة وجلست على السرير بجواره وهي تقول باعتراض :
- ايه ده يا زين أنت نايم بهدومك ! وبعدين نايم على بطنك ليه دي نومة الشيطان
اعتدل بحذر ونظر إليها قائلًا بدون مقدمات :
- أصل في جرح في ضهري .. لسة شايل الشريحة
رفعت حاجبيها بعدم فهم وهتفت :
- هاا ! ايه علاقة شريحة موبايلك بالجرح اللي في ضهرك ؟
ابتسم وعاد بظهره إلى الخلف بحذر وهو يقول :
- بصي الموضوع صعب تفهميه بس اتفرجتِ على فيلم اللمبي 8 جيجا ؟
هزت رأسها بعدم فهم وهي تجيبه :
- أيوة اتفرجت عليه .. ايه علاقة ده بسؤال...
قطعت حديثها ورددت بصدمة :
- جرح في ضهرك وشيلت شريحة ؟ هو اللي أنا فهمته صح ولا ايه !
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- صح يا قلبي .. هفهمك بهدوء كل حاجة
قص عليها ما حدث منذ البداية وأنهى حديثه قائلًا :
- بس يا ستي توتة توتة خلصت الحدوتة ، فهمتِ بقى ؟
ظلت للحظات تحاول استيعاب ما قاله وأخيرا اتسعت حدقتاها وقالت :
- يعني أنت دلوقتي في مكان لرصاصة في بطنك !! يعني كنت نايم على بطنك اللي مضروب فيها رصاصة ومش نايم على ضهرك اللي فيه جرح صغنن !
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وقال :
- وايه يعني أنا مش حاسس بالرصاصة بالمسكنات اللي واخدها وبعدين أنا كويس وفهمتك كل حاجة ، جه وقت سؤالي بقى
عقدت حاجبيها بتعجب وهزت رأسها متسائلة :
- سؤالك عن ايه ؟
حاول إخفاء ما يدور بباله وقال بخبث :
- شايفك الحمدلله علاقتك اتحسنت بنائل جامد ، ده آخر حاجة عرفتها منه إنه هزقك قدام كل الموظفين
ارتبكت في البداية من سؤاله المباغت لكنها سرعان ما أخفت ذلك وأجابته بهدوء :
- هو فعلا عمل كدا بس جه واعتذر والصراحة أنا ظلمته وزعيقه ده اللي فوقني من شخصيتي الوحشة اللي كنت عليها وبعدها خدني وعدينا على كل الموظفين علشان يردلي هيبتي قدامهم ويعبر عن اعتذاره ومن ساعتها العلاقة اتحسنت زي ما أنت شايف
شعر بالسعادة من داخله لما سمعه لكنه أخفى ذلك وسأل سؤال آخر :
- اعتذرلك ! ده كلمني بعدها وفضل يقولي إنه غلط بعد ما غلطتي وحكالي كل حاجة وكان عايز يعتذر وأنا فضلت أقوله متعتذرش ومع ذلك راح واعتذر برضه؟
رفعت إحدى حاجبيها بدهشة وقالت :
- ايه ده هو حكالك كمان ! وبعدين ماكنتش عايزه يعتذر ليه؟
رفع كتفيه وقال بتلقائية :
- الطبيعي .. أنتِ هزقتيه قدام الكل وكنتِ تستحقي الصراحة لأن شخصيتك الشريرة كانت وحشة أوي فقلت يعلمك الأدب
لوت ثغرها بعدم رضا وقالت :
- اممم طيب .. أنا هروح أنام علشان في شركة الصبح وبعدين هخلص وأروح على العزاء
هز رأسه بالإيجاب وكان على وشك أن يسألها على شعورها تجاه «نائل» إلا أنه أوقف نفسه سريعًا واتهم نفسه بالغباء وبدل كلماته قائلًا :
- تصبحي على خير
ابتسمت بحب وقالت :
- وأنت من أهل الخير

***

دلفت «نيران» إلى الزنزانة ونظرت حولها بعدم رضا ، لم يعجبها المكان فوجدت امرأة تجلس على مفرش من القطن ويبدوا عليها أنها رئيسة تلك الزنزانة من نظراتها ، اتجهت إليها بهدوء ورددت :
- قومي يا ولية أنتِ وقعديني مكانك
ارتفع حاجباها بدهشة ووقفت هي وبعض المسجونات ثم نظرت إليها بشر وهي تقول :
- بتقولي ايه ياما !! تقعدي مكاني ؟ أنتِ داخلة مستقوية القلب عليا كدا ليه أنتِ متعرفيش مين هي سمية السقع ولا ايه يا مرة !! ده أنا اسمي مسمع في كل سجون مصر
رفعت «نيران» إحدى حاجبيها ورددت بتعجب :
- ومالك فخورة كدا ليه ! أنتِ رد سجون وميفرقش معايا ولا سمية السقع ولا السخن حتى وهش بقى من هنا علشان أنا مش هقعد على الأرض
أمسكتها «سمية» من ذراعيها بقوة وهي تقول :
- لا ده أنتِ زودتيها أوي يا روح أمك
نزعت ذراعيها بغضب من قبضتها وتسلقت بحركة سريعة جدا على رأسها ثم جلست على كتفيها واندفعت بها إلى الأرض وظلت تلكم وجهها بقوة وهي تجلس فوقها إلى أن خرج الدماء من وجهها فنهضت ونظرت إلى الجميع بنظرة محذرة وهي تقول :
- حد عنده شوق في حاجة ؟
قالت إحدى المسجونات :
- ومين هيقول بس يا كبيرة .. اتفضلي اقعدي مكانها طبعا ، احنا خدامينك
عدلت من ملابسها ثم جلست على المفرش القطني والتقطت أنفاسها لثوانٍ قبل أن تنظر لإحداهن وتقول :
- الجو حر تعالي هويلي يابت أنتِ
حضرت بسرعة أمامها وبدأت في تنفيذ طلبها فهتفت بعدم رضا :
- سرعي ايدك شوية أنتِ مش بتهوي لنملة !
- حاضر حاضر اهو ..

على الجانب الآخر وقف «طيف» مرة أخرى وردد بصوت مرتفع :
- مين معاه موبايل هنا ؟ اللي مخبي موبايل يطلع بيه بالذوق بدل ما أطلعه بالعافية
أشار أحد المساجين إلى «حسن» الذي مازال فاقدًا الوعي وقال :
- معاه موبايل
اقترب منه وانخفض ليفتش بجيوبه وبالفعل عثر على الهاتف ، نزعه وعاد إلى مكانه مرة أخرى قبل أن يكتب رقم والده على الشاشة ويضغط على زر الاتصال فأجابه والده :
- أيوة مين معايا ؟
أسرع طيف وهتف بصوت مرتفع :
- أنا طيف يا بابا
اتسعت حدقتاه وقال متسائلًا :
- طيف ! أنت فين أنا بتصل على موبايلك أنت ونيران ومحدش بيرد وقلقتوني ، ايه الرقم ده وبتتكلم منين
- اسمعني بس يا بابا .. أنا ونيران في قسم ال....
وقف «أيمن» بصدمة وردد بتساؤل :
- نعم ! بتعملوا ايه في القسم ؟
تردد «طيف» في إخباره لكنه ألقى جملته سريعًا :
- مقبوض علينا !
تحرك من مكانه وقال بصدمة :
- مقبوض عليكم ! أنت بتهزر ولا عامل فيا مقلب ؟
وقف «طيف» هو الآخر وأردف :
- مقلب ايه يا بابا في الأحداث المهببة اللي بتحصل دي ، بقولك مقبوض علينا والموبايل خدته من مسجون ، اتصرف وتعالى بقى طلعنا علشان نسينا البطايق ومحدش مصدق إننا شرطة
وقص عليه ماحدث كاملًا ..

أنهى والده المكالمة واتجه إلى سيارته ثم انطلق إلى حيث تم حجزهما ، وصل بعد وقت قصير ودلف إلى الداخل ثم اتجه إلى مكتب أحد الضباط ووجد أمامه أمين الشرطة فردد متسائلًا :
- في ظابط قبض على اتنين ، واحد اسمه طيف ومراته نيران !
انتبه الأمين له وردد بقلق :
- أيوة النقيب عمر قبض عليهم علشان بيعملوا فعل فاضح قدام النيل ، بتسأل ليه؟
رفع بطاقته أمام عينيه وردد بجدية :
- اللواء أيمن ضياء .. أبو طيف
ارتبك الأمين وأسرع ليؤدي التحية بخوف ورعب وهو يقول :
- نورت سعادتك المكان كله ، آسف والله يا باشا بس دي كانت أوامر النقيب عمر وأنا ماليش دخل
هز «أيمن» رأسه بتفهم وردد متسائلًا :
- امال فين النقيب عمر ؟
أجابه بتردد وخوف :
- روح يا باشا
أشار بيده وهو يقول بنفاذ صبر :
- هات رقمه
بالفعل أعطاه الرقم واتصل به على الفور فأجابه :
- أيوة مين معايا ؟
تحرك «ايمن» خطوتين وقال متسائلًا :
- انت النقيب عمر ؟
- أيوة أنا النقيب عمر مين معايا وعايز ايه ؟
أجابه بجدية وصوت شبه مرتفع :
- أنا اللواء أيمن ضياء
انتفض من مكانه وهو يقول بحذر :
- اهلا اهلا بسيادتك .. اتفضل حضرتك
رفع «أيمن» حاجبيه بدهشة وقال متسائلًا :
- هو أي حد يقولك أنا لواء تصدقه كدا ؟ ده أنت لسة قابض على واحد وقالك إنه رائد ومصدقتوش !
ارتبك قليلًا ولم يفهم المقصد من تلك الكلمات :
- أنا مش فاهم حاجة ! أنت فعلا لواء ولا بتشتغلني وتعرف موضوع اللي قبضت عليه ده ازاي ؟
ردد «أيمن» بنفاذ صبر :
- أنا اللواء أيمن ضياء أبو الرائد طيف أيمن اللي قبضت عليه هو ومراته .. أنا مستنيك في القسم حالا ، أقل من ربع ساعة ألاقيك قدامي أنا مش فاضي
أنهى المكالمة في الحال فنهض «عمر» من مكانه وردد بخوف وقلق شديدين :
- يادي المصيبة اللي جت فوق دماغك يا عمر ، كان لازم تكدبهم يعني وبعدين دول كانوا بيتكلموا بثقة ! أنا اصطبحت بوش مين بس ياربي

***

استلقى بظهره على السرير ونظر إلى سقف الغرفة بابتسامة وهو يفكر بحديثه معها اليوم ، في تلك اللحظة رن هاتفه برقمها فأسرع وأجاب بلهفة :
- تصدقي كنتِ لسة على بالي والله
امتلأ داخلها بالسعادة وودت أن ترقص من الفرح وهي تقول :
- وكنت على بالك بالخير ولا الشر ؟
أسرع ووضح لها :
- لا طبعا كل خير وبعدين أنتِ عندك شك في كدا ؟
هزت رأسها بالنفي وألقت نفسها على السرير وهي تقول :
- لا مش عندي شك بس بصراحة أنا بكلمك علشان عايزة أسألك عن حاجة بس اوعدني إنك مش هتضايق
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وقال :
- امممم بصي هو أنا هحاول لكن ماأوعدكيش ، ايه بقى الحاجة اللي عايزة تسألي عنها وخايفة إني أتضايق ؟
ترددت كثيرًا في إخباره لكنها اتخذت القرار وأردفت :
- هدير ! أنا كنت ملاحظة إنك كنت معاها كتير لدرجة إني حسيت إنكم مرتبطين قبل كدا وفجأة مابقيتش أشوفكم تاني مع بعض والصراحة كنت خايفة أسألك تتضايق
شعر بالضيق قليلا لكنه سرعان ما رسم ابتسامة على وجهه وأجابها :
- بصي مش هكدب عليكي ، أنا في البداية كنت معجب بهدير وبشغلها ونشاطها وقربنا فعلا من بعض وكنا على وشك الارتباط بس لاحظت إن علاقتها بيا مجرد مصلحة علشان أخلصلها شغل خاص بالشركة بتاعتها ولما بقيت أعترض لقيتها اتغيرت تمامًا والمعاملة اتبدلت ، ساعتها بس فهمت وحمدت ربنا إني فهمتها من البداية ، هي دي كل الحكاية يا نرد .. بتسألي ليه؟
ابتسمت بسعادة وحاولت سحب الكلام الذي تود أن تسمعه منه بطريقتها :
- لا مفيش عادي بسأل أصلك كنت منعزل كدا عنا وأنا دخلت حياتك كدا مرة واحدة وخايفة أكون بضايقك ، أيوة أنت ابن خالتي يا جاسر بس بحسك كدا منعزل وليك شخصية لوحدك ، اهتمامك بالشغل بس فمش عارفة هل قربي منك ده مضايقك ولا ايه
اعتدل وسند ظهره على الوسادة قبل أن يقول :
- أنا فعلا كنت كدا يا نرد بس بصراحة أنتِ لما دخلتِ حياتي ندمت إني كنت منعزل ومانع نفسي عن أهلي ، خلتيني أزور خالاتي كلهم وحسيت إني ابتسمت والحياة ردتلي من جديد ، أنا مش متضايق نهائي إنك في حياتي بالعكس أنا فرحان جدا وقريب أوي هاخد خطوة مصيرية
اتسعت حدقتاها بعدم تصديق ورددت على الفور :
- ايه الخطوة المصيرية دي ؟
ابتسم وهو يجيبها :
- هتعرفي في وقتها ، المهم طمنيني على رماح أخوكي

***

وصل النقيب «عمر» إلى مكتبه وسأل أمين الشرطة عن اللواء «أيمن» فأخبره أنه بداخل مكتبه فطرق على الباب بخفة قبل أن يأذن له بالدخول ، دلف إلى الداخل وأدى التحية وهو يقول :
- تمام سعادتك ، أنا آسف على سوء التفاهم اللي حصل .. أنا افتكرتهم اتنين صايعين قاعدين على النيل وأنت فاهم يا باشا العيال دي وبعدين اللي مساعدهمش هو إنهم مش معاهم بطايق وده خلاني أشك فيهم أكتر
وقف «أيمن» وأخرج بطاقتيهما ووضعهم على على مكتبه وهو يقول :
- دي بطايقهم .. كانوا من ساعتين في مهمة سرية والبطايق كانت معايا أنا يعني ده مش غلطهم ، ثانيا بقى أنت المفروض لو في حد قدامك كدا معاك تليفونك تقوله خد اتصل بحد يثبت هويتك مش تقوله يا روح امك ! أنت تعرف أمه منين هاا ؟
شعر بالحرج ونظر إلى الأسفل بخوف فتابع «أيمن» :
- هو كان حاضنها عادي مش زي ما بتقول وضع مخل !! أنت عارف لو هو غلطان أنا كنت هسيبه هو وهي لغاية الصبح بس كل المؤشرات بتقول إنك مش عارف شغلك يا سيادة النقيب وانك حبست اتنين رتبتهم أعلى منك وشغالين مع جهة عليا ، اتفضل روح على الزنزانة وهاتهم ومتبعتش الأمين
تحدث وهو مسلط نظره إلى الأسفل :
- تمام سعادتك
أتجه إلى زنزانة الرجال وفتحها ثم دلف إلى الداخل وبحث بعينيه عن «طيف» إلى أن وجده فاقترب منه بحذر وهو يقول :
- اتفضل معايا يا سيادة الرائد .. أنا آسف على سوء التفاهم اللي حصل ، سيادة اللواء فهمني كل حاجة
نهض «طيف» من مكانه واتجه إلى الخارج دون أن يتحدث ، اتجه إلى سجن النساء ودلف إلى الداخل فوجد «سمية» تقوم بالتهوية على «نيران» التي كانت مستمتعة بذلك كثيرا مما أثارت دهشته فردد بصوت خافت :
- اتفضلي حضرتك ..اسف على سوء التفاهم اللي حصل
نهضت من مكانها ونظرت إلى المساجين وهي تقول :
- سلام يا بنات
فرددوا كلهم في صوت واحد :
- سلام يا ريسة

عاد بهم إلى مكتبه فوقف «أيمن» مرة أخرى ونظر إليهم وهو يقول :
- أنتوا كويسين ؟
ابتسم «طيف» وأجاب والده بمرح :
- بعيدًا عن اللي ضربتهم جوا فأنا كويس جدا
نظرت إليه «نيران» وقالت بسعادة :
- ايه ده انت ضربتهم !! أنا كمان ضربت الولية اللي اسمها سمية السخن دي وعلمتها الأدب
تعجب «أيمن» من حوارهما فقاطعهم قائلًا :
- مش وقته المهم إن سيادة النقيب عايز يعتذرلكم عن اللي حصل وياريت تقبلوا اعتذاره
نظر إلى «عمر» الذي بدأ كلامه بندم :
- أنا أسف على اللي حصل وبجد مكانش قصدي نهائي وموضوع البطايق مكنتش أعرف إن حضراتكم كنتم في مهمة سرية ، أنا آسف يا سيادة الرائد على الإهانة واني جيبت سيرة الست الوالدة ، بجد أنا مكنتش أقصد نهائي واتمنى تقبلوا اعتذاري
نظر إليه «طيف» بجمود وقال بإبتسامة :
- قولتلك هيبقى شكلك وحش أوي وأنت بتعتذر وده اللي حصل ، بس أنا قبلت اعتذارك
رددت «نيران» هي الأخرى :
- وأنا كمان قبلت اعتذارك
تحرك «ايمن» ووقف مقابلًا لـ «عمر» وردد قائلًا :
- أنا عارف إنك كنت بتأدي شغلك على أكمل وجه بس بعد كدا لو حصل موقف زي ده ياريت تفكر بطريقة أحسن من الإهانة ، أنت ظابط كويس ومتوقعش نفسك في الغلط
هز رأسه بالإيجاب وردد :
- حاضر يا باشا اللي تؤمر بيه وآسف مرة تانية على الازعاج وتضيع وقت سعادتك

انطلقا في طريقهم إلى المنزل باستخدام سيارة «أيمن» وما إن وصل حتى دلف إلى الداخل وتحدث قليلًا مع والدته قبل أن يصعد إلى الأعلى بصحبة زوجته ، فتح الباب ونظر إليها بابتسامة :
- ادخلي يا عروسة
نظرت إليه بحب وحاوطت رقبته بذراعها قائلة :
- تعرف إن دي أول مرة أدخل شقتنا معاك ! لما رجعتلي الذاكرة كنت هنا بس ماكنتش معاك ، دلوقتي أنت بين ايديها ومش هفرط فيك تاني أبدا .. رجلي على رجلك في أي مكان هتروحه
قرب رأسه منها حتى التصقت برأسها وردد بابتسامة :
- يا قلبي أنتِ مكانك جوا قلبي وبعدين في شهر عسل ماكملش .. نخلص من الشياطين دول ونكمل شهر العسل بتاعنا كما يقول الكتاب ، ده أنا حتى ألفت شعر ليكي
ابتسمت بسعادة ونظرت إلى عينيه وهي تقول بحماس :
- الله قول كدا وسمعني
حاوطها بذراعيه ونظر إلى عينيها بحب وهو يقول :
- بحبك يا نيران .. في غيابك القلب حيران .. حزنان وسهران .. مش شايف لا خير ولا حياة العرسان .. بحبك ودايما هقول إنك دايما سارقة العقول .. حياتي هي حياتك ولو بينا ألف سور
ضمته بسعادة بعدما انهمرت دموعها وقالت بتأثر :
- وأنا بحبك أوي ، بحب كل حاجة فيك .. بحب كلامك وبحب روحك وبحب حبك ليا ، بحبك لأنك أكتر حد فاهمني وأكتر حد وقف جنبي وقت ما كنت مش لاقية حد ، بحبك لأننا جزء واحد وأنا وأنت كيان واحد ، ربنا يديمك في حياتي
ابعتد قليلا عنها ونظر إليها بابتسامة :
- هنفضل واقفين على الباب ولا ايه؟ يلا ندخل شقتنا
وبحركة سريعة حملها ودلف بها إلى الداخل ثم قام بإغلاق الباب بقدمه ونظر إليها بحب وهو يتجه إلى غرفتهما :
- اللي يصبر ينول وأنا صبرت كتير أوي واشتعلت النيران داخل قفصي الصدري ، حقًا اشتعلت وأود أن تقومي بإخماد تلك النيران
ضحكت على ما يقوله ورددت بصوت هادئ :
- بلاش ترجمة سبيستون دي وكلمني عادي وإلا لن أقوم بإخماد تلك النيران وسأتركها تشتعل وتشتعل حتى تحرقك بالكامل
وصل إلى السرير وتركها ثم رفع يديه ليدافع عن نفسه قائلًا :
- خلاص خلاص بلاها ترجمة سبيستون وخلينا في لغة بلدنا ، عايزك تطفي ناري يا نيران قلبي أنا
نظرت إليه واختفت ابتسامتها قبل أن تقول بصوت شبه مرتفع :
- العهد الخامس .. جاري تنفيذه الآن
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الرابع والثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد


نظرت إليه واختفت ابتسامتها قبل أن تقول بصوت شبه مرتفع :
- العهد الخامس .. جاري تنفيذه الآن
ابتعد قليلًا عنها ونظر إليها بقلق قائلًا :
- أنتِ بتقولي ايه ؟ أنتِ نيران ؟
ودت لو تستطيع إكمال هذا لكنها انفجرت في الضحك فرفع حاجبيه قائلًا :
- مقلب ! يابنتي سيبتِ ركبي حرام عليكِ والله
خبطت بيدها على يدها الأخرى وهي تقلد صوته :
- أنتِ بتقولي ايه أنتِ نيران ! وربنا أنت مسخرة
هز رأسه وقال بتوعد :
- ماشي يا قلبي ، وعد هردهالك .. وعد طيف دين عليه
رفعت إحدى حاجبيها وهي تقول مصححة :
- قصدك وعد الحر مش طيف
خلع التيشيرت الخاص به وهو يقول :
- ما أنا لسة خارج من السجن من شوية ماخرجناش برا الموضوع .. المهم هتتردلك يابنت السلاموني

مر أسبوع كامل لم يحدث فيه شيئا جديد وفي صباح يوم جديد ارتدى «نائل» ملابسه واتجه إلى الشركة في أول يوم له بعد وفاة والدته ، اتجه إلى مكتبه مباشرة وبدأ في متابعة عمله المتوقف كما خصص وقت لمعرفة ما دار خلال الأيام الماضية أثناء غيابه وأثناء اندماجه بالعمل فتحت «ياسمين» الباب دون أن تطرقه فانتبه لها ونهض وهو يقول :
- أنسة ياسمين ! اتفضلي اتفضلي
نظرت إليه بتحدي وغضب قبل أن تقول بعدم رضا :
- سيادتك جيت وماعديتش على مكتبي ليه علشان أعرف ! عرفت من عم وحيد بالصدفة
جلس بهدوء واقتربت هي ثم توسطت خصرها بيديها منتظرة إجابته فردد :
- عادي يعني ماحبيتش أزعجك وبعدين جيت وبتابع كل حاجة أهو ولو كان في حاجة وقفت قدامي كنت هاجي أستفسر منك
لوت ثغرها بضيق وتمنت لو تضربه الآن لكنها سرعان ما تركت المكان واتجهت إلى مكتبها مرة أخرى ، تعجب من فعلتها وفكر للحظات هل ارتكب خطأ ؟ لم يجد إجابة فنهض من مكانه واتجه إلى مكتبها ، طرق الباب ثم فتحه ودلف إلى الداخل ، تعمدت عدم النظر له أو الاهتمام بوجوده فاقترب هو بهدوء قائلًا :
- بصي أنا مش شايف إني عملت حاجة غلط بس آسف لو كنت ضايقتك من غير قصد
رفعت نظرها ورمقته بضيق قائلة :
- حضرتك مش مجرد شغال هنا في الشركة احنا ..
صمتت للحظات ثم تابعت :
- أنت غايب بقالك أسبوع يعني أقلها لما تيجي تعدي تطمن وتطمني ولا أنت لسة زعلان من اللي حصل مني قبل كدا لما كنت بزعقلك ؟
فكر قليلًا في كلامها ثم ابتسم وجلس على المقعد المقابل لها وهو يقول :
- أنا قلت قبل كدا إني مسامح وأكيد مش زعلان وأنا من النوع اللي لو زعلان من حد بيقول على طول لأن اللي في قلبي على لساني ، معلش حقك عليا عندي أنا دي .. أنتِ عاملة ايه؟
رمقته بغضب ثم نظرت إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بها وهي تقول :
- مالكش دعوة روح شوف شغلك
ارتفع حاجباه بتعجب وقال بتلقائية :
- هنرجع لمعاملة زمان ولا ايه ! ما أنتِ كنتِ كويسة حصل ايه ؟
نظرت إليه بتحدي وأجابته :
- أصل في ناس مش بتحس
ابتسم مرة أخرى ولوى ثغره وهو يقول بترجي :
- علشان خاطري بلاش الوش ده بقى وحقك عليا
ابتسمت بتلقائية لكنها سرعان ما أخفت تلك الابتسامة وقالت :
- خلاص سماح .. طمني أنت عامل ايه ويارا عاملة ايه ؟
- الحمدلله أنا بخير ويارا أختي برضه بخير وبتسلم عليكِ جدا
اعتدلت في جلستها ومالت إلى الأمام أكثر وهي تقول :
- سلملي عليها وقُل لها ياسمين قريب أوي هتعملك مفاجأة بس أنتِ اتجدعني وذاكري علشان الامتحانات قربت
هز رأسه بالإيجاب وردد بهدوء :
- حاضر هوصلها السلام .. المهم أنتِ عاملة ايه وزين أخباره ايه؟
أجابته بسعادة :
- زين كويس وأنا زي ما أنت شايف كويسة أهو بس على فكرة غيابك طال ، كتير أوي أسبوع ده أنا كان طالع عيني في الأسبوع ده ، ده غير إن مفيش سكرتيرة والدنيا كانت في الضياع
رفع حاجبيه بدهشة وقال بتلقائية :
- منا قلتلك اختاري منهم وأنتِ صممتي وقلتِ أنت اللي هتختار وبعدين بعد الظروف دي كان المفروض تختاري أنتِ وماتستنيش رأيي ، عندك كل اللي اتقدم بالملفات بتاعتهم وكاتب عند كل حد منهم ملاحظات هتسهل اختيارك
لوت ثغرها وهي ترفع كتفيها قائلة :
- اللي حصل بقى المهم احنا فيها .. شوف هتختار مين وابعتلها على الايميل علشان تستلم شغلها من بكرا علشان الفترة الجاية عندنا شغل كتير أوي
هز رأسه بالإيجاب ونهض من مكانه استعدادًا للرحيل لكنه تذكر شيئا وقال مسرعًا :
- صحيح سهى ايه اللي خلاها تاخد الإجازة الطويلة دي وايه برضه اللي خلاكِ تنزلي إعلان لسكرتيرة ! هي سهى استقالت ولا ايه؟
هزت رأسها بالنفي وأجابته :
- سهى خدت الإجازة ومااتواصلتش تاني ومن ساعتها موبايلها مقفول وده اللي خلاني أنشر الإعلان
وقف للحظات ليفكر في الأمر قبل أن يقول :
- معاكِ العنوان بتاعها !
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب قبل أن تقول متسائلة :
- عايز عنوانها ليه ؟
جلس مرة أخرى وقال بتلقائية :
- علشان نطمئن عليها .. أكيد حصلت حاجة منعتها تبجي أو في كرب ويمكن لو سألنا وعرفنا نقدر نساعدها .. ده اقتراحي لو مش عايزة خلاص
فكرت لثوانٍ في ما قاله ثم رفعت رأسها وقالت بابتسامة :
- معايا العنوان .. بعد الشغل هنروح أنا وأنت نطمئن عليها مع إن دي أول مرة تحصل إن مدير شركة يروح يتطمن على موظفين بس فعلا ممكن يكون عندها مشكلة ومرواحنا ليها يساعدها
ابتسم لها ونهض من مكانه وهو يقول :
- خلاص اتفقنا ، أنا هروح أكمل بقى الشغل اللي ناقص وأشوف هختار مين قبل الضهر ولو في حاجة بلغيني على طول
هزت رأسها بابتسامة :
- إن شاء الله

***

استيقظت من نومها فوجدته يدخل غرفتها وهو يحمل الطعام ، تقدم ووضعه أمامها ثم طبع قبلة على جبينها وهو يقول بحب :
- صباح الخير على أحلى آسيا في الكون كله
ابتسمت بحب وشعرت أنها في حلم ولا تريد الاستيقاظ منه ، شردت للحظات فصاح هو :
- يلا يا حبيبتي الفطار جاهز ، أنا قمت بدري مخصوص علشان أحضره .. شوفتِ بقى بحبك ازاي ؟
نهضت من مكانها واقتربت منه أكثر وهي تقول بحب :
- أنا عارفة يا حبيبي إنك بتحبني وأنا كمان بحبك وبعشقك ، أنا حاسة إني في حلم ومش عايزة أفوق منه .. عايزة أفضل عمري كله جنبك يا حسام
مسح على رأسها بحب قبل يطبع قبلة أخرى على شفتيها ثم ابتعد وهو يقول بابتسامة :
- أنا جنبك العمر كله يا حبيبي بس برضه مايمنعش إن كفاية كدا علشان أرجع الشغل .. بقالنا كتير أوي في شهر العسل ولازم أرجع لشغلي يا قلبي
هزت رأسها بالإيجاب وضمت وجهه بين كفيها وهي تقول :
- فعلا لازم ترجع شغلك يا حبيبي علشان عايزاك أحسن بيزنس مان في مصر
ابتسم لها ثم قام بوضع الجبن في الخبز ومد يده به لها قائلًا :
- إن شاء الله يا روحي بس دلوقتي يلا كلي
أخذته منه بسعادة أما هو فقال بخبث :
- صحيح بمناسبة الشغل وكدا ، ايه رأيك تعمليلي توكيل بنصيبك في الشركة علشان أمسكلك شغلك وبالمرة أساعد باباكِ وأخوكِ يوسف وبكدا الشركة هتقوم وفي نفس الوقت يبقى ليكي جوزك حبيبك ماسكلك شغلك
اتسعت ابتسامتها وهزت رأسها بسرعة :
- أيوة أيوة تصدق عندك حق .. فكرة حلوة جدا ، بابا طول الوقت كان عايزني اجي الشركة وأتعلم بس أنا رفضت علشان مش فاهمة حاجة بس فكرتك دي حلوة أوي ، هقول لبابا علشان يبلغ المحامي وأعملك التوكيل
أسرع وقال بابتسامة :
- لا لا يا حبيبتي هو جوزك قليل ولا ايه ، أنا هكلم المحامي النهارده بالليل أو بكرا بالكتير وأخليه يجيب كل الأوراق المطلوبة وبعدين خليها مفاجأة لبابا علشان يعرف اد ايه بنته في أمان وجوزها يقدر يعمل أي حاجة ويحافظ على شغلها
تركت الخبز من يدها وأمسكت يده بحب قائلة :
- ماشي يا حبيبي اعمل اللي تعمله أنا معاك ، ربنا يخليك ليا
أطبق بيده الأخرى على يدها وقال بحب مزيف :
- ويخليكِ ليا يا أجمل حاجة حصلتلي في حياتي

***

استيقظت من نومها وهي تصرخ وكانت تتنفس بصوت مسموع كأنها كانت تركض لأميال ، استيقظ «طيف» هو الآخر على صراخها واعتدل بسرعة قبل أن يضم وجهها بين كفيه قائلًا :
- حبيبتي اهدي اهدي أنتِ هنا معايا !
نظرت إليه نظرة مجهولة وتابعت تنفسها بصعوبة وهي تقول :
- كابوس .. كابوس صعب أوي
لاحظ سخونة بشرتها فنهض من مكانه وقام بوضع مياة مثلجة في إناء ثم قام بوضع قطعة من القماش داخله وعاد إليها مرة أخرى ، جلس أمامها وبدأ في مسح وجهها بتلك المياه وسألها وهو يتابع عمله :
- أنتِ سخنة أوي ! طمنيني حلمتِ بايه؟
نظرت إليه وإلى ما يفعله وظلت صامتة فأبعد يده عن جبينها وسألها مرة أخرى :
- مالك يا حبيبتي ! اهدي كدا ده مجرد كابوس مش حقيقة يعني عقلك الباطن هو اللي اخترع الكلام ده مش حقيقة ، قوليلي بقى حلمتِ بايه؟
هدأت أنفاسها قليلا وترددت في سرد ما حلمت به لكن مع تشجيعه لها بدأت في قص ما حدث في حلمها :
- كنت أنا وأنت في الفندق القديم نايمين وفجأة صحيت من النوم لقيت شيطان باصصلي .. حاولت أصرخ لكن صوتي ماطلعش ولا جسمي بيتحرك ، عايزة أصحيك وأقولك قوم لكن مفيش صوت ولا حركة وفجأة الشيطان ده اتحول لغارم وابتسم بطريقة مخيفة أوي وطلع مسدس وضربك بيه كذا رصاصة وفجأة لقيت صوتي بيطلع وصرخت ولقيت نفسي بصحى من النوم وبصرخ في الحقيقة
بدأت في البكاء وحضنته وهي تقول :
- أنا خايفة أوي يا طيف .. خايفة أوي ، دول مش زي أي مجرمين اتعاملنا معاهم .. أنت عارف إني مش بيفرق معايا لكن دول شياطين مش بشر يعني مفيش هزار
مسح على رأسها بحب وضم وجهها بين كفيه قبل أن يمسح دموعها المنهمرة وقال :
- حبيبتي دول أضعف أعداء قابلناهم وهنقابلهم ، متخافيش كدا وبعدين ده كابوس مش حقيقة .. احنا يعتبر غلبناهم .. ماتخافيش لمجرد إنهم واخدين جانب الشياطين والجن والكلام ده .. احنا معانا ربنا اللي أقوى من الكل ، ربنا قال (فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا)
كيد الشيطان ضعيف يا نيران يا حبيبتي يعني احنا أقوى .. أقوي بإيمانا
ثم قال مازحًا :
- الحمدلله السخونية راحت اهيه ، يلا علشان عندنا شغل .. أنتِ تدربيني على قتال البني آدمين وأنا أدربك على قتال الشياطين
وقبل أن يبتعد عنها أمسكت يده ومنعته من الرحيل وهي تقول :
- اوعى تسيبني أو تتخلى عني .. أنا من غيرك مش عارفة ممكن أعيش ازاي
أطبق علي يدها بحب وطبع قبلة طويلة على شفتيها قبل أن يبتعد ويقول بابتسامة :
- عمري ما هسيبك ولا هتخلى عنك لأنك حياتي ونفسي اللي بتنفسه ، طول ما أنا جنبك ماتخافيش من أي حاجة أبدا وإن شاء الله الغمة دي هتتشال

أخذ حمامه وخرج ليرتدي ملابسه بينما هي دلفت إلى المرحاض لتأخذ حمامها وخرجت لتقول بدهشة :
- أنت لحقت لبست ! ايه السرعة دي ياابني
فرد زراعيه في الهواء وقال بمرح :
- الرجالة يا قلبي بتلبس في ثانية إلا ثانية إنما البنات بتدعي دعاء السفر قبل ما تلبس هدومها .. يلا يلا خلينا ننزل علشان ماما كلمتني وحضروا الفطار
اتجهت إلى خزانة الملابس وهي تقول :
- حاضر اديني خمس دقايق وهبقى جاهزة

مرت دقيقتان وانتهت نيران من ارتداء ملابسها ، كان يتصفح حسابه على فيسبوك حينما قالت بمرح :
- يلا أنا جهزت
رفع عينيه من على هاتفه إليها بدهشة وصدمة في آن واحد وقال بعدم تصديق :
- أنتِ هكرتي الهدوم ولا ايه؟ أنتِ ماكملتيش دقيقتين !
ابتسمت وقالت بسخرية :
- علشان تعرف إن مش الشباب بس اللي بيلبسوا بسرعة يا قلبي
رفع يديه أمام وجهها وقال مازحًا :
- لا خلاص سحبتها .. ياريت تفضلي كدا وتلبسي بسرعة على طول هو الواحد طايل إن مراته تلبس بسرعة .. يلا بينا
أمسك يدها وانطلق إلى الأسفل فوجد الجميع قد جلسوا على السفرة وصاحت «أسماء» قائلة :
- كويس جيتوا في وقتكم .. يلا يا نيران يلا يا طيف .. اقعدوا يلا
جلسوا ليتناولوا الإفطار ولاحظ «طيف» صمت شقيقته غير المعتاد فقال بمرح :
- مالك قاعدة زي المطلقات كدا ليه
نظرت إليه ورددت بإرهاق :
- بقالي يومين مش بعرف أنام وعندي أرق والساعتين اللي بنامهم بصحى فيهم ألف مرة وتعبانة .. أنت مش كنت دكتور هاتلي منوم
رفع إحدى حاجبيه وقال :
- كنت دكتور ! حد قالك إني كنت دكتور في كل حاجة ؟ وبعدين المنومات غلط أصلا .. ماتشربيش بس قهوة كتير أو منبهات وحددي ساعة نامي فيها .. أقولك شغلي قرآن جنبك وهتنامي على طول
رفعت إحدى حاجبيها وقالت متسائلة :
- بجد !!
هز رأسه ليقول مؤكدًا :
- اينعم طريقة مجربة وناجحة جدا بدون روت أحبائي في الله
تابع طعامه إلى أن تحدثت «نيران» قائلة :
- نفسي هافاني على اشتباك بالمسدسات والرشاشات .. عايزة اداهم وكر إرهابي .. نفسي هافاني على أكشن
تحدث «طيف» بتلقائية :
- وأنا نفسي هافاني على مانجة .. هي طلعت ؟
ضربته بغيظ في كتفه وهي تقول :
- بقولك عايزة أكشن تقولي مانجة ؟
ابتسم وأجاب بشوق :
- اسكتي أنتِ ده مفيش أجمد من أكشن أكل المانجاية .. تمسكيها كدا وهوب البذرة تطير على هدومك تبوظها وأنتِ تعانديها وتاكليها .. كم أفتقد تلك المعركة
هنا تحدث «أيمن» وقال بجدية :
- ماتقلقيش يا نيران .. في مهمة النهارده هتعمليها أنتِ وطيف وفيها الاشتباك اللي أنتِ عايزاه
ابتسمت بسعادة بينما تحدثت «أسماء» وقالت معترضة :
- ايه اللي بتقوله ده يا أيمن أنت عايز تضيعهم ؟ اشتباك ايه
ارتشف الشاي من فنجانه وقال بابتسامة :
- ماتخافيش عليهم دول زي القطط بسبع أرواح وبعدين نيران مع ابنك ونيران محترفة ماتخافيش
رفع «طيف» حاجبيه وقال باعتراض :
- ايه نيران مع طيف دي ! وحشة في حقي على فكرة هو أنا صغير يا جدعان
نظرت إليه «نيران» وأخرجت لسانها :
- أيوة صغير
أشار إليها ونظر إلى والده وهو يقول :
- ادي اللي بتقول عليها محترفة بتطلعلي لسانها زي الأطفال .. وبعدين أنا أنقذت حياتك قبل كدا يا نوني يعني أنا الخير والبركة
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بابتسامة :
- وأنا أنقذتك لما كنت فاقدة الذاكرة وقتلت الاتنين اللي كانوا هيقتلوك يعني خلصانين
قاطعهم «أيمن» وهو ينهض من مكانه :
- بس كفاية مناقرة في بعض ويلا علشان النهاردة في شغل كتير
تحدثت «أسماء» ونظرت إلى «طيف» :
- خلي بالك من نفسك يا طيف من الاشتباك ده
ثم نظرت إلى «نيران» وتابعت :
- وأنتِ يا نيران خلي بالك كويس محدش ضامن وخلي بالك من طيف
نهض «طيف» من مكانه وهو يخبط بيده على يده الأخرى وقال معترضًا :
- برضه تخلي بالها مني .. ماتنسيش تشربيني اللبن يا نيران وتحكيلي قصة قبل النوم

***

رن هاتفه عدة مرات ولم يجبه بسبب تعمقه في النوم فرن هاتفه مرة أخرى مما جعله يتململ في الفراش ويفتح عينيه بصعوبة ، نظر إلى هاتفه الذي لم يكف عن الرنين وأمسكه بغضب ليجد رقمها على الشاشة فأسرع وأجاب وهو يقول بلهفة :
- آسف يا حبيبتي والله كنت نايم
أجابته بهدوء شديد :
- آسفة يا يوسف والله بس كنت متضايقة ومانمتش طول الليل فقلت أتصل بيك .. روح كمل نوم وهبقى اتصل بيك بعدين
اعتدل في جلسته بسرعة وقال :
- لا لا ايه اللي بتقوليه ده يا مي أنا خلاص صحيت قوليلي بقى ايه اللي مضايقك ولا أقولك ايه رأيك نتقابل في الكافيه اللي بنقعد فيه وتحكيلي
فكرت للحظات قبل أن تجيبه :
- خلاص تمام ربع ساعة وهكون هناك

أنهى المكالمة وأخذ حمامه بسرعة شديدة قبل أن يخرج ويرتدي ملابسه ، نزل إلى الأسفل وهو يركض فأوقفته والدته قائلة :
- مش عوايدك تقوم بدري كدا ! بتجري رايح على فين
أجابها وهو يخرج من الباب الداخلي للفيلا :
- هقولك بعدين يا ماما علشان مستعجل
استقل المقعد الأمامي خلف المقود وانطلق بسرعة كبيرة إلى هذا المكان الذي حدده ، وصل بعد دقائق قليلة وترجل من سيارته قبل أن يتجه إلى الداخل ، نظر في كل مكان بحثًا عنها إلى أن وجدها فاتجه إليها وقال بإبتسامة :
- معلش اتآخرت عليكِ
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت :
- لا أبدا أنا لسة واصلة أصلا
هز رأسه بابتسامة واتجه إلى النادل ليطلب منه القهوة لهما ثم عاد إليها مرة أخرى وجلس قائلًا :
- قوليلي بقى ايه اللي مضايقك ومش مخليكِ عارفة تنامي
ترددت قليلًا لكنها تحدثت أخيرا :
- فاكر موضوع أخوك اللي حكيته ليا امبارح !
هز رأسه بالإيجاب وضيق ما بين حاجبيه وهو يقول متسائلًا :
- أيوة موضوع نائل اللي حكيتلك عنه .. فاكر
التقطت أنفاسها وتابعت :
- أنت غلطان يا يوسف وغلطان أوي كمان .. أنت قلت إنك عارف غلطك وإنك أهانته بس لما فكرت في الموضوع اتضايقت أوي ، هو مش ذنبه حاجة إن مامته اتجوزت باباك وحرام اللي حصل فيه .. أنت لازم تروح وتعتذرله وتعرفه إنك أخوه الكبير طول الوقت ولو احتاج حاجة يلجألك مش تسيبه كدا بعد ما أهانته علشان هو فقير وأمه كانت خدامة .. ما أنا فقيرة هل كدا أنا وحشة في نظرك
أسرع وقال بلهفة :
- لا يا مي أبدا .. أنتِ شيء تاني خالص وأيوة أنا معترف بغلطي وحكيتلك كل حاجة علشان حابب إنك تعرفي كل حاجة عن حياتي ، أنا مستعد أروح وأعتذرله وأكسبه في حياتي أخ مع آسيا بس أروحله بأنهي وش ! أنا غلطت فيه كتير وفي أمه وحاولت أقتله !! هل بعد ده كله هيقبل اعتذاري وأبقى أخوه الكبير اللي معاه دايما ؟
ضمت شفيتيها بحزن قبل أن تقول :
- يا يوسف الواحد لو معترف بغلطه خلاص وبعدين أنت هتعتذرله وهو مش هيرفض اعتذارك وأنا واثقة من ده .. جرب علشان خاطري ومش هتخسر حاجة
ابتسم وهز رأسه بالإيجاب وهو يقول :
- حاضر يا مي هروحله وأعتذر ، تعرفي إني من ساعة ما شوفتك وأنا حياتي اتغيرت للأحسن ! شوفت حاجات كتير ماكنتش شايفها أو كنت معمي عنها ، لما بتكلميني بكتشف اد ايه أنا كنت وحش وكلامك كأنه النقاء اللي بيطهر روحي
نظرت إلى الأسفل بحرج فتابع هو :
- مي أنا بحبك .. اينعم أنا عرفتك من أسبوعين بس كأني أعرفك من سنين ، مش عارف ازاي أسرتيني كدا وخليتيني أطلعلك كل اللي في قلبي
ابتسمت بسعادة وحرج في آن واحد ونهضت مسرعة قبل أن تقول :
- بعد اذنك لازم أمشي
نهض هو الآخر وقال :
- استني هوصلك
هزت رأسها بالنفي وهي تقول :
- أنت عارف إني مش هرضى أركب العربية معاك .. معلش سيبني أنا مواصلة واحدة هتوصلني .. روح أنت لأخوك واعمل زي ما قلتلك
وقبل أن ترحل أوقفها قائلًا :
- طيب قلتِ ايه في كلامي !
ابتسمت بحرج وقالت :
- لو بتحبني اطلبني من أهلي ، بعد اذنك
تركته في قمة سعادته ورحلت ، بقى في مكانه لثواني ولم تغادر الإبتسامة وجهه ، قرر محادثة والده في هذا الأمر ولكن في اليوم التالي بسبب سفره اليوم ، ترك النقود على المنضدة واتجه إلى سيارته ، تردد في فعل ذلك لكنه اتخذ القرار النهائي وانطلق إلى الشركة حيث شقيقه الأصغر «نائل»

وصل إلى الشركة وترجل من سيارته ثم اتجه إلى الأعلى وسط نظرات العاملين بالشركة له ، توجه إلى مكتب «نائل» وما إن وصل حتى طرق الباب فأتاه الصوت من الداخل :
- ادخل
فتح الباب وتقدم خطوتين إلى الداخل ، رفع «نائل» بصره ليرى من فتفاجأ به أمام عينيه ، نهض بغضب ونظر إليه بتهديد قبل أن يتحدث «يوسف» بهدوء :
- نائل ممكن تسمعني ؟
يتبع..

رواية كن ملاكي الفصل الخامس والثلاثون بقلم عبد الرحمن أحمد الرداد



وصل إلى الشركة وترجل من سيارته ثم اتجه إلى الأعلى وسط نظرات العاملين بالشركة له ، توجه إلى مكتب «نائل» وما إن وصل حتى طرق الباب فأتاه الصوت من الداخل :
- ادخل
فتح الباب وتقدم خطوتين إلى الداخل ، رفع «نائل» بصره ليرى من فتفاجأ به أمام عينيه ، نهض بغضب ونظر إليه بتهديد قبل أن يتحدث «يوسف» بهدوء :
- نائل ممكن تسمعني ؟
نظر له بجمود وهو يتذكر إهانته له ومحاولة قتله ثم ردد بجفاء :
- أسمع ايه؟ أنت جاي هنا ليه وبعدين غريبة يعني بتنطق اسمي .. مش كنت بتناديني ابن الخدامة !! أهي الخدامة ماتت واستريحت من الدنيا كلها والشياطين اللي بتتكلم عنها أمثالك
التقط أنفاسه بصعوبة وتقدم خطوتين وهو يقول بندم :
- طيب اسمعني وبعدين احكم والله أنا مش هنا علشان أقلل منك ولا أهينك زي زمان
رفع إحدى حاجبيه وجلس على كرسيه مرة أخرى وهو يقول :
- امال جاي هنا ليه ؟
أجابه بكل وضوح دون أي تمهيد :
- علشان أعتذرلك يا نائل .. أنا آسف إني غلطت فيك وفي والدتك ، آسف إني قللت منك وعاملتك وحش والله أنا ندمان على ده وأنا بقيت كويس ، أنا عارف إنك صعب تتقبل كلامي لأني هنتك كتير وحاولت أقتلك بس والله يوسف اللي قدامك ده غير يوسف بتاع زمان وندمان على كل حاجة عملتها وعايزك أخ ، بجد أنا محتاجك جنبي وتنسى يوسف القديم خالص لأن اللي قدامك ده بني آدم تاني خالص نضيف وبحاول أصحح كل حاجة عملتها غلط وأنا واثق إنك محترم وقلبك طيب وهتسامحني ، خليني أخوك الكبير وأوعدك مش هتندم أبدا على كدا
لم يكن يتوقع هذا الاعتذار منه وهذا ما جعله صامت لا يتحدث ، تفاجأ بهذا الأسلوب المهذب من شقيقه الذي اعتاد إهانته في كل وقت ، ظل لبضع ثوانٍ يفكر في هذا الأمر ، هل يقبل اعتذار من حاول قتله وأهانه وأهان والدته ! لكن هذا شقيقه الأكبر ويبدو عليه الندم حقًا ، وقف والتف حول مكتبه إلى أن أصبح مواجهًا له وقال بهدوء :
- تعرف أنا مصدوم بس فرحان في نفس الوقت ، لو كلامك ده صدق ومن قلبك فأنا فرحان ومسامح بس لو خطة جديدة علشان توقعوا الشركة فده مش هيحصل وهتندم أشد الندم
اقترب منه ووضع يده على كتفه بحب قائلًا :
- أقسم بالله ما بكذب عليك ولا خطة علشان الشركة ، ربنا يعلم اللي في قلبي وأنا بجد ندمان وعايزك تسامحني ونبقى أخوات بجد مش مجرد كلام
ابتسم «نائل» وهز رأسه بالإيجاب قائلًا :
- أنا مسامح في كل حاجة علشان احنا أخوات وأنا محتاج لأخ كبير
حضنه «يوسف» بحب ثم ابتعد ونظر إليه بابتسامة قائلًا :
- الحمدلله كدا قلبي استريح أهم حاجة مايكنش فيه حاجة في قلبك ناحيتي ولو محتاج مني أي حاجة قول أنا أخوك الكبير
ابتسم وربت على كتفه بحب وهو يقول :
- تسلم يكفي إنك جنبي بس ممكن أسألك سؤال ؟
ضم حاجبيه وهو يقول بتساؤل :
- سؤال ايه ؟
جلس على طرف مكتبه وقال متسائلًا :
- ايه اللي غيرك بالطريقة دي وخلاك يوسف اللي واقف قدامي ده ؟
ابتسم وسحب كرسي ليجلس أمامه وهو يقول :
- الحب يا سيدي .. من أسبوعين كان في بنت شغالة في كافيه قريب ولما كانت مروحة متآخر لقيتها واقفة على الطريق ومش لاقية مواصلات خالص ولما عرضت عليها أوصلها لأنها مش هتلاقي مواصلات رفضت وخافت مني فقلت تمام ومشيت بس بالصدفة بصيت من مرايا العربية لقيت في عربية وقفت قدامها وخرج منها شابين وبيركبوها العربية غصب ، ساعتها وقفت العربية ونزلت جري عليها وكان معايا مطواة أنت عارف إني مش بمشي من غيرها تحسبًا لأي ظرف ، المهم العيال كانوا سكرانين وشافوا المطواة في ايدي قاموا سايبينها وهربوا بالعربية وعرضت عليها تيجي أوصلها وفعلا وصلتها وكانت بنت بسيطة جدا وساكنة في منطقة صعبة وعشوائية .. بعدها بيوم روحت كافيه وشوفتها بالصدفة شغالة فيه وبعدها عرفنا بعض وكل يوم كنا بنتكلم وحكيتلها عن الماضي بتاعي كله ، الصراحة البنت دي نضفتني وعرفتني إن البني آدم مش بفلوسه ولا مكانته ، البني آدم بقلبه الأبيض وحبه للناس وللحياة وهي السبب بعد ربنا في يوسف اللي قاعد قدامك ده
شعر «نائل» بالسعادة لأنه الآن أمام شقيقه الذي تمنى أن يكون كما هو الآن ، شعر بالراحة لأنه قص عليه ما حدث في حياته الخاصة ومع تلك التي أحبها فقال بسعادة :
- الحمدلله إن ربنا بعتهالك وأرشدك للصح ، ربنا يحفظكم ويخليكم لبعض ويجمعكم على خير يارب
رفع يده إلى السماء وآمن على دعائه :
- آمين

***

استقل سيارته استعدادًا للذهاب إلى العمل إلا أنه توقف بسبب طرقات على زجاج السيارة فنظر ليرى من فوجدها «نايا» ، خرج من سيارته وقال بابتسامة :
- ايه المفاجأة الحلوة دي ! تعرفي إني لما بشوفك قبل ما أروح الشغل بيبقى يومي حلو وبقبض على العصابة بسهولة ؟
رددت بعدم رضا بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها :
- لا والله .. كل بعقلي حلاوة كل
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وهتف متسائلًا :
- ايه ده أنتِ زعلانة مني ! في ايه بس يا حبيبتي ولا زعلانة من ايه بس
أجابته وهي على حالتها تلك :
- سعادتك المفروض كنت هتبقى جوزي من حوالي أسبوع لكن بعد اللي حصل كل حاجة راحت ، كنت هتبقى ملكي لكن دلوقتي مفيش
ابتسم ورفع وجهه إليه بهدوء قبل أن يقول بحب :
- يا حبيبتي اللي حصل كان صعب وبعدين أنا اتفقت مع خالتي وأبوكِ إننا هنأجل الفرح لغاية ما القضية اللي أنا ماسكها دي تخلص لأنك شوفتي حصل ايه بسببهم ويقدروا يعملوا ايه ، مش هسيب الجمل بما حمل وأتجوز يعني ، أوعدك القضية دي تخلص وهنتجوز بعدها على طول وهعملك فرح ولا في الأحلام
أمسكت بقميصه وقالت بحزن :
- بس أنا خايفة عليك تروح مني ، شغلك ده مش مضمون و...
وضع أصبعه على شفتيها ليمنعها من تكملة حديثها وقال بهدوء :
- الأعمار بايد ربنا يا روحي يعني لو مكتوبلي أموت هموت من غير شغلي ، كلها أسباب مش أكتر ، سيبيها على الله وإن شاء الله خير .. يلا بقى هضطر آسفًا أسيبك علشان الشغل وأوعدك كل حاجة هتخلص قريب أوي إن شاء الله تمام ؟
هزت رأسها بالإيجاب وابتسمت وهي تقول :
- تمام .. لا إله إلا الله
بادلها نفس الابتسامة وهو يقول :
- محمد رسول الله

استقل سيارته مرة أخرى ووصل إلى مقر الاجتماع السري الذي أعده اللواء «أيمن» وأبلغهم بالأمر قبل ساعات قليلة حتى يكون كل شئ سري وغير معروف ، ترك سيارته ودلف إلى الداخل فوجد الجميع عدا اللواء «أيمن» فقال بصوت مرتفع :
- السلام عليكم يا بشر
ردوا عليه السلام ورحبوا به بعد انضمامه للفريق السري وصاح «طيف» بصوت مرتفع :
- نورت التيم يا بطل تعال اقعد اللواء أيمن بيخلص حاجة في المديرية وهيجي على هنا على طول .. معاك كوتشينة ؟
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وقال :
- كوتشينة ! لا اشمعنا
ردد بحزن :
- كنا هنلعب الشايب عقبال ما سيادة اللواء يجي بس مالناش نصيب
هنا تحدث «رماح» الذي قال بصرامة :
- ياابني كوتشينة ايه احنا في شغل ومعنى إن في اجتماع يعني في موضوع مهم وأنت عايز تلعب
رفع «طيف» إحدى حاجبيه وقال بعدم رضا :
- يا باشا أبوس شعر راسك شعراية شعراية فرفش شوية .. احنا قاعدين مابنعملش حاجة نهزر شوية نرغي نلعب مش ندي وش خشب كدا
خبط بيده على يده الأخرى قبل أن يرسم ابتسامة على وجهه ويقول :
- أهو ابتسمت مبسوط كدا
أجابه بابتسامة واسعة :
- جدا .. شوفت لما ابتسمت وشك نور ازاي
عبست ملامحه مرة أخرى وأشار إلى «نيران» قائلًا :
- والنبي سكتي جوزك
أجابته بابتسامة واسعة :
- جوزي يقول اللي هو عايزه .. ما تقولي حاجة لخطيبك يا فاطمة
صاح «فهد» وهو ينظر لهم :
- عااا كفاية يا جماعة خناق
كان «زين» يتابعهم وهو يضحك بشدة فنظر إليه «طيف» قائلًا :
- اضحك اضحك احنا كدا على طول هتشوف كمية تفاهة ماشوفتهاش في حياتك
تحدث وأكد على كلامه :
- الصراحة ماشوفتش ولا هشوف بس وربنا أنتوا رايقين .. كان نفسي أشتغل مع ناس فرافيش كدا وربنا كرمني وبعدين يا باشا ابتسم على رأي طيف محدش ضامن عمره
هز «رماح» رأسه وقال بعدم رضا :
- اه أنت هتعوم على عومه ، مش صاحبته وأنتوا مخطوفين أشرب أنا بقى
ضحك الجميع وقطع ضحكهم دخول اللواء «أيمن» الذي ردد بمرح :
- ربنا يديم الضحكة يا أبطال

وقفوا جميعًا إلى أن جلس على الكرسي المقابل لهم وأشار لهم بالجلوس وهو يقول :
- اتفضلوا
جلسوا جميعًا وسيطر الصمت على المكان انتظارًا لحديثه المهم الذي أبلغهم عنه ، نظر إلى كلٍ منهم بتمعن وأردف بجدية :
- استعدوا يا أبطال النهارده نهاية قضيتنا
صاح الجميع بفرح وسعادة وكأنها نهاية كل شر بسبب ما عانوه في الشهور الماضية وتحدث «رماح» بلهفة :
- أخيرا سعادتك كنا مستنيين اليوم ده من زمان .. فهمنا الخطة وأوعدك إن كل واحد فينا هيأدي الدور المطلوب منه بكفاءة عالية جدا
هز رأسه بالإيجاب وفتح ملف أمامه ثم رجع بظهره إلى الخلف وهو يقول :
- المصدر اللي بيوصلنا معلومات عندهم بلغني إن النهارده الساعة 1 بالليل هيبقى في محفل أو زي طقوس كدا لعبادة الشيطان وهيقدموا حاجات زي قرابين والخ وهيحضر تقريبا كل عبدة الشياطين في مصر لأن المحفل ده بيعملوه كل سنة ولازم كل رءوساء الجماعة دول يكونوا موجودين ، دلوقتي احنا عارفين المكان والوقت ناقص الخطة اللي هنحطها علشان نقضي عليهم كلهم بس الخطة بدايتها هيبقى فيها مخاطرة
عقد «زين» حاجبيه بتعجب وقال بتساؤل :
- مخاطرة ازاي سعادتك ؟
شبك أصابعه أمامه وردد بجدية :
- لازم نتأكد إن رءوساء جماعة عبدة الشيطان موجودين في المكان ده لأن من غيرهم كأننا ماعملناش حاجة لأن سبق وقبضنا على ناس موالين ليهم وشغالين معاهم وكلهم ماتوا مسمومين يعني بدون الرءوس الكبيرة كأننا ماعملناش حاجة وكل اللي بنعمله هيروح على الفاضي .. الخطة بقى هتكون كالتالي .. طيف ونيران هيدخلوا المحفل عادي كأنهم من أتباعهم عادي وهيبقى معاهم الدعوة علشان محدش يشك فيهم .. الدعوات دي هديهالكم قبل العملية مباشرة .. المهم هيدخلوا ويلفوا في المكان عادي لغاية ما يتأكدوا إن كبار الجماعة دي موجودين ساعتها هتقولوا كلمة سر والقوة هتهجم على المكان ونقبض عليهم كلهم ، المخاطرة كلها في جزء طيف ونيران .. لازم مايتكشفوش نهائي
هنا تحدث «طيف» الذي قال متسائلًا :
- بس هم عارفين أشكالنا ازاي هندخل ؟
ابتسم وأجابه بثقة كأنه كان يعرف السؤال :
- الدخول للمحفل مابيبقاش عادي ، اللي بيدخل لازم يبقى لابس عباية سودا طويلة مخبياه من راسه لرجليه ووشه بيبقى لابس عليه قناع طالع من الجنب زي قرون كدا رمز للشيطان والوش نفسه بيبقى مدهون بلون أبيض خفيف والقناع ده استحالة يتقلع لأنه بيبقى زي إهانة لإبليس ده بالنسبة للبس الرجالة .. البنات بقى بيبقى نفس كل حاجة ماعدا العباية السودا بتتبدل بعباية لونها أحمر غامق شوية علشان يعرفوا الذكر من الأنثى وبالطريقة دي محدش هيعرفكم نهائي
اقتنع الجميع بالخطة وسألت ني