القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية فرط الحب الحلقة الخامسة والعشرون 25 - دينا إبراهيم روكا

رواية فرط الحب الحلقة الخامسة والعشرون 25 - دينا إبراهيم روكا 

رواية فرط الحب الحلقة الخامسة والعشرون 25 - دينا إبراهيم روكا 

لقراءة وتحميل رواية فرط الحب كاملة pdf : اضغط هنا 

رواية فرط الحب الحلقة الخامسة والعشرون كاملة مكتوبة للكاتبة دينا إبراهيم روكا 

"فرط الحب"
الفصل الخامس والعشرون والأخير
جلس بيجاد في منزله يشاهد التلفاز في تركيز يحاول الاسترخاء قليلًا بعد يوم عمل شاق، فخرجت وسام المغتاظة بخطوات هوجاء من المطبخ بصحن من الفشار تضعه في حده اكثر من اللازم فوق صدره دون حديث.
رمقها نظرة متعجبة قبل أن يتجاهل الأمر ويعاود مشاهدة التلفاز، انشغل فمه بالفشار إلى أن اتاه صوت تنهيدتها العالية، ضاق طرف عينه ولكنه قاوم النظر نحوها، عاودت التنهد بشكل أعلى حاد تلك المرة فوضع الصحن فوق الطاولة أمامه قبل أن يعتدل في جلسته ناظرًا نحوها متسائلًا:

-مالك؟
-ماليش...
ارتفع حاجبه وقلبه ينذره بفخ في الطريق فحرك أصبعه امام وجهه في خفة هامسًا:
-انجزي واتكلمي وفكك من النكد.
رمقته بحده قبل أن تعتدل نحوه في حزم مطالبة:
-انا عايزة أروح معاك للدكتور زي أي ست حامل عشان أنا من حقي أعرف نوع المولود أيه وانت جنبي،
أنا كنت بأجل بقالي كتير بس خلاص أنا بقيت في السابع.

عاد جسد بيجاد للخلف ثم استطرد في لهجة مستغربة عدائيتها الزائد:
-طيب.
-طيب؟
سألت في حالة من الغباء غير قادرة على تصديق سهولة موافقته فحرك بيجاد رأسه في حركة خفيفة راضية ثم عاد لمشاهدة الشاشة مؤكدًا:
-أيوة شوفي المعاد امتى وهنروح.
أخذت جفونها تنفتح وتنغلق عدة مرات تحاول استيعاب هدوءه ورضوخه الغاية في السلاسة خاصة وقد امتنعا عن الذهاب للمتابعة بسبب حالة من حالات غضبه الهوجاء وتهجمه على زوج حالة غليظ متعجرف كان يريد تخطي دورهم وحظه التعس اوقعه مع زوجها الغاضب، والنتيجة انتهاء الأمر بشجار صاخب بين الطرفين نتج عنه قرارهما بعدم الذهاب للمتابعة سويًا مطلقًا.
-أيه ده إنت مش هتتعصب؟
تنهد فاقد الأمل في متابعة التلفاز فمد ذراعه يجذب جهاز التحكم مغلقًا إياه ثم استقام يمط جسده في بطء متعمد مشاكستها وكأنه لديه وقت العالم كله وكأنها لا تجلس تشاهده في ترقب طفيف وشفتيها ممطوطه في حنق لعدم إجابته.
-أنا بكلمك على فكرة.
قالت وسام معترضة وهي تقف قبالته فالتفت في ملل ينظر إليها قبل أن تتسع عيناه في ذعر مطالعًا نقطة خلف ظهرها، استدارت وسام في ذعر لترى ما خلفها لكنها صرخت حين شعرت بذراعين غليظين يلفان جسدها في خفة ليحملها بيجاد الضاحك وسط صرخات اعتراضها:
-كان ممكن أموت، قولتلك مية مرة بطل تخضني وأنا حامل هتسقطني.
-يا وسام فوقي أنتي في الشهر السابع يعني لما اخضك هولدك وهوفر عليكي شهرين.
تحرك بها نحو غرفتهم فتمتمت وسام في نبرة منزعجة:
-مش عايزة أنام أنا!
-ومين قال اننا هنام؟
رمقها بعيونه المشاغبة غامزًا وكادت تُحبط أماله حين اوقفها رنين هاتف بيجاد الموجود بين ثنايا سرواله البيتي فمطت ذراعها، وهي لا تزال بين أحضانه تعبث في طيات ملابسه حتى جذبت الهاتف محركة شفاها للجانب في ضيق وهي ترى اسم رشاد فقالت في نبرتها الساخرة:
-صاحبك اللي بيظبطلكم البنات....
اتسعت ابتسامته مظهرًا كامل اسنانه ثم قال في اعتيادية متعمد إغاظتها:
-أيه بقيتي بتغيري من الرجالة كمان؟
-لا يا حبيبي أنا مش بغير، أنا سيباك براحتك رايح جاي ومبتكلمش لما نشوف اخرتها...
كان وجهها أحمر من شدة غيرتها المشتعلة فدوت ضحكته المستفزة أثناء وضعه لها فوق الفراش قائلًا في غلاظة:
-هتموتي وتعرفي بروح فين!
-اه هموت وأعرف!
هكدب ليه انا ست زي كل الستات وعايزة افهم جوزي بيروح فين.

-ما انتي لو ست واعية كنتي عرفتي ازاي تضحكي عليه وتحتويه.
حرك بيجاد حاجبيه مقلدًا طريقة والدتها المحببة لقلبه فانفجرت ضاحكة لكنها تمالك ضحكاتها متمسكة بعضبها موبخه:
-متغيرش الموضوع، بجد يا بيجاد قولي بتروح فين؟
انصاع للتوسل في عيناها متنهدًا في استسلام قبل أن يعتدل بجوارها جاذبًا إياها في أحضانه متعجب من ذلك التوتر الذي يمتلك جوارحه كلما قرر مصارحتها فهناك جانب مظلم خفي داخله يحذره بانها قد تعايره في يوم من الأيام وقت شجارهم بعلاجه، أبعد تلك الأفكار الحارقة مقررًا مصارحتها بما كان يأجله للوقت المناسب:
-عايزه تعرفي انا بروح فين كل يوم؟
هزت رأسها بأعين متسعة لامعة بالفضول فأجابها في غموض وكأنه يستشعر رد فعلها:
-أنا بحضر اجتماعات نفسية.
ارتفع حاجبيها بعدم فهم فاستكمل في توتر:
-ساعات بيسموها دوائر التشافي مجرد حاجة تحفيزية متفتكريش اني مريض مفسي مثلا او اني...
قاطعته وسام سريعًا ما ان وصلتها نبرة الحرج في صوته الرجولي وكأنه خجل من حضوره ومُحاربته:
-بجد يا بيجاد؟
والموضوع جايب نتيجة مع العصبية، أقصد حاسس بالفرق؟

سألته وهي تمسك بأصابعه في فخر فتنفس الصعداء قائلًا في حيرة وتعجب:
-المفروض انتي اللي تقوليلي،
حاسة اني اتغيرت ولا لا؟

هزت رأسها بالموافقة ثم ضمته نحوها واضعة رأسها على كتفه هامسة:
-قد ايه انا غبية، انت فعلا اتحسنت انت تقريبا معملتش اي خناقه الايام اللي فاتت الا مع سواق التاكسي البارد من يومين،
اه وعصبيتك الزايدة مع ريم وكلامك السم.

رمش بيجاد قبل ان يخبرها في نبرة ساخرة محبطة:
-لا واضح اني اتغيرت فعلًا.
عضت شفتيها في حرج لتسأل بابتسامه مشرقة:
-وبتعمل أيه هناك ولا بتقولوا أيه؟
-كلام .. بنتعلم من تجارب بعض...
ابتسمت في رضا تحاول كبح فضولها كي لا تزيد من ضغطه، قبل أن تختفي تلك الابتسامة تدريجيًا من على وجهها قائلة في لهجة متوجسة:
-الاجتماعات دي لو فيها ستات، انا هقطع شعرهم في ايدي واكل دراعك ده بسناني.
اتسعت أعين بيجاد في ذهول للعنف الصريح المتجسد داخل مقلتيها، لكنه ابتسم مجيلًا في لهجة متهكمة:
-أنتي بقيتي عنيفة ليه كده، داهية لتكوني عندك مشاكل محتاجة تعالجيها...
ضاقت عيناها متقبلة القائه باتهاماتها السابقة في وجهها لكنها لن تنكر سعادتها ورضاها بالحالة التي وصل لها زوجها، متأكدة انه قد تكبد العناء من أجلها هي فهمست في خجل:
-انت لسه زعلان مني بسبب العبط اللي كنت بعمله معاك؟
انكمشت ملامحه يعكس تفكيره قبل أن يسألها في غموض مرح:
-قصدك بالعبط ... فوبيا الخوف من القادم ومنهج (وقوع البلاء ولا انتظاره) اللي كنتي بتجربي عليا زي فيران التجارب،
ولا قصدك الأسلوب السخيف اللي كنتي بتستخدمي معايا عشان تثبتي لنفسك ان كلام ابوكي عني صح؟

نظر لها في جمود ونبرته تحمل من العتاب واللوم الكثير، فابتلعت وسام ريقها في خجل عندما تعلقت عيناه بها في صمت يحدجها بنظرات ذات معنى قبل أن يمنحها ابتسامه صغيرة صادقة مستطردً:
-لا مش زعلان.
-اومال لو زعلان.
غمغمت مغتاظة من كلماته التي جعلتها غارقة في جلد الذات لأنها وضعت زوجها وسط ضغط نفسي كبير دون قصد، انتبهت إلى بيجاد الذي رفع ذقنها نحوه قبل يعتدل ممسكًا بكفيها ولاحظت هروبه من نظراتها بخفض عيناه وكأنه يخشى النظر لها ثم سأل في لهجة التقطت منها الخجل وخيبة الأمل:
-أنا عايز اعتذرلك على اللي حصل مني يوم الخناقة، صدقيني لو كنت اتخيلت اني همد ايدي عليكي كنت قطعتها بنفسي.
رفعت كفها توقف كلماته بأغلاق فمه قائلة في نبرة منخفضة لكنها نابعة من القلب:
-انا مش حابة تفكر في الموضوع ده لا أنا ولا أنت، خلينا واقعين أنت غلطت وأنا غلطت ....
احنا مش محتاجين عتاب عشان نزود محبتنا في قلوب بعض، انت مكانك في قلبي مفيش حاجة في الدنيا تقدر تزحزحه.

أبعدت يدها تنظر للناحية الأخرى في خجل قبل أن تعيد رأسها للنظر نحوه في اللحظة التالية سائلة بحاجبين مرفوعين وعيون متسعة في توجس:
-تفتكر دي الهرمونات ولا أنا اللي عقلت فعلًا.
أغمض بيجاد عيناه ضاحكًا وقد نجحت في سد ثغرة كبيرة داخل صدره بكلماتها، لكنه تجاهل محاولاتها لتخفيف الموقف وإخفاء توترها وقربها منه مقبلًا رأسها قائلًا:
-أنا موافقك في كل كلمه، بس هقولك أنا أسف مش عشانك بس لا عشان أريح قلبي.
تمايلت برأسها لليمين واليسار في خفة وكأنها توزن كلماته قبل ان ترتفع بجسدها كي تقبل رأسه هي الأخرى هامسة أمام وجهة:
-وأنا كمان أسفة، وهتصدق لو قولت انه مبقاش يفرق معايا تتغير ما تتغيرش أو تتأسف ما تتأسفش؟
المهم ان اخر اليوم أنا هكون هنا بين ايديك وفي حضنك جوا قلبك.

-يا وعدي على الحب والدلال .. أموت أنا..
قال بيجاد ضاحكًا ضحكته الرجولية المميزة قبل أن يعانقها وهي تمانعه في خجل فأبعدها عنه في لحظه كالملسوع هامسًا في صدمة:
-أيه ده وسام ... أنتي بتتكسفي؟
خرجت انفاسه وضحكاته الهاربة في قسوة حين دفعت بالوسادة في وجهه قائلة في اهتياج:
-قوم من وشي...يا غتت....
أمسك أصابعها التي تحاول صفعه ليلثمها في بطء شديد في فمه، حاولت التمنع عنه ولكنه شد فوق معصميها هامسًا بين قبلاته الحانية:
-بحبك يا مجنونة...
مطت شفتيها تمتنع عن إجابته بالمثل فارتفع حاجبه محذرًا:
-هتندمي..!
-مش هقولك بردو هاه...
قالت في دلال وغيظ وهي تجذب معصميها لينقض عليها معتصرًا إياها بين ذراعيه غير مبالي بصراخها المحذر خوفًا على بطنها المنتفخة مقبلًا جانب عنقها مطالبًا في مرح:
-قولي بحبك...
حركت رأسها في رفض وعناد رغم الابتسامة الطفيفة التي تفضح مشاعر الرضا على وجهها، فعض بيجاد أعلى كتفها في تحذير مطالبًا من جديد:
-قولي بحبك يا بت بدل ما أروح اندهلك أمك تعدلك من أول وجديد...
حدجته بنظرات قاتلة وكادت تمطره بوابل من الشتائم لكنه نجح في ابتلاع كلماتها المغتاظة بين شفتيه الغليظة في قبلة طويلة متقلبه أسرت الدماء في عروقه وامتصت من زوجته القدرة على التمرد أو الرفض، ابتعد عنها مقدار شعره هامسًا أمام شفتيها:
-بحبك...
-وأنا كمان بحبك ...
لمعت عيونه في سعادة كالتي عكستها عيونها الرائعة الخلابة، لكنها أغمضت جفونها في استسلام حين مال يقبل جبينها في محبة منتقلًا على وجهها بقبلات خفيفة سلبتها صوابها وأشعلت لهفتها.
لمعت عيناه في نصر حين انفرجت عيناها المنتظرة في شوق قبل ان يختطف أنفاسها منتقلًا بها إلى عالم أخر السلطة داخله مُنقلبه الموازين .... فيه القلب هو الحاكم والعاشق هو المحكوم....

*****
أما في عالم الواقع الموازي كان أحمد يجرر ساقيه كالمغيب في الطرقات ناسيًا إنه ترك سيارته مركونة أمام المبنى الخاص بعيادة الطبيب الذي خرج من عيادته للتو مثقلًا بالهموم في خضم الصدمات المتتالية التي تلاقاه في مقتل اليوم.
لا يدري كيف وصل ومتى لكنه وجد نفسه جالسًا متربعًا داخل جزيرة وسط الطريق والفجر على وشك البزوغ، لامس بأنامله النباتات الرطبة أمامه وذهنه منشغل بكل كلمة خرجت من الطبيب.
شعر بخمول وتبلد بل أسوأ يشعر بالنقص والغباء والإهمال... يشعر بأن والده قد نجح أخيرًا في سرقه أدميته فهو ذاته لم يحترمها واختار الانسياق كالحيوان خلف رجل ظالم في ضعف وخضوع بل تمادى في أخطاءه بالانسياق خلف أوهامه عن الهروب.
نظر للخلاء من حوله متعجبًا شعوره بالاختناق كمن علق في أتوبيس عام وقت الظهيرة بين جموع الموظفين، استقام في إرهاق شديد وقد انزاحت ضبابية أفكاره نوعًا ما يبحث عن سيارته كي يعود لمنزله التي تسكنه مشعوذة بعثرت مشاعره المضطربة فصار أشد اضطرابًا بعد أن أجبرت قلبه على الضرب فوق جدران سجن نسجه بخيوط أوهامه ومخاوفه.
وجد نفسه يركض في تيه ولهفة لا يطيق الصبر والانتظار حتى يصل إليها ويحتمي بهالتها المحاربة.

*****
-الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق أو غير متاح ....

ضغطت ليان فوق الشاشة في عنف مغلقه المكالمة قبل أن تجفف دموعها المنهمرة ثم عادت تنظر إلى شاشة هاتفها المشيرة إلى أن الوقت قد تعدى الرابعة فجرًا مقررة عدم الانتظار أكتر والتصرف.
بالتأكيد تغاضت عن فكرة الاتصال بأخويها وطلب المساعدة فماذا ستخبرهم؟
ان زوجها أحمد الذين لا يكرهون أكثر منه في الحياة خرج من المنزل ولم يعد؟!
لا ستعتمد على حدسها تلك المرة فهي ستوقف سيارة أجرة وتبدأ بحثها من المتجر فلا بد إنه قابع في ظلام مخزنه الموحش،
دلفت تعبث بالأكياس التي أحضرتها دعاء العاملة في متجر الملابس الخاص به بعد يومين من زواجهما، بناءً على طلب أحمد الذي أشفق عليها أو ربما هو فقط سئم استعارتها المستمرة لملابسه، كانت تحاول إيجاد ما يمكن ارتداءه حين سمعت باب المنزل ينغلق في هدوء.
اتسعت أعينها ملقيه ما بيدها راكضة للخارج في لهفة فوجدته يستقر فوق الأريكة بينما يميل للطاولة يضع أغراضه في إهمال قبل ان يدفن وجهه بين كفيه في تعب يظهر على أكتافه المتشنجة.
ركضت ليان نحوه هاتفة في اعتراض:

-انا كنت نازلة أدور عليك من كتر القلق، أنت ليه اناني كده ومش بتفكر غير في نفسك،
رد عليا مفكرتش ان في كلبة في البيت هتتجنن عليك لأن أنا حرفيًا مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا ومش بمزاجي!،
ما تنطق كنت فين كل ده؟

رفع كفيه من على وجهه وعبارتها الصريحة " مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا" تعيد نفسها في ذهنه دون رحمة بحاله التخبط الذي وصل لها، رفع ذراعه يجذبها في لطف لتجلس إلي جواره قائلًا بصوت خشن لعدم خروجه منذ مدة:
-هقولك كل حاجة.
تنهد وهو يعود بذاكرته إلى وقت جلوسه كالتلميذ المشاغب المنتظر عقابه أمام كرسي الطبيب .....
***

-ايوة طبعًا مؤثر يا فندم وتأثيره مختلف حسب طبيعه جسمك، أنا مش هقدر افيدك بشكل كامل غير لما نعمل شوية تحاليل....
لكن اللي أقدر أقوله من الكشف ان حضرتك مش بتعاني من أي مشكلة عضوية.

بلل أحمد المصدوم شفتيه دون جدوى فحلقه جاف كمن حُرم من الماء منذ أيام، تعجب الطبيب لصمته الذي طال وتشنجه الواضح فسأل في مهنية بلمحه من الاهتمام:
-حضرتك متوتر ليه، احنا شباب زي بعض اعتبرني صديقك وحاولي تحكي كل حاجة بالتفصيل عشان أقدر ابني صورة واضحة عن أبعاد المشكلة.
حرك أحمد رأسه في توتر فقد كانت المرة الأولى التي يدلف فيها إلى طبيب، بعد أن كابر كأي رجل شرقي يعيش وسط مجتمع حازم متنمر وحارب كي يتجاهل ما أصابه فكان يعتقد بانه ان تجاهل الوضع سيختفي.
يعترف بانه كان يخشى الاعتراف لأحد بما حدث بل كان يخشى الاعتراف بالأمر أو تذكره حتى أمام نفسه....
لكنه فعلها مرة حين فقد السيطرة على مشاعره أمام ريم التي التقطت الأمر بسبب رفضه القاطع لفكرة الزواج ليستسلم في لحظة ضعف ويعترف لها بما يخشاه.
حرك فمه ليسرد عليه في بطء وتأني تفاصيل حياته شارحًا ضغوطاته التي تعرض لها منذ كان طفل ووقت صباه حين كان مراهقًا لم يصل سن الرشد فقد وجد الأمر ضروريًا لتبرير موافقته على تناول الدواء الذي اقترحه عليه صديقه في هذا الوقت، لينتهي أخيرًا بسرد الموقف القبيح الذي سلبه رجولته وجعله غير قادر على تقبل الأمر أو الإفصاح عنه لأيًا كان.
حرك الطبيب رأسه في تأني وتركيز يحاول منع ملامح اشمئزازه من الظهور على وجهه لوجود ذوي على هذه الدرجة من الغباء فلا يحتاج إلي خبير لنفسي لمعرفة أن قسوة والده قد زعزعت وجدانه وحفرت ثغرات عميقة داخل شخصه، فأحمد ليس الحالة الأولى التي يعالجها تعاني من حاجز نفسي يمنعها من ممارسة الحياة بصورة طبيعية وحين أنتهى حديث أحمد، مط الطبيب شفتيه لأسفل بعدم رضا قائلًا:

-طبعا مش محتاج أقول لحضرتك، ان أكبر غلطه غلطها هي انك تاخد دوا بدون اي استشارة طبية،
صدقني مش أفورة لكن احنا كدكاترة مش بندرس سبع سنين من فراغ وياريت تفتكر الموضوع ده بعد كده ومتكررهوش تاني لأن معظم الشباب بيقعوا في الغلطة دي،
وانت لازم تحمد ربنا انك محظوظ لان في ادوية بتسبب هبوط في الدم وبتؤدي للوفاة اللحظية لو مش مناسبة مع جسم المريض وفي ادوية تانية ممكن تدخلك في غيبوبة.

-عارف.
اعترف احمد الخجل في نبرة منخفضة وهو يعبث بغرض ما فوق مكتب الطبيب يحاول عدم الظهور ككتله متوترة وهو ما فشل به فشل ذريع، لأنه يشعر بالغباء وكأنه ذلك الأحمق الذي امتطى حماره بطريقة عكسية.
رأف الطبيب بحالته وقد شعر بذبذباته الغير مستقرة فقرر التعامل معه بحذر وهدوء مدونً بضع اسماء اختبارات دون أن يخبره صراحة بانه يريد التأكد من إدمانه بجانب امور أخرى لينهي حديثه بغرض تخفيف الوضع:

-انا هطلب من حضرتك صراحة تمتنع عن أي نوع من الادوية وانك تعملي التحاليل دي في أقرب وقت ممكن خلال الأسبوع ده عشان اقدر اساعدك بشكل مناسب،
وياريت حضرتك تسمحلي أتدخل واقولك ان مشكلتك أكبر من كده بشوية ومُتعديه تخصصي لأنك محتاج استشارة نفسية بجانب المعالجة الجسدية.

صمت أحمد المستمع إليه في صمت وحرج وكأنه يخجل بجلوسه هنا امامه، فحاول الطبيب الشاب الذي تعاطف معه تخفيف وطأة الوضع مستجيبًا لضميره الانساني قائلًا:
-على فكرة أنا مبسوط جدًا ان حضرتك لجأت ليا، صعب جدا الاقي انسان بيحارب عشان نفسه.
ظهر شبح ابتسامه ساخرة على وجه أحمد ما أن سمع كلمة محاربة فابتسم الطبيب مؤكدًا محفزًا إياه:
-مجرد أنك تعترف بان عندك مشكلة ده في حد ذاته قوة ونص الطريق، حضرتك باين عليك راجل محترم وعلى خلق بلاش تتراجع بعد الخطوة المهمة دي.
سعل الطبيب في خفه قبل أن يستكمل في هدوء:
-أنا حقيقي مهتم بحالتك وشايف انك مشروع صديق لدرجة اني عايز اتطفل واطلب منك تديني رقمك عشان أقدر أتواصل معاك.
خلل أحمد خصلاته في توتر لكنه سارع في إعطاءه رقمه ليس لأنه غبي مصدقًا إنه يرغب في صداقته بل لأنه يخشى أن يتراجع ويعود لذاته المستسلمة وقد يعمل تواصل الطبيب معه كحافز لدفعه في الاستمرار.
اقتحمت صورة ليان المبتسمة في تحدي أفكاره وكأنها تؤكد له قوة حضورها في حياته حتى في غيابها، فحتى وأن قضت بها أيام قليلة فهي تؤكد له بأنها لم تمتلك قلبه بل امتلكت روحه العاطبة.

-انت متجوز يا أحمد؟
سأل الطبيب الذي لاحظ خواء أصبعه من خاتم الزواج لكنه تعجب حين حرك أحمد رأسه بإثبات قبل ان يهزها بالنفي قائلًا في حرج:
-متجوز بس الموضوع معقد شوية.
-معقد بسبب الموضوع ده ولا معقد لظروف تانيه.
-الاتنين.
خرجت شبة ضحكة يائسة من الطبيب الذي أخفض راسه متعجبًا من أطنان التعقيدات المحاطة بمريضه قبل ان يسأله في مرح:
-انت دوست على ديل قطة سودة وانت صغير؟
اهتز وجه أحمد بابتسامه ضعيفة مجيبًا في تعب:
-شكلي كده يا دكتور.
-مش مشكلة كفاية علينا كده انهارده هنتكلم في النقطة دي بعدين.
تحدث الطبيب في ثقه وهو يفتح أحد الأدراج مخرجًا كرت صغير لأحد الأطباء النفسيين قائلًا في جدية:
-ده دكتور نفساني محترم وشاطر جدًا خليه معاك عشان هتحتاجه أكيد لو قررت تكمل.
اجبر احمد كفه على الإمساك بالورقة وبروشته الطبيب وهما يتبادل بضع كلمات قليلة وقبل أن يغادر أوقفه الطبيب قائلًا في تمني:
-اتمنى لو حصل أي مشكلة وحسيت ان جسمك محتاج الدوا ومش متقبل غيابه، كلمني...
-أنا مدمن صح؟
سأله أحمد الشاحب فأنكر الطبيب بطريقته اللطيفة الحذره:
-مش مدمن بالمعنى المتعارف عليه بس أي علاج في الدنيا بيأثر على الجهاز العصبي والجسم بيتعود عليه،
فطبيعي لما توقف الدوا هيظهر عليك أعراض انسحاب.

تنهد أحمد يشعر بالندم لأن الإهمال النابع من لامبالاته اللامتناهية هو من رماه في مصائبه الشائكة، شكر الطبيب في صدق قبل أن يتحرك للخارج مجرجرًا ساقيه في تعب.
***

-بس كده وبعدها محستش بنفسي غير وانا قاعد في الشارع للفجر فرجعت.
نظر نحو ليان التي تسند رأسها فوق كفها تخفي فمها المزموم خلف انامها، كان متوتر بل قلق يخشى رد فعلها غير قادر على التنبؤ بقراراتها فربما هي نادمة تفكر الآن بأي مصيبة أوقعت نفسها بها...
-ليان أنا انسان غير سوي وعايز إعادة بناء من الألف إلي الياء وعارف أنك انسانه متهورة عنيدة ماشية ورا حب قديم،
بس صدقيني نصيحتي ليكي أهربي انتي متستحقيش التعب ده.

خالفت ليان توقعاته حينما لمست ذقنه ترفع عيناه نحوها قبل أن تتفوه بما لم يتوقعه:
-حب قديم، يعني أنت عارف أني بحبك؟
نظر لها احمد وكأن لها رأسان متسائلا في نبرة متعجبة مما تنتبه له النساء:
-هو ده اللي سمعتيه من كل اللي قولته ... هو ده اللي همك؟
حركت رأسها فاقدة للأمل بأن يفهمها قبل أن تخبره في نبرة شبة ساخرة وابتسامه مستفزة:
-انا اختارتك بعيوبك من غير ما اشوف مميزاتك حتى،
تفتكر هنسحب دلوقتي بعد ما عرفت ان حياتنا ممكن تكون طبيعية حتى لو الطريق صعب؟!

تعلقت أبصاره بوجهها المبتسم كالأبلة غير قادر على ترجمة ذلك الشعور الذي ينبعث من عينيها فيبعثر مكنوناته ...
لا يدري أهو حبً أم إعجاب لأنه لم يتذوق أيً منهما قبلًا لكنه متأكد مائة في المائة بأنها تقحم شعورًا دافئ بالأمان والاحتواء داخل صدره.

-لما أنت عارف أني بحبك مقولتليش قبل كده ليه، ولا أنت مش حاسس بأي حاجة نحيتي؟
سألت في تعنت بأنف مرفوع شامخ متجاهلة صمته ونظراته المطولة بها رغم لمعة الخوف البارقة من عيونها خشيةً من جوابة.
-أنا مكنتش حاسس بحب أكيد، لاني وقتها اخترت أمنع نفسي عن الحب وعن الستات كلهم.
اهتزت ملامحها وكأنه كسر قلبها لتوه لكنه أنقذ الموقف بهمسته الخافتة في صدق:
-بس ده ميمنعش أني لما بشوفك بكون عايز أحبك وأعرف معنى الحب،
ومعاكي انتي بالذات ليه؟
عشان كل ما أبص في عنيكي بسافر لمكان جواه أمان عشت عمري كله محروم منه.

أنهى كلماته بتنهيده أسى ثم شاهد بقلب ينبض بين ضلوعه اقتراب ليان منه في بطء تدريجي وكأنها تخشى أن يتبخر في الهواء حتى احتوته في عناق صادق بريء يصب حبها المجنون داخل قلبه الأجوف.
أسبل جفونه سامحًا لنفسه باستشعار لمساتها دون قيود حتى وإن كانت تلك القيود في حالة هياج تطرق على أبواب رأسه تحاول التحرر لامتلاكه من جديد، ضغط على جسدها يدفعها للجلوس بين أحضانه فوق ساقيه وكأنها يحتمي بها ويخشى انفلات تلك القيود.
فتاه في لمسات أصابعها الحنونة على خصلات شعره خلف رأسه لدقائق طويلة قبل ان يخبرها بصوت أجش:

-عارفة ان لمستك حنينه اوي بتفكرني بأمي الله يسامحها.
عادت بجسدها للخلف تحتضن وجهه بين كفيها وقد شعرت بحاجتها لتبرير الحقائق هامسة في صدق:
-متزعلش من مامتك يا أحمد صدقني هي أخر ما تتمناه منك انك تلومها،
انت عارف ومتأكد ان باباك صعب وهي مجرد ست اتكسرت تحت جناح راجل قاسي فبلاش تقسي عليها أنت كمان.

هز رأسه معترفًا بكلماتها ولكنه لا يستطيع منع شعوره الداخلي بالحزن والغضب لأنه لم يستمع منها أو من شقيقته منذ زمن طويل وهو مشتاق ... مشتاق كثيرًا.
شعرت به ليان يشد على خصرها فارتخت بين احضانه باستسلام ترغب لو تعطيه كل الراحة التي في العالم لكنه عاد يفتح حديث يؤرق كلاهما:

-اعملي حسابك انه هيجي ياخد البيت قريب هو بس مديني فرصة ولسه عنده أمل اني هرجع زاحف اطلب منه السماح.
تلك المرة هي من شدت على جسده تزيد من احتواءه قائلة في تحدي ساخر:
-متقلقش هبقى أنزل أكمل نومي عند عم عبده البواب لحد ما تأجر أي شقة.
رفع رأسها بيده يعيد ترتيب خصلاته للخلف سامحًا لأنظاره بالانتقال فوق ملامحها ثم قال بابتسامه خفيفة بها لمحة من المرح:
-وعم عبده ليه هبقى انيمك في عربيتي.
ارتفع حاجبها في تساؤل متعجبة:
-هو مش هياخد العربية؟
-لا دي بتاعتي، العربية كنت واخدها من كام سنة تخليص حق من واحد، هي الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها ....اااه..
تأوه حين صفعت كلا كفيها فوق صدره تعنفه في غيظ:
-ولما هو في عربيه مصفي دمي ليه يا بني آدم ما ده معناه اننا مش على البلاطة عربيتك شكلها نضيق وغالية ولو بعتها هتوفرلك راس مال حلو،
ده غير ان معايا مبلغ صغير لو حطناهم على بعض ممكن نفتح مكان خاص بينا، سواء بوتيك أو محل مكياج ... أنت بتبصلي كده ليه؟

-انتي عايزة تديني فلوسك بجد؟
سأل وكأنها تفعل امرًا معيبًا فشعرت بالارتباك قائلة في نبرة مستغربة:
-اه وأيه المشكلة، ولا أنت ناوي تنصب عليا؟
خرج باقي سؤالها مقطرًا بمشاكسة وقد زين وجهها ابتسامه رائعة فتجرأ أحمد بأصابع مهتزة على جذب وجهها أمام وجه كي يضع قبلة طفيفة لا تذكر فوق فمها مباشرةً قائلًا:
-أنتي مش هتسرقي قلبي وبس، أنتي مش هترتاحي غير لما تسرقي روحي مني.
علت ضحكتها الرنانة النابعة من قلبها المجنون الذي يثب في صدرها لا تصدق أنه تقرب منها للتو حتى وان كانت لمسه طفيفة إلا إنها هزت كيانها بالأمل، غمزت له ما ان توقفت عن الضحك مؤكدة في غرور أنثوي:
-دي اقل حاجة عندي.
حاولت الاقتراب منه فعاد قليلًا للخلف مجيبًا على تساؤلها الصارخ فوق وجهها الواجم:
-انا لسه في البداية.
-يعني؟
سألت بشفه مرتفعة في ازدراء لا يعجبها منحنى حديثه فزفر في حرج قبل ان يقرر إعلان مخاوفه في صدق دون خجل:
-أنا خايف مش عايز الأمل ده يتسحب مني بسرعة.
علا التفاهم فوق ملامحها قبل ان تهديه ابتسامتها الهادئة مقبلة جبينه في مؤازرة مؤكده:
-متخافش أنا متأكدة ان كل حاجة هتبقى تمام وعارفة اننا هنتعب شوية بس أتاكد اني هكون معاك دايمًا وهساعدك...
أسبل جفونه في مشاغبة غريبة عن طباعه ولكنها تستفزها من أعماقه، قبل ان يعود بأنظاره الثاقبة فوق عيونها الجريئة يحاول كسر حاجز الخجل في شخصه والارتواء من جراءتها فهمس في براءة متعمدة:
-هتساعديني ازاي؟
حركت ليان راسها عدة مرات تحاول استيعاب سؤاله لكنها سعلت في حرج متمنية أن لمحه الخجل داخلها لم تكسو وجنتيها الدافئة ثم قالت في نبرة منخفضة:
-هساعدك يا احمد!
-هتساعديني ازاي يعني مش فاهم!
جزت على اسنانها وهي تسب غباءه وتحركت حدقتيها للجانب مرة قبل ان تمسك بعينه قائلة في نبرة مغتاظة:
-بلاش غباء هساعدك وخلاص.
استسلم أحمد لضحكة طويلة لم تخرج منه منذ زمن ولم تستمع إليها ليان من قبل، فظلت جالسة فوق ساقيه كطفل تائهة مبهورة برؤية شهاب لامع لأول مرة في حياتها.
توقفت ضحكاته المتقطعة وهو يعود بجسده للخلف يستند خلف ذراعيه بأريحيه مكتفي بالنظر إلي ملامحها الرائعة فقالت في نبرة حالمة محمله بلحن الوفاء:

-بحبك وبتمنى أقضي حياتي كلها معاك.
قتلت تلك الكلمة أي شكوك وهواجس داخله ببطء وبكل هدوء وجد نفسه يعتدل من جديد سامحًا لنفسه بتذوق شفتيها المبتسمة، مفكرًا بانه لا ضرر من قبلة يرغبها كلاهما في جنون مادام سيطفئ تلك النار الموقدة داخل أحشاءه.
*****
وفي داخل منزل ريان وريم عادت الحياة لطبيعتها أخيرًا متخذة رتمً مقبولًا في حياتهما، فقد كان ريان مستلقى بأريحيه فوق الأريكة رغم ثقل جسد عمر المستقر فوق جسده يتابعان في هدوء العبث على هاتفه النقال بينما ريم تجهز وجبه العشاء أخذه في التنقل بين الطاولة والمطبخ مدندنه اغنيتها المفضلة.
-حلوة الصورة دي يا بابي، دول أخوات اطفال زيي؟
مال فم ريان الساخر وهو يعبث بخصلاته سعيدًا بنظرات التمني اللامعة داخل عيون طفله البريئة، ليشعر بأريحيه وتحفز أكثر نحو قرر يشغله منذ مدة ثم قال مشاكسًا إياه في غلاظة:
-مال أهلك انت ومال الأطفال يا لمض.
ترك طفله المتذمر يعبث بالهاتف بدلًا عنه بينما راقب هو جسد ريم المتمايل في عفوية ورشاقة، و ا ان انتبهت لتحديقه السافر بها حتى عض شفتيه يلقيها بإحدى نظراته الوقحة الصارخة بتوعد، اتسعت عيون الريم خاصتها ثم هزت رأسها فاقدة الأمل في وقاحته قبل أن تعود لإحضار باقي الأطباق.
رفع ريان صغيره يجلسه فوق أحد فخديه ما أن اختفت هامسًا في شيطانية:

-عايز أخوات؟
-ايوة يا بابي.
-حلو ... تسمع اللي هقوله وتعمله بالظبط ... أمين؟
قال ريان بحماسه زائده ليهتف عُمر موافقته سريعًا:
-أمين!
ضحك ريان شاكرًا حظه بان ريم بعيدة عن مرماهم وإلا كانت ستتذمر معترضة مغرقة إياه بخطابها الاخلاقي عن انتقاء ألفاظه امام طفلها ... حبيب القلب المدلل....
*****
بعد وجبة العشاء خرجت ريم من المرحاض مسترخية منهية حمام ساخن تمتعت به ما أن انتهت من تنظيف أطباق العشاء، حركت المنشفة فوق خصلاتها المتدلية حول وجهها مرتدي رداء الحمام الخاص بها، لكنها تسمرت في مكانها بأعين متسعة خجلة تتنقل بين زوجها وطفلها الجالسان فوق الفراش يطالعونها في ترقب.
-انتوا قاعدين ليه كده؟!
اقترب منها عمر سريعًا يحتضن خصرها وأعينها المتسائلة تتنقل بينه وبين ريان الصامت في ريبة ليقطع نظراتها صوت عمر الرقيق:
-ريم مش أنتي بتحبيني؟
-ايوة طبعا يا روحي، بموت فيك كمان.
ابعد رأسه يرفعها ليرى وجهها بشكل افضل قبل أن يطالب بابتسامه عريضة:
-هاتيلي نونو العب بيه يبقى اخويا أو أختي.
ارتبكت ريم المصدومة لكنها أخبرته في نبرة مهتزة في حرج:
-نونو... اه ... ان شاء الله يا حبيبي...
-هييه شوفت يا بابي ريم موافقة ازاي.
-شوفت يا حبيبي.
أخبره ريان بعيونه اللامعة بنظراته المشاغبة فضاقت عيون ريم المتوعدة وقد استوعبت مخططه لاغاظتها لكن صوت عمر الحماسي قاطعها من جديد وهو يعود نحوها:
-يلا يا ريم كلمي طنط وسام اسأليها جابته منين عشان تروحي تجيبي من عندها!
اختفت المشاغبة من على وجه ريان المنزعج فأقترب جاذبًا عمر من أسفل عنقه مستنكرًا في غيظ:
-وتجيب من عند طنط وسام ليه؟
هو أنا قصرت معاكم في حاجة يا ابني.

ألقت ريم التي تحولت إلى حبة من الطماطم بالمنشفة الرطبة في وجهه هاتفه من بين اسنانها:
-ريان مش ممكن لسانك ده قدام الولد.
-طيب يا ستي شكرًا كفاية،
وأنت ياض انا غلطان اني اعتمدت عليك قال طنط وسام قال روح اتلهي العب يلا برا..

حارب عمر اصابع والده القابضة على مقدمه ملابسه بشفاه ممطوطه في تذمر طفولي واعتراض قبل أن تتدخل ريم وتجبر زوجها الغليظ المستمتع باعتراضاته على افلاته موجهه حديثها للصغير:
-العب جيم واحد بس يا عمر، واغسل سنانك وتنام على طول، اتفقنا؟
-اتفقنا، هتيجي تنامي معايا.
-خد هنا ياض ده أنا جوزها مقدرش اقولها الكلمتين دول،
مفيش نوم معاك من تاني انت مش صغير، ريم هتنام معايا.

-يا سلام وهو أنت اللي صغير...
كاد يرد ريان غارق في روح المشاجرة مع الصغير، في مشهد يومي باتت معتادة عليه فزمجرت منهية الوضع بقولها الحاد:
-خلاص قولت، روح يا عمر دلوقتي واسمع اللي قولت عليه عشان مزعلش منك.
-حاضر يا ريم.
اجابها في خيبة أمل قبل أن ينطلق للخارج، وحين حاول اغلاق الباب أخرج ريان لسانه في اغاظة صارخه متسببًا بزمجر عمر الذي يوشك على البكاء فتقدمت ريم من ريان تقرص ذراعه في غضب ليتأوه متألمًا وسط ضحكات عمر الراضي التي اختفى بعدما إغلق الباب.
-عجبك كده اهو بيضحك عليا، بكره دلعك ده هيخلي يضربني بالجزمة.
تذمر ريان بذراعين معقودين في حزم أمام صدره فتنهدت ريم لأنها لن تسلم من اعتراضاته ثم اتجهت تغلق الباب بإحكام لتغير ملابسها قبل تخبره ساخرة:
-هو لو ضربك هيكون مش خسارة في أفعالك،
انا مش فاهمه الحقيقة انت أبوه ولا مولود فوق راسه بطل تغتت عليه خليت الولد بقى عصبي.

ارتمى ريان فوق الفراش ساندًا رأسه فوق كفه متلهفًا لمتابعة طقوسها النسائية التي ستبدأها بخلع الرداء كاشفة عن جسدها اللذيذ قبل أن تغطيه بطبقة مخملية برائحة الزهور.
-المهم انجزي عشان في نونو مستنينا.
تسمرت وهي تخلع الرداء فأعادت اغلاقه فوق خصرها ثم اتجهت تتوسط الفراش إلى جانبه ترفض الأمل الذي يبثها به قبل أن تمط شفتيها في استنكار قائلة بنبرة عتاب بائنة:
-بس أنت كنت متفق نستني لحد ما عمر يبقى عنده سبع سنين، عشان اقدر اتفرغ لعمر وكده.
جذب ذراعها في قوة لتنتهي مستلقيه مثله امامه وهو يلمس رأسها مؤكدًا على أهمية ما سيقوله فقد حان الوقت لتبرير اتهام يتأكل رأسه منذ سمعه على لسان أحمد:
-لما طلبت منك نستنى ومنجبش أولاد بررت الوضع بوجود عمر، لكن في الحقيقة أنا كنت خايف على مشاعرك لو قولتلك اني شايفك مجرد طفلة صغيرة وكفاية عليكي هم ابن مش ابنك وقتها....
-بس عمر...
حاولت المدافعة في حماءيه عن أمومتها المكتسبة فأسكتها سريعًا بنبرة محذره:
-ششش اسمعيني للأخر ومتقاطعنيش، مش هنكر وقتها أني كنت أناني ولازلت عندي لمحة انانية ده طبع فيا مش هعرف اغيره بسهولة بس المهم اني بحاول،
لكن أنا وقت اما اتجوزت كنت شايفك طفلة زيك زي عمر بالظبط، كنت في حيرة وأنا شايفك متلهفة لنفس المشاعر ونفس الأماني المتخلفة بتاعت عمر.

انهى جملته بابتسامه صغيرة يقابل بها نظراتها المعاتبة فلامس خصلاتها المبللة مستكملًا في صدق:
-كنت خايف نجيب ولاد وانهي شبابك واهلكك في أول جوازنا، ولما تعقلي تكرهيني أو تتهميني باني ضيعت أجمل سنين عمرك وشبابك.

صمت يحاول تقدير وقع كلماته على مسامعها وتنهد حين مطت شفتيها مخفضة جفونها، قائلة بنبرة مهتزة تنبئ عن اقتراب بكاءها:
-بجد يا ريان ولا بتضحك عليا؟
-بجد يا روح ريان، بس ده ميمنعش اني هراضي ذمتي من دلوقتي وانبهك ان ده قرار أناني،
انا مشتاق لطفل من بطنك عشان اعلي سور سجني عليكي وامنعك تهربي مني للأبد.

مرر أصابعه فوق بشرة عنقها الرطبة متجهًا في ترقب إلي مقدمة صدر الرداء الغائرة متعمدًا ارباك عقلها وعدم اعطائها فرصة للتفكير أو الاعتراض فهمست ريم المضطربة التي يثب قلبها في عنف كلما تعرضت للمساته:
-ومين قال إني عايزة أهرب، أنا كمان عايزة طفل منك.
رفع ابهامه فوق وجهها يمرره في حب فوق وجنتها وشفتيها تاركًا لعيناه حرية تتبع كل بقعة يلمسها ودون أي كلمة أخرى بين الطرفين لحقتهما شفتاه المتلهفة تحرقها بقبلاته المتأججة بلهيب أشواقه.
تأوهت ريم في رفض تحاول دفعه في وهن هامسة:

-ريان مينفعش عمر لسه صاحي.
-على جثتي مش هسيبك....
حذرها متشدقًا بنشوة العاشق وهو يعتصرها نحوه موقفًا مقاومتها بشكل نهائي لتتحول من دفعه إلي لف ذراعيها بقوة حول عنقه في استسلام مهيب فوصل الروح بينهما لن ينقطع، تاركة له حق إسناد أي فعل للفاعل....
أما هو فقد كان هائم بها بل غارق بين ضربات أمواجها العاتية...
مجنون كان كجنون رسام أُطلق العنان لفُرشاته لتحاكي جنة الكمال ... تاركًا لها حرية المراقصة فوق الأوراق...
مرافقًا لها ساعات في عنادٍ لإثبات فرط حب مشتعل لاهيها عن فرط من الانانية والجفاء.......

ليست النهاية ....

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات